في ذكرى شهداء الحوض المنجمي: العدالة الاجتماعية قضية لم تُحسم بعد

بقلم فاهم بوكدوس
تحيي مدينة الرديف غداً السبت 6 جوان الجاري الذكرى السنوية لسقوط أول شهداء الرصاص الحي في انتفاضة الحوض المنجمي لسنة 2008، وهي مناسبة تستحضر فيها الجهة تضحيات أبنائها الذين واجهوا القمع دفاعاً عن الحق في الشغل والكرامة والعدالة الاجتماعية.

ويُعد هذا اليوم محطة راسخة في الذاكرة الجماعية لأهالي الحوض المنجمي، حيث سقط الشهيد الحفناوي المغزاوي برصاص الأمن يوم 6 جوان 2008، قبل أن يلتحق به عبد الخالق العميدي متأثراً بإصاباته الخطيرة جراء الأحداث نفسها.

ولا يقتصر إحياء هذه الذكرى على استحضار أسماء الشهداء أو سرد وقائع الماضي، بل يمثل فرصة للتأمل في المعاني العميقة التي حملتها انتفاضة الحوض المنجمي والدروس التي ما تزال تطرحها على تونس اليوم. فقد اندلعت الاحتجاجات في جانفي 2008 على خلفية ما اعتبره الأهالي فساداً ومحسوبية في مناظرات الانتداب بشركة فسفاط قفصة، لكنها سرعان ما تحولت إلى حركة اجتماعية واسعة عبّرت عن تراكم طويل من التهميش والإقصاء والبطالة وانعدام العدالة في توزيع الثروة.

لقد كشفت تلك الانتفاضة، قبل سنوات من سقوط نظام بن علي، أن الأزمة في تونس لم تكن سياسية فقط، بل كانت في جوهرها أزمة تنموية واجتماعية. فمن قلب منطقة تنتج جزء مهماً من الثروة الوطنية ارتفعت أصوات تطالب بحقوق أساسية: الشغل والتنمية والكرامة. وكان ذلك إيذاناً بعودة “المسألة الاجتماعية” إلى واجهة النضال الوطني بعد سنوات من التعتيم والقمع.

ومن أهم الدروس التي قدمتها انتفاضة الحوض المنجمي أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ليست مطالب قطاعية أو فئوية معزولة، بل هي جوهر الاستقرار السياسي والديمقراطي. فقد أثبتت التجربة أن الحرية السياسية تفقد جزء كبيراً من معناها عندما يعجز المواطن عن إيجاد فرصة عمل أو عندما يشعر بأن منطق الولاءات والمحسوبية يتقدم على مبدأ المساواة في الحقوق والفرص.

كما أظهرت الانتفاضة أن أي مشروع للتغيير السياسي لا يمكن أن ينجح أو يستمر إذا لم يضع العدالة الاجتماعية في قلب أولوياته. فالتجارب التاريخية تؤكد أن الشعوب لا تطالب فقط بحرية التعبير أو تداول السلطة، بل تطالب أيضاً بالحق في حياة كريمة وفي توزيع عادل للثروة وفي تنمية تشمل الجميع. وعندما يتم التعامل مع المطالب الاجتماعية باعتبارها قضايا ثانوية أو مؤجلة، فإن أسباب الاحتقان تبقى قائمة مهما كانت طبيعة التحولات السياسية.

واليوم، بعد ثمانية عشر عاماً من الانتفاضة وأكثر من خمسة عشر عاماً على الثورة، لا تزال الأسئلة التي رفعتها جماهير الحوض المنجمي مطروحة بإلحاح: ماذا تحقق في مجال التنمية الجهوية؟ إلى أي مدى تقلصت البطالة والتفاوت بين الجهات؟ وكيف يمكن تحويل الثروات الطبيعية إلى رافعة حقيقية للتنمية المحلية؟ وهي أسئلة لا تخص الحوض المنجمي وحده، بل تتعلق بمستقبل النموذج التنموي في تونس كلها.

إن استذكار شهداء الرديف هو أيضاً دفاع عن الذاكرة الوطنية في بعدها الاجتماعي. فانتفاضة الحوض المنجمي لم تكن حدثاً محلياً معزولاً، بل شكلت أحد أهم المقدمات التي مهدت لثورة الحرية والكرامة، وأسهمت في كسر حاجز الخوف وفضح طبيعة السياسات التي أنتجت التهميش والاحتقان. ولذلك فإن مكانتها في التاريخ التونسي تنبع من كونها ربطت بين النضال من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبين النضال من أجل الحرية والديمقراطية.

وفي يوم الشهيد، يتجدد التذكير بأن الوفاء للحفناوي المغزاوي وعبد الخالق العميدي ولكل مناضلي الحوض المنجمي لا يكون فقط باستحضار تضحياتهم، بل أيضاً بمواصلة الدفاع عن القيم التي ناضلوا من أجلها: العدالة والمساواة والحق في الشغل والتنمية العادلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي استهدفت المحتجين السلميين.

فذكرى الحوض المنجمي ليست مجرد ذكرى للماضي، بل هي رسالة إلى الحاضر والمستقبل: لا ديمقراطية دون عدالة اجتماعية، ولا استقرار دائم دون إنصاف الجهات المهمشة، ولا معنى لأي تغيير سياسي إذا لم ينعكس على حياة المواطنين وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.

المجد والخلود لشهداء الحوض المنجمي.

لا تنازل عن الحقيقة والمحاسبة.
شهداء الحوض المنجمي شهداء الثورة والعدالة الاجتماعية.
*ف.ب، المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين

شارك رأيك

Your email address will not be published.