عناوين “النصر” الإيراني على أمريكا و إسرائيل

ندخل اليوم الأسبوع الخامس تقريبا منذ بداية الهجوم الصهيوني الأمريكي الغادر و المتوحش على إيران، بطبيعة الحال كل الأنظار تتجه بالدعاء بنصر إيران على هذا الطغيان الاستعماري و تحبس الأنفاس في انتظار لحظة إعلان توقف هذه الحرب التي يقول الأعداء أنها حرب غايتها الأساسية هو  القضاء على النظام الإيراني بكل ما تعنيه الكلمة من استهداف بنيته الاقتصادية و العسكرية و النووية و توفير أرضية مناسبة لما يسمى بالمعارضة الإيرانية لتكتسح الشوارع و تقضى عليه من الداخل بمساعدة بعض النفوس الضعيفة التي تم تجنيدها لخدمة هذا الغرض. (الصورة: تل أبيب تحت نيران إيرانية).

أحمد الحباسي *

في الحقيقة و على ما يبدو نهاية الحرب ليست قريبة على الأقل على المدى القصير جدا رغم مزاعم الإدارة الأمريكية بوجود مفاوضات سياسية و ركونها إلى الإعلان المسبق بكونها قد حققت نصرا عسكريا ساحقا دفع السلطات في إيران إلى الركون  للحل السياسي .

في تاريخ الشعوب هناك لحظات تاريخية مفصلية لا تكون فيها الحرب مجرد حدث عابر أو مجرد صدام بين جيوش أو موازين قوى عسكرية بل هي مواجهة حقيقية فاصلة لذلك يجمع المتابعون أن هذه المواجهة العنيفة قد اختارت إيران و لو مجبرة أن تكون لحظة تاريخية يجب أن تحدد مستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة لعقود قادمة خاصة بعد أن اتضحت نوايا الأمريكان بشكل فاضح  بعد سقوط بعض الأنظمة العربية التي كانت تقف إلى جانب محور المقاومة إضافة طبعا لتقهقر الإرادة السياسية الروسية في مساندة  نظام الرئيس بشار الأسد مما أدّى إلى فقدان رقعة مهمة من مساحة رقعة الشطرنج التي تعتبر حلقة الوصل الإستراتيجية مع حزب الله و استغلال الكيان المحتل لظروف معقدة لاغتيال الأمين العام لهذا الحزب سماحة الشيخ حسن نصر الله و كثير من قيادات الصف الأول في الحزب على المستوين السياسي و العسكري.

 مواجهة عسكرية فاصلة

لقد تبين لإيران  أن الإدارة الأمريكية تريد مواجهة عسكرية فاصلة من شأنها إسقاط النظام برمته ليصبح المجال مفتوحا على مصراعيه لإعادة صياغة خريطة المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية الصهيونية في المنطقة.

 لعله من المهم التأكيد أن القيادة الإيرانية واعية تمام الوعي أنه يستحيل عليها مواجهة قوتين عسكريتين بهذا الحجم لتفاوت موازين القوى خاصة أنه لا أحد ينكر الوقع السلبي للعقوبات الاقتصادية المسلطة على إيران منذ سنوات  لكن هذه القيادة تدرك تماما أن أمريكا لا يمكنها تثبيت وجودها و هيمنتها و تفوقها إلا بسقوط النظام و بروز قيادة عميلة للصهاينة وهنا أصبحت نتيجة هذه المواجهة المكلفة عسكريا و بشريا و ماديا الثمن المفروض دفعه لدفع الصهاينة و الأمريكان على مراجعة كل حساباتهم و أطماعهم و مخططاتهم بل بات على القيادة السياسية و العسكرية الإيرانية أن تحقق نتيجة واضحة و تثبت لباقي شعوب العالم أن القوة المفرطة التي يستخدمها الأعداء للحسم معها يجب أن تتحول إلى دليل ثابت واضح على العجز و الانكسار بحيث أنه كلما استمرت إيران في ساحة المواجهة رغم كل الخسائر تضاعف حجم الإحباط و طرح الأسئلة و الارتباك لدى الأعداء بحيث تنكشف حدود القوة لديهم التي أشاعوا أنها قادرة على كسب المعارك في ساعات و يتبين للجميع أن الإرادة و حسن التخطيط و الصبر و القدرة على التحمل هم أقدر على كسب النصر من غير شيء آخر.

