الحرب على إيران : الشرق شرق و الغرب غرب !

الكثيرون يرون أن هذا التنافر بين الشرق و الغرب طرح تجاوزه الزمن، و أن محرك الحروب الحقيقي يكمن في العوامل الاقتصادية على غرار الطاقة و المواد النادرة و الأسواق و مراقبة الطرقات الاستراتيجية و حركة الأموال لكن حقيقة الأحداث تؤكد اختباء الأبعاد الثقافية و الحضارية و العقائدية في ثنايا الخطاب السياسي و تفند الانتصار الكاذب للقيم الغربية المخادعة.  

سعيد بحيرة *  

تدور حرب أمريكا و إسرائيل على إيران منذ أكثر من شهر من القصف و التدمير و الاغتيال، وقد تم شنها خارج الشرعية و خارج الأخلاق. و يقدم المعتديان ذريعة واهية للعدوان  تتمثل في منع إيران من حيازة القنبلة النووية. 

 و سبق للولايات المتحدة أن شنت حربا قذرة على العراق بدعوى امتلاكه لأسلحة دمار شامل، و تبين أنها كانت كذبة فجة و غطاء مغشوشا للتعدي على بلاد ذات سيادة. 

 ثم من كلف إسرائيل و أمريكا بهذه المهمة المشبوهة؟ هل هو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؟ أم هو حلف شمالي الأطلسي؟ أم هو تجمع دولي له وزن و تمثيلية؟ لا شيء من ذلك. فقط إسرائيل و الولايات المتحدة قررتا العدوان.  

و يرافق هذه الحرب خطاب أصولي صهيوني و مسيحي صهيوني غريب ووقح يتخذ من التوراة و الأساطير مرجعا و حجة حتى أن وزير الحرب الأمريكي قال بأن الحرب ستمهد لعودة المسيح! أما نتنياهو و زمرته المتطرفة فلهم  قاموس عتيق ينهل من التلمود و تنظير الحركة الصهيونية. و بلغ بهم الاستخفاف إلى حد الحديث عن حرب دينية ستتيح لإسرائيل التوسع من النيل إلى الفرات و بناء الشرق الأوسط الجديد على أنقاض غابة التوحش الإسلامي. 

و تصدر هذه المقاربة عن حكام أكبر ديمقراطية في العالم تحتضن أكبر الجامعات و مراكز البحث و منظمات التفكير الاستراتيجي، و هو أمر محير و ظاهرة مخيفة لاسيما بعد ازدراء أوروبا و أنظمتها و سياساتها، و بعد اعتماد خطط على أساس القوة و الحرب. 

رجل القادم من عالم المال و اللهو و الكراهية

و من المفارقات أن ينتخب الأمريكيون شخصا مثل ترامب و يمنحونه الثقة مرتين و هو الرجل القادم من عالم المال و اللهو و الكراهية و المقولات السطحية. و هو لا يحترم أصدقاء أمريكا العرب بل يصوب إليهم النقد الساخر و يحرض عليهم كلما أراد ابتزازهم. 

و بعد أن مولت الولايات المتحدة المجموعات الإسلامية ووظفتها لإسقاط انظمة و تخريب أقطار عديدة ، و بعد أن كانت راعية لبن لادن انقلبت عليه و اغتالته و رمت بجثته في البحر، و بعد أن كانت تصنف الجولاني إرهابيا استقبلته في البيت الأبيض، و بعد أن كانت تشن الحرب على تنظيم داعش أصبحت تقتبس أطروحاته الدينية المتطرفة، و حلال عليها حرام على الآخرين. 

هل هي بهلوانيات و ضبابية  شعبوية ؟ أم هي الرؤية الحقيقية لتيار له سطوة و حضور فاعل في جزء هام من النخبة الأمريكية و الغربية ؟ و هل هي العداء الدفين للعرب و المسلمين أم هي تكريس لمقولة صراع الحضارات التي أعلنها في منتصف تسعينات القرن الماضي صموئيل هنتغتون و كرسها جورج بوش عندما أطلق حربه ضد الإرهاب تحت عنوان الصليبية ؟ وهل انتصر جناح الصقور في “الاستيبليشمنت” الأمريكي ليطبق التنظيرات الاستعلائية و يجر العالم إلى حروب و مواجهات قد تنتهي إلى إشعال فتيل حرب عالمية؟ 

موجة شعبوية هوجاء ستنتهي برحيل ترامب

إنها تساؤلات طفت على السطح و تناقلها المتابعون و المحللون هذه الأيام لكنها لم تجد الرد الحازم من طرف القوى العظمى التي خيرت اعتماد الحسابات القومية و المصلحية و تعاملت مع ترامب بقدر من التساهل، بل إنها سارعت إلى ايلاء ندرة البترول و الغاز صدارة الاهتمام ! و كادت منظمة البريكس أن تفقد صوتها. أما الأمم المتحدة فقد أصبحت محل تندر و قدح و تجاهل لدى الرئيس الأمريكي و إسرائيل. فهل نحن نعيش أرذل العمر لمنظومة ما بعد الحرب العالمية الثانية أم نعيش موجة شعبوية هوجاء ستنتهي برحيل ترامب و من يسانده ؟ 

و حتى لا ننسى الخلفية العقائدية للثنائي الذي يقود الحرب في الشرق الأوسط و لا يتورع في الاستناد إلى بعد ديني ظننا أنه انتهى مع حلول عهود الديمقراطية الغربية المستنيرة فإننا نستذكر ما ورد في كتاب الدكتور عمر الشاذلي بعنوان “بورقيبة كما عرفته ” لما نقل لنا دردشة الزعيم بورقيبة ليلة السابع من نوفمبر 1987 حيث قال : “الصراع بين الشرق و الغرب قديم جدا و هو متواصل إلى اليوم. فالمسيحية لم تغفر للإسلام احتلاله للأراضي التي غزاها اسكندر الأكبر في الشرق و إعادة الشرق الأوسط إلى السامية و الإسلام بعد أن احتلها الاغريق و الرومان ثم البيزنطيون الذين زرعوا المسيحية… و لم يغفر كذلك للعرب احتلال اسبانيا مدة ثمانية قرون و لا للعثمانيين احتلالهم للبلقان و بلوغهم قلب أوروبا.” 

و الكثيرون يرون أن هذا التنافر بين الشرق و الغرب طرح تجاوزه الزمن، و أن محرك الحروب الحقيقي يكمن في العوامل الاقتصادية على غرار الطاقة و المواد النادرة و الأسواق و مراقبة الطرقات الاستراتيجية و حركة الأموال لكن حقيقة الأحداث تؤكد اختباء الأبعاد الثقافية و الحضارية و العقائدية في ثنايا الخطاب السياسي و تفند الانتصار الكاذب للقيم الغربية المخادعة.  

أكاديمي ومحلل سياسي.

شارك رأيك

Your email address will not be published.