“أثارت فيّ الأخبار المتداولة عن اجتياح آلاف المغاربة لمدينة سبتة الإسبانية بعض التساؤلات. سيقاطعني البعض: سبتة تاريخيا مغربية. مرحى. هل ذهبت تلك الجموع إذن لتحريرها؟ لم يقل حكام المغرب ذلك رغم أن إعلان الحرب لهذه الغاية يعود إليها. إذن هي واقعيا هجرة غير نظامية (لا يمكن وصفها بالسرية لطابعها الاستعراض اللافت) إلى أرض لا تزال إلى اليوم تحت الحكم الإسباني.
“ولعله لم يجاوز الحق ذلك الذي قال إن الكثير من المهاجرين لا يرغبون في تحرير أراضيهم أكثر من رغبتهم في أن تتقدم دول الضفة الأخرى في بلدانهم أكثر…
كما أنه لسائل أن يسأل كم شخصا سيبقى في الأراضي “المحررة ” لو أن أروبا فتحت لهم أبوابها…!
ويظل السؤال الأبرز الذي يقفز الذهن هو لماذا؟
سؤال كبير تتوالد في ثناياه الأجوبة والاحتمالات والاستطرادات…
لماذا يرمي الآلافشيبا وشبابا بأنفسهم في البحر هروبا من الأرض التي ولدوا عليها وألفوا ترابها وشمسها وهواءها وعاشوا فيها قسما من العمر يفترض أنه كاف لينسج بينها وبينهم روابط لا تنفصم وعاطفة لا تخمد…؟
قد يكون الجواب هي الرغبة في الحياة. فلا شيء يدفع الإنسان إلى مواجهة الموت سوى البحث عن حياة أخرى. فمن يترك الموت المحقق خلفه لن يثنيه خطر الموت المحتمل عن الرحيل.
قد يقال إن هناك من يختار الهجرة رغم أن حياته على أرض الولادة ما تزال ممكنة!
وماذا تقول إذا رد عليكك المهاجر: أي حياة!
فقد لا يكون الجوع هو سبب الهجرة الأهم. فوحدها الدواب يرضيها من حياتها الكلأ. فالكرامة والحرية والأمان والعدل وتحقيق الذات أسباب أخرى كافية. يستوي في ذلك المغربي والتونسي والجزائري والسعودي والباكستاني والسوداني والكاميروني والمكسيكي والكوبي…
“هي حياة أخرى إذن ما يبحث عنها المهاجر.
لكن لماذا توجد هذه الحياة هناك على الضفة الأخرى وما والاها من البلدان، ولا توجد في أرضنا أو بتعبير فؤاد نجم مع اختلاف السياق “عايز توصف الحياة عندهم قول الحياة عندنا موش كذلك!”
تلك معضلة أخرى قد تسبب لك الحنق.
ويزداد حنقك حين تكشف لك المقارنة أن البلدان التي يتجشم بعض أهالينا شتى المصاعب للوصول إليها سرا وعلانية، هي دون بلدانهم مساحة وثروات، لكن ناتجها المحلي أضعاف ما تنتجه أوطانهم…
يعود السؤال: لماذا؟
اعتاد البعض أن يفسر ذلك بما عرفته بلاد الهجرة من استعمار استنزف الكثير من مقدراتها. لكن هذا التفسير تناقصت حججه بمرور أكثر من ستين عاما من صيرورة حكم البلاد إلى موظفيها.
من ناحية أخرى تجاوز التاريخ تفسير الفوارق بالعرق واللون والمناخ. لكن المصلحين منا احتاروا في رسم طريق إصلاح الخلل. فظل جاثما فوق صدورنا ومصائرنا. “وفي كل مئذنة حاو ومغتصب، يدعو لأندلس إن حوصرت حلب…!” كما بكانا درويش ذات يوم في مديح الظل العالي…
فمن العبث أن نواصل التباكي على الأندلس وقد صارت وجهة الفارين من جحيم مواطنهم بعد أن فشلنا رغم مرور السنوات في بناء الحياة اللائقة فيها…!”.
المصدر: نقلا عن الحساب الخاص بصفحات التواصل الاجتماعي للأستاذ المحامي صلاح البرقاوي



شارك رأيك