رغم المفاوضات : إسقاط النظام الإيراني لا يزال خيار ترامب الأوّل

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية لا ترغب في تحقيق السّلام في الشرق الأوسط، وتحديدًا مع إيران، فهي ما زالت إلى الآن تحشد السّلاح عبر رحلات جوية مكوكية، وترسل المدمّرات والطائرات والجنود في رحلات بحرية متواصلة، وهذا يدل على نيتها غزو إيران برًّا وبحرًا وجوًّا حتى تخضعها لشروطها وأوامرها، ومازالت ترنو إلى إسقاط النظام الإيراني الحالي لأنها تراه ما زال معاديًا لواشنطن.

فوزي بن يونس بن حديد

 وبينما في كل مرة يصرّح ترامب أن إيران مستعدة للحوار كما فعل قبلُ حرب الاثني عشر يومًا وحرب التسعة والثلاثين يومًا وتنخرط إيران في المحادثات بحسن نية، تستعد الولايات المتحدة الأمريكية لتضرب إيران في العمق بعد معلومات استخبارية دقيقة وتكتيكات فنية معمّقة، مما يجعل إيران في حيرة من أمرها، وفي كل مرة تجد نفسها بين فكي كمّاشة وهي تخسر قيادييها وكثيرًا من منشآتها طمعًا في الحصول على اتفاق مع واشنطن بينما يخبّئ لها الطرف الثاني المعتدي سواء كانت تل أبيب أو واشنطن القدر المشؤوم ويغرس أنيابه متى سنحت له الفرصة وينقضّ بقوة كما لو لم ينقضّ على فريسته من قبل، وهكذا ترى أمريكا أن النصر على إيران منقوصٌ ولا يكتمل إلا بإسقاط نظام الخميني.

على أن هذه النظرية هي الأقرب للواقع من خلال التكتيك الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية منذ إدارتها الحرب على إيران، فهي ترى في هذه الدولة أنها مارقة ولا تستجيب لمطالبها وعليها أن تبحث عن ثغرات للاستيلاء على الحكم كما فعلت مع فنزويلا، ولكن بطريقة مختلفة بعد أن أظهرت إيران براعةً في التّصدي والصّمود إلى حدّ الآن رغم الضربات المُوجعة والمُؤلمة التي تلقّتها من أعدائها.

أمريكا لن تخرج من المنطقة دون فوائد تجنيها

 ومن المعروف أن نرجسية شخصية ترامب ترفض الحل القائم الحالي وترفض المفاوضات التي لا تلبي مطالبه وشهواته رغم ادعائه أنه يسعى إليها، وبالتالي هو يعمل مع فريقه على تحقيق هذا الهدف الكبير ، وينظر إلى ما وراء إسقاط النظام الإيراني من ثروات يجنيها خاصة ثروة النفط والغاز، وبالتالي لن يمنح إيران الأمان ولن يجلس لطاولة المفاوضات قبل أن يرى نفسه منتصرا، ومن بين هذه الانتصارات البحث عن وسائل وطرق لإسقاط النظام الإيراني الذي لم يستطع إلى حدّ الآن حتى إخضاعه.

وعلى الجانب الآخر، يُطرح سؤالٌ مهمٌّ للغاية، هل إيران مُستعدّة لجولة أخرى من الحرب، ربما تكون الأعنف على الإطلاق، لأن الوسطاء رغم محاولاتهم المتكررة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين من خلال الجولات المكوكية التي يقومون بها إلا أنهم لا يخفون تشاؤمهم مما سيحدث مُستقبلا، ويعتقدون بأن أمريكا لن ترضى بأي حال من الأحوال أن تخرج من المنطقة دون فوائد تجنيها، ودون أن تكون قوّة رادعة لكل دولة تحاول أن تصنع لنفسها قوّة ولو كانت أقلّ مستوى منها.

 لكن أمريكا الحامية لإسرائيل ترفض أن تتسلح إيران بأي نوع من أنواع الأسلحة، بل ترفض أن يستمر النظام الحالي في عمله لأنها تراه نظامًا معاديًا يدعو إلى محو إسرائيل ومعاداة أمريكا على مدى أربعة عقود من الزمن، لذلك تعتبر أن هذه فرصتها في القضاء عليه وإنهاء وجوده، وبإنهائه تنتهي المقاومة في كلٍّ من فلسطين ولُبنان واليمن وسوريا، ويجد نتنياهو نفسه أمام تحقيق مخططه التوسعي نحو الدول العربية.

في دوامة من الحرب اللامتناظرة واللامتماثلة

وبهذه النظريّة، ينبغي على إيران أن تتنبّه لغدر ترامب مرة أخرى من خلال ما يسميه تمديد المهلة، لأن أمريكا وإسرائيل تعملان على تتبع تحركات القادة السّياسيين والعسكريين واغتيالهم  جميعا، كما فعلتا بالكثيرين في المرّتين الأولى والثانية، ولا شك أن إسرائيل بارعة في هذا المجال دون غيرها على أن تغزو أمريكا إيران برًّا وبحرًا وجوًّا، وتجد إيران نفسها في دوامة من الحرب اللامتناظرة واللامتماثلة، ودائما ما كان ترامب ووزير حربه يتغنّيان بقدرتهما على محو إيران وإرجاعها إلى العصر الحجري، وأن أمريكا أكبر قوة في العالم.

 لكن إذا حدثت الحرب المدمّرة مرة أخرى، على إيران أن تحسم الموقف بقوّة وأن تعمل على محو إسرائيل من الخارطة ولا تكتفي بالتّصريحات، وأن توقف نزيف القوة التي يتبجّح بها ترامب ووزير حربه، وتركنهما في الزاوية التي يستحقانها، إذا كانت فعلا تملك قدرات رهيبة وقادرة على تغيير السردية الأمريكية التي تقول إن أمريكا ستنتصر على إيران بل وستعيدها إلى ما كانت عليه قبل عقود، وبالتالي ترمي بحجر المفاوضات في البحر إلى الأبد، ولعل الأيام القادمة ستكشف عن وجه أمريكا الحقيقي وراء هذه التحشّدات العسكرية والمخادعات التفاوضية.

شارك رأيك

Your email address will not be published.