بعد إعلان المملكة المغربية رفع التمثيل الدبلوماسي لمستوى السّفارات وتبادل السّفراء مع إسرائيل، تكون بذلك قد شذّت عن القاعدة، وخرجت من عباءة جامعة الدّول العربية ومنظّمة التّعاون الإسلامي والاتحاد الافريقي، وغيرها من المنظمات التي كانت تنتسب إليها، وكانت ترفع فيها صوتها من أجل العروبة والإسلام، وعندما نتحدث عن المغرب هنا وبهذه الكيفية، فإننا نتحدث عن الحكومة المغربية التي ارتأت أن ترمي نفسها في أحضان إسرائيل وهي تعلم يقينًا بأنها رمت نفسها في جحيم لا يُطاق، وسيرتدّ عليها مع مرور الزمن، وتدرك أن مآلات التعاون مع إسرائيل في هذه المرحلة خطيرة بل وخطيرة جدا لأن المغرب سيجد نفسه في وضع حرج في علاقاته مع الدول العربية وخاصة الدّولة الجارة الجزائر.
فوزي بن يونس بن حديد
ولسائل أن يسأل، ما أسباب ارتماء المغرب في أحضان إسرائيل وأمريكا؟ وما الذي جعل المغرب يطعن بقية الدول العربية والإسلامية في ظهورها؟ يمكن تحليل ذلك من خلال استقراء بعض الأحداث، ونقول إن المغرب اختار هذا النهج المحفوف بالخطر الداهم، إما لتغلغل الكيان الصهيوني في كل مرافق الدولة، وصار يعرف القطّ والقِطمير وما يحدث في المغرب، وبالتالي يخشى ما يمكن أن يحدث في ما لو رفض المغرب هذه المطالب الإسرائيلية والأمريكية من انفجار داخلي هو في غنى عنها، وما سيحدث له من تفكّك على مستوى المملكة وإثارة مشكلة الصحراء الغربية (البوليساريو) وجعلها مشكلة أساسية تثير الحكومة المغربية وتحرجها وتثير فيها القلاقل والفوضى، وهي تعلم أن الشارع لو انتفض لا يستطيع أحدٌ أن يوقفه أو أن يصدّه.
تشكيل تحالف مع العدوّين الصهيوني والامبريالي
وإما أن المغرب رأى أن الضعف العربي الرّاهن دفعه إلى تشكيل تحالف مع العدوّين الصهيوني والامبريالي الأمريكي، فتفكك الدول العربية وانقسامها، والفوضى العارمة التي شهدها عدد من الدول العربية منذ 2011م جعل المغرب يخطو خطوات أخرى مخالفة للنهج العربي بعيدا عن ثورات الربيع العربي ونتائجها الكارثية، من انقسام كبير على مستوى الأحزاب السياسية، وتقاتل بعضها ضد بعض، وانحراف بعض الجماعات الإرهابية التي وجدت في هذه الفوضى مساحة كبيرة للتحرك، وإحداث مزيد من المشاكل والقلاقل في الدولة، وما السودان وليبيا والصومال ولبنان وسوريا واليمن إلا أمثلة مؤلمة لحالة الانقسام العربي، لذلك رأى المغرب أن الوقاية خير من العلاج، ورأى أنه يلوذ بالفرار من الجماعة العربية والإسلامية التي لم تكن أبدا في حالة تماسك بل في حالة نزاع دائم وخصام وتوتر وانقسام.
لكن الملفت للنظر، أن المغرب بعد أن وقّع على هذا التحالف الثلاثي إنما أوقع نفسه فريسة للنظامين الاستبدادي والامبريالي العالمي، وقد يجد نفسه أيضًا في عزلة تامة مستقبلا حينما تتجه الأمور إلى تحسن في العلاقات العربية العربية، والعربية الإسلامية.
المغرب قد يجد نفسه في عزلة تامة مستقبلا
وقد تنتفض الشعوب في الدول لإجبار الحكومات على الوحدة في وجه الطغمة الصهيونية والامبريالية الاستعمارية المقيتة بعد الحرب على إيران، لذلك ربما سيجد المغرب نفسه في ورطة كبيرة أمام جيرانه العرب وغيرهم ممن يناصرون القضية الفلسطينية والقضايا الأخرى المتعلقة بالوحدة العربية والإسلامية.
ولعله أخطأ المغرب عندما قرّر التّعاون مع الكيان الصهيوني في وقت كانت المملكة العربية السعودية ترفض أي مقترحات أمريكية للتطبيع مع إسرائيل، وبقيت الولايات المتحدة الأمريكية تستفز السّعودية مرّة بالترغيب ومرّة بالترهيب لعل آخرها ما حدث من رفض أمريكي واضح للتدخل في اليمن بعد أن أقدم الحوثيون على السّيطرة على باب المندب وما حوله، لكن السعودية لا تزال صامدةً في وجه هذه الإغراءات، وصادمةً مما يحدث في العلاقات الدولية في خضمّ الحرب الإيرانية الأمريكية.
وعلى كل حال فإن المملكة المغربية دولة ذات سيادة، وتقرّر ما تشاء أن تقرّره، لكن الوضع المأساوي للدّول العربية جميعها يجعل التريّث في حسم مثل هذه التحالفات أفضل مسار في هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ الأمة العربية التي تعرّضت لتدمير ممنهج من السياسة الأمريكيّة التي خطّطت ونفّذت ما يُسمّى بالفوضى الخلّاقة التي هدّدت بها آنذاك كونداليزا رايس وهي تجوب العواصم العربية، وها هي أمريكا اليوم قد وجدت نفسها في مستنقع لا تستطيع الخروج منه، وتحاول زجّ بعض الدّول العربية لتغرق معها وتتنصّل أمريكا من تبعاتها.



شارك رأيك