مهرجان قابس سينما فن

منذ تأسيسه سنة 2019، اختار مهرجان قابس سينما فن أن ينحاز إلى منطقة ملتبسة، لا تستقرّ فيها الصورة على تعريف واحد، ولا يطمئنّ فيها السرد إلى خطّ مستقيم. 

في هذا الفضاء الذي يتقاطع فيه السينمائي بالإنساني، يتقدّم فنّ الفيديو بوصفه أحد أكثر الأشكال قدرة على خلخلة اليقين البصري، وعلى إعادة التفكير في علاقتنا بالصورة، لا كمتلقين، بل ككائنات غارقة في فيضها.

في دورته الثامنة، يواصل قسم فنّ الفيديو ترسيخ هذا الرهان، عبر برمجتين متكاملتين: “الكازما” و”كا أوف”، لكلّ منهما لغته، لكنهما يلتقيان في سؤال مركزي: كيف يمكن للصورة أن تُقاوم؟ 

على شاطئ الكورنيش في قابس، حيث يجاور البحر ملجأ من زمن الحرب العالمية الثانية، تنتصب حاويات “الكازما” فضاء للعرض واستعارات كثيفة عن الذاكرات، وفيها تُعرض أعمال فن الفيديو، لكن خارج أي يقين شكلي أو دلالي.

في هذه الدورة من “الكازما”، التي تشرف عليها نادية كعبي- لينكه وتيمو كعبي -لينكه، تُرفع الفكاهة إلى مرتبة المنهج، لا بوصفها ترفا أو هروبا، بل كأداة معرفة، كقوة قادرة على إحداث مسافة بيننا وبين ما يثقلنا. 

الضحك هنا ليس نقيض الألم، بل طريقته الأخرى في الظهور، في مقاربة تتقاطع مفاهيميا وحسيا مع تجربتي جان دوبوي وأولغا أدورنو، اللذين يحتفي بهما البرنامج لما تركاه من أثر في السياقات البصرية والتصويرية والأدائية. 

في أعمالهما، كما في الأعمال المعروضة في “الكازما”، يتحول اللعب إلى موقف، والخفة إلى شكل من أشكال الالتزام، والضحك امتدادا لكل الأوجاع المستترة. 

الأعمال المعروضة لا تفرض قراءة واحدة، بل تفتح آفاقا للارتباك، في فيلم “The Girl Chewing Gum ” لجون سميث (المملكة المتحدة)، تصبح السلطة مجرد صوت يعلق على الواقع، أو يدعي صناعته وفي “Worker’s Ordinary Day ” لأحمد أوغوت (كوريا الجنوبية)، يتسرب العبث إلى تفاصيل اليومي، كأن النظام نفسه هش، قابل للانزلاق في أي لحظة.

ومن هذا المنطلق تشتغل الكازما على تقويض “المألوف” وتخلق شروخات في طريقة إدراكنا، وتدعونا إلى إعادة النظر في ما نظنّه بديهيا. 

إذا كانت “الكازما” تشتغل على المسافة، فإن “كا أوف” يغوص في الداخل، وهو مساحة مخصصة للأصوات التونسية الشابة، لكنه، في هذه الدورة، يبدو أقرب إلى مختبر للقلق المعاصر. 

بإشراف ريم حداد، تم اختيار ثمانية أعمال من بين عشرات المقترحات، لتشكل معا ما يشبه “خرائطية كوجيتو من الهُنا”.

الخيط الناظم بين هذه الأعمال هو ثنائية الإبداع والحصار، فالمدن هنا ليست فضاءات محايدة، بل كيانات مضطربة، شوارع بلا ملامح، ومبان متعبة، وسماء منخفضة، وكل شيء يوحي بأن العالم فقد توازنه، أو على الأقل، فقد معاييره القديمة.

في “انتقال” لآدم فضلون، تتمدّد تونس في صورة شبه أبوكاليبسية، كأنها آلهة منسيّة، تراقب عالما لم يعد يعترف بها. 

أما في “كثيرون نحن” لمحمد الراشدي، فتتحول البالونات المعلقة على جدران مهجورة إلى علامة استفهام بصرية تتساءل هل ما زلنا نرى المدينة، أم أنها اختفت من داخلنا؟

الذاكرة، بوصفها ملاذا هشا، تحضر بقوة في “تحت شجرة اللوز” لأحمد سامي قصارة، ويعود المكان عبر أثره في الوعي، لا عبر شكله. وفي “Neo Life DVD 3” لمخلص بن حفصية، تتحول الأقراص إلى حوامل لذاكرة شبابية على هامش العالم.

لكن هذه العودة إلى الذات لا تعني الانغلاق ففي “أتروبوس” لإيميل بحري أندرسن، يصبح الصوت نفسه موضوعا للتفكيك فحين تتداخل الأصوات، لا تتكامل، بل تتحول إلى ضجيج.

أما “سجلات متشرّد” لإلياس جريدي، فيدفع بالتجربة إلى أقصاها، تيه جسدي ونفسي، يتقاطع فيه الشعري بالموسيقي، ليعكس قلقا وجوديا يبدو مألوفا حد الألم.

ورغم هذا الثقل، لا يخلو المسار من ومضات خفيفة في “Monster-topia” لندى شاهد، حيث تتشابك البراءة والخوف في مساحة الطفولة. 

وفي “ما لم أصوره” تسكب نورس زرعي ذكرياتها على الشريط الفيلمي وتروي الضياع في شوارع الغرب.

وما يجمع بين مساري “الكازما” و”الكا أوف” ، رغم اختلافهما، هو الإيمان بأن فن الفيديو ليس مجرد وسيط، بل ضرورة، ففي زمن فائض الصور، حيث تفرض الخوارزميات إيقاعها، يصبح التوقف، والتأمل، وإعادة التركيب أفعال مقاومة.

فن الفيديو، بما يتيحه من زعزعة، وتفكيك، وإعادة تركيب، يفتح إمكانيات للخروج من “التخمة البصرية”، فهو لا يقدم صورا إضافية، بل يعيد التفكير في الصورة نفسها، في كيفية صنعها واستهلاكها واستعادتها. 

وفي قابس سينما تتبدى هذه الأعمال الفنية  كدعوات مفتوحة للإنصات، وللشك، ولإعادة بناء علاقتنا بالعالم، وبين الضحك كمسافة، والتيه كحالة، تتشكل تجربة بصرية وفكرية تذكرنا بأن الفن، في جوهره، ليس إجابة، بل سؤالا مستمرا.

شارك رأيك

Your email address will not be published.