معتمدا على عدة دراسات، الكحلاوي يكتب عن التبخر والاحترار في المتوسط

الآن وقبل الحديث عن صيف 2027 لا يجب ان يقول احد ان استتباعات موجات الحرارة غير المسبوقة على الخريف والشتاء لهذا العام اي 2026 غير معروفة

نقلا عن الحساب الخاص للأكاديمي والمحلل السياسي طارق الكحلاوي

الارجح ان موجة الحر التي مررنا بها في الصيف تشارف على الانتهاء. لنأمل ذلك. لم يتم التحضر لها رغم مراسلات الستاغ وتحذيرها للسلطة السياسية. الان وقبل الحديث عن صيف 2027 لا يجب ان يقول احد ان استتباعات موجات الحرارة غير المسبوقة على الخريف والشتاء لهذا العام اي 2026 غير معروفة.

هناك على الاقل ثلاثة دراسات جديدة نشرت في الاشهر الاخيرة حول التبخر والاحترار في البحر المتوسط وتوقع عودة هذا التبخر في شكل امطار طوفانية “هطول متطرف”. بمعنى اخر احتمال فيضانات جدية.

يرتفع ملح المياه العميقة ودرجة حرارتها في المتوسط بمعدلات متسارعة، كما توضح دراسة بولان وزملائه (Poulain et al., 2026، منشورة في Frontiers in Marine Science) التي اعتمدت بيانات عوّامات بين 2012 و2025. فقد بلغ الاحترار السطحي في الغرب المتوسطي بين 0.8 و0.9 درجة مئوية كل عقد، بينما تراجعت الملوحة السطحية بفعل تعذيب مياه الأطلسي الشمالي، في حين ازدادت ملوحة المياه اللفانتية الوسيطة بمعدل يصل إلى 0.1 غرام/كغ كل عقد — وهو ما يعكس، بحسب الباحثين، تحولاً بنيوياً في الدورة المائية للمتوسط تحت وطأة التبخر المتزايد.

أما إسهام الأعاصير المتوسطية تحديداً، فتتناوله دراسة جيفون وزملائه (Givon et al., 2026، في Weather and Climate Dynamics)، إذ تمرّ مساهمة هذه الأعاصير في ميزانية المياه عبر تفاوت حاد بين أنماطها التسعة: فبينما تسحب أعاصير الشتاء الحرارة من البحر عبر تبخر مكثف يرافقه هطول غزير، تعمل أعاصير الصيف — لا سيما “منخفضات الشراف” الصحراوية وأخواتها — كمصدر حراري يضيف إلى البحر بدل أن يستنزفه. وتكشف الدراسة أن الخسارة لا تمر عبر تراجع عام في الأعاصير، بل عبر إعادة توزيع أدوارها بين أنماط ممطرة تتضاءل وأخرى مبخّرة تتوسع.

وتتقاطع هاتان الدراستان مع تقرير World Weather Attribution (أوت 2026)، الذي اوضح ان جويلية 2026 الأشد حرارة سطحية للبحار عالمياً على الإطلاق، إذ سُجّلت في الغرب المتوسطي حرارة تفوق المعدل بستة درجات مئوية في جوان وأُرجع نحو ثلثي هذا الاحترار الصيفي إلى التغير المناخي البشري المنشأ مباشرة — لا إلى التقلب الطبيعي. ويمرّ التبخر المتزايد الناتج، بحسب التقرير، إلى الغلاف الجوي كرطوبة تعود لاحقاً على شكل هطول متطرف، وهو ما يربط مباشرة بظاهرة “مفارقة الهطول المتوسطي” التي تناولتها دراسة جيفون.

الخلاصة انه لا يقتصر أثر الاحترار على تبخر متزايد بشكل خطي، بل يمرّ عبر إعادة تشكّل لبنية الدورة المائية نفسها — بين مصادر مائية شتوية تتقلص وتيرتها وتشتد كثافتها، ومصارف صيفية تتوسع وتيرتها فتُفقر الهطول لصالح التبخر. وهذا يحمل تبعات مباشرة على الساحل الجنوبي (شمال أفريقيا وتونس).

نحن لسنا ازاء مؤامرات هنا بل تحولات هيكلية تستدعي تأقلما مدروسا وسريعا. هناك حلقة متراصة تشمل الطاقة والكهرباء والماء عموما والماء الصالح للشراب والفلاحة والسياحة. بعض المتغيرات هيكلية مناخية وبعضها صدمات جيوسياسية وهي في جزء كبير منها خارج صلاحيات صناع القرار. لكن هناك هامش واضح ومعلوم للتدخل والتأقلم والاستباق. والازمة التي تفشل فيها اي دولة يجب ان تكون مناسبة لتعلم الدروس وتجنب التفاجئ ورمي المسؤولية على المؤامراتية.

تتبع الاثار والاستتباعات و السعي للتحضر لها امر ضروري بالنسبة لكل دولة. بالمناسبة هناك سؤال ضروري: هل تم تعليق عمل المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية؟

الدراسات الثلاثة وجميعها متوفر كاملا على الانترنت:

• Poulain, P-M., Notarstefano, G., Gallo, A., Mauri, E. (2026). Frontiers in Marine Science, 13:1846069.
https://www.frontiersin.org/journals/marine-science/articles/10.3389/fmars.2026.1846069/full

• Givon, Y., Keller, D., Drobinski, P., Raveh-Rubin, S. (2026). Weather and Climate Dynamics, 7, 567–582.
https://wcd.copernicus.org/articles/7/567/2026/

• World Weather Attribution (2026 تقرير حرارة سطح البحر الأوروبي، أوت 2026.
https://www.worldweatherattribution.org/climate-change-is-driving-unprecedented-european-ocean-temperatures-with-severe-impacts-for-marine-life/

شارك رأيك

Your email address will not be published.