خطاب في زمن الصدمة : رسالة  مجتبى حسيني خامنئي نموذجا

الرسالة التي صدرت عن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى حسيني خامنئي تندرج ضمن هذا النوع من الخطابات التي تجمع بين الدين والسياسة والرمز في سردية واحدة، كأنه يذكّر “اصبروا، واعلموا أن كل صمود سيكافأ، وأن الحق لا يغيب”. من خلال ربط الحدث الراهن بالتاريخ الديني، ومن خلال تحويل الصدمة إلى قصة ذات معنى، يسعى الخطاب إلى تحويل لحظة الفقدان إلى بداية مرحلة جديدة.

منال علبوشي

في لحظات التحولات التاريخية الكبرى، لا تكون الخطابات السياسية مجرد رد فعل على الأحداث، بل تصبح أدوات لإعادة تشكيل المعنى الجماعي. فاللغة في مثل هذه اللحظات تؤدي وظيفة مزدوجة: تفسير ما حدث، وفي الوقت نفسه بناء الإطار النفسي والسياسي الذي يسمح للمجتمع بالاستمرار.

يبدأ الخطاب بآية من سورة البقرة: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا. هذه البداية ليست مجرد افتتاح ديني تقليدي، بل هي اختيار لغوي محمّل بدلالة تاريخية. ففكرة النسخ في النص القرآني تُستخدم هنا لتأطير لحظة الفقدان ضمن منطق الاستبدال والتجدد. فالخطاب السياسي، وفق منظور فوكو، لا يكتفي بوصف الواقع، بل ينتج إطار الحقيقة الذي يُفهم من خلاله الحدث.

بعد هذا التمهيد الرمزي، ينتقل الخطاب إلى تحية طقسية موجهة إلى “الإمام الغائب” محمد بن الحسن، وفي المخيال الشيعي، يشكل الإمام المهدي مركز الأمل التاريخي في تحقيق العدالة النهائية. إدراج هذه الإشارة في مطلع الرسالة يضع الحدث السياسي داخل أفق ديني أوسع، حيث تُفهم الأزمات بوصفها مراحل في مسار تاريخي طويل. كأنه تأكيد على الصمود. فالمجتمع جزء من الشرعية، وصوته أقوى من أي فقدان.

حلقة في سلسلة ثورية ممتدة منذ الثورة الإيرانية

ثم يدخل النص إلى جوهره السياسي: إعلان الموقف من قرار مجلس خبراء القيادة. هنا يربط الخطاب اللحظة الراهنة بسلسلة تاريخية تبدأ مع روح الله الخميني ثم مع علي خامنئي. بناء هذا الربط ليس مجرد استحضار للتاريخ، بل هو ما يسميه علم تحليل الخطاب الإيتوس الخطابي، أي الصورة التي يقدم بها المتكلم نفسه داخل السردية الجماعية. فالمرشد الجديد لا يظهر هنا كقائد جديد منفصل عن الماضي، بل كحلقة في سلسلة ثورية ممتدة منذ الثورة الإيرانية. كانها رسالة للشعب : أنتم الجسر بين الماضي والمستقبل، وأنتم ضمان استمرار الحق.

لكن الخطاب لا يكتفي بتثبيت الشرعية السياسية؛ بل يسعى أيضاً إلى إعادة صياغة الحدث النفسي الذي أصاب المجتمع. ففقدان القائد يُحوَّل في النص إلى مفهوم الشهادة، وهو مفهوم متجذر في الذاكرة الشيعية المرتبطة باستشهاد الإمام الحسين بن علي في معركة كربلاء.

وفق علم النفس السياسي، غالباً ما تبني الجماعات هويتها حول ما يُسمى الصدمة المؤسسة، التي تحول حدثاً تاريخياً إلى مرجع دائم للهوية الجماعية. في الخطاب الإيراني، تمثل كربلاء هذا الجرح الذي يمنح معنى مستمراً لفكرة التضحية والصمود : كل تضحية تُحسب، وكل صبر يثمر، ولن يضيع دم الشهداء سدى.

ومن هنا ينتقل الخطاب إلى محور آخر: دور الشعب. فبدلاً من تصوير الدولة بوصفها القوة الوحيدة القادرة على إدارة الأزمة، يؤكد النص أن الشعب هو الذي حافظ على تماسك البلاد في لحظة الفراغ السياسي.

هذا التحول في مركز السردية يعزز فكرة المشاركة الجماعية في المصير الوطني، ويجعل المجتمع نفسه جزءاً من بنية الشرعية، مؤكداً: تحركوا بحكمة، فالحق معكم إذا صمدتم. هذه العملية لها أيضاً بعد نفسي عميق. فالمجتمع بعد الصدمة يحتاج إلى إعادة بناء النظام الرمزي الذي يمنح العالم معنى. لذلك تتحول مفاهيم مثل الصبر والوحدة والشهادة إلى أدوات لغوية لإعادة تنظيم التجربة الجماعية للحرب والموت، كأن الخطاب يقول : تاريخكم مرجعكم، وعدلكم في صمودكم. بعد تثبيت الإطار الداخلي، يتجه الخطاب نحو البعد الإقليمي. فهو يشير إلى أن الصراع لا يقتصر على حدود الدولة، بل يمتد إلى فضاء جيوسياسي أوسع.

من بين الإشارات الأكثر وضوحاً الحديث عن أهمية مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم. ذكر هذا المضيق في الخطاب يحمل رسالة استراتيجية، إذ يشير إلى قدرة إيران على التأثير في توازنات الطاقة العالمية إذا تصاعد الصراع.

في الوقت نفسه، يؤكد النص على شبكة من الحلفاء الإقليميين، مثل حزب الله وغيره من القوى المرتبطة بما يسمى “محور المقاومة”. هذه الإشارات تضع الخطاب ضمن تصور أوسع للصراع، حيث لا يُقدَّم النزاع بوصفه مواجهة ثنائية، بل كجزء من توازنات إقليمية معقدة.

لكن ربما أكثر ما يميز هذا الخطاب هو قدرته على الجمع بين السياسة والرمز الديني في سردية واحدة. هنا يمكن فهم تأثير أفكار المفكر الإيراني علي شريعتي الذي أعاد تفسير التراث الشيعي بوصفه مشروعاً ثورياً. بالنسبة لشريعتي، لا تمثل كربلاء مجرد ذكرى تاريخية، بل نموذجاً دائماً للصراع بين العدالة والظلم، وهو تصور ما يزال حاضراً بقوة في الخطاب السياسي الإيراني.

في النهاية، تكشف هذه الرسالة عن طبيعة الخطاب السياسي في لحظات الأزمات الكبرى. فهي ليست مجرد بيان حكومي، بل محاولة لإعادة تنظيم الذاكرة والهوية في آن واحد.

من خلال ربط الحدث الراهن بالتاريخ الديني، ومن خلال تحويل الصدمة إلى قصة ذات معنى، يسعى الخطاب إلى تحويل لحظة الفقدان إلى بداية مرحلة جديدة. وهنا تحديداً تكمن قوة هذا الخطاب: في قدرته على جعل الكلمات جزءاً من التاريخ نفسه، لا مجرد تعليق عليه.

شارك رأيك

Your email address will not be published.