بقلوب يعتصرها الحزن والأسى، وبألم عميق يخيم على الأسرة الحقوقية وكل من عرفه ورافقه، نودّع اليوم المناضل الحقوقي والرابطي الصلب جمال مسلم، أحد الوجوه النادرة التي كرّست حياتها كاملة للدفاع عن الحرية والكرامة وحقوق الإنسان، ومضت في هذا الطريق بثبات وإيمان حتى آخر العمر.
يرحل جمال مسلم، فيخسر الحقوقيون في تونس رفيق درب نبيلاً، وتفقد الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أحد أبنائها الأكثر وفاءً وإخلاصًا، رجلًا عاش للرابطة أكثر مما عاش لنفسه، وحمل همّها وقضاياها في كل الظروف، في سنوات القمع كما في لحظات الانفراج، دون أن يتراجع أو يساوم أو يتعب.
كان الفقيد مناضلًا رابطيًا أصيلًا، من أولئك الذين لم ينظروا إلى النضال الحقوقي كموقع أو صفة، بل كالتزام أخلاقي وإنساني عميق. ظلّ مؤمنًا بكونية حقوق الإنسان وشموليتها، ومدافعًا شرسًا عن الحريات العامة والفردية، وعن دولة القانون والعدالة، مهما كانت الصعوبات ومهما تبدلت السياقات.
شغل الراحل منصب رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بين أكتوبر 2016 و24 نوفمبر 2022، كما ترأس فرع سوسة وكان صوتًا حاضرًا في المجتمع المدني لعقود طويلة، تاركًا وراءه سيرة نظيفة ومسارًا نضاليًا يبعث على الاحترام والاعتزاز.
لكن الذين عرفوا جمال مسلم عن قرب، سيذكرونه أيضًا بإنسانيته الكبيرة: ببساطته وتواضعه، بطيبته النادرة وباستعداده الدائم للمساعدة والتعاون. كان قريبًا من الجميع، يحمل هدوء الحكماء وصدق المناضلين الذين لا يطلبون شيئًا لأنفسهم، ويمنحون كل شيء لقضاياهم ولرفاقهم.
وقد كانت الرابطة بالنسبة إليه أكثر من مجرد منظمة؛ كانت بيتًا للنضال، وذاكرة عمر، ومساحة آمن فيها بأن تونس يمكن أن تكون أكثر عدلًا وحرية وكرامة. لذلك عاش أيامه الأخيرة مثقلًا بالحزن والألم إثر قرار تعليق نشاط الرابطة، ذلك القرار الذي نزل عليه كالفاجعة، لأنه شعر أن جزءً من تاريخه الشخصي والوطني يُصاب في الصميم.
لقد آلمه أن يرى الرابطة، التي قاومت الاستبداد وصمدت في وجه القمع والتضييق لعقود، تُدفع إلى هذا الوضع المؤلم. وكان يشعر بمرارة كبيرة وهو يتابع ما يحدث لمؤسسة أفنى فيها سنوات عمره، وآمن بأنها ستظل دائمًا حصنًا منيعًا للدفاع عن الحقوق والحريات. لم يكن يتوقع، بعد كل ما قدمه جيل كامل من المناضلين أن يعيش لحظة يُعلّق فيها نشاط الرابطة التي صمدت طويلًا في وجه العواصف.
رحل جمال مسلم وقلبه مثقل بهذا الوجع، لكنه رحل أيضًا وفيًا للمبادئ التي عاش من أجلها، ثابتًا على قيم الحرية والكرامة والعدالة، تاركًا وراءه فراغًا كبيرًا وحزنًا عميقًا في قلوب رفاقه وكل من عرف نقاءه وصدقه.
برحيله، تخسر تونس صوتًا حقوقيًا حرًا، ورجلًا من جيل المناضلين الذين آمنوا بأن الكرامة لا تتجزأ، وأن الدفاع عن الإنسان واجب لا يسقط مهما كانت الكلفة.
لروحك يا جمال كل السلام، وألهم عائلتك ورفاقك وكل الأسرة الحقوقية جميل الصبر والسلوان.



شارك رأيك