بقلم د. رياض الشعيبي*
كشفت المعطيات الواردة في تقرير أعدّه مكتب الدراسات بمجلس الشيوخ الإيطالي حول المرسوم الخاص بالمهام العسكرية الخارجية لسنة 2026 عن تحوّل لافت في المقاربة الإيطالية والأوروبية تجاه جنوب المتوسط، وخاصة تجاه تونس.
فالقرار الإيطالي لا يقتصر على توسيع الانتشار العسكري الخارجي أو مضاعفة قوات “الجاهزية العالية والفائقة”، بل يتضمن أيضًا إطلاق ثلاث بعثات جديدة في العراق والصومال وتونس. وإذا كانت المهمتان الأولى والثانية تندرجان ضمن بيئات نزاع أو تهديدات أمنية تقليدية، فإن المهمة الخاصة بتونس تحمل دلالات مختلفة وأكثر عمقًا من مجرد التعاون التقني أو الأمني العادي.
البعثة الإيطالية في تونس ستقودها “الحرس المالي” الإيطالي (Guardia di Finanza)، وستعمل بالتنسيق مع الحرس الوطني البحري التونسي، من خلال إنشاء وحدة دعم في كل من تونس العاصمة وصفاقس، مع توفير التدريب والدعم اللوجستي والصيانة والتأهيل الفني للطواقم التونسية، إضافة إلى متابعة الوحدات البحرية التي سبق لإيطاليا أن سلمتها إلى تونس في إطار التعاون الثنائي والأوروبي.
ورغم محدودية عدد العناصر المعلنة، فإن أهمية هذه الخطوة لا تُقاس بالحجم العددي، بل بطبيعة التحول الذي تعكسه. فإيطاليا تبدو وكأنها تنتقل من سياسة الدعم عن بعد إلى نمط أكثر حضورًا ومباشرة داخل المنظومة التشغيلية للأمن البحري التونسي.
ويأتي هذا التطور في سياق أوروبي أوسع بات ينظر إلى جنوب المتوسط باعتباره فضاءً متقدمًا للأمن الأوروبي، خاصة في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية، والتوترات الإقليمية في الساحل الإفريقي، وتزايد أهمية التحكم في المسارات البحرية المتوسطية.
وفي هذا السياق، أصبحت تونس، وبشكل خاص مدينة صفاقس وسواحلها الشرقية، تمثل نقطة مركزية في الحسابات الأوروبية المتعلقة بإدارة الهجرة وحماية الحدود الجنوبية للمتوسط. لذلك لم يعد التعامل الأوروبي مع تونس مقتصرًا على الشراكات الاقتصادية أو برامج الانتقال الديمقراطي، بل أخذ يكتسب طابعًا أمنيًا متزايدًا، تتقدم فيه أولويات المراقبة والجاهزية والتنسيق العملياتي.
ويكشف هذا التوجه أيضًا عن تغير في طبيعة العلاقة بين أوروبا وتونس. فبدل مقاربة تقوم أساسًا على دعم التنمية أو الإصلاح السياسي، تتجه الأولوية أكثر فأكثر نحو إدارة المخاطر الأمنية والهجرية. وهو ما قد يثير داخل تونس نقاشًا متصاعدًا حول حدود التعاون الأمني، وحول التوازن بين متطلبات الشراكة الدولية والمحافظة على القرار السيادي الوطني.

كما أن إنشاء وحدات دعم ثابتة في تونس وصفاقس يعبّر عن رغبة أوروبية في بناء حضور عملي دائم وقريب من السواحل الأكثر حساسية في المتوسط، بما يجعل تونس جزءًا متقدمًا من منظومة الأمن المتوسطي الأوروبية.
ولا يبدو أن هذا التطور ظرفي أو معزول، بل يندرج ضمن إعادة تشكيل أوسع لأولويات الأمن في الفضاء الأورو-متوسطي، حيث تتزايد أهمية الأدوار البحرية والرقابة الحدودية والتعاون الأمني المباشر مع دول الجنوب.
إن ما يحدث اليوم يتجاوز فكرة “بعثة تدريبية” محدودة، ليعكس تحولًا تدريجيًا في موقع تونس داخل الحسابات الاستراتيجية الأوروبية، من شريك سياسي واقتصادي إلى عنصر أساسي في معادلة الأمن والهجرة في المتوسط.
*رياض الشعيبي قائد في جبهة الخلاص



شارك رأيك