من القصرين إلى أريانة : 23 نقطة تفصل بين تونسَيْن

35,67 % — رقم خام، رقم عارٍ، رقم يتّهم. لكنه يتّهم ماذا، ويتّهم مَن؟ هذا هو السؤال الذي يتهرّب منه النقاش العام التونسي بانتظام، مؤثِراً الإدانة السياسية على التشخيص البنيوي. حين يتحوّل رقم التعليم إلى ذخيرة انتخابية، تخسر المدرسة العمومية مرّتين: مرةً في الفصل الدراسي، ومرةً أخرى في فضاء النقاش.

عبد الوهاب بن موسى

ما تقوله الأرقام فعلاً

أعلنت وزارة التربية في العشرين من جوان 2026 عن نتائج الدورة الرئيسية للبكالوريا: 35,67 % نسبة نجاح وطنية، بمعدل 55 259 ناجحاً من أصل 154 928 مترشحاً. وصف بعضهم هذا الرقم بـ”الاستقرار”. الاستقرار؟ تكشف السلسلة التاريخية عكس ذلك تماماً : 36,38 % عام 2023، ثم 42,20 % عام 2024، ثم عودة إلى 37,08 % عام 2025، وصولاً إلى 35,67 % اليوم. في غضون عامين فقط، تراجع المؤشر بما يزيد على سبع نقاط. ليس هذا استقراراً — بل هو انحدار بطيء يُقرأ في الأرقام لمن أراد القراءة.

لكن الأشدّ قسوةً من معدل النجاح الوطني هو ما يختفي خلفه من هوّة جهوية صارخة. ففي حين تتجاوز نسبة النجاح 47 % في أريانة والمهدية وتونس الأولى وسوسة، لا تبلغ في القيروان سوى 31,54 %، وتتراجع إلى 28,02 % في قفصة، ولا تتعدى 24,53 % في القصرين. فارق يبلغ ثلاثة وعشرين نقطة بين جهة وأخرى داخل الوطن الواحد وتحت المنهج الوطني الواحد والشهادة الوطنية الواحدة — ذلك ليس تفاوتاً عرضياً، بل هو إجحاف ممنهج يستحق أن يُسمّى بإسمه.

ولا تقلّ الفجوة بين الشعب إثارةً للقلق: الرياضيات تسجّل 79,41 % نجاحاً، في حين لا تتعدى الآداب 24,24 % والاقتصاد والتصرف 26,22 %. هكذا يفصل خمسة وخمسون نقطةً بين أعلى شعبة وأدناها في الامتحان الوطني ذاته. وهذا سؤال لم يُطرح بعدُ بالجدية التي يستحقها : هل تقيس البكالوريا الكفاءة، أم تُعيد إنتاج الفرز الاجتماعي؟

أزمة هيكلية لا تُحتسب بولاية واحدة

التلميذ الذي يجلس اليوم أمام أوراق البكالوريا 2026 بدأ مساره التعليمي نحو عام 2013. ثلاثة عشر عاماً من التكوين لا تُختزل في خمس سنوات من الحوكمة الراهنة. إن إسناد نتائج هذا الجيل حصراً إلى سلطة بعينها هو خطأ منهجي قبل أن يكون خطأ سياسياً — إذ يُسقط من الحساب عقوداً من التراجع في الإنفاق على التعليم، وتآكل جاذبية مهنة التدريس، وتضخّم المناهج في غياب الموارد.

والمجلس الأعلى للتربية مثال دالّ على هذه الإشكالية. صحيح أن المؤسسة دُسترت ولم تنطلق بعد نحو عامين من التأسيس — وهذا إخفاق مؤسسي لا يحتمل الدفاع. غير أن الأصح أن يُقرأ هذا التعثر باعتباره عارضاً من أعراض خلل بنيوي أعمق يطال طريقة إنتاج السياسات العامة في تونس منذ الاستقلال: حوكمة فوقية، وغياب التشاركية، وأجهزة رمزية تُنشأ للإعلان لا للعمل. تشخيص هذا الخلل ضروري — لكن توظيفه ذخيرةً في معركة سياسية يُفسده ويُهدر طاقته الإصلاحية.

والأخطر من تسييس التشخيص هو ما ينجم عنه: حين يتحوّل ملف التعليم إلى ساحة مواجهة بين المعارضة والسلطة، يُصبح الإصلاح الحقيقي رهينةً للتوافق السياسي الغائب. ويخسر في نهاية المطاف التلميذ في القصرين الذي لا يتجاوز معدل نجاح جهته 24 %، ولا ناقة له في هذه المعركة ولا جمل.

ما الذي يجب أن يتغيّر فعلاً

الإصلاح الذي تحتاجه المدرسة التونسية ليس خطاباً — بل هو حزمة تدابير قابلة للقياس. أولها : إقرار خريطة مدرسية تمييزية إيجابية تخصّص موارد أعلى للجهات الأقل حظاً، بدلاً من توزيع متساوٍ يُكرّس التفاوت القائم. ذلك يعني أن يتلقى التلميذ في القصرين أو جندوبة تمويلاً أعلى بالضرورة مما يتلقاه نظيره في أريانة أو المهدية — لأن تكافؤ الفرص لا يعني التوزيع المتساوي، بل التوزيع المنصف.

ثانيها: إدماج مؤشرات التعليم الجهوية في مخطط التنمية 2026-2030 بوصفها مؤشرات استراتيجية ملزِمة لا تزيينية. لا يكفي أن يُذكر التعليم في وثيقة التنمية — بل يجب أن ترتبط به أهداف قابلة للقياس السنوي: نسبة تقليص الفجوة بين الجهات، معدّل التأطير التربوي، مستوى التجهيز في المناطق الريفية.

ثالثها: إعادة الاعتبار المادي والمعنوي لمهنة التدريس. لا يمكن لمنظومة تعليمية أن تُنتج تميّزاً وهي تُحكم الطوق على مدرّسيها مادياً وتُهمّشهم رمزياً. تجارب ناجحة من سنغافورة وفنلندا وحتى المغرب في مسار إصلاحها — وإن بدرجات متفاوتة — تُثبت أن الرفع من جاذبية مهنة التدريس هو الرافعة الأولى لأي إصلاح تعليمي مستدام.

رابعها وأخيرها: إطلاق المجلس الأعلى للتربية بتركيبة تشاركية حقيقية تضمّ الهياكل النقابية والخبراء التربويين وأولياء التلاميذ — لا بوصفه جهاز شرعنة، بل بصلاحيات استشارية ملزِمة وآليات متابعة منشورة أمام الرأي العام. المؤسسات الرمزية التي لا تعمل لا تُضعف الحوكمة وحسب — بل تُنخر الثقة في المؤسسات أجمع.

«المدرسة العمومية لا تحتاج إلى خصوم ولا إلى مدافعين — بل إلى مصلحين يحملون أرقاماً لا شعارات.»

————————————————————————

 الآراء والتحليلات الواردة في هذه المقالة تعبّر عن وجهة نظر كاتبها حصراً، ولا تعكس بأي حال موقف أي جهة عامة أو خاصة.

شارك رأيك

Your email address will not be published.