كتب الأستاذ المحامي كريم المرزوقي مساء اليوم روايته على صفحات التواصل الإجتماعي بعد أن زار السجين السياسي عبد الحميد الجلاصي لتعزيته في وفاة والدته:
“توجّهت اليوم لسجن المرناقية لأعزّي صديقي المعتقل السياسي الحميد الجلاصي في وفاة والدته، وجدته رجلا صامدا وقويا كما عهدته دوما فالمحن رفيقته وهو الذي قضى أكثر من عشرين عاما من حياته داخل سجون الاستبداد، ولكن تظل محنة فقدان الأم موجعة لا يشبهها أي وجع
والدته “مبروكة” رحمها الله من نساء هذا البلد اللائي أجبرهنّ نظام القهر على دفع أثمان قاتلة، هي من أمهات المعتقلين السياسيين في هذا الوطن اللائي أُجبرن على تحمّل فقدان الابن قسرا، وهي التي عاشت محنة سجن جميع أبنائها الخمس في وقت واحد، وقد خصّها عبد الحميد بشهادة مؤثرة في كتابه “اليد الصغيرة لا تكذب”
تسلسل لقاء عبد الحميد بأمه في آخر ثلاث مناسبات يلخّص، في تفاصيله، حياة معتقل سياسي “مخضرم” مع والدته: التقاها ساعات قليلة قبل إيقافه يوم 11 فيفري 2023 في لقاء وداع غير مبرمج كان قد سعى إليها باندفاع كبير، ثم اللقاء الثاني الابن “يستقبل” أمه في سجن المرناقية قبيل عيد الفطر في مارس 2026 وقد تحدّت الأم كبر جسدها وإنهاك العمر فقط لغاية رؤية وليدها، وبعد بضع أسابيع كان اللقاء الأخير عندما أنزلها بنفسه لمثواها الأخير يوم 5 أفريل 2026 في مقبرة منزل تميم.. من لقاء الحرية إلى لقاء وراء القضبان إلى لقاء الوداع الأخير قبالة قبرها، وكأن المدة الفاصلة للبعاد طيلة المحنة السجنية الأخيرة بين فيفري 2023 ومارس 2026، هي الطاقة القصوى لقدرة قلب الأم على الانتظار، وثم حين تمّ اللقاء بدأ جسدها بالاستسلام وساءت حالتها الصحية إلى أن فارقت الحياة في مغيب ابنها.. وعبد الحميد عاش هذا القهر عندما فارق والده الحياة شهرين قبل انتهاء محكومية 17 عاما زمن بن علي
لأنه معارض حاسم وغير مهادن قرر الاستبداد الغاشم النابت في هذا الوطن بين الفينة والأخرى أن يفارق عبد الحميد أباه ثم أمه وهو بعيدا عنهما ساعة صعود الروح إلى ربها، وأن يعيش مددا من حياته محروما منهما وهما محرومان منه.. الاستبداد مكلف دائما لكن كلفته التي تقهر أنه يحرم الناس وراء القضبان من لحظات غير قابلة للتعويض.. السجن يحرمك من الحرية.. ومن خلفه من لقاء الأحباب.. يحرمك من الأم.. من لحظة وداع.. من حضن أخير ومن نظرة أخيرة.. أي كلفة هذه؟ وأي قهر؟ اللعنة.. رحم الله الفقيدة وعبد الحميد الجلاصي يبلغ شكره لكل من واساه في مصابه الجلل ولا حول ولا قوة إلا بالله”…



شارك رأيك