*بقلم فاهم بوكدوس *
قبل أيام قليلة من استئناف مجلس نواب الشعب نشاطه، بدأت تتقدم إلى واجهة النقاش ملفات تشريعية من بينها مقترح القانون المتعلق بضمان تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية وتجريم تعطيلها، ومراجعة القانون عدد 52 المتعلق بالمخدرات. ولا جدال في أهمية الموضوعين؛ فتنفيذ الأحكام القضائية يرتبط مباشرة بفعالية دولة القانون، كما أن مراجعة سياسة الدولة في التعامل مع المخدرات، والتمييز بين المستهلك والمروّج، وتطوير الوقاية والعلاج والتوعية، كلها مسائل تستحق نقاشاً تشريعياً جدياً.
لكن، وفق ما يلاحظه متابعون للشأن البرلماني فإن المسألة لا تتعلق بأهمية هذه الملفات في حد ذاتها، وإنما بالأولويات التي يجري دفعها إلى مقدمة أجندة العودة وفي أي سياق سياسي واجتماعي يتم ذلك،فالبرلمان يعود إلى العمل بعد صيف عرف أزمة حادة في الماء والكهرباء وتداعيات اجتماعية وصحية واقتصادية واسعة، في وقت كان فيه عدد من النواب قد طالبوا بعقد جلسة عامة استثنائية لمساءلة الحكومة حول حقيقة الأوضاع، وأسباب تدهور الخدمات الأساسية، وتحديد المسؤوليات والبحث عن إجراءات عاجلة وحلول قابلة للتنفيذ.
غير أن هذه الجلسة لم تنعقد خلال العطلة البرلمانية،
وهو ما يجعل كثير من البرلمانيين يرون أن عدم انعقادها أثناء العطلة لا يسقط عنها صفة الاستعجال، ولا يعني أن الملف أصبح متجاوزاً بانتهاء العطلة. فإذا تعذر عقد الجلسة الاستثنائية في موعدها، فإن العودة البرلمانية نفسها يفترض، وفق هذا الرأي، أن تبدأ من الملفات التي فرضت المطالبة بها، لا أن تتحول إلى مناسبة لفتح أجندة جديدة تتجاوز الأسئلة التي ظلت معلقة،خاصة وان الأزمة لم تنته بانتهاء الدورة البرلمانية. والمواطن الذي عانى انقطاع الماء والكهرباء خلال الصيف لا يحتاج إلى أن تعاد عليه رواية الأزمة، بل إلى معرفة أسبابها والمسؤوليات عنها، وإلى الاطلاع على الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمنع تكرارها. لذلك يرى مراقبون أن العودة البرلمانية ينبغي أن تبدأ من حيث توقفت الأزمة، لا من حيث تبدأ أجندة تشريعية جديدة.
من جهة اخرى من المهم عدم تحويل المسألة إلى مفاضلة بين ملفات لا تتعارض في الأصل، لان المشكلة تبدأ، وفق ما يلفت إليه متابعون للشأن البرلماني، حين تتحول هذه الملفات المهمة إلى أجندة بديلة عن الأسئلة السياسية والاجتماعية الأكثر إلحاحاً،فالبرلمان مطالب في بداية عودته بأن يسأل الحكومة، قبل كل شيء، عن أزمة الماء والكهرباء: ماذا حدث؟ لماذا تكررت الانقطاعات؟ أين كانت مواطن الخلل؟ من يتحمل المسؤولية السياسية والإدارية؟ وما هي الإجراءات العاجلة التي ستمنع تكرار الأزمة؟وهي أسئلة لا يمكن أن تعوضها جلسات الاستماع إلى الخبراء حول المخدرات أو النقاشات القانونية حول تنفيذ الأحكام، مهما كانت أهمية هذه المواضيع.
وتزداد أهمية هذه المسألة إذا وضعناها في سياق الحياة العامة في تونس اليوم،فالبلاد لا تواجه فقط أزمات خدماتية واجتماعية، وإنما تعيش أيضاً، بحسب توصيفات متابعين وفاعلين في المجال العام والحقوقي، تعطلا سياسيا وتضييقاً متزايداً لمساحات النقاش العام وتراجعاً في أدوار الهيئات والمؤسسات المستقلة، بما يجعل كل استحقاق يتعلق بالحريات والرقابة والتوازن المؤسساتي أكثر إلحاحاً.ومن هنا لا يمكن النظر إلى ملف تنقيح المرسوم 54 باعتباره مجرد مبادرة تشريعية أخرى تنتظر دورها بين بقية النصوص،فالمرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بالجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال أصبح منذ صدوره في قلب الجدل حول حرية التعبير والصحافة وحدود التجريم في الفضاء الرقمي. وقد ظل مقترح تنقيحه مطروحاً أمام البرلمان في ظل تعطيل مضحك ومزري، وفي سياق تتزايد فيه المخاوف بشأن تقلص مساحة النقاش العام، فإن استمرار تأجيل هذا الملف يعني عملياً إبقاء واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى حرية التعبير خارج الحسم التشريعي.
اما الأمر الأكثر أهمية فيتعلق الأمر بـ المحكمة الدستورية.فأنرها لا يتعلق مبادرة تشريعية عادية يمكن أن تنتظر دورها بين عشرات المقترحات. إنه أحد الاستحقاقات المرتبطة مباشرة باستكمال البناء الدستوري والمؤسساتي للدولة، وبوجود آلية يفترض أن تضمن احترام الدستور ومراقبة دستورية القوانين.
