فاهم بوكدوس حول ما جد في برنامج لاذاعة الديوان: “الأمر ابعد بكثير من زلة لسان”

أثارت الحادثة الأخيرة التي جدّت في أحد البرامج الإذاعية، وما رافقها من جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، نقاشًا مشروعًا حول حدود “زلة اللسان” ومعنى المسؤولية في الفضاء الإعلامي. ومن هذا المنطلق، لا يمكن التقليل مما حصل أو تبريره تحت أي عنوان، بل يجب اعتباره مؤشرًا إضافيًا على حالة الانحدار التي عرفتها العديد من المضامين في الإعلام السمعي البصري، وهو انحدار لا يمكن القبول به أو التهوين من خطورته.

إن ما قيل على المباشر لا يُختزل في كلمة نابية فحسب، بل يعكس خللًا أعمق في إدراك طبيعة المنبر الإعلامي وحدود الخطاب داخله. فالإعلام ليس امتدادًا للشارع ولا للمدارج، بل هو فضاء يفترض فيه الارتقاء باللغة، واحترام الجمهور بمختلف فئاته، والالتزام بأبسط قواعد المهنية والأخلاقيات. وعليه، فإن تبرير مثل هذه التجاوزات تحت غطاء “العفوية” أو “سياق الحديث” يمثل انزلاقًا أخطر من الحادثة في حد ذاتها.

في مستوى ثانٍ، تعيد هذه الواقعة طرح مسألة الإطار التعديلي المنظم للقطاع السمعي البصري. فقد أفرز إنهاء دور الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (الهايكا) فراغًا واضحًا في آليات التعديل والمساءلة، وهو ما فتح المجال أمام تغوّل منطق السوق والضغط السياسي والدعائي والإشهاري، فضلًا عن تنامي أشكال من الابتذال الشعبوي. ولو تم توجيه جزء من الجهد المبذول اليوم في التنديد بهذه الحوادث نحو معارك حقيقية لإعادة الاعتبار للتعديل المستقل، لكان المشهد الإعلامي في وضع أفضل بكثير. ذلك أن وجود هيئة تعديلية واضحة الصلاحيات كان من شأنه أن يوفّر مقاربة معلومة وشفافة للتعامل مع مثل هذه التجاوزات، سواء تجاه الأفراد أو المؤسسات.

كما تطرح هذه الحادثة، مرة أخرى، إشكالية “الكرونيكورات” الذين أصبحوا يحتلون مساحات واسعة داخل وسائل الإعلام على حساب الصحفيين المحترفين. هذا التحول لم يكن بريئًا، بل تحكمت فيه اعتبارات سياسية واقتصادية وإشهارية، أدت إلى تهميش الكفاءة المهنية لصالح الحضور الإعلامي السريع والقدرة على الإثارة. والنتيجة هي تراجع في جودة المضامين، واختلاط في الأدوار بين التحليل المسؤول والتعبير الانفعالي غير المؤطر.

وفي هذا السياق، لا يمكن فهم تنامي ظاهرة “الكرونيكور” خارج التحولات العميقة التي عرفها الاقتصاد الإعلامي في السنوات الأخيرة، حيث أصبح منطق نسب المشاهدة والتفاعل الرقمي محددًا أساسيًا في رسم الخطوط التحريرية. هذا المنطق، الذي يضع الإثارة والجدل في صدارة الأولويات، يدفع بالمؤسسات الإعلامية إلى البحث عن أصوات قادرة على “صناعة الحدث” أكثر من قدرتها على إنتاج مضمون رصين. وهنا يتراجع معيار الكفاءة المهنية والتكوين الأكاديمي لصالح الحضور الكاريزمي أو الخطاب الصادم، بما يفرغ الفضاء الإعلامي تدريجيًا من دوره التنويري والمعرفي.

كما أن تعويض الصحفيين المختصين بمتدخلين غير مكوّنين يخلق حالة من التسيّب في ضبط الخطاب، حيث تغيب آليات المسؤولية الاعلامية التي يفترض أن تكون جزءً من التكوين الصحفي. فالصحفي المحترف لا يكتفي بنقل المعلومة أو إبداء الرأي، بل يُدرك حدود الكلمة، وسياقها، وأثرها، وهو ما يفتقده في كثير من الأحيان من يتم استقدامهم خارج هذا الإطار المهني. ومع تكرار هذه الممارسات، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح الانفلات اللغوي والسلوكي جزءً من “هوية” بعض البرامج، وهو ما يهدد مصداقية الوسيلة الإعلامية نفسها.

الأخطر من ذلك أن هذا التوجه يساهم في إعادة تشكيل ذائقة الجمهور على المدى الطويل، حيث يتم تطبيع الخطاب المتدنّي وتقديمه كجزء من النقاش العام، بما يؤدي إلى تآكل تدريجي للحدود الفاصلة بين الإعلام كفضاء منظم، وبين الفضاءات غير المؤطرة. وهنا لا يعود الخلل محصورًا في شخص أو برنامج، بل يتحول إلى مسار عام يطال بنية المشهد الإعلامي ككل، ويطرح أسئلة جدية حول مستقبله وقدرته على أداء أدواره الأساسية في الإخبار والتثقيف والتأطير.

وفي سياق موازٍ، برزت ردود فعل حاولت الانزياح بالنقاش عن جوهره، من خلال الغوص في المسارات السياسية أو البرلمانية للكرونيكور المعني، في مقاربة إسقاطية لا تخدم فهم الواقعة ولا تقييمها مهنيًا. مثل هذه الممارسات تندرج في إطار تصفية حسابات رقمية، تُغذّي مناخ التشهير والتنكيل، وتُفرغ النقاش من مضمونه الحقيقي: أي مساءلة الفعل الإعلامي ذاته ومعاييره.

إن الدفاع عن أخلاقيات المهنة لا يكون بالتشفي ولا بالتبرير، بل بإرساء معايير واضحة تُطبّق على الجميع دون استثناء، وبإعادة الاعتبار لدور الإعلام كسلطة رمزية مسؤولة، لا كفضاء منفلت من الضوابط. فالكلمة في الإعلام ليست مجرد تعبير عابر، بل هي مسؤولية، وأثرها يتجاوز لحظة التلفظ بها ليطال الذوق العام والثقة في المؤسسات.

ما حصل يجب أن يُقرأ كجرس إنذار، لا كحادثة معزولة. وهو مناسبة لإعادة طرح الأسئلة الحقيقية حول واقع الإعلام، وآفاق إصلاحه، وشروط استعادة ثقة الجمهور فيه. ذلك أن التراكمات الصغيرة، حين تُترك دون مساءلة، تتحول سريعًا إلى واقع يصعب تداركه.
إن المعركة اليوم ليست حول كلمة قيلت، بل حول المعايير التي يجب أن تحكم ما يُقال”.

*ف.ب عن نقابة الصحفيين التونسيّين

شارك رأيك

Your email address will not be published.