تونس : إعادة الاعتبار لمعنى “رجل الدولة”

حين يُختزل لقب “رجل الدولة” في مجرد تولّي منصب رفيع، ويُمنح للمسؤولين كلما اعتلوا موقعاً في هرم السلطة، يفقد المصطلح شيئاً فشيئاً جوهره ومعناه التاريخي والسياسي. فـ”رجل الدولة” ليس رتبة إدارية ولا صفة قانونية، ولا مكافأة تُمنح بحكم المنصب، وإنما هو توصيف لشخصية سياسية تُقاس بقوة رؤيتها، ونوعية قراراتها، وما تتركه من أثر في الدولة والمجتمع.

                   العقيد محسن بن عيسى *

المنصب يمنح السلطة، لكنه لا يمنح تلقائياً هذه الصفة. ومن هذه الزاوية يمكن، لأغراض التحليل لا التصنيف القيمي، التمييز بين أنماط مختلفة من الشخصيات التي صنعت الحياة العامة في تونس.

الشخصية التاريخية : صانعة المنعطفات

تظهر الشخصية التاريخية في اللحظات التي تكون فيها الدولة أو الأمة أمام منعطفات حاسمة. وهي لا تُصنع بالدعاية ولا بمجرد طول البقاء في السلطة، وإنما يُثبّتها التاريخ من خلال قدرتها على التأثير في مسار مرحلة كاملة.

تمتلك هذه الشخصية عادةً رؤية تتجاوز اللحظة السياسية والأفق الانتخابي، وتتعامل مع الدولة باعتبارها مشروعاً طويل المدى. وقد يكون أثرها موضع خلاف بين المؤرخين والسياسيين، لكن حضورها في مسار التاريخ يصبح أمراً يصعب تجاهله.

وفي تونس المعاصرة، يظل الحبيب بورقيبة أحد أبرز النماذج التي يمكن دراسة هذه الظاهرة من خلالها. فقد قاد الحركة الوطنية في مراحلها الحاسمة، وأصبح بعد الاستقلال الشخصية السياسية المركزية في تأسيس الجمهورية وبناء مؤسسات الدولة الوطنية الحديثة، وفي إرساء اختيارات كبرى في التعليم والصحة والإدارة والقضاء، والأمن والجيش.

ولا يعني ذلك اختزال بناء الدولة التونسية في شخص واحد، فالدولة سبقت الاستقلال بمرحلة تاريخية طويلة، وشهدت إصلاحات منذ القرن التاسع عشر. غير أن دور بورقيبة في مرحلة ما بعد الاستقلال كان حاسماً في تكريس سيادتها وإعادة تنظيم مؤسساتها وتحديد خياراتها الكبرى. وقبل بورقيبة بنحو قرن تقريباً، يقدم خير الدين باشا نموذجاً آخر للشخصية الإصلاحية ذات الرؤية الاستراتيجية. فقد ارتبط اسمه بمحاولة تحديث الإدارة والتعليم والجيش، وبالدفع نحو إصلاح بنية الدولة في مواجهة اختلالات داخلية وضغوط خارجية متزايدة. وتكتسب تجربته أهميتها من كونها تنتمي إلى مرحلة كانت تونس فيها تبحث عن سبل التحديث قبل الاستقلال السياسي بوقت طويل.

الشخصية الوطنية: بناء الدولة بعيداً عن الأضواء

هناك نموذج آخر لا يصنع بالضرورة منعطفاً تاريخياً بحجم التحولات الكبرى، لكنه يساهم في بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها عبر الواقعية السياسية والمثابرة في الإصلاح. إنها الشخصية الوطنية التي تقيس نجاحها بقدرة المؤسسات على الاستمرار، لا بحجم حضورها الإعلامي.

و على هذا المستوى يمكن -للذكر لا الحصر- استحضار محمود المسعدي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي ارتبطت ببناء المنظومة التربوية والتعليمية في تونس الحديثة 1958-1968. فالمسعدي لم يكن مجرد كاتب دولة/وزير يؤدي وظيفة إدارية، فقد ارتبطت مرحلته بجملة من الخيارات الكبرى في التربية والتعليم، وهي اختيارات كان لها أثر يتجاوز شخص الوزير نفسه. وعلى ضفة قريبة من حيث الأثر المؤسسي، يبرز الطيب المهيري، كوزير للداخلية في دولة الاستقلال 1956-1965، نموذجاً لشخصية ساهمت في تثبيت أجهزة الدولة الأمنية والإدارية في مرحلة تأسيسية حاسمة. فمرحلة المهيري لم تكن مجرد إدارة روتينية للملفات، بل ارتبطت بجهود تنظيمية وتشريعية ومؤسسية ساعدت على ترسيخ هيبة الدولة وضبط فضائها العام في سنوات ما بعد الاستقلال الأولى.

وهنا تكمن إحدى أهم خصائص رجل الدولة: أنه لا يكتفي بإدارة الموجود، بل يترك وراءه مؤسسات وسياسات تستمر بعد مغادرته. فقد يكون المسؤول خبيراً ممتازاً، وقد ينجح في إدارة ملفات معقدة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه رجل دولة بالمعنى السياسي والتاريخي للكلمة.

وقد عرفت تونس، في حقبة بن علي، مسؤولين ذوي كفاءة مهنية عالية، وهو أمر ينبغي الاعتراف به بعيداً عن التقييم السياسي العام للنظام الذي عملوا في ظله. فالكفاءة الإدارية يمكن أن تكون حقيقية حتى عندما يكون السياق السياسي محل جدل واسع.

بين مسؤول الصدفة ورجل الدولة

منذ 2011، دخلت تونس مرحلة سياسية جديدة اتسمت بتعدد الحكومات، وتغير التحالفات، وتبدّل الأولويات والشعارات. