..الرّسالة التي سابقت ملك الموت فسبقها..
بسم الله الرّحمٰن الرّحيم
سجن المرناڤية 26 مارس 2026
أهلي الأحبّة: السّلام عليكم ورحمة الله
أنا بخير ولله الحمد،
أرجو أن تكونوا بنعمة وعافية
وأن تكونوا -كما العهد بكم- متآلفين مثل “عبّود البسيسة”،
وأن تكونوا مفاتيح للخير مغاليق للشرّ..
أقبّل جبين مبروكة وأقبّلكم جميعا الأشقّاء، والشّقيقات وأزواجهن، والأبناء والبنات.
أشكركم جميعا وأشتاق إليكم وأفتقد “لمّة” معكم…وسيحصل قريبا إن شاء الله..
أردتُ هذه الرّسالة نشيدًا مُهدى الى مبروكة، أكتبه في حياتها وتسمعه منّي (منّا)…المسافة تساعد على التّذكر وعلى البوح…أما في حالة الحضور فكثيرا ما ننسى التّعبير عن مشاعرنا…عن محبّتنا.. نعتبر ذلك من تحصيل الحاصل.
ولكنّنا جميعا نحتاج لمن يصارحنا بمشاعره.. ونحتاج نحن أيضا -من أجل توازننا- أن نعبّر عن مشاعرنا لمن نحب..
هذه رسالة اعتراف.. وعرفان، رسالة شكر.
نحتاج أن نقول لمبروكة كم كانت عظيمة، وكم نحبّها، وأن تعرف هي ذلك.. ولكن من المهم أن نقوله لها الآن وليس غدا..لأن الجميع يمكن أن يقول الكلام الجميل عند الفقد، وفي حضرة الغياب، أريد هذه الأنشودة في حالة الحضور.. أريدها أن تكون إضافة لما كتبتُه سابقا سواء في “اليد الصّغيرة لا تكذب” أو لما نشرته من نصوص أخرى..وأنا حريص على أن تسمعها، وحريص أن تطّلعوا عليها جميعا..وأن تصل الى “عزّة”..
اليوم أستطيع كتابة رسالة مرحة مثل روحها..الأمس لم يكن بالإمكان أن أكتبها.. وقد أرسلت أخت هذه الرسالة الى منية ومريم.
1- الزّيارة التي لم أنتظر شيئا أكثر منها
أغبطكم جميعا… فقد كنت أقلّكم معايشة للسيدة المبروكة… أتشابه في هذا مع “عزّة”… طرتُ باكرا من القفص.. لم أكن حتى مثل طائر مهاجر، فهذه تعود في مواسم معلومة الى مرابعها الأولى وتستقر فيها قليلا، أما أنا فكنت ابن كلّ الأمكنة.. وكنت ابن اللاّمكان. خلال إقامتي السّابقة في الحفرة كانت مبروكة تزورني… طوّفتُ بها في شمال البلاد وفي وسطها، كانت وضعيتها الصّحية تسمح لها بذلك، وكانت وضعيتها النّفسية أفضل من وضعية ابن عمّتها -أبي-رحمه الله، لم تنقطع عن الزّيارة حتى فُتح الباب… هذه المرّة لم تكن وضعيتها الصّحية تسمح لها بالزّيارة.
اعتبرت زيارتي لها صبيحة اعتقالي هبة من المولى.. وكنت استحضر صورتها باستمرار، وكنت أتلهّف لرؤيتها وكنت استحضر حكايتي مع “المدّب”… انقطع عنّي سنوات طويلة بسبب المرض.. انتظرني طويلا..انتظر السنة الأولى ولم تنفتح الأبواب، وانتظر الثاّنية والثّالثة، وانتظر العاشرة .. ولم تنفتح الأبواب …مدّد فترة الانتظار ثم غادر دون أن أعانقه، دون أن أسمع كلماته الأخيرة، ونصائحه الأخيرة، ودعاءه الأخير…
لا أحد يعرف ما يمكن أن يحصل… ولكنّي لم أكن مستعدا لأُحرم من سماع صوت مبروكة.
مريم أيضا لم تزرني هذه المّرة…. ولكنّنا نتصوّر دائماً أن للموت علاقة ما بالعمر…ولا يزال أمامنا متّسع من الوقت لنتعانق…
وجاءت الزيارة فجأة… طلبتُها منذ مدّة من منية.. ومن المحامين.. ولكنّي لم أتعهّدها، ولم ألح عليها… فلقد فهمت منكم أن صحّتها لا تتحمّل زيارة عبر الحاجز، ولا حتى ربّما زيارة دون حاجز…حتى دخلت منية ذلك اليوم، كانت عيناها تضحكان وسألت: هل أبلغك المحامون بالخبر السّعيد؟ لم أكن قد زرت المحامين يومها، زفّت لي الخبر… ضحكتْ عيناي أيضاً.. مرّ ذلك الأسبوع طويلاً.. كنت أتلهّف لتلك اللّحظة التي أعانق فيها مبروكة…
2- الزيارة التي كنت أتهيّب حصولها
ومع ذلك، فقد كنت أتهيّب حصول الزّيارة.
