تظهر الشهادات المتواترة عبر منصات التواصل الاجتماعي خارطة طريق دقيقة لشبكات التهريب التي حولت الصحراء الكبرى إلى سوق مفتوحة للبشر، حيث تتشكل النواة الأولى لهذه الشبكة في مدينة أغاديز (Agadez) بشمال النيجر، ومنها يتجه المهاجرون نحو الحدود الجزائرية عبر عين أميناس أو ينحرفون نحو تمبكتو (Tombouctou) و وغاو (Gao) بمالي، وهي مناطق خارجة عن السيطرة الرسمية تنظم فيها هياكل هجينة مكونة من عصابات تهريب وتنظيمات مسلحة قوافل الموت عبر شاحنات وسيارات الدفع الرباعي.
سامي الجلّولي *

تعد مرحلة اجتياز الصحراء المرحلة الأكثر ربحا للمهربين حيث يدفع الفرد ما بين 500 و2000 دولار مقابل النقل والحماية وصولا إلى تمنراست التي تمثل المركز اللوجستي للرحلة.
في تمنراست يتحول المهاجرون إلى وقود لسوق الشغل السوداء في قطاعات البناء والفلاحة لتأمين بقية الرحلة التي تتكلف بين 300 و600 دولار. بمجرد اكتمال المبلغ يتم تسليم الزبائن من مهرب إلى آخر لتبدأ رحلة الصعود شمالا نحو ورقلة (Ouargla) التي تعتبر مركز الفرز الرئيسي، فمنها من يتجه لليبيا عبر غدامس ومنها من يواصل الزحف نحو تبسة.
تهريب البشر والحدود الرخوة !
في تبسة، يتولى خبراء المسالك الجبلية تأمين اجتياز المهاجرين للمناطق الوعرة وغير الرسمية بمقابل يتراوح بين 100 و250 دولارا ليقذف بهم داخل التراب التونسي من جهة القصرين.
بمجرد العبور، تستلم شبكات التهريب التونسية العهدة، حيث يتم شحن البشر ليلا نحو صفاقس بكلفة 500 دينار للفرد. وفي أحواز صفاقس، يتوارى المهربين ليظهر وسطاء البحر في الجهة… وتنتعش ورشات تصنيع قوارب الحديد التي تباع بـين 30 إلى 40 ألف دينار للقارب الواحد، صانعة ثراء فاحشا لوسطاء محليين اشتروا الولاءات والمخبرين، ليتحصنوا من أي مداهمة…
أمام هذه السلسلة من مقاولات التهريب التي تتواصل بشفرات رقمية وأنظمة GPS وبالاستعانة بخبراء المسالك، يتبين أن تفكيكها بالعقلية الأمنية التقليدية أمر شبه مستحيل، خاصة وأن أغلب هؤلاء دخلوا عبر الحدود الجزائرية بتواطؤ شبكات عابرة للحدود.
الهجرة غير النظامية والنسيج الحضري للمدن التونسية
إن معالجة معضلة الهجرة غير النظامية بهذه الأعداد المهولة داخل النسيج الحضري للمدن التونسية أمر بالغ التعقيد ويكاد يكون مستحيلا أمنيا ولوجستيا…
الحل في سد المنافذ على كامل الشريط الحدودي عبر منظومات مراقبة تقنية ودرونات استطلاع تغطي المسالك الوعرة والمناطق الرخوة وملاحقة الرؤوس التي تدير شبكات التهريب المحلية…
لذا، بات من الضروري نقل المعركة إلى المنطقة الحدودية. إيقاف التدفقات عند خط الحدود مباشرة. يجب أن تقترن عمليات الصدّ بتوثيق رقمي وقانوني دقيق لكل حالات العبور، ليس فقط لضبط الحدود، بل لتحديد المسؤوليات الدولية والإقليمية ووضع كل طرف أمام التزاماته في حماية الحدود المشتركة…
* خبير قانوني.



شارك رأيك