وجب على التونسيين إحياء ذكرى الاستقلال تحت سقف الوطنية. كما وجب عليهم التخلي عن إحياء النعرات بكل أشكالها للنبش في ما يفرق و هو الخطأ الفادح الذي لم يختف تماما من الجدل و له أنصار عنيدين يصرون على تصفية حسابات كامنة في النفوس و قادرة على تغذية الانقسام. و لن يكون ذلك ممكنا إلا في ظل القبول بالاختلاف و إعلاء الانتماء الوطني.
سعيد بحيرة *

الاستقلال حدث كبير في تاريخ الشعوب لأنه يرمز إلى الحرية و استرجاع الكرامة المهدورة من طرف الاستعمار، و لأنه تتويج لمسار من النضال و المقاومة خاضها الشعب بطرق ووسائل متنوعة، و قدم خلالها تضحيات نفيسة لها شواهد و رموز في المقابر و المواقع و الأهازيج و الأدب و الفنون و غيرها من التعبيرات. و أفرزت المواجهة مع الاحتلال قيادات سياسية و خطباء و شعراء و أبطالا استثنائيين خلدوا ذكرهم و استحقوا تكريمهم و تعظيم أدوارهم.
و ليس هناك فضل لأحد على الآخر إلا بمقدار اسهامه في معركة التحرر الوطني، و كل أشكال النضال تستحق التمجيد و التنويه فالأنهار تغذيها الجداول و الجماهير يشكلها الأفراد. و قد حملت بطاقة الانخراط في أول حزب سياسي تونسي (1920) جملة قرآنية معبرة: “و اعتصموا بحبل الله جميعا” حافظ عليها الحزب الدستوري الجديد (1934) و أضاف إليها كلمة “و لا تفرقوا”.
أما بطاقة الانخراط في أول منظمة نقابية تونسية اسسها محمد علي الحامي (1924) فتضمنت رسما لتونسي ملتحف ببرنسه و هو يكسر الاغلال التي كانت تكبله. و كان الشاعر أبو القاسم الشابي يخاطب الشعب و يوقظ همته و عزيمته التي يمكنها تحدي المكتوب و القدر. أما الطاهر الحداد الذي لم يدرس العلوم السياسية في الجامعات الغربية فإنه كسر “تابو” نقد الفكر الديني و انتصر للمواطنة التي تساوي بين الرجل والمرأة في كنف التأصل. و استطاعت القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها أن تستنهض الفلاح و العامل و الشاب و المرأة و رجل الدين ليتجاوزوا حاجز الخوف و الخضوع فانخرطت كل الفئات في معركة التحرر الوطني و جسد مؤتمر ليلة القدر سنة 1946 وحدة القوى لدحر الاستعمار.
ناء السردية الوطنية التي تجمع كل التونسيين
و ليس في هذا الخطاب اي شيء من الرومنسيه بقدر ما فيه قراءة تحاول أن تتسامى عن الانقسام و الانحياز لطرف او فصيل دون آخر و هو الأمر الذي سينخر تلك الوحدة كلما اقترب التونسيون من الاستقلال حتى شارفوا على الحرب الأهلية. و مع ذلك تحررت البلاد بصفة تامة و تخلصت من الحضور الأجنبي نهائيا سنة 1964 مع الجلاء الزراعي. و لم يكن ذلك ممكنا دون المقاومة الأهلية العفوية منذ أن وطأت أقدام الجيش الفرنسي أرض تونس في افريل سنة 1881 فكانت معارك الشمال ثم الوسط ثم الجنوب و أدرك الفرنسيون أنهم يواجهون مقاومة الشعب و ليس جيش الباي الذي انسحب و لم يطلق رصاصة واحدة. و تدريجيا تولت النخب أخذ المشعل لتؤطر أشكال المقاومة و تؤسس أطرها من صحافة و جمعيات و منظمات و أحزاب كانت متنوعة الأفكار و الوسائل لكنها تلتقي في النهاية حول هدف التحرير و الخلاص من الاستعمار. و مكنتها نضالاتها من بلورة الانتماء الوطني الذي استحق تضحيات و شهداء لم تخلو من دمائهم أي جهة من تونس.
هكذا يبدو لي مسار التحرر بغض النظر عن الخلافات الايديولوجية و المواقف الظرفية، و هكذا يمكننا بناء السردية الوطنية التي تجمع كل التونسيين دون أن يتخلوا عن اختياراتهم الفكرية و مقارباتهم السياسية المتنوعة فهم مواطنون شركاء في الوطن قبل أن يكونوا قبائل سياسية متناحرة و هي الحالة التي تطل براسها زمن الأزمات و التحولات، و من المفروض التصدي لها صونا لما بنيناه معا. و وجب إحياء ذكرى الاستقلال تحت سقف الوطنية قبل أن يبلغ الشك مرتبة اليقين. كما وجب التخلي عن إحياء النعرات بكل أشكالها للنبش في ما يفرق و هو الخطأ الفادح الذي لم يختفي تماما من الجدل و له أنصار عنيدين يصرون على تصفية حسابات كامنة في النفوس و قادرة على تغذية الانقسام. و لن يكون ذلك ممكنا إلا في ظل القبول بالاختلاف و إعلاء الانتماء الوطني.
و لا عاش في تونس من خانها و لا عاش فيها من ليس من جندها.
* أستاذ جامعي.



شارك رأيك