إذ لم أكن أعرف ما فعلته السّنوات الثلاث في السيدة مبروكة…فاليوم بعشرة أيام في سنواتنا الأولى، وهو بعشرة أعوام عندما نبلغ مرحلة الهرم…
ما الذي فعلته السنوات الثلاث في بدن الوالدة؟
وما الذي فعلته في ذاكرتها، وفي قدراتها الذهنية؟
هل تتذكرني؟ هل ستفهم ما أقول؟ كيف ستتفاعل معي؟..
وأيضا، كنت أخشى ما قد تواجهني به من قول…
ماذا لو قرّعتني؟ ماذا أرد لو قالت: يا بُنيّ تحمّلتك صغيرا وشابّا… كانت في البدن قوّة، وفي الأعصاب صلابة… كيف تفعل بي ما فعلت وقد بلغت هذا السن، وقد وهن البدن وضعفت الأعصاب؟
وهكذا عشت أسبوعا بين اللّهفة والخشية…
3- الزّيارة التي حصلت
جهّزت نفسي للاستقبال.. يجب أن أكون صبيّا أمامها لأنّنا نظل دائما أطفالا في أعين آبائنا.. ولم توجد لحدّ اليوم وصفة تغيّر هذا الوضع…لم توجد الوصفة التي تجعلنا نتجاوز آباءنا في العمر.
وعندما أكون صبيّا أمامها، أعيدها لتلك السّنوات التي كانت فيها زوجة صغيرة… أُحيي فيها الأيام الممتعة… وأستفزّ ذاكرتها …جهّزت نفسي بهديّة صغيرة، ووجدت أنّها هي أيضا فكّرت في هديّة …
استقبلتها في باب القاعة التي جُهِّزت للزّيارة، كان منير يدفع بها الكرسي المتحرّك، قبّلتها واحتضنتها وتسلّمت من منير مقود الكرسي… هرعت إليها كما يهرع صغير الى أمّه ويتمسّك بتلابيبها.
جلست على كرسي، وجلس “منوّر” بجانبي… وكانت الملكة على عرشها أمامنا..
لم يتغير منها شيء… كانت السنوات الثلاث رفيقة بها، وبي أيضا… وضعتُ يديها بين يدي.. يدان معروقتان، لونهما أبيض.. الظاهر أن حركة الدّم فيهما بطيئة وضعيفة، ولكنها لا تزال مبروكة المزيانة..
انتبهت لخاتم في أصبعها.. وللأقراط في أذنيها.. ولقلادة في عنقها… سألتها:
ماذا يا سيدة مبروكة؟ هل ستتزوجين؟ ألقيت لها الكرة.. التقطتها: – وماذا تريدني أن أفعل.. كلّكم مستقر في عائلته، يجب أن أبحث أنا أيضا عن استقراري…
سألتها مجدداً: هل ستنجبين أطفالا يشاركوننا ميراثنا؟ لن نقبلهم بيننا، ولن نقبل زوجك… التقطت الكرة مجددا..وكانت تضحك…كعادتها…
4- مبروكة التي وجدتُ
وأنا أستعيد شريط الزّيارة، صوتاً وصورة، وجدت أني لعبت مع السيدة الوالدة مقابلة تنس… كانت ذاكرتها هي الملعب، وكنت أرمي الكرة/ الأسئلة في شتى أرجاء الملعب… أي في أركان الذاكرة وزواياها. مرّة أقذف الكرة في يمين الملعب، ومرّة في شماله.. مرّة أقذف بها قريبا من الشبكة، ومرّة قريباً من الخطّ الخلفي… وجدتها لاعبة ماهرة في الالتقاط… ذاكرتها مستنفرة، وملَكاتها الذهنية جاهزة .. ربّما تكون هي أيضا قد جهّزت نفسها لهذه الزّيارة..
استعدت في حضرتها طفولتي، وشقاوة عصافيرها.
بعض هذه الأحاديث تشاركناها، وبعضها جالت بخاطري ولم نجد سعة في الوقت للتّداول فيها، وبعضها استحضرتُه لاحقا..
*أتذكّر الشّتاءات الماطرة في ذلك البيت ذي الجدران الطينية والسّقف من القش والأعواد، والأرضية الترابية …
كان المطر يتسرّب من ثغرات السّقف، وعلى ضوء المصباح الغازي الخافت كانت السيدة مبروكة مثل دجاجة تحمي كتاكيتها من قطرات المطر، فتبحث عن زاوية جافة تركنهم فيها..
