هل يستطيع الرئيس قيس سعيد والبنك المركزي التونسي إنقاذ الاقتصاد التونسي من الآثار المدمرة للحرب الإيرانية الأمريكية وإغلاق مضيق هرمز؟ تونس تحتاج إلى الدعم المالي لصندوق النقد الدولي، لتتمكن من خفض تكلفة سداد ديونها الخارجية السنوية، وزيادة احتياطياتها من العملات الأجنبية، وتحقيق استقرار سعر صرف الدينار، ووضع الاقتصاد التونسي على مسار النمو المستدام. كيف ذلك ؟ (الصورة: الرئيس قيس سعيد مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا).
العربي بن بوهالي *

اليوم، يمتلك البنك المركزي التونسي مستوى منخفضاً جداً من احتياطيات النقد الأجنبي، يكفي لـ 101 يوم فقط، وفي عام 2025، قامت الشركات الأجنبية في تونس / المستثمرون الخارجيون (Loi 72) بسحب 3,000 مليون دينار كأرباح خارج الاقتصاد التونسي، وتونس في أمس الحاجة إلى سيولة الدولار الأمريكي.
Liquidity and more liquidity (Source: BCT report and IACE)
يجب على البنك المركزي التونسي عدم طباعة المزيد من الدنانير لتغطية العجز؛ فزيادة الطباعة ستؤدي إلى تدمير القوة الشرائية للدينار، وسيؤدي التضخم المرتفع إلى إلحاق الضرر بالطبقة المتوسطة والطبقة الفقيرة.
هناك خيارات أخرى لاقتراض الدولارات الأمريكية ودعم الاقتصاد التونسي. فلنتعلم من تجارب الدول الأخرى في إنقاذ اقتصاداتها في ظل صدمة نقص النفط وارتفاع الأسعار.
تحتاج تونس بشكل عاجل إلى توفير 2.5 مليار دولار
يحتاج الرئيس قيس سعيد هذا العام إلى دعم مالي كبير لا يقل عن 2.5 مليار دولار لتغطية التكاليف الإضافية الناجمة عن الحرب الإيرانية الأمريكية.
تحتاج تونس بشكل عاجل إلى سيولة نقدية، سيولة نقدية، وسيولة نقدية بالدولار الأمريكي لتغطية التكاليف الإضافية لأسعار الطاقة، ولتغطية عجز الموازنة، وعجز الميزان التجاري، وعجز الطاقة لهذا العام والعام المقبل 2027.
في عام 2026، يتعين على الحكومة التونسية اقتراض 27 مليار دينار، أي ما يعادل 51% من إجمالي الإيرادات الضريبية البالغة 52.5 مليار دينار، مع عجز في الموازنة قدره 11 مليار دينار. علاوة على ذلك، يتعين على الحكومة التونسية اقتراض المزيد من الأموال لتغطية التكاليف الإضافية للطاقة، وتكاليف دعم الكهرباء، والتكاليف الإضافية لسداد الديون الداخلية والخارجية، حيث من المتوقع أن تتجاوز أسعار النفط الخام 90 دولارًا للبرميل كمعدل لهذا العام (تفترض موازنة 2026 سعر 63 دولارًا للبرميل).
المخاطر التي تهدد الاقتصاد التونسي
المخاطر التي تهدد الاقتصاد التونسي جراء الحرب الأمريكية الإيرانية هي التالية:
1. يوجد أكثر من 100 ألف عامل تونسي في دول مجلس التعاون الخليجي، وسيفقد العديد منهم وظائفهم، مما سيؤثر على التحويلات المالية إلى الاقتصاد التونسي. كما سيتأثر دخل التونسيين المقيمين في أوروبا بارتفاع تكلفة الطاقة، وبالتالي ستتأثر التحويلات المالية إلى تونس.
2. سيتجه التضخم نحو الارتفاع نتيجة لزيادة أسعار الطاقة والغذاء، وسيُبقي البنك المركزي على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، مما سيؤثر سلبًا على الاستهلاك والاستثمار، حيث تُبقي أسعار الفائدة المرتفعة الاستثمار الخاص عند مستوى منخفض. كما اقترضت الحكومة في عام 2025 مبلغ 33 مليار دينار من النظام المصرفي، واستولت على جميع السيولة من البنوك التي تعاني من نقص السيولة اللازمة لإقراض القطاع الخاص بهدف تحفيز النمو الاقتصادي.
3. سيزداد عبء الدين التونسي، وسترتفع تكلفة خدمة الدين، وستزيد الحكومة التونسية الضرائب (رفعت الحكومة الضرائب بنسبة 7% في عام 2025 وبنسبة 8% في عام 2024)، وستقترض المزيد لتغطية الإنفاق الإضافي، حيث تقترض الحكومة التونسية ديونًا جديدة لسداد الديون القديمة.
يبلغ الدين العام/الحكومي التونسي لكل أسرة 12,500 دينار.
يبلغ الدين الخاص التونسي لكل أسرة 9,263 دينارًا.
يبلغ إجمالي الدين لكل أسرة: 21,763 دينارًا، أي ما يعادل 140% من الناتج المحلي الإجمالي.
