عندما يحاسب الشعب الدولة بوحدات الشغل والحرية والكرامة

بقلم فاهم بوكدوس
قال رئيس الجمهورية: «مؤسسات الدولة لا هي قاعة انتظار ولا هي عمليات محاسبية، فالوحدات المحاسبية عند الشعب هي الشغل والحرية والكرامة الوطنية»..

وإذا أخذنا هذه العبارة بجدية، بعيداً عن الخطاب والشعارات، فإنها تصلح فعلاً لفتح دفتر الحساب، لكن الحساب هذه المرة لا يجريه المواطن بالأرقام التي تختارها السلطة، بل بما يعيشه يومياً: كم من شغل توفر؟ كم بقي من الحرية؟ وماذا بقي من الكرامة؟

الشغل: حين يتحول القانون إلى انتظار:

إذا كان الشغل أولى وحدات المحاسبة، فإن الأرقام الرسمية لا تسمح بالحديث عن تحول جوهري في واقع التشغيل، فقد بلغت نسبة البطالة 14.9 بالمائة خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026 وفق المعهد الوطني للإحصاء، بما يؤكد استمرار البطالة في مستويات مرتفعة رغم تحسن طفيف مقارنة بالفترة السابقة، لكن الأرقام العامة لا تكشف وحدها عمق المشكلة، فالبطالة تضرب الشباب وحاملي الشهادات العليا بصورة أكبر، وهو ما يجعل الشغل ليس مجرد مؤشر اقتصادي، وإنما مسألة مرتبطة مباشرة بمستقبل أجيال كاملة.
وتصبح المفارقة أكبر عندما يتعلق الأمر بقانون تشغيل من طالت بطالتهم،فقد صدر القانون على أساس أنه سيضع حداً لسنوات طويلة من الانتظار، لكن أصحاب الحق وجدوا أنفسهم مجدداً في الشارع للمطالبة بتطبيق قانون يفترض أن الدولة أقرته أصلاً لفائدتهم.
وهنا تطرح المحاسبة سؤالاً بسيطاً: هل تقاس سياسة التشغيل بعدد القوانين التي تصدرها الدولة أم بعدد العاطلين الذين يجدون فعلاً شغلاً؟
والأكثر إيلاماً أن الاحتجاج من أجل تطبيق القانون يمكن أن ينتهي بمواجهة المحتجين بالعنف، بدل أن تتحول مطالبهم إلى حوار حول كيفية تنفيذ القانون.
وهنا تصبح المفارقة صارخة: كيف يمكن مطالبة المواطن باحترام القانون عندما لا يجد القانون نفسه طريقه إلى التطبيق؟فالشغل لا يصبح وحدة محاسبية حقيقية إلا عندما ينتقل المواطن من خانة الانتظار إلى خانة العمل، ومن البطالة إلى الإنتاج، ومن الإحساس بأن الدولة تؤجل حقه إلى الشعور بأن القانون يحميه.

الحرية: عندما يصبح السجن حاضراً في كل المجالات

أما الوحدة الثانية، فهي الحرية، وهنا يبدو دفتر الحساب أكثر قسوة،فالحرية لا تختزل في حرية التعبير فقط، بل تشمل أيضاً حرية التجمع والتنظم والتظاهر والاحتجاج، وهي حقوق لا تكتمل قيمتها إذا أصبحت ممارستها نفسها سبباً للتتبع أو السجن.
اصبح اللجوء إلى السجن والتتبعات القضائية حاضراً في علاقة الدولة بعدد متزايد من الفئات والقطاعات: سياسيين، ونقابيين، وصحفيين، ومحامين، وقضاة، وكتاباً ومثقفين ونساء، إلى جانب مواطنين يمارسون حقهم في الاحتجاج أو التعبير عن غضبهم من أوضاعهم اليومية. ولم يعد السجن احتمالاً مرتبطاً فقط بمن يمارس العمل السياسي المباشر، بل أصبح حاضراً أمام الصحفي عندما يكتب، والنقابي عندما يحتج، والمحامي عندما يقوم بدوره، والقاضي عندما يتمسك باستقلاله، والمواطن عندما يعترض على وضع يعيشه.
وتظهر المشكلة بوضوح أكبر عندما يتعلق الأمر بالاحتجاجات الاجتماعية. فقد أصبح مواطنون يحتجون على انقطاع الماء أو الكهرباء وتردي الخدمات الأساسية يواجهون التتبعات، بدل أن يُنظر إلى احتجاجهم باعتباره تعبيراً عن مطالب اجتماعية يفترض أن تجد طريقها إلى الحوار والمعالجة. كما يجد شباب من الأحياء الشعبية والمدن الداخلية أنفسهم أمام التتبع بسبب تدوينات أو مواقف تنتقد الفساد والمحسوبية والتهميش، فيتحول التعبير عن الغضب الاجتماعي من قضية تستوجب الإصغاء إلى ملف قضائي.

