كيف لي أن أحترم القانون. أخافه. نعم، مثلكم. لكنني لا أحترمه. كيف أفعل وقد صار، ولعله كان دائما، وجها آخر للفوضى… فوضى تضطرم اليوم بداخلي وتدفعني إلى ضم صوتي إلى من يطالبون بالإفراج عن السيد سيف الدين العرفاوي…!.
رغم دراستي للقانون واشتغالي به لمدة فاقت اليوم الأربعين عاما، فإنني كلما تقدمت في العمر كلما زاد احتقاري له كمادة تدرّس وكسيف تسلطه كل قوة غاشمة على رقاب الناس لإخضاعهم لمشيئتها وترهيب مناوئيها، تستوي في ذلك القوى العالمية والقوى الوطنية.
فبالقانون توزعت افريقيا وآسيا بين قوى الاستعمار،
وبالقانون تم تقسيم فلسطين،
وبالقانون اجتاحت أمريكا العراق ومزقته…
وبالقانون يسجن المعارضون لكل سلطة، وتمنع الأحزاب والجمعيات.
وبالقانون تنظم رخص ممارسة الجنس وتسند رخص بيع الخمر للبعض وتمنع عن البعض الآخر.
وبالقانون تفرض أشكال التدين وترسم جرائم الكفر.
وبالقانون يشرّع الاستغلال والسرقة والظلم…
ورغم كل هذا قد ينجح القانون في الاحتفاظ بقشرة الاحترام حين يلتزم الحياء ويتعالى على الغرائز ولا يميز بين محكوم وحاكم، ولا بين مساند ومناوئ.
لكن كيف أذعن له وأحترمه وأنا أراه يفقد كل يوم سنده الأخلاقي ويتحول إلى مجرد هراوة أو سكين بيد من وضعه في مواجهة حق الناس في الاعتراض على الظلم.
كنت سأصمت أمام قرار إيقاف السيد سيف الدين العرفاوي وأذعن له (وقد كان بإمكانه أن يعبر عن نفس الرأي دون حاجة إلى وضع نفسه في مرمى نيران العدو، كأن يطالب بحق المحكوم في الاطلاع على الحالة الصحية لحاكمه إذا كان المقصود بهتافه رئيس اىدولة).
لكن كيف أذعن وأنا أعاين أن ما هتف به في المظاهرة لا يمثل شيئا مقارنة بدعوات إرهابية تحرض على القتل، لم نسمع عن أصحابها أنهم كانوا محل تتبع ومحاسبة.
وهل يختلف هتافه عما تبثه حناجر السلطة وأبواقها يوميا من طعون في حق المعارضين.
كنت سأذعن لو أن صاحب السلطة احترم قوانينها في إلغاء دستور أقسم على احترامه وعوضه بغيره.
كنت سأذعن لو أنني لم أر كيف وقع ليّ رقبة الفصل 80 من دستور 2014 بما يخالف نصه ومقصده لفرض أمر واقع جديد.
كنت سأذعن لو أن رئيس السلطة لم يصل في الاستهانة بترتيب القوانين إلى حد إعلاء الأوامر على الدساتير. فاللعنة عليك يا “كلسن”(*) يا من أفسدت رؤوسنا بأفكارك!
كنت سأذعن لو أن السلطة احترمت قوانينها في عزلها لبعض القضاة وأذعنت للأحكام الصادرة عن محاكمها بإرجاعهم إلى العمل.
كنت سأذعن لو أنها امتنعت عن تغيير قواعد مراقبة الانتخابات الرئاسية وهي جارية.
كنت سأذعن لو أن رئيس الدولة امتنع عن الطعن علانية في شرف قاضية اتهمها بالزنا رغم أن المحاكم برأتها من التهمة.
كنت سأذعن لو أن السلطة احترمت قوانينها فأعادت المجلس الأعلى للقضاء إلى سالف دوره وركزت المحكمة الدستورية في الآجال التي تعهدت بها رغم أن تركيزها لا يحتاج جهدا بعد أن حدد الدستور تركيبتها وصلاحياتها.
وكنت.. وكنت…
لذلك كيف لي أن أحترم القانون. أخافه. نعم، مثلكم. لكنني لا أحترمه. كيف أفعل وقد صار، ولعله كان دائما، وجها آخر للفوضى… فوضى تضطرم اليوم بداخلي وتدفعني إلى ضم صوتي إلى من يطالبون بالإفراج عن السيد سيف الدين العرفاوي…
(*) هانز كلسن. فيلسوف ومحامي أمريكي (1881- 1973). رسم القوانين على هيئة هرم، قمته الدستور، باعتباره القاعدة القانونية الأسمى في الدولة، والتي تمنح الشرعية لجميع القوانين الأخرى.



شارك رأيك