4. سيشهد الناتج المحلي الإجمالي التونسي هذا العام انخفاضًا بنسبة 0.5 ٪ في النمو الاسمي (PIB nominale)، وسيتباطأ الاقتصاد اسميًا وحقيقيًا (PIB normal et PIB réel)، مما سيؤدي إلى انخفاض إيرادات الضرائب الحكومية، وستبقى نسبة بطالة الشباب مرتفعة لتتجاوز 30 ٪ هذا العام والعام المقبل.
5. ارتفعت أسعار الوقود بشكل حاد، وقامت شركات الطيران بتقليص رحلاتها ورفع أسعار التذاكر عالميًا لخفض التكاليف، مما سيؤثر على قطاع السياحة عالميًا، وبالتالي سيقلل من الدخل الاسمي والحقيقي من السياحة في تونس.
الحلول التي توصلت إليها دول أخرى
كيف تجمع الدول الأخرى الدولارات الأمريكية لتغطية تكاليف التشغيل الإضافية الناجمة عن الحرب الأمريكية الإيرانية؟
1. ضخ البنك المركزي لدولة الإمارات العربية المتحدة 8 مليارات دولار لتوفير قروض بدون فوائد وسداد تكاليف الوقود الإضافية والدعم.
2. ضخت الحكومة الأسترالية 1 مليار دولار لدعم الشركات المتضررة من الأزمة.
3. ستقدم الحكومة الفرنسية قروضًا تصل إلى 50 ألف يورو للشركات الصغيرة الأكثر تضررًا من ارتفاع تكاليف الوقود في قطاعات النقل والصيد والزراعة.
4. باعت الحكومة/البنك المركزي التركي 10% من احتياطياتها من الذهب الخام لجمع 20 مليار دولار لدعم اقتصادها.
5. قدّم مصرف قطر المركزي مليارات الدولارات لتنفيذ حزمة دعم مالي تُمكّن المقرضين من تأجيل سداد أقساط رأس المال والفوائد لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر للمقترضين المتضررين من النزاع الإيراني. وتشمل هذه الإجراءات تعزيز السيولة عبر خفض متطلبات الاحتياطي وتسهيلات إعادة الشراء للحفاظ على الاستقرار في ظل ضغوط السوق الإقليمية.
6. اتخذ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وأكثر من 40 دولة حول العالم إجراءات وضخّت مليارات الدولارات في اقتصاداتها للتخفيف من آثار ارتفاع تكلفة الطاقة وصدمة إمدادات وأسعار النفط الخام التي يواجهها العالم وإدارتها.
تونس في أمس الحاجة إلى سيولة الدولار الأمريكي
اليوم، يمتلك البنك المركزي التونسي مستوى منخفضاً جداً من احتياطيات النقد الأجنبي، يكفي لـ 101 يوم فقط، وفي عام 2025، قامت الشركات الأجنبية في تونس / المستثمرون الخارجيون (Loi 72) بسحب 3,000 مليون دينار كأرباح خارج الاقتصاد التونسي، وتونس في أمس الحاجة إلى سيولة الدولار الأمريكي.
لا خيار أمام تونس سوى التعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للحصول على قروض ميسرة بالدولار الأمريكي، حيث يمكن لصندوق النقد الدولي توفير 2.5 مليار دولار بفائدة تقل عن 3% سنويًا.
تونس عضو في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي منذ عام 1958، وقد تعاونت معه على مر السنين، وسددت جميع ديونها الخارجية لصندوق النقد الدولي وغيره من المقرضين الأجانب في مواعيدها المحددة دون أي تأخير على مدى السنوات الثماني والستين الماضية.
إن فوائد حصول تونس على الدعم المالي من صندوق النقد الدولي هائلة، إذ يمكنها من خفض تكلفة سداد ديونها الخارجية السنوية، وزيادة احتياطياتها من العملات الأجنبية، وتحقيق استقرار سعر صرف الدينار، ووضع الاقتصاد التونسي على مسار النمو المستدام.
على مدى السنوات الثلاث الماضية، نفذت الحكومة التونسية جميع الإصلاحات الرئيسية التي طلبها صندوق النقد الدولي، ومنها: خفض الإنفاق الحكومي على دعم الغذاء، وتقليص نسبة أجور القطاع العام إلى الناتج المحلي الإجمالي (13% حاليًا)، وإصلاح النظام الضريبي (حيث رفعت الحكومة التونسية الضرائب بنسبة 7% في عام 2024 و8% في عام 2025)، وإصلاح إدارة الشركات المملوكة للدولة.
أعتقد أن الرئيس قيس سعيد يستطيع استغلال هذا النهج الجديد من صندوق النقد الدولي كفرصة لإبرام اتفاقية جديدة مع صندوق النقد الدولي، تتضمن دعمًا ماليًا بقيمة 2.5 مليار دولار على مدى سبع سنوات، لإنقاذ الاقتصاد التونسي من الركود التضخمي، وفتح آفاق جديدة أمام المواطنين والمستثمرين الأجانب للعودة إلى تونس والاستثمار فيها، مما سيخلق آلاف الوظائف لـ 650 ألف تونسي عاطل عن العمل.
* خبير مالي تونسي مقيم في جوهانسبرغ.



شارك رأيك