وهنا تبرز مسألة حرية التجمع والتظاهر والتنظم. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على تنظيم هذه الحقوق، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية أصحابها عندما يمارسونها سلمياً. والاحتجاج على انقطاع الماء أو الكهرباء، أو المطالبة بالتنمية، أو انتقاد الفساد والمحسوبية، لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى مسار عقابي. فالاحتجاج الاجتماعي ليس تهديداً للدولة، بل هو في كثير من الأحيان إحدى الوسائل التي يكشف بها المجتمع عن إخفاقات الدولة ويطالب بإصلاحها.

وزاد هذا المناخ إطار تشريعي زجري، يتمثل خصوصاً في المرسوم 54، الذي أُقر لمواجهة الجرائم المرتبطة بأنظمة المعلومات والاتصال، لكنه أصبح حاضراً في عدد من قضايا التعبير والنشر والرأي. وهنا تطرح المسألة نفسها بوضوح: هل نستخدم القانون لحماية المجتمع من الجرائم، أم نستخدم النصوص الزجرية لتوسيع دائرة الخوف من التعبير والاحتجاج؟

ان المسألة لا تتعلق فقط بعدد الموقوفين أو الأحكام الصادرة، بل بما ينتجه ذلك من أثر على المجتمع كله. فعندما يرى المواطن أن الاحتجاج على العطش أو الظلام قد يقوده إلى القضاء، وأن تدوينة تنتقد المحسوبية قد تفتح أمامه ملفاً جزائياً، فإنه يبدأ في ممارسة الرقابة على نفسه قبل أن تمارس الدولة أي رقابة عليه. وعندما يخشى الصحفي العقوبة قبل أن يكتب، والنقابي التتبع قبل أن يحتج، والمواطن الملاحقة قبل أن يتظاهر، يصبح الخوف جزءاً من الحياة العامة،لذلك لا تقاس الحرية بوجود فصل دستوري يضمنها، وإنما بقدرة المواطن على ممارسة حقوقه فعلياً ودون خوف.

ان حرية التعبير تحتاج إلى حماية، وحرية التجمع تحتاج إلى ضمان، وحرية التظاهر تحتاج إلى فضاء آمن، وحرية التنظيم تحتاج إلى عدم تحويل النشاط المدني والنقابي والسياسي إلى مخاطرة قضائية.

واجمالا لا يمكن بناء دولة مستقرة على مجتمع يخاف من التعبير عن غضبه، والمطلوب ليس إلغاء القانون أو إسقاط المسؤولية عن كل من يتجاوز القانون، وإنما ضمان أن يكون اللجوء إلى السجن والتجريم استثناءً ضرورياً ومتناسباً، لا وسيلة عادية لإدارة الاختلاف والاحتجاج. فالدولة القوية ليست التي تُسكت مواطنيها، وإنما التي تستطيع أن تسمع احتجاجهم، وتتحمل نقدهم، وتعالج أسباب غضبهم دون أن تجعل السجن جواباً على كل صوت مختلف.
.

الكرامة: عندما يصبح الماء والكهرباء سبباً للنزول إلى الشارع:

ثم نصل إلى الكرامة، وهي ربما أكثر وحدات المحاسبة التصاقاً بحياة الناس،فالكرامة ليست شعاراً سيادياً ولا عبارة تُرفع في المناسبات، انها تبدأ من أبسط شروط الحياة: الماء، والكهرباء، والدواء، والصحة، والنقل، والخدمات الأساسية.
وهنا يقدم شهر جويلية 2026 مؤشراً بالغ الدلالة. فقد سجل، وفق المرصد الاجتماعي التونسي التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 1101 تحرك احتجاجي، وهي أعلى حصيلة لاحتجاجات شهر جويلية خلال عشر سنوات. والأهم أن هذه الاحتجاجات ارتبطت بدرجة كبيرة بتدهور ظروف العيش والخدمات الأساسية.
فقد جاء انقطاع الماء الصالح للشراب في المرتبة الأولى بـ373 تحركاً احتجاجياً، يليه انقطاع الكهرباء بـ305 تحركات. أي أن هذين المطلبين وحدهما كانا وراء 678 تحركاً، بما يزيد عن 60 بالمائة من مجموع التحركات المسجلة خلال شهر واحد.
هذه ليست مجرد أرقام عن احتجاجات اجتماعية. إنها أرقام عن الكرامة نفسها،فماذا تعني الكرامة لمواطن يفتح حنفية بيته ولا يجد الماء؟وماذا تعني لعائلة تواجه انقطاع الكهرباء في ذروة الصيف والحرارة؟وماذا تعني لمريض يبحث عن دوائه ولا يجده، أو يجد أن كلفته أصبحت فوق قدرته؟وماذا تعني لمواطن يضطر إلى قطع الطريق أو الاحتجاج أو الاعتصام حتى يسمع صوته من أجل خدمة أساسية يفترض أن تصل إليه دون احتجاج؟
والأكثر دلالة أن جويلية لم يشهد احتجاجات فئوية فقط، وإنما انفجاراً اجتماعياً واسعاً ارتبط مباشرة بظروف الحياة اليومية. وقد كان السكان في مقدمة المحتجين، بما يؤكد أن الأمر لا يتعلق بقطاع واحد أو منطقة واحدة، وإنما بشعور اجتماعي واسع بأن أبسط شروط العيش أصبحت محل صراع.
لذلك، فإن 1101 تحرك احتجاجي في شهر واحد ليست مجرد حصيلة أمنية أو اجتماعية. إنها رسالة سياسية تقول إن المواطن يحتج لأنه لم يعد قادراً على قبول اختلالات تمس حياته اليومية.
وحين يكون الماء والكهرباء وحدهما سبباً في أكثر من ستة من كل عشرة احتجاجات، فإن السؤال يصبح شديد البساطة: كيف يمكن الحديث عن الكرامة بينما يخرج المواطن إلى الشارع من أجل الماء والكهرباء؟فالكرامة تبدأ من ألا يضطر الإنسان إلى الاحتجاج حتى يحصل على أبسط حقوقه.

دفتر الحساب مفتوح:

لهذا، إذا كانت الشغل والحرية والكرامة هي فعلاً الوحدات المحاسبية عند الشعب، فإن دفتر الحساب مفتوح، وأرقامه واضحة:في الشغل، ما تزال البطالة مرتفعة، وما يزال آلاف الشباب ينتظرون، بل إن أصحاب قانون يفترض أن ينصف من طالت بطالتهم يضطرون إلى الاحتجاج من أجل تطبيقه.
وفي الحرية، أصبح السجن والتتبع القضائي حاضرين في علاقة الدولة بفئات متعددة، من السياسيين والنقابيين إلى الصحفيين والمحامين والقضاة والكتاب والمثقفين، فيما يواصل المرسوم 54 توفير إطار زجري يضيّق مجال التعبير.
وفي الكرامة، سجل جويلية وحده 1101 تحرك احتجاجي، كان أكثر من 60 بالمائة منها مرتبطاً بانقطاع الماء والكهرباء.

وهنا تتحول العبارة الرئاسية إلى اختبار حقيقي:فالشعب لا يحاسب الدولة بما تقوله عن الشغل والحرية والكرامة، وإنما بما يعيشه فعلاً في الشغل والحرية والكرامة:ففي الشغل، هناك من ينتظر وظيفة،وفي الحرية، هناك من يخشى السجن،وفي الكرامة، هناك من يحتج من أجل الماء والكهرباء والدواء.

تلك هي وحدات الحساب التي يعرفها المواطن جيداً، لأنها ليست أرقاماً في تقرير، وإنما تفاصيل من حياته اليومية،ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الشعب يعرف كيف يحاسب،فالشعب يعرف الحساب جيداً.
بل السؤال هو: ماذا ستكتب الدولة في خانة النتائج؟

فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين

شارك رأيك

Your email address will not be published.