*وأتذكر يوماً ربيعيّا، مثل هذه الأيّام، ربّما كان ذلك في عطلة الرّبيع أيضا، وهو الفصل الذي تستيقظ فيه الزّواحف من بياتها الشتوي… يومها كنا نلعب في باحة المنزل… وتفاجأنا بمبروكة تخوض معركتها مع أفعى حاولت الاختباء في أحد ثقوب البيت المخصّص للطّبخ.. كانت تتسلّل بين الثّقوب الطينية.. أمسكَتْها الوالدة -دون حواجز- من ذيلها.. وقذفت بها بعيدا.. ثم لحقت بها، ولم تترك لها فرصة للهروب… تخلّصت منها وعادت لأشغالها التي لا تنتهي.. كأن شيئا لم يقع.
لا تسمح لأحد أن يقترب من كتاكيتها.. غريزة الأم حجبت عنها ما كان يمكن أن تفعله الأفعى..
*وأتذكّر كنت في الخامسة عشرة أو السّادسة عشرة، كنّا في عطلة.. وكنّا نياما… وسمعت مبروكة و”المدّب”، ابن عمتها كما كانت تناديه بتحبّب، يتهامسان ويستعرضان كتيبتهما…حينها لم تكن خديجة قد ولدت بعد.. كانا فخورين بذريتهما.. وسمعت “المدّب” يبدي هذه الملاحظة بشأني: كان يشكرني.. ولكن كان يراني كثير النّحافة.. ولذلك حملت هذه الملاحظة على محمل الجد -كما نفعل مع ملاحظة المعلّم في دفتر الأعداد- فتخلّصت – كما ترون- من نحافتي…
*وتذكّرتُ معها حكايتنا في “هنشير حمدان”، وتذكّرتْ معي التفاصيل.. كان الفصل صيفا، وكنّا نعمل في إحدى الضيعات الفلاحية، كان يومنا يبدأ مع الفجر وينتهي قرابة المغرب، وكنا في شهر رمضان… كنّا نسقي الماء في حقل كاكوية.. لم تكن مبروكة تترفق بنفسها، ولم تكن تقيم ظهرها بين الحين والآخر.. كنت أتعسّف عليها .. وأفتكّ منها المسحاة… كانت تضحك وتغضب.. كانت تخشى أن نُحرم من أجرنا، وكانت تخشى ألا يكون ما تحصل عليه حلالا… كنت أطمئنها على هذه النقطة الأخيرة… كنا نسكب من العرق أضعاف ما نحصل عليه، لم يكن علينا نحن أن نبرّر أعمالنا أمام المولى… كان على المالك أن يتولّى هذا الأمر لعلّه ينقذ روحه من عرقنا..
قلت لها: هل تتذكرين ذلك المشهد؟ هو الذي يعبّر عني منذ ذلك الزّمن… وكانت تتذكّر..
*وتذكرت حكاية أخرى… قريبة الوقوع… منذ سنوات قليلة تشارك كتاكيتها في مصاريف حجّها، وسافرت مع بعض الأجوار، أضاعت هاتفها في الحج، وأوشكت أن تضيع وسط الزّحام، عادت إلى صحبها… ولكن لم نعثر على الهاتف… سيبقى ضمن الأملاك المهدورة التي لن نسامح بشأنها سلطات الحج هناك.
*وتذكرت في حضرتها زغرودة المطار.. يومها عاد “عزّة” من هجرة قسرية امتدت لأكثر من عشرين سنة، وعاد معه عدد من أصدقائه.. كانت قاعة الاستقبال في المطار تغص بالمستقبلين… وعند الإعلان عن وصول الطائرة، انتحت مبروكة ركنا قصيّا في المطار ورفعت صوتها الحلو بالغناء.. وبالزّغاريد.. لم يكن يهمّها من يراقب، وماذا يعلّق… أغنية فرح وشجن من أعماق أعماق ذاكرتنا التونسية.. ربّما كانت تقول لرفيقها هناك: لقد عاد آخر العصافير الى القفص… ولم يكن “المدّب” بحاجة إلى هذا الإعلام، فقد كان يراقب المشهد من هناك.
*وقمنا بجولة في الحاضر: لا تغيب أي من حكايات الأبناء والبنات والأحفاد والأقارب والجيران… استعدت معها زيارتي الأخيرة لها يوم القبض عليّ.. كانت تتذكّر نومي على ركبتها.. وكانت تتذكّر كيف نظّفت شعري من حشرات نسيها “أبو الأمّة”.. وبالمناسبة سلّمت لها رأسي لتتفقّده، وقد فعلت..
