في رسالة مراد الزغيدي السجين بالمرناقية: “تذكير بسيط بأن للموقف ثمنًا، وأن للكلمة كلفتها…”

نص “رسالة الصحفي مراد الزغيدي من السجن” وردت علينا قبل أيام من مثوله مجددا يوم 14 افريل الجاري:

“كنت أظنّ أنّ السجن صار من الماضي، وأن تلك الصفحة طُويت نهائيًا. لكن الواقع اليوم يعيد نفسه، بالقسوة نفسها تقريبًا، وكأن الألم ينتقل داخل العائلة من جيل إلى آخر دون أن ينكسر.

أنا مراد الزغيدي. قصتي مع السجن لم تبدأ بعد ولادتي، بل قبلها، حين كانت أمي تحملني جنينًا في شهرها السادس داخل أسواره. هناك، داخل ذلك الفضاء المغلق، بدأ أول وعي لي بالحياة: حياة تُقاس بالعزلة، وتُحدَّد بظلّ الجدران الثقيلة.

كبرتُ دون طفولةٍ مكتملة. كان والدي، صالح الزغيدي، قد مرّ بتجربة السجن والإيقافات مرّاتٍ عدّة وأنا طفل صغير. لم أعرفه كأبٍ حاضرٍ باستمرار في تفاصيل الحياة اليومية. ذلك الغياب لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل ترك أثره العميق في تكويني، وفي علاقتي بفكرة الأب، وبمعنى الحضور والانتماء.

السجن في عائلتي ليس حادثة معزولة، بل مسار ممتدّ. جدّي جورج عدّة عرف الزنازين في أربعينيات القرن الماضي تحت الاستعمار الفرنسي. والدي مرّ بالتجربة نفسها. عمي منصف ويوسف عرفا بدورهما السجون التونسية في محطات مختلفة، من سجن 9 أفريل إلى برج الرومي إلى الناظور. واليوم، يتواصل هذا المسار داخل السجن المدني بالمرناقية، وكأن الحكاية تُعيد كتابة نفسها بأسماء مختلفة.

منذ شهرين وعشرة أيام صدر حكم في قضية ذات طابع جبائي ومالي. ومنذ ذلك التاريخ ما زال أثر الصدمة حاضرًا عليّ وعلى عائلتي وأصدقائي وقرابتي. القضية، منذ بدايتها، شابتها إشكالات جدّية على مستوى قرينة البراءة، وتعطّلت فيها ضمانات أساسية من روح الإجراءات العادلة، بما جعل مسارها أقرب إلى إعادة تأويل للملف خارج سياقه القانوني الطبيعي.

إن اختزال هذه القضية في مجرد نزاع مالي أو جبائي لا يعكس حقيقتها. فالمسألة في جوهرها تتصل بحرية التعبير وحق الإعلام في نقد السلطة، قبل أن تُنقل إلى خانة تقنية تُدار بلغة الأرقام والجباية. هذا التحويل ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل هو إعادة صياغة للفعل النقدي نفسه: من حقّ يُمارَس في الفضاء العام إلى فعل يُلاحَق قضائيًا خارج سياقه. وهنا يصبح القانون أداة لإعادة ضبط الصوت بدل أن يكون إطارًا لضمانه.

هذا الحكم لم يكن إجراءً معزولًا، بل حمل أثرًا نفسيًا وماديًا واجتماعيًا واسعًا، مسّ حياة كاملة وليس فردًا فقط. غير أن اختزال الأمر في مخالفة مالية يتجاهل حقيقة بديهية: لو طُبّق هذا المنطق على الجميع، لكان من الطبيعي أن تطال المتابعات والسجن مئات الآلاف، لأن الخطأ الإداري أو الجبائي لا يمكن أن يُحوَّل إلى عقوبة ذات طابع ردعي شامل.

