رأي النائب علي في ما ورد في الرسالة المثقلة بالوجع للصحفي السجين مراد الزغيدي

اول ردة فعل للنائب في برلمان الشعب محمد علي جاءت تحت عنوان “تضامنا مع الصحفي الحر مراد الزغيدي…” وهي كالآتي:

“اطّلعتُ، كغيري من التونسيات والتونسيين، على رسالة مراد الزغيدي الأخيرة من سجنه، ولم تكن بالنسبة لي مجرد كلمات تُقرأ ثم تُطوى، بل كانت نصًا مثقلًا بوجعٍ إنساني عميق، ينساب بين سطوره تاريخٌ من الألم، وذاكرةٌ عائلية لم تنفكّ تعيد طرح السؤال ذاته: لماذا يتكرّر هذا المصير؟
لقد حملت هذه الرسالة ما هو أبعد من تجربة فردية، إذ كشفت عن امتداد معاناة عبر الأجيال، حيث لا يكون السجن حادثة عابرة، بل قدرًا يتوارثه الأبناء عن الآباء، وكأن الحرية نفسها تصبح اختبارًا دائمًا داخل العائلة الواحدة. هذا البعد، بما فيه من ثقل رمزي وإنساني، لا يمكن أن يمرّ مرور الكرام، لأنه يعكس خللًا أعمق من مجرد ملف قضائي أو حكم صادر.

“وما زاد هذه الرسالة إيلامًا هو ذلك الحضور الصامت للعائلة، للأبناء تحديدًا، الذين يجدون أنفسهم، دون اختيار، في قلب التجربة. حين تقرأ عن طفلة تنقطع عن دراستها لتتحمّل عبء الزيارات الأسبوعية، وتحمل ما يفوق عمرها من مسؤوليات، تدرك أن السجن لا يبقى محصورًا خلف الجدران، بل يمتدّ ليصيب أدقّ تفاصيل الحياة خارجها. وحين نتصوّر ابنة تعيش الغربة، محاصرة بالمسافة والعجز عن الاطمئنان، نفهم أن للعقوبة وجوهًا أخرى، خفية لكنها أشدّ قسوة.

إن ما ورد في هذه الرسالة يفرض علينا جميعًا، كلٌّ من موقعه، وقفة صادقة مع الذات قبل أي شيء آخر. فلا يمكن اختزال ما يحدث في توصيفات تقنية ضيقة، أو اعتباره مسارًا عاديًا من مسارات التقاضي، دون التوقف عند ما يثيره من تساؤلات حول مدى احترام الضمانات الأساسية، وفي مقدّمتها قرينة البراءة، وشروط المحاكمة العادلة.

كما أن ما تضمّنته الرسالة من إشارات إلى تداخل المسار القضائي مع مسألة حرية التعبير يفتح بابًا واسعًا للنقاش، بل للمساءلة. ذلك أن نقل الفعل الإعلامي من فضائه الطبيعي، كحق في النقد والمساءلة، إلى إطار يُقارب بمنطق تقني صرف، قد يحمل في طيّاته مخاطر حقيقية على توازن الحريات داخل المجتمع.

بصفتي نائبًا عن الشعب، لا أستطيع أن أتعامل مع هذه الرسالة كحالة معزولة، أو كملف ينتهي عند حدوده الخاصة. بل أراها دعوة صريحة لإعادة التفكير في المنظومة بأكملها، وفي كيفية ضمان ألا يتحوّل القانون، مهما كانت وجاهة نصوصه، إلى أداة تثقل كاهل الحرية بدل أن تحميها.
إن المسؤولية التي نتحمّلها اليوم ليست مسؤولية خطاب أو موقف عابر، بل مسؤولية تاريخية تقتضي أن نُعيد الاعتبار للمعنى الحقيقي للعدالة: عدالة لا تكتفي بتطبيق النص، بل تسهر على تحقيق التوازن، وتحفظ كرامة الإنسان، وتصون حقه في التعبير وفي الاختلاف.

لقد ذكّرتنا رسالة مراد الزغيدي، بكل وضوح، أن السجن ليس فقط جدرانًا وأبوابًا مغلقة، بل هو تجربة تمتدّ في الزمن، وتتشابك مع الذاكرة، وتترك أثرها في النفوس وفي العلاقات وفي صورة الوطن ذاته في أعين أبنائه. وهي، في الآن نفسه، تذكير مؤلم بأن للكلمة ثمنًا، وأن للموقف كلفة، لكن أيضًا بأن الأمل في العدالة لا ينبغي أن ينطفئ.

إن تونس التي نؤمن بها، والتي ضحّى من أجلها كثيرون عبر عقود، هي تونس التي لا يُعاقَب فيها الصوت، ولا تُثقل فيها الحرية بقيود التأويل، ولا يُترك فيها المواطن وحيدًا في مواجهة منظومة يفترض أن تحميه. تونس التي نريدها هي تلك التي تضمن لأبنائها الكرامة، وتُعيد الثقة في مؤسساتها، وتُرسّخ العدل كقيمة لا تقبل المساومة.

وإذ أعبّر عن تضامني الإنساني مع مراد الزغيدي وعائلته، فإنني أجدّد التزامي، من موقعي، بالعمل على إثارة هذه القضايا داخل الأطر المؤسسية، والدفع نحو مراجعات ضرورية تضمن حماية الحقوق والحريات، حتى لا تتحوّل مثل هذه التجارب إلى قدر متكرّر..”.

شارك رأيك

Your email address will not be published.