بورقيبة في ميزان الدولة

في الذكرى 26 لوفاة الحبيب بورقيبة (6 أفريل 2000)، نتذكر رجلاً ترك بصمة واضحة في بناء الدولة التونسية ومسارها السياسي. دعونا نقرأ الزعيم والرئيس من خلال ما تركه من سياسات، وما أحدثه من تحولات في المجتمع والتاريخ، لا من خلال روايات القريبين أو أحكام الخصوم. فالتاريخ يُفهم بوعي، وجوهر الدولة يُقاس بالنتائج الملموسة لا بالحكايات التي تُروى خارج سياقها التاريخي. أجمل ما نُهديه لذكرى رجل أسّس دولة، أن نقرأه قراءة تليق بما بنى.

العقيد محسن بن عيسى *  

المؤسف أنه لم يعد الحديث عن الزعيم مقتصراً على تحليل سياساته أو تقييم أثره في بناء الدولة، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى سرديات شخصية، تختلط فيها الشهادة بالانطباع، والتجربة الذاتية بالرغبة في التبرير أو الإدانة. ومع تزايد المذكرات والكتابات التي يدّعي أصحابها القرب منه، أصبح من الصعب التمييز بين ما يُكتب بوصفه مادة تاريخية، وما يُقدَّم باعتباره رواية ذاتية محكومة بظروف صاحبها وموقعه. وهذا لا يعني إغفال دور من أسهموا في مرحلة ما أو أدّوا مهمة بعينها، لكن الإسهام في فصل من فصول التاريخ شيء، وأن يُختزل مسار زعيم في شهادة من كانوا على هامشه شيء آخر. فالقرب من السلطة ليس امتلاكاً لمفاتيح فهمها.

حدود مسافة التحفظ

وهنا يبرز سؤال المنهج والأمانة: ما هي حدود “مسافة التحفظ” لدى من عملوا في أجهزة الدولة؟ إن الكتابة عن بورقيبة  أو غيره من رجالات المرحلة  من قِبل “أبناء الدولة” يجب أن تكون “رصينة وليست انطباعية”؛ فالمسؤولية التاريخية تقتضي الترفع عن السرد الذاتي الذي يخدم الأنا على حساب المؤسسة. والمؤسف أننا بتنا نرى من استباحوا “أسرار الدولة” تحت مسمى “المذكرات الشخصية”، محوّلين كواليس الحكم من مادة للدرس والاعتبار إلى تفاصيل للاستهلاك العابر.

إن واجب التحفظ ليس مجرد التزام وظيفي مؤقت، بل هو “دليل أخلاقي” يضع حداً فاصلاً بين المؤرخ المسؤول الذي يحلل ميكانيزمات القرار، وبين صاحب الشهادة المستغرِق في التفاصيل الشخصية التي قد تضيء زاوية ذاتية لكنها تُعتِمُ على الرؤية الكلية للدولة. فالمذكرات يجب أن تكتب لا لكشف المستور أو إثارة الفتن بالعودة إلى مراحل مضطربة، بل لتوثيق مسارٍ وطنيٍّ نتحمل فيه مسؤولياتنا بشجاعة الرأي والضمير، مؤمنين بأن من عاشوا المرحلة وخبروا صدق النوايا هم من سيمنحون لكل ذي حقٍ حقه.

وفي المقابل، لا تقلُّ كتابات الخصوم ابتعاداً عن مقتضيات الحقيقة؛ إذ آثر بعضهم انتظار غياب الزعيم ليقولوا ما لم يجرؤوا على قوله في حياته، فجاءت كتاباتهم أحيانًا أقرب إلى تصفية الحسابات منها إلى نقد المشروع. إن هذه الأقلام التي انتظرت غياب صاحب القرار لتصفي حساباتها المتأخرة، تفتقر إلى المصداقية العلمية بقدر افتقارها للشجاعة الأخلاقية، متناسية حكمة الرجل الذي كان يردد دوماً: “لا يمكن بناء أي شيء على الحقد”.

الكلمة المسؤولة والرأي المنصف

إننا اليوم أمام جبهتين في القراءة: جبهة تميل إلى “الطرح الدرامي” القائم على الإثارة وتضخيم الوقائع الشخصية، وجبهة أخرى تتبنى “الكلمة المسؤولة والرأي المنصف” الذي يزن الأمور بميزان الدولة. ولا ننكر هنا أن للعظماء والزعماء أخطاءً في خضم المعارك التي خاضوها، تحريرية كانت أو تنموية أو اجتماعية، وهذه حقيقة بشرية لا مفر منها. لكن الإنصاف يقتضي القول إن حجم تلك العثرات أمام “علوّ البناء” وما تحقق للوطن، لا يترك مجالاً للمقارنة؛ فلا نسبة ولا مناسبة بين هفوات المسار وبين عظمة الأثر.

دعونا نقرأ بورقيبة من خلال ما تركه من سياسات، وما أحدثه من تحولات في المجتمع والتاريخ، لا من خلال روايات القريبين أو أحكام الخصوم. فالتاريخ يُفهم بوعي، وجوهر الدولة يُقاس بالنتائج الملموسة لا بالحكايات التي تُروى خارج سياقها التاريخي. أجمل ما نُهديه لذكرى رجل أسّس دولة، أن نقرأه قراءة تليق بما بنى.

رحمه الله الزعيم والرئيس الحبيب بورقيبة وأسكنه فسيح جناته، ونأمل أن يُقرأ التاريخُ وفاءً للحقيقة، إذ أسرار الدولة أمانةٌ في أعناق الرجال، لا مادةً للمساجلة أو الاستعراض.”

* ضابط سابق في الحرس الوطني.

                      

شارك رأيك

Your email address will not be published.