السجن لا ينغلق على من بداخله فقط. هو يمتدّ إلى الخارج بصمتٍ ثقيل. ابنتاي إيناس وياسمين تعيشان هذا الغياب المفروض، غيابًا يصنع فراغًا لا يُرى لكنه يُحَسّ في كل تفاصيل الحياة.

ابنتي الصغرى ايناس، التي كانت من المتفوقين في دراستها، انقطعت عن مقاعد الدراسة لتتحمّل عبء الزيارات الأسبوعية وتحمل “قفة السجن”، في مشهد يتجاوز عمرها بكثير. كانت كل زيارة موعدًا ثابتًا، لا يخلو من ثقل المعنى، لكنها في الوقت نفسه كانت تحمل لي شيئًا من الحياة من خلف الجدران، وترفع معنوياتي في لحظات يشتدّ فيها الصمت ويثقل فيها الانتظار.

أما ابنتي الكبرى ياسمين فقد كانت حاضرة منذ لحظة إيقافي، ورافقتني في سيارة الشرطة في مشهد صعب أظهرت فيه هدوءًا وثباتًا لافتين. في تلك اللحظة، لم تكن ياسمين مجرد ابنة، بل كانت سندًا حقيقيًا، وقد كشف هذا الظرف عن نضج مبكر لديها ترك أثرًا عميقًا في نفسي، وأعاد تشكيل علاقتنا على نحو أكثر وعيًا وعمقًا. وهي اليوم تعيش الغربة بعيدًا عني، ما يجعل التجربة أكثر قسوة، إذ يصعب عليها الزيارة أو الاطمئنان المستمر أو مشاركة التفاصيل اليومية، فتتحول المسافة الجغرافية إلى ثقل إضافي على الغياب.

في المقابل، لم أكن وحدي في مواجهة هذا الثقل. مثل هذه التجارب تُظهر بوضوح من يقف معك فعلًا. كان هناك سند حقيقي من العائلة والأصدقاء والزملاء، تضامن صادق خفّف من حدّة هذه المرحلة.

وفي قلب هذا الدعم، كان لحضور الحبيبة أثر إنساني مهم، ساعد على التخفيف من قسوة الأيام، وأعطى شيئًا من التوازن في لحظات الضغط. في المحن، يتبيّن معنى السند الحقيقي، بعيدًا عن الكلام العام، من خلال المواقف الصادقة والبسيطة التي تصل في وقتها.

لم أرد يومًا أن أكون في موقع بطولة، ولا أبحث عن أي صورة من صور التمجيد. كل ما أطلبه هو إبطال الظلم، وضمان الحد الأدنى من الحرمة الجسدية والقانونية كمواطن.

كما أرفض كل محاولات الإلصاق أو التصنيف أو الادعاء بأنني أنتمي إلى أي “مربعات” أو دوائر، داخل تونس أو خارجها. انتمائي واضح وبسيط: إلى عائلة فكرية تقدمية وحداثية تؤمن بأن الديمقراطية وحرية التعبير وحرية الإعلام ليست ترفًا سياسيًا، بل أساسًا من أسس المجتمع التونسي المعاصر.

أقولها بوضوح: تونس بلد يستحق التضحيات. وما عشته خلال هذه الأشهر، رغم قسوتها، لا يقارن بما عاشه من سبقوني. فهذه التجربة، مهما كانت صعبة، تظل امتدادًا لمسار أطول داخل العائلة، حيث تتقاطع الذاكرة مع التجربة، ويتواصل المعنى نفسه عبر الزمن في صور وأشكال مختلفة.

وفي هذا الامتداد، لا تبدو الحكاية مجرد سرد عائلي، بل تعبيرًا عن استمرارية في مواجهة اختبارات متجددة حول الحرية. وهي تذكير بسيط بأن للموقف ثمنًا، وأن للكلمة كلفتها، وأن هذا الثقل ظلّ حاضرًا عبر الأجيال، دون أن يفقد معناه أو ينطفئ أثره”.

السجن المدني بالمرناڨية
31/03/2026

شارك رأيك

Your email address will not be published.