السجون التونسية تحت وطأة الحر: ماذا عن العفو الإنساني والمناخي؟

بقلم فاهم بوكدوس

أصدر فرعا الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمهدية وقفصة بيانين يسلطان الضوء على تدهور خطير في أوضاع المؤسسات السجنية، في ظرف تشهد فيه تونس موجة حر شديدة.

فقد أعلن فرع المهدية عن تعرض سجينين بالسجن المدني بالمهدية لتدهور خطير في حالتهما الصحية، استوجب نقلهما يوم 24 أوت إلى وحدة الإنعاش بقسم الاستعجالي بالمستشفى الجامعي الطاهر صفر بالمهدية، محملاً ظروف الاحتجاز، وخاصة الحرارة والاكتظاظ، جانباً من المسؤولية عن تفاقم الوضع الصحي.

وفي المقابل، تلقى فرع الرابطة بقفصة ببالغ الأسى خبر وفاة أحد المودعين بالسجن المدني بقفصة، (م.ف)، إثر سكتة قلبية، واضعاً هذه الوفاة في سياق ظروف احتجاز صعبة تفاقمت خلال موجة الحر، إلى جانب الاكتظاظ وما يترتب عنه من انعكاسات على الإقامة والرعاية الصحية.

لا يتوقف البيانان عند تسجيل الواقعتين، بل يضعانهما في سياق أوسع يتعلق بأزمة السجون التونسية، من الاكتظاظ وتدهور ظروف الإقامة والرعاية الصحية، إلى منع الرابطة وفروعها من ممارسة دورها الرقابي وزيارة المؤسسات السجنية، مروراً بسياسة الإيقاف والسجن وطول آجال التقاضي.

وهنا تكتسب هذه التطورات أهمية إضافية، لأنها تأتي بعد دعوات متواترة خلال الأسابيع الماضية إلى إقرار عفو إنساني، بل وعفو مرتبط بالظرف المناخي الاستثنائي، بالنظر إلى المخاطر التي تفرضها موجة الحر على الفئات الأكثر هشاشة داخل السجون. وكانت حقوقيون قد حذروا بدورهم في جويلية الماضي من مخاطر الحرارة الشديدة على السجناء، وخاصة كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة أو إعاقات، ودعوا السلطات إلى اتخاذ تدابير عاجلة لحمايتهم.

كما أن الرابطة نفسها كانت قد دعت في جويلية الماضي رئيس الجمهورية إلى استعمال صلاحياته في العفو لفائدة سجناء الرأي والموقوفين والمحكوم عليهم في قضايا ذات خلفية سياسية، وكذلك مساجين الحق العام الذين تتوفر فيهم الشروط القانونية والإنسانية، معتبرة أن ذلك يمكن أن يساهم في التخفيف من الاكتظاظ.

من العفو الإنساني إلى العفو المناخي

هنا تحديداً يجب إعادة طرح السؤال: هل يستمر التعامل مع السجن باعتباره الخيار الطبيعي لكل من دخل إليه، أم أن الظرف الاستثنائي يفرض استعمال كل الآليات القانونية المتاحة لتقليص عدد المودعين؟فالعفو الإنساني لا يعني فتح أبواب السجون بصورة عشوائية، ولا يعني إسقاط المسؤولية عن مرتكبي الجرائم الخطيرة، وإنما يعني إعطاء الأولوية للحالات التي تجعل استمرار السجن غير متناسب مع الحالة الصحية أو الإنسانية للمودع.

أما فكرة العفو المناخي، فهي تكتسب معناها من واقع استثنائي: درجات حرارة مرتفعة، واكتظاظ، وظروف إقامة صعبة، ومودعون يعانون من أمراض مزمنة أو أوضاع صحية خاصة. وفي مثل هذه الظروف، يمكن للسلطة أن تتحرك بصورة استثنائية لتقليص المخاطر، خصوصاً بالنسبة إلى من لا يمثلون خطراً كبيراً على المجتمع أو من يمكن أن يستفيدوا من الإفراج الشرطي أو البدائل القانونية،والأمر ليس مستحيلاً من الناحية العملية. فقد شمل العفو الرئاسي الصادر في 23 جويلية 2026، بمناسبة عيد الجمهورية، 2439 سجيناً، مع تعليمات بالإفراج المشروط عن 490 سجيناً إضافياً.

