قصف بنية توليد الكهرباء في إيران سيؤدي إلى أضرار لأمريكا أكثر من إيران

في المقال المنشور أدناه، يحذر المحلل السياسي والمدير العام السابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية من قصف البنية التحتية لتوليد الكهرباء في إيران الذي سيؤدي إلى استتباعات تضر الأهداف الأمريكية أكثر من الإيرانية؟

طارق الكحلاوي *

هل تهديد ترامب بقصف البنية التحتية لتوليد الكهرباء في إيران ورقة قوة لصالحه أم ستؤدي إلى استتباعات تضر الأهداف الأمريكية أكثر من الإيرانية؟ والأهم كيف سيكون ذلك خطوة أخرى نحو تورط أمريكي متزايد في حرب فقدت السيطرة عليها؟

نعلم الآن بوضوح مسارات الرد الإيراني وهي ضرب نفس البنية في الكيان وأيضا أين توجد استثمارات أمريكية أي عمليا الكهرباء في عموم منطقة الخليج. وطهران أثبتت الان أنها قادرة على تنفيذ تهديداتها.

لكن ما أريد التركيز عليه هنا هو هل ضربة مثل هذه ناجعة وتخدم الأهداف الأمريكية أم لا بمعزل عن الرد الإيراني.

أستند هنا إلى تعليقات أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو Robert Pape الذي كتب أحد أهم الكتب حول موضوع الحملات العسكرية الجوية. وقد أوضح في كتابه “Bombing to Winأ أن القصف الجوي وحده نادرًا ما ينجح في إجبار الدول على الاستسلام أو تغيير سلوكها، لأن استهداف المدنيين غالبًا ما يزيد من تماسك المجتمع ويقوّي الروح الوطنية بدل إضعافها، كما أن الضربات الدقيقة ضد البنية التحتية أو القيادات لا تحقق نتائج سياسية حاسمة، ويرى أن القصف يكون أكثر فاعلية فقط عندما يُستخدم بالتزامن مع قوات برية ضمن استراتيجية متكاملة.

أما بخصوص إيران فقد درس هذه الحالة كأكاديمي وخلص إلى أن أي حملة قصف جوي ضدها لن تؤدي إلى إسقاط النظام أو تحقيق أهداف سياسية كبرى بل قد تزيد من التصعيد وتعزز المواقف المتشددة داخل البلاد.

بايب بصدد التعليق على الحرب مؤخرا ولفت الانتباه إلى نقاش قديم داخل الأوساط العسكرية الأمريكية حول نجاعة استهداف البنية التحتية الكهربائية في أي نزاع. يشير هنا خاصة إلى ما يتناوله الرائد في سلاح الجو الأمريكي توماس غريفيث في أطروحة “Strategic Attack of National Electrical Systems” الصادرة عام 1994 ونشرتها كلية سلاح الجو في ألاباما مسألة استهداف أنظمة الكهرباء الوطنية في الحروب، مستعرضًا التاريخ الممتد من ثلاثينيات القرن الماضي حتى حرب الخليج، ليخلص إلى نتيجة جوهرية مفادها أن سلاح الجو الأمريكي يُولي هذا النوع من الأهداف أهمية مبالغًا فيها مدفوعةً بالجمود المؤسسي لا بالتحليل الاستراتيجي الرصين؛ إذ يُثبت من خلال دراسة الحالات التاريخية — ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، وكوريا، وفيتنام، والعراق — أن ضرب البنية الكهربائية لم يُحقق أيًّا من أهدافه المُعلنة الأربعة، سواء أكانت انهيار الروح المعنوية الشعبية، أم إرغام القيادة السياسية على التراجع، أم شلّ العمليات العسكرية، أم تعطيل الإنتاج الحربي، وذلك لأن القادة يظلون راسخي العزيمة، والجيوش تعتمد على مولداتها الخاصة، والمجتمعات تتكيف مع الانقطاع، في حين يُلحق هذا الاستهداف أضرارًا إنسانية جسيمة بالمدنيين وتداعيات سياسية دولية سلبية؛ ويرى غريفيث أن الحالة الوحيدة التي يكون فيها ضرب الكهرباء مبررًا هي حرب استنزاف مطوّلة ضد دولة صناعية مكتفية ذاتيًا، وهو سيناريو نادر الحدوث في النزاعات المعاصرة، مما يقوده إلى التوصية بأن تتخلى الولايات المتحدة عن هذا الخيار الاستراتيجي في المستقبل المنظور.

بمعنى آخر وحتى دون رد إيراني فإن أي تدمير لشبكة الكهرباء الإيرانية بقدر إنه لا يضمن الاضرار بالنظام فانه يضر أساسا بالشعب الإيراني ويساهم في تقوية الحزام الإيراني الأمني. إما اذا قامت إيران بالرد وجعل المنطقة ككل مظلمة كما تقول، والأرجح أنها ستفعل إن نفذ ترامب تهديده، فإن ما يحصل هو تصعيد إضافي escalation في سياق فتح مضيق هرمز بالقوة، وهو المشكل الطارئ الرئيسي للأمريكي، نحو إغراق الأمريكي في الوحل الإيراني، حيث أن فشل الضربة سيهئ الاجواء لإرسال قوات برية حتى بعدد محدود، قبل ان يفشل ذلك بدوره.

* المدير العام السابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية.

شارك رأيك

Your email address will not be published.