بداية سقوط الهيمنة الأمريكية الصهيونية

فى ظل المواجهة حاليا لعل السؤال الأبرز المطروح يقول : ماذا لو انتصرت إيران ؟ ماذا لو انقلبت حسابات الأمريكان و الصهاينة و أعوانهم من الدول الخليجية ؟ ماذا لو تحول  النصر إلى إيران و المقاومة في لبنان و اليمن و العراق ؟ هل هناك بداية بروز عناوين نصر إيرانية ؟ لعل الجواب صعب لكن من الثابت لأغلبية المتابعين أن هذه المعركة بين الحق و الباطل قد بدأت تميل ببطء إلى الجانب الإيراني و يكفى الإشارة أنه و لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني فى المنطقة  يتم رفض المقترحات الأمريكية الظالمة و التعبير علنا و صراحة أن القيادة الإيرانية غير مستعدة لإيقاف المواجهة الا بعد تحقيق البنود الخمسة الواردة في بيان السلطة الإيرانية، هذا الرفض الإيراني يعد بمثابة انتصار لوحده لأنه لا يكفى مواجهة العدوان بل يجب التمسك بالثوابت و هذا لا يتحقق إلا  في ظل وجود إرادة سياسية شعبية عسكرية مستعدة لتقديم كل التضحيات و هي إرادة كلما تواصلت كلما جعلت الأعداء يرتبكون و هذا ما يستشف من تتالى خطب الرئيس الأمريكي و تناقضها و هو تناقض يفسره المتابعون ببداية سقوط الهيمنة الأمريكية الصهيونية في المنطقة.

 بطبيعة الحال هناك تفاوت واضح في موازين القوى العسكرية لكن المتابعين يتشبثون بالتأكيد أن إيران بصدد استعادة زمام المبادرة خاصة بعد صدمة الاغتيالات و عنف الضربات و غدر الخطاب الأمريكي كما أن هناك إجماع على أمرين الأول أن الأعداء قد استنفدوا كل قوتهم المفرطة و الثاني أن استمرار الضربات الصاروخية الموجهة بدقة و عنف غير مسبوق داخل الأراضي المحتلة و ضد القواعد الأمريكية المنتصبة في المحميات الخليجية إضافة إلى شبه السيطرة الكلية على مضيق هرمز قد خلخلت الثقة الصهيونية الأمريكية المفرطة التفاؤل الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى تمديد الآجال المتعاقبة التي طرحها لإيقاف القتال بعد مزاعمه بهزيمة إيران و تحقيقه للنصر.

هناك بداية مؤشرات عن فشل المشروع الصهيوني في بسط هيمنته الوحشية على كل الدول العربية بما فيها تلك التي هرولت للتطبيع لكن القواعد الأمريكية والحماية الصهيونية لعروشها المتآكلة لم تستطع إنقاذها من الضربات الإيرانية كما أنه من الواضح أن قوة حزب الله لم تتآكل رغم كل ما حصل بديل عنف و بسالة المقاومة و تكبيدها للصهاينة خسائر فادحة في الأفراد و المعدات و بالتالي فان انتصار إيران و لو بالنقاط سيمثل قوة كبرى و حافز غير مسبوق لاستعادة المقاومة في لبنان لعافيتها بما يلجم أصوات الحكومة اللبنانية و أحزاب التماهى مع المشروع الصهيوني في المنطقة بدءا بسعد الحريري مرورا بسمير جعجع و بقية إعلام الخيانة بدءا بقناة الجديد و أم.ت.في.

بداية تشكيل مختلف للخريطة

 من المؤكد أن هناك تغيرا هائلا بصدد التشكيل و أن الحسابات الأمريكية الصهيونية التي بدأت منذ سقوط نظام الرئيس صدام حسين قد بدأت تتهاوى شيئا فشيئا و أن  بوادر انتصار إيران قد بدأت تظهر خطوطه بل لنقل أن هذا الانتصار سيضمن نهائيا بقاء حركات المقاومة الرئيسية في المنطقة لتواصل مواجهتها القوية لكل المؤامرات و الدسائس و الخيانة الصهيونية الخليجية.  

إذا استطاعت إيران اقتلاع موافقة الولايات المتحدة على الشروط الخمسة التي أقرتها الحكومة الإيرانية مقابل رفض الشروط الأمريكية و بالذات اعتراف الإدارة الأمريكية بمسؤوليتها فى الحرب و ما ينتج عن ذلك من تعويضات و رفع الحصار الاقتصادى و شمول وقف اطلاق النار لكل الجبهات و وقف الاغتيالات اضافة الى الاعتراف بالاشراف الايرانى على مضيق هرمز فان عناصر النصر الكبير تكون قد تحققت بشكل غير مسبوق و بات الحديث بحق عن بداية تشكيل جديد مختلف لخريطة و سياسات المنطقة بما يجعل من إيران قوة إقليمية و عالمية لا يمكن مقاربتها بأية فترة سابقة.

* كاتب و ناشط سياسي.

شارك رأيك

Your email address will not be published.