كلفة الدولة التونسية على المجموعة الوطنية باهظة

الدولة التونسية بصيغتها الحالية وهيكلتها وتنظيمها ومستوى نجاعتها لها كلفة باهظة لا يمكن للمجموعة الوطنية تحمّلها – وخاصة بالنظر إلى ما تسترجعه منها ومستوى ضعف الخدمات العمومية من تعليم وصحة ونقل. (الصورة: قصر الحكومة في القصبة، تونس).

فوزي بن عبد الرحمان *

أولا: ماذا تقتطع الدولة على الأفراد في الاقتصاد المهيكل؟

على كل ‪100‬ دينار كلفة عمل (الأجر الخام مضافا إليه مساهمة المؤجر)، تقتطع الدولة اليوم مباشرة – عبر الضمان الاجتماعي وضريبة الدخل – تقريبا ما بين ‪22,9‬ دينارا (بالأجر الأدنى) و‪27,4‬ دينارا (بالأجر المتوسط، ألف دينار خام) و‪39,2‬ دينارا (بمستوى أجر خام ‪3500‬ دينار).

يُضاف إلى ذلك اقتطاع غير مباشر عند الاستهلاك عبر الأداء على القيمة المضافة (بمعدل ضمني يقارب ‪11%)‬ والمعاليم على المحروقات، ليصل المجموع إلى ما بين ‪33‬ و‪37‬ و‪47‬ دينارا حسب فئات الدخل أعلاه. الفارق كله تقريبا مصدره ضريبة الدخل – العنصر التصاعدي الوحيد – بينما تبقى بقية الاقتطاعات شبه ثابتة كنسبة من الدخل مهما ارتفع.

ثانيا: ماذا تقتطع الدولة من ربح المؤسسات ومصاريفها؟

على كل ‪100‬ دينار ربح جبائي، تأخذ الدولة ‪25‬ دينارا من مؤسسة عادية، و‪35‬ دينارا من مؤسسة في قطاع المساحات الكبرى وشركات الاستثمار، و‪44‬ دينارا من مؤسسة في قطاع مقنن – بنوك، تأمين، اتصالات (أرقام مقرَّبة للتبسيط؛ التفصيل الدقيق حسب كل قطاع فرعي موجود).

يضاف إلى هذا حد أدنى من الضريبة على رقم الأعمال (0,2% من رقم الأعمال المحلي، بحد أدنى 300 دينار) مستحق حتى في غياب أي ربح – أو حتى أي رقم أعمال أصلا.

يُضاف اقتطاع مواز ومستقل عن النتيجة المالية: على كل ‪100‬ دينار أجر تدفعه أي مؤسسة، تدفع ‪17,07‬ دينارا إضافية كمساهمة اجتماعية للمؤجر – مستحقة حتى في حالة الخسارة.

ثالثا: ماذا تسترجع المجموعة الوطنية من ذلك؟

من ميزانية الدولة لسنة ‪2026‬، على كل ‪100‬ دينار نفقات للدولة، يذهب نحو ‪57‬ دينارا إلى تسيير جهاز الدولة نفسه : ‪40‬ دينارا أجور الوظيفة العمومية، ‪4,6‬ دينار مصاريف تسيير جارية، و‪12,6‬ دينارا خدمة الدين (فوائد فقط). يعود الباقي – نحو ‪42‬ دينارا – للمجموعة الوطنية، عبر التدخلات والتحويلات الاجتماعية ‪32‬ دينارا والاستثمار العمومي 10 دنانير و لكن جزء من هذا “العائد” نظري لا مُنفَّذ بالكامل – نفقات التسيير تُنفَّذ عادة بأكثر مما هو مُقرَر.

بعبارة أخرى: من كل ‪100‬ دينار تجمعه الدولة، لا يعود منه فعليا للمجموعة الوطنية سوى نحو ‪42‬ دينارا، جزء منها نظري لا يصل بالكامل – بينما تستأثر الدولة بالباقي (نحو ‪57‬ دينارا) لتسيير جهازها وسداد فوائد ديونها.

يُضاف إلى هذا كله بُعد رابع لا يظهر في أي من الأرقام أعلاه: التزامات خارج الميزانية. فقد بلغ حجم الديون التي ضمنتها الدولة لفائدة المؤسسات العمومية نحو ‪20‬ مليار دينار سنة 2022 : وهي مبالغ لا تُحتسب كنفقة إلا يوم تعثر المؤسسة المعنية عن السداد، فيتحول الضمان إلى دين فعلي على كاهل المجموعة الوطنية و لو تعثر نصفها مثلا لأضفنا 16 د ككلفة إضافية و استثنائية.

هذه الأرقام تثبت أن الدولة التونسية بصيغتها الحالية وهيكلتها وتنظيمها ومستوى نجاعتها لها كلفة باهظة لا يمكن للمجموعة الوطنية تحمّلها – وخاصة بالنظر إلى ما تسترجعه منها ومستوى ضعف الخدمات العمومية من تعليم وصحة ونقل.

و الأهم في كل هذا ؟

دولة تُموَّل من جيوب كل هذه الشرائح – من الأجير بالحد الأدنى إلى المؤسسة الكبرى – لا تملك أي شرعية لتتحول من خادم محايد لهذه المجموعة إلى أداة قمع في يد من يحكمها. فالدولة الراعية هي الخيمة التي ترعى حقوق كل المواطنين وحرياتهم الفردية والجماعية، ولا يمكن أن تكون أداة ترهيب في يد سلطة حاكمة ضد من يعارضها.

* وزير سابق.

شارك رأيك

Your email address will not be published.