وهذا يعني أن أدوات التخفيف من الاكتظاظ موجودة بالفعل، وأن السؤال المطروح اليوم ليس: هل يمكن تخفيف عدد المودعين؟ وإنما: هل يجري استعمال هذه الآليات بالقدر الذي تفرضه خطورة الوضع؟

آلاف المودعين… هل يستحقون جميعاً البقاء في السجن؟

تتحدث تقديرات حقوقية عن وجود آلاف المودعين الذين يمكن، لأسباب قانونية أو صحية أو اجتماعية أو إجرائية، إعادة النظر في استمرار إيداعهم،وان مجرد وجود هذا النقاش يفرض مراجعة شاملة لملفات المودعين، خصوصاً:
كبار السن؛
المصابين بأمراض مزمنة أو خطيرة؛
من تتدهور أوضاعهم الصحية داخل السجن؛
الموقوفين منذ مدد طويلة دون صدور أحكام نهائية؛
من تتوفر في ملفاتهم شروط الإفراج الشرطي؛
المحكومين في قضايا يمكن قانوناً استبدال عقوبتهم أو مراجعة وضعيتهم؛
من لا تمثل وضعيتهم خطراً جدياً على المجتمع.

وبذلك يصبح العفو الإنساني والمناخي جزء من سياسة عاجلة لتخفيف المخاطر والاكتظاظ، وليس مجرد قرار سياسي ظرفي.

لا ينبغي انتظار مأساة ثالثة:

ان المشكلة أن كل تحرك بعد وفاة أو دخول سجين إلى الإنعاش سيكون تحركاً متأخراً،فإذا كانت الدولة تعرف أن موجة الحر تمثل خطراً أكبر على السجناء بسبب الاكتظاظ والأمراض المزمنة وظروف الاحتجاز، وإذا كانت هناك آليات قانونية للإفراج والعفو والإفراج المشروط والبدائل، فإن عدم استعمالها في الحالات التي تستوجبها الضرورة الصحية والإنسانية يحتاج بدوره إلى تفسير.
ولهذا فإن واقعة قفصة وحالتي المهدية تعيدان إحياء السؤال الذي طرحته المنظمات الحقوقية خلال الأسابيع الماضية:
لماذا لا يتحول الظرف المناخي الاستثنائي إلى فرصة لمراجعة آلاف الملفات، وإخراج من لم يعد استمرار سجنه ضرورياً أو ممكناً من الناحية الإنسانية، وتخفيف الضغط عن بقية المودعين؟
فالهدف ليس إفراغ السجون، وإنما جعل السجن متناسباً مع الضرورة القانونية، والظروف الإنسانية، ومصلحة المجتمع.
وفي كل الحالات، فإن الدولة مطالبة بالتحرك قبل أن تتحول موجة الحر إلى سلسلة من الوفيات والحالات الصحية الخطيرة.

حين تصل الأوضاع إلى وفاة داخل سجن، وإلى نقل سجناء آخرين إلى الإنعاش، يصبح الانتظار نفسه قراراً له كلفة إنسانية،فالعفو الإنساني والمناخي، في هذه اللحظة، ليسا ترفاً ولا شعاراً حقوقياً؛ إنهما أحد الخيارات التي ينبغي أن تكون مطروحة بجدية على طاولة الدولة، إلى جانب تحسين ظروف الاحتجاز وترشيد الإيقاف وتفعيل البدائل وإعادة فتح السجون أمام الرقابة المستقلة.

فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين

شارك رأيك

Your email address will not be published.