مقال ”Il Foglio” نجح في إحداث رجة في تونس ليس لأنه مقال قوي، بل لأن الوسط السياسي التونسي يعيش حالة فراغ خطيرة. التخلص من هذا الثقل لا يكون بإنكاره أو بأسلوب التخوين بل بملء الفراغ السياسي ببدائل وطنية حقيقية تجعل من أي مقال أجنبي مجرد خبر عابر لا حدثا مؤسسا…
سامي الجلّولي *

تابعت منذ أيام ما نشر في صحيفة ”Il Foglio” الإيطالية وآثرت التريث قبل إبداء أي موقف أو تحليل حتى تتخمر العجينة ويتبين الخيط الأبيض من الأسود في هذا الطرح…
لا يمكن اعتبار ظهور المقال في صحيفة إيطالية تحديدا أمرا عبثيا أو مفاجئا أو حتى إعلانا مدفوع الأجر كما عبّر عن ذلك البعض. فإيطاليا هي الشريك الأوروبي الأكثر انشغالا بالملف التونسي، لا سيما في ملفي الهجرة والاستقرار الاقتصادي. تاريخيا، كانت تونس وإيطاليا تتبادلان الهواجس منذ عهدي قرطاج وروما، أحيانا ينشغلان بنا، وأحيانا ننشغل بهم…
قبل الغوص في التفاصيل، دعونا نتفق على نقطة جوهرية تتمثل في أن كل تونسي، سواء في الداخل أو الخارج، يتمتع بكامل حقوقه السياسية، بما في ذلك الحق في الترشح لأي استحقاق انتخابي، بلديا كان أو تشريعيا أو رئاسيا. هذا الحق ليس منّة من أحد، بل هو استحقاق دستوري. فاختزال العملية الديمقراطية في التخوين لمجرد ظهور اسم شخصية ما في تقارير أجنبية هو تسطيح مخلّ بالعمل السياسي…
تلطيف الأجواء قبل فوات الأوان
أميل إلى الاعتقاد بأن المقال في هذا الوقت وذكر اسم شخصية بعينها (رجل الأعمال التونسي-الإيطالي كمال الغريبي)، قد يكون تسريبا استخباراتيا يخدم احتمالية من اثنين:
الاحتمال الأول، قد يكون المقال أداة لجس نبض الشارع والنظام على حد سواء. وكثيرا ما تستخدم القوى الخارجية الصحافة لرمي حجر في المياه الآسنة لمراقبة ردود الأفعال. وبناء على التفاعل مع ما ورد في الصحيفة، تقوم مراكز الأبحاث المختصة بتقييم رد فعل النظام وسلوك الجماهير وتقديم التوصيات لصنّاع القرار الدوليين…
قد لا يكون كمال الغريبي هو المقصود لذاته، بل هو نموذج لرجل الاقتصاد والعلاقات العابرة للحدود. الشخصية التي تستهوي الشعوب في لحظات الأزمات الخانقة، كونها لا تقتات من السياسة الحزبية التقليدية و تمتلك مفاتيح الخزائن وشبكات النفوذ الدولي…
أما الاحتمال الثاني، ربما يهدف المقال إلى إحداث صدمة سياسية تدفع النظام القائم لاستيعاب أن الاحتقان الحالي يتطلب انفتاحا حقيقيا ويدفعه نحو تغيير سلوكه السياسي لتلطيف الأجواء قبل فوات الأوان…
مقال ”Il Foglio” نجح في إحداث رجة
في الوقت نفسه، لاحظت منذ ظهور المقال الكثير يتساءلون عن التدخل الإيطالي. يكفي أن نذكّر بظروف تغيير 1987. حيث لعبت إيطاليا والجزائر دورا محوريا في ترتيب انتقال السلطة وكان الهدف حينها تأمين أنبوب الغاز وضمان عدم وصول جهة وسط الفوضى لتخريبه…
علينا أن نعلم أنه طالما أن الأنبوب يضخ عبر تونس، فستظل لروما مصالح حيوية في المشهد السياسي التونسي. وفي المقابل، نجد أن الدور الفرنسي غالبا ما يكون رد فعل متأخر. فقد تفاجأت فرنسا بتغيير 1987 وبتغيير 2011 واقتصر دورها على اقتناص الفرص والمشاركة في ترتيبات ما بعد التغيير عبر تعيينات هنا وهناك…
المقال في ”Il Foglio” نجح في إحداث رجة ليس لأنه مقال قوي، بل لأن الوسط السياسي التونسي يعيش حالة فراغ خطيرة. التخلص من هذا الثقل لا يكون بإنكاره أو بأسلوب التخوين بل بملء الفراغ السياسي ببدائل وطنية حقيقية تجعل من أي مقال أجنبي مجرد خبر عابر لا حدثا مؤسسا…
* مستشار قانوني.



شارك رأيك