ومع ذلك، ما يزال مقترح إحداث المحكمة الدستورية مطروحاً على لجنة التشريع العام، رغم مرور سنوات على دستور 2022.
وهنا يرى ملاحظون للشأن الدستوري أن استمرار غياب المحكمة، في سياق تتراجع فيه مساحات الرقابة والتوازن المؤسساتي، لا يمكن اختزاله في مجرد بطء تشريعي. فالمسألة تتعلق بوجود مؤسسة دستورية يفترض أن تكون جزء من منظومة ضمان علوية الدستور، وليس مجرد هيئة إدارية تنتظر استكمال إجراءات إحداثها،ولهذا فإن إبقاء المحكمة الدستورية خارج صدارة الأولويات البرلمانية يطرح سؤالاً أوسع حول مدى جدية استكمال الاستحقاقات الدستورية نفسها.
ويصبح الحديث ومن هذه الزاوية تحديداً عن تصحير الحياة العامة مرتبطاً بالمسار المؤسساتي والتشريعي، لا فقط بمستوى الخطاب السياسي أو الإعلامي.فكلما تقلصت مساحات النقاش والرقابة والتعدد، تصبح المؤسسات التي يفترض أن توفر ضمانات للتوازن والمساءلة أكثر أهمية. وكلما تأخرت مراجعة النصوص التي تمس الحقوق والحريات، أو تأخر استكمال المؤسسات الدستورية، اتسعت الفجوة بين النصوص والواقع، لذلك فإن المرسوم 54 والمحكمة الدستورية ينبغي أن يكونا في قلب النقاش حول أجندة البرلمان، لا في هامشها.
ان هذا لا بعني أن على البرلمان أن يختار بين المحكمة الدستورية والمخدرات، أو بين المرسوم 54 وتنفيذ الأحكام، بل المسألة هي ترتيب الأولويات في لحظة سياسية واجتماعية استثنائية.
ويعود السؤال هنا إلى وظيفة مجلس نواب الشعب نفسه،فالبرلمان ليس مجرد ورشة لإنتاج القوانين، بل مؤسسة رقابة ومساءلة ومتابعة لتنفيذ السياسات والقوانين. وإذا كانت مجموعة واسعة من النواب قد طالبت في 29 أوت الماضي بعقد جلسة استثنائية لمساءلة الحكومة، فإن عدم انعقادها خلال العطلة يجعل من بداية العودة موعداً طبيعياً لإعادة الملف إلى صدارة النقاش،وبالنسبة إلى عدد من البرلمانيين، فإن العودة البرلمانية ينبغي أن تبدأ بالملفات التي لا تحتمل التأجيل: أزمة الماء والكهرباء، والوضع الاجتماعي والاقتصادي، وتنفيذ القوانين ثم الملفات المؤسساتية والحقوقية العالقة، وفي مقدمتها المرسوم 54 والمحكمة الدستورية،ذلك أن المواطن لا ينتظر من البرلمان مجرد كثافة في نشاط اللجان، وإنما ينتظر أن يرى المؤسسة التشريعية حاضرة عندما تكون الدولة مطالبة بتفسير أزمات تمس حياته اليومية.
وبحذر مراقبون للشأن البرلماني من أي توجيه غير بريء لأجندة العودة،ولا يعني ذلك افتراض نوايا خفية أو اتهام أصحاب المبادرات، وإنما يعني ببساطة أن اختيار الملفات التي تتصدر جدول الأعمال، والملفات التي تبقى معلقة، له دلالة سياسية بحد ذاته،فيمكن للبرلمان أن يناقش المخدرات، ويمكنه أن يبحث ضمان تنفيذ الأحكام، ويمكنه أن يواصل عشرات المبادرات الأخرى. لكن لا ينبغي أن تصبح كثافة هذه الملفات سبباً في تأجيل الأسئلة التي تنتظرها البلاد منذ أشهر: أزمة الماء والكهرباء، والمسؤولية عن تدهور الخدمات، وتنفيذ القوانين، مراجعة المرسوم 54، واستكمال المحكمة الدستورية،
فالخطر ليس في أن ينشغل البرلمان بالتشريع، بل في أن يتحول النشاط التشريعي إلى بديل عن الدور الرقابي والسياسي للمؤسسة.
وإذا كان عدم انعقاد الجلسة الاستثنائية خلال العطلة قد جعلها عملياً تنتقل إلى أجندة العودة، فإن السؤال الذي سيحدد معنى هذه العودة هو: هل يبدأ البرلمان من الأزمة التي طالب النواب أنفسهم بمساءلة الحكومة بشأنها، أم يبدأ من ملفات أخرى تسمح بتأجيلها مرة جديدة؟
ان الأمر لا يتعلق فقط بما سيناقشه مجلس نواب الشعب، وإنما بما سيقرر ألا يؤجله مرة أخرى،فـالماء والكهرباء تمسان الحياة اليومية للمواطنين، والمرسوم 54 يمس المجال العام والحريات، والمحكمة الدستورية تمس بنية الدولة وضمانات الدستور، وتنفيذ القوانين يمس مصداقية المؤسسة التشريعية نفسها، وهذه الملفات مجتمعة هي التي تجعل من العودة البرلمانية اختباراً حقيقياً لدور المجلس: هل سيكون مجرد فضاء لإدارة جدول أعمال تشريعي، أم مؤسسة تستعيد وظيفة المساءلة وتواجه الأزمات الاجتماعية وتدفع نحو استكمال الاستحقاقات الدستورية والحقوقية المؤجلة.
*فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين



شارك رأيك