بالطّبع لمتها أنّها لم تجلب لي خبز الطابونة.. وسألتها عن دجاجاتها.
نفس روح الدّعابة، وسرعة البديهة، والحضور الذهني، والقدرة على التقاط الرسائل، وعلى التّفاعل معها.. نفس القلب السّمح..
وكانت جلسة في حضرة “المدّب”: بالطبع لم يكن الوالد ليغيب عنّا… سألتها عنه وسألتها: هل كان راضٍ عنّا؟
استغربت السؤال: كيف لا يكون راض عنكم؟ كان فخورا بكم …
وروت لي أنه رأى رؤيا وحكاها لها وأوّلها ..
قال لها: الزّرع الذي زرعناه سيثمر، وستدركين إثماره… أمّا أنا، فلا…
كانت تستحضره دائما..
كدت أن أقول لها: أبلغيه تحيّاتي، ولم أفعل.. تأدّبا ليس إلا..
أعرف أن مبروكة لا تخشى الموت … لأنها توقن أنه ليس نهاية، وإنّما هو انتقال من حال إلى حال، ليس قفزة في الفراغ، بل هو التحاق بقافلة طويلة من الأحباب..
وهكذا لم أجد شيئاً مما خشيت… وجدت امرأة راضية سعيدة بشيخوختها، متفهمة لأبنائها وأحبابها.. كعادتها لم تتلفّظ بكلمة عتاب، رغم أني حرصت على التّأكد.
أتمنى قلباً سليماً مثل قلب مبروكة …
تذكّرتُ أيضا..
كنت أغيب عنها لأسابيع… وأنقطع عن المكالمة..
ولمّا أكالمها، أبادر بالهجوم:
سيدة مبروكة.. كيف تفعلين ما تفعلين ؟..
تضحك… فقد حفظتني وتعرف أحاييلي .. وتسأل: – ماذا فعلت؟
-لم تتّصلي منذ مدّة.. – أنتَ من يجب عليه الاتصال..
-لا.. أنتِ أمّنا… يوميّا يجب أن تتصلي بنا وتطمئني علينا جميعا، بنين وبنات… لا يمكن أن تأتي بنا إلى هذا العالم وتتركينا وشأننا..
وهكذا يمضي الحديث… بعد أن أعلمها أني قد سامحتها…
5- الحديث الذي أتمنّاه
تمور بداخلي أفكار كثيرة لمشاريع كتب في المستقبل.. ومن ضمنها شيء ما عن رحلة أجيال ثلاثة: جيل مبروكة و”المدّب” -أي جيل النملة والفيلسوف، جيل الانتقال من الترحّل إلى الاستقرار، وجيلنا نحن الأبناء، جيل البرجوازية الصّغرى كما يقال، وجيل أبنائنا..
أحتاج إلى شهادة مبروكة حول المنطقة الممتدة من “لبنة” و”تافلّون” حتى “مينة الوديان” و”القيطون” و”سيدي حسون”، وسفح “جبل ابن الوليد” و”بوحبيب”.. الانتقال من “بيت الشّعر” الى البناء الطوبي.. ومن البناء الطوبي الى البيوت الحجرية.
ربمّا يستطيع “منير” أو “عبدالرّحمٰن” أو “مجيد” أو “شيماء” تسجيل هذه الشّهادة.. ربّما أحتاجها.
منذ مدّة زهدت في قراءة الروايات.. ولكني عدت إليها أخيرا، قرأت لرضوى عاشور: “ثلاثية غرناطة”، وكتابين في سيرتها: “أثقل من رضوى” والصّرخة”.. أيضاً رواية “الشّوك والقرنفل”.. الغاية وظيفية: لعلي أستطيع إكساء كتابتي مهما كان صنفها رداء أدبيا.. عُدتُ أيضا الى منيف: “شرق المتوسط” / “الآن… هنا” / “حين تركنا الجسر” / “عروة الزمان الباهي”…
6-أخيرا..
كما استقبلتُها ودّعتُها، دفعت بها الكرسي حتى الباب، قبّلتها… ودعونا لبعضنا..
لاحظت منية في الزّيارة فرحتي.. ولاحظ بعض من رآني أن عبدالحميد كان يومها طفلا.. وهذا ما أردت أن أكونه في حضرة مبروكة.. حفظها الله لنا، وحفظكم.
“هَرِمْتُ، فردّي
نجوم الطفولة
حتى أُشارك
صغار العصافير
درب الرّجوع …
لعُشِّ انتظارِك
أمّي!”
السيّدة مبروكة:
شكرا لك أنّك أرجعتني لطفولتي..
شكرا لك لأنّك أمي…




شارك رأيك