أمريكا – إيران : فشل مفاوضات إسلام آباد، هل يعلن العودة إلى الحرب ؟

بعد الإعلان عن عدم اتفاق بين الوفدين الأمريكي والإيراني في إسلام آباد الذي توسّطت فيه باكستان وبذلت جهودًا مضنية وحثيثة من أجل بدئها، أصبح الأمر واضحاً للمراقبين أن المحادثات في أساسها بُنيت على عدم الثقة بين الجانبين، وكان كل طرف يعتقد بأن الآخر يُخبّئ له ما وراء السطور ما يخبّئ.

فوزي بن يونس بن حديد *

حاولت باكستان الجمع بين الوفدين مباشرة على طاولة واحدة، وقد نجحت في ذلك إلى حدّ كبير، واستمرّت المحادثات حوالي 21 ساعة متواصلة إلا أن النتيجة التي وصل إليها الطرفان أن لا اتفاقَ بينهما خاصّة بعدما حدث في الفترات الماضية أينما كانت هناك مفاوضات جدية بين الطرفين، لكن أمريكا أبت إلا أن تصفع إيران في يوم أعلن فيه الوسيط العُماني عن أنه قدّم لنائب الرئيس الأمريكي ما يفيد بأن الجانبين قد توصّلا إلى إطار اتفاق عام سيُعلن عنه في حينه، وبينما فوجئ الوسيط العُماني كما فوجئ العالم بإعلان ترامب بعد فترة وجيزة جدّا الحرب على إيران، كان لهذا التصرف أثر سيء على إيران التي لُدغت مرّتين متتاليتين وأحدث فجوة عميقة بين إدارة ترامب وإيران وأزمة ثقة بين الطرفين امتدّ صداها إلى إسلام آباد حتى وصل بالبعض إلى أن يطالب أمريكا أو إسرائيل باغتيال الوفد الإيراني المفاوض إن رفض الشروط الأمريكية كما حدث للوفد الفلسطيني في الدوحة حينما كان قد سعى للتفاوض من أجل غزة.

شروط تعجيزية

وفي ظل هذه الأزمة العميقة وعدم الثقة بين الطرفين، كان التفاوض بين الجانبين يتوجّسه الخوف من الآخر، والغدر به كما حدث من قبل، ورغم أن الوفد الإيراني قد عبر عن حسن نيته ورأى في نائب الرئيس الأمريكي فانس أنه جدير بأن يكون على رأس المفاوضين الأمريكيين إلا أن ما جرى يثبت نفوذ ترامب على نائبه في مجريات المحادثات، وقد أصرّ الوفد الأمريكي على شروطه التعجيزية خاصة فيما يتعلق بحق إيران تخصيب اليورانيوم، ورفض إيران فتح مضيق هرمز فورًا ورفضها عزل ملف لبنان عن المفاوضات جعل الإيرانيين يتمسكون أيضا بمطالهم الشرعية، ولم يُخِفْهم الزّجرُ الأمريكي ولا الوعيد الصهيوني، وقد بات واضحا أن الأمور تسير نحو التعقيد رغم تصريحات المسؤولين الباكستانيين أنهم سيبذلون الجهد المضاعف لإعادة البوصلة إلى مكانها وبدء محادثات جديدة في أقرب وقت ممكن ما دام الأمر هادئا ولم يتوتّر إلى مستوى الرفض المطلق، ولكن هذا التفاؤل يبدو ضئيلا للغاية بعد أن ضمّ الوفدان الأمريكي والإيراني في باكستان شخصيات على مستوى عال من القيادة والخبرة، وظن المتابعون أن هذا المستوى سيتمخّض عنه على الأرجح جولات أخرى من المفاوضات، لكن العالم فوجئ بإعلان نائب الرئيس الأمريكي بفشل هذه المفاوضات والرجوع إلى المربع الأول من العلاقات.

وفي كل الأحوال فإن كلا الطرفين، بل وإسرائيل أيضا التي تتابع المحادثات من بعيد وفرحت جدا بنتيجتها، مستعدة للمواجهة مرة أخرى بعد فترة هدوء نسبيا، ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية وخلال المحادثات حاولت أن تمرّر سفينتها عبر مضيق هرمز وتبجَّح ترامب علنا بذلك إلا أن إيران صدّتها بقوة وأنذرتها بأنها إذا تقدّمت خطوة إلى الأمام ستقوم بتفجيرها، فاضطرت للتراجع.

 وقد استغلت كل من إسرائيل وأمريكا فترة الهدوء لتعبئة قواتهما وتسليحهما بأنواع الأسلحة لمواصلة الحرب في الفترة القادمة، ولا شك أنها ستكون أقوى، لأن أمريكا وإسرائيل قد جرّبتا كل أنواع الأسلحة في المرحلة الماضية وكل أنواع الخطط التكتيكيّة والعملياتيّة ونجحتا إلى حدّ كبير في قتل كثير من الأبرياء الإيرانيين وتدمير البنية التحتيّة للجمهوريّة الإسلامية الإيرانية إلا أنهما فشلتا في تحقيق أي من أهدافهما بل ارتدت الحرب عليهما بأغلال ما أنزل الله بها من سلطان، وكانت سببا في حدوث أزمة اقتصادية عالمية لا مثيل لها، ولم تحدث من قبل أبدا، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي مازال يمثل عقبة كبيرة وكأداء أمام ترامب للخروج من هذه الحرب.

ما الذي تخفيه إيران أيضاً عن أعدائها؟

ويبدو لي أن إيران قد فاوضت أمريكا من منطلق قوة، ولم تكن ضعيفة البتّة، ولم تتراخ أو تتنازل عن أيٍّ من مبادئها، ولم تكن خائفة من القوّة الأمريكية المدمّرة، ومن اغتيالات الصهاينة المُريبة، بل كانت على ثقة تامّة بجيشها وحرسها الثوري وشعبها الذي التفّ حولها وارتأى العزّة والكرامة على الاستسلام والخضوع والخنوع، فكانت المقاومة سيدة الموقف، وبما أن إيران تعرف جيدًا ما يكنّه لها أعداؤها فهي ربما تخبّئ قوتها الحقيقية ولم تظهرها كاملة، فربما هذه الجولة ستكون أعنف بكثير  من سابقتها لأنها ستمسّ الحياة المدنية وستقطع شرايين الحياة جملة أو تفصيلا، لذلك من المؤكد أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستفاجئ كليهما بما عندها من سلاح لم تُظهره، وقوّة لم تُبرزها، وقد بينت ذلك من قبل أنها تمشي في حربها ضد أمريكا وإسرائيل بتدرّج تام، وكلما اشتدت عليها الحرب واشتدّ سُعارها، ظهر منها ما يمكن لجم أعدائها.

شارك رأيك

Your email address will not be published.