ميناء جرجيس : الممر الكبير !

لا يخفى عليكم أن النجاح الذي حققته المنطقة الحرة بجرجيس وميناؤها الخدماتي قد حفّز الجانب الإيطالي على تعميق التعاون اللوجستي. إيطاليا اليوم تبحث عن المسارات الأقل مخاطرة والأكثر ربحية وقد وجدت في ميناء جرجيس الميناء الأمثل لتأمين تجارتها.

سامي الجلّولي *

يعتمد هذا النهج الإيطالي على اعتبارات استراتيجية عديدة:

​1. بعيدا عن المسارات التاريخية العريقة، تجمع تونس وإيطاليا علاقة عضوية ممتدة عبر قرون… بالنسبة لميناء جرجيس فمنذ نحو عقدين، وتحديدا سنة 2007، تم افتتاح خط ليفورنو – جرجيس لنقل الحاويات والمعدات الصناعية، مما أوجد أرضية صلبة للتعاون. وفي عالم الشحن البحري، تبنى الثقة عبر العقود وتراكم الخبرات، وهو ما يمتلكه هذا الخط فعليا.

​2. تطرح تونس اليوم رؤية الممر اللوجستي، حيث تفرغ السفن الإيطالية العملاقة شحناتها في جرجيس، لتنطلق برا عبر الشاحنات نحو دول الجوار والعمق الأفريقي. هذا الطموح قد يتوج مستقبلا بإنشاء خط سكك حديدية عابر للحدود. وإذا كان التونسيون قديما بقيادة الجنرال حنبعل أول من روّضوا جبال الألب بعبورها على الفيلة، فإن الإيطاليين حديثا كانوا روادا في تطويع ذات الجبال عبر الأنفاق العملاقة. لذا، فإن تحدي التضاريس والمسافات ليس غريبا على إرادة البلدين.

​3. ميناء جرجيس ليس مجرد ميناء عادي فموقعه في أقصى الجنوب الشرقي التونسي يجعله الأقرب جغرافيا للغرب الليبي، إذ لا يبعد سوى كيلومترات معدودة عن معبر رأس جدير والمنطقة الحرة ببن قردان (شبه الجاهزة)، ثم هو قاعدة إمداد استراتيجية وآمنة ومخزنا خلفيا للبضائع التونسية، الإيطالية والأوروبية المتجهة للأسواق الإقليمية…

​4. لا يفوتكم أن الأهمية القصوى لميناء جرجيس تكمن في القرب من حقول الطاقة، حيث يقع الميناء في خاصرة منصات إنتاج الغاز والنفط البحرية التي تديرها كبرى الشركات العالمية مثل إيني الإيطالية (ENI)… وبحكم هذا القرب، يفرض جرجيس نفسه كمركز أول لصيانة المعدات النفطية وتزويد السفن والمنصات بمختلف الخدمات اللوجستية كالوقود والأطعمة…

5. تبحث الشركات الإيطالية عن سلاسل توريد لا تنقطع بفعل الاضطرابات الأمنية، وهذا ما توفره الموانئ التونسية. ورغم العثرات، تفطن الساهرون على الميناء إلى ضرورة الانتقال نحو الميناء الذكي بالكامل وذلك عبر تطوير البنية التحتية من تعميق الحوض، تحديث الرافعات لاستقبال السفن الضخمة وتقليص زمن المناولة…

ثم لا يجب أن ننسى أن الميناء يتكامل مع المنطقة الحرة بجرجيس وهي القوة الحقيقية، حيث يخطط لإعادة تصنيع وتغليف المواد الخام سواء كانت تونسية أو إيطالية أو دولية لتصديرها كمنتج نهائي…

هذا التحويل يمنح البضائع الإيطالية مثلا ميزة قواعد المنشأ، مما يسهل نفاذها للأسواق الأفريقية (Zlecaf) معفاة من الضرائب الثقيلة…

إن ميناء جرجيس اليوم ليس مجرد مرفأ ساحلي، بل هو قاطرة اقتصادية لمنطقة الجنوب الشرقي التونسي ومنصة انطلاق استراتيجية نحو آفاق أرحب…

* خبير قانوني.

شارك رأيك

Your email address will not be published.