وبعد أسبوعين من الحرب الحرب التي أُعلنت ضد إيران من طرف الولايات المتحدة وإسرائيل تبين أن لا شيء من الأهداف الرئيسة لهذه الحرب قد تحقق، فلا النظام الإيراني انهار، ولا الشعب الإيراني ثار على حكومته، ولا دمر البرنامج النووي الإيراني، بل بقيت إيران قوية متماسكة رغم الضربات الموجعة والمؤلمة التي واجهتها. (الصورة : طهران تحت نيران القصف الإسرائيلي الأمريكي).
فوزي بن يونس بن حديد
كان الهدف الأساس من وراء حرب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران، تغيير نظام الثورة الإسلامية الذي ظهر من سنة 1979م ولا يزال مستمسكا بعروة الحكم إلى اليوم، ولأنه معادٍ للامبريالية والصهيونية كان الحديث عن تغييره واجبًا في أمريكا وإسرائيل، لأن هاتان الدولتان لا تقبلان بحكم يخالفهما ويتحدّاهما، فعملت كل من أمريكا وإسرائيل في عهد ترامب ونتنياهو على تقويض القانون الدولي وتحدي الأمم المتحدة ومجلس الأمن باعتبار أن أمريكا تمثل القوة العظمى في العالم، ومن حقها أن تفعل ما تشاء دون مساءلة أو محاسبة، لأنه ببساطة شديدة لا يوجد من يحاسبها إذا تخطت الخطوط الحمر، وهو ما تفعله اليوم بجانب حليفتها إسرائيل من خلق مبرّرات سواء عبر امتلاك أسلحة نووية أو محاربة عصابات مخدرات أو أن هذه الدول مصدر هجرة غير قانونية أو غير ذلك من المبررات الواهية التي لا علاقة لها بواقع أهدافهما.أمريكا التي غزت أفغانستان في 2001 وغزت العراق في 2003، وألحقت بفلسطين خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وخطفت رئيس دولة فنزويلا من غرفة نومه بقصره الجمهوري، وفعلت ما فعلت في جوانتنامو، لا تتورع أن تفعل أي شيء في سبيل تحقيق مصالحها، ولكن إذا جوبهت بقوة عظيمة مثل إيران فإنها تتأنّى في اتخاذ خطواتها وتحسب لها ألف حساب عند مواجهتها، فهي قد اتخذت القوة المادية سبيلا لتحقيق هذه المصالح لتستبق الأحداث ولم تعد تصبر على مفاوضات أو محادثات أو مناوشات.
إيران ليست لقمة سائغة يسهل ابتلاعها
وبعد حرب غزة التي أثبت فيها المقاومون ثباتا غير عادي وصمودا بطوليًّا، لم تستطع إسرائيل ولا أمريكا تحقيق أهدافها إلى اليوم رغم المرونة الكبيرة التي أبداها المقاومون في الفترة الأخيرة بعد الدمار الهائل الذي تسببت فيه الدولة الصهيونية وقتلها الأطفال والنساء والرجال بغير ذنب ارتكبوه، لم تستطع أمريكا ولا إسرائيل بجحافل قوتها المادية أن تُركع حماس أو تدفعاها إلى تسليم سلاحها لأن عقدتها الجهادية مبنية على الانتصار أو الاستشهاد ولا وجود في باطنها لعقيدة الاستسلام التي يريد أن يغرسها ترامب ونتنياهو في كل من يعارضهما.
وجاءت الحرب مع حزب الله فكان الأمر هو نفسه، صمودٌ وثباتٌ وقوةٌ ورباطة جأش وعزيمةٌ وإصرارٌ، رغم محاولات الحكومة اللبنانية نزع سلاحه وخلق مشاكل في صفوفه، وحاولت أمريكا وإسرائيل قبل ذلك بكل السبل أن تقضيا عليه إلا أنهما فشلتا إلى حد كبير في مهمتهما وعزل هذه العصبة من الرجال الأقوياء الأشداء.
وها هي أمريكا بمدمّراتها وسُفنها وعتادها العسكري في المنطقة، وأكاذيبها المتواصلة حول برنامج إيران النووي، ومحاولاتها المتكرّرة من الدّاخل الإيراني لتأليب الشعب على نظامه ومحاولات إظهار القوة العسكرية، وبيان أن أمريكا وإسرائيل لهما اليد الطولى في أن تفعلا ما تشاءان دون أن يعترض طريقهما شيء، وتحسبان أن إيران لقمة سائغة يسهل ابتلاعها، لكنهما فوجئتا معًا بالبطولة والصمود اللذين أظهرهما الحرس الثوري والجيش الإيراني في مواجهة عدوّ طالما كان يتبجح أمام العالم بأنه قادر على فعل ما يريد بتكتيكات معيّنة وخطط مدروسة، وتفكير طويل، وكان الرئيس الأمريكي طوال الفترة الماضية يصدر ثرثرات عبر منصة اكس، وتارة عبر تصريحات مباشرة يتوعّد فيها إيران بزلزال مدمّر.
وبعد أسبوعين من الحرب الدائرة بين الطرفين تبين أن لا شيء من الأهداف الرئيسة قد تحقق، فلا النظام الإيراني انهار، ولا الشعب الإيراني ثار على حكومته، ولا تدمير للبرنامج النووي على الإطلاق، بل بقيت إيران قوية متماسكة رغم الضربات الموجعة والمؤلمة التي واجهتها.
ترامب من جنون العظمة إلى جنون اليأس
وأعتقد بأن ترامب مع إصابته بجنون العظمة، قد أصيب بجنون اليأس والإحباط حينما رأى إيران لا تزال تسير على قدميها ثابتة وقوية بل إنها تهدّد وتتوعّد وتواصل الحرب بكل ثقة لأنها ترى أن أمريكا وإسرائيل معتديتان وينبغي تلقينهما درسا لا ينسيانه أبدا.
وأعتقد كذلك بأن الدافع الأساس وراء قرار ترامب الحرب على إيران هو بوادر انهيار الاقتصاد الأمريكي وتعثره بعد الأزمات الداخلية المتتالية، ورغم تبجح ترامب وثرثرته بأنه قد حقق إيرادات ضخمة للخزانة الأمريكية، فإن هذه الخزانة تتلوّى كما يتلوّى المريض في فراشه من خلال ما يطرحه ترامب من أفكار سوداء تعود على الاقتصاد الأمريكي بالخسران والوبال، ولذلك لجأ إلى لغة القوة لتحقيق مآربه، وضرب بالقوانين الدولية عرض الحائط، وغيّر مسمّى وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب إيذانا ببدء مرحلة جديدة من استخدام القوة المفرطة لتغيير أنظمة والاستيلاء على خيرات بلادها وثرواتها في تخطيط منسق مع الصهيونية العالمية، ولعل حربه على إيران ورغبته الشديدة في تغيير النظام الإيراني وإسقاطه دليل قاطع على هذا التوجه الخطير الذي سيمسّ المنطقة برمّتها بعد أن علمنا أن إسرائيل تريد التوسّع في المنطقة، بينما أمريكا تريد النفط والغاز، وهكذا ستستمر الحرب.
وفي الآونة الأخيرة وبعد أن أعلنت إيران أنها بخير على مستوى القيادة، عمدت إلى غلق مضيق هرمز وتحدّي أمريكا وإسرائيل، مما دفع الأخيرتين إلى التفكير مليّا في خطط أكثر قوّة وشدّة لتدمير رؤية إيران العسكرية.
ورغم الزخم العسكري المهول في المنطقة إلا أن أمريكا وإسرائيل فشلتا فشلا ذريعا إلى حدّ الآن في تركيع إيران أو تغيير نظامها، بل يشعر كل منهما باختناق وهو محاصر بالنيران الإيرانية والمقاومة في المنطقة، فلا يكاد يمر يوم إلا وتخسران فيها أرواحا بشرية وعتادا عسكريا وحلفاء، لتبقى الأرضية متاحة بعدها للدب الروسي والتنين الصيني بأن يستفيدا من هذه المعركة الخطيرة التي ورّطت فيها أمريكا نفسها أو ورّطها فيها رئيسها دونالد ترامب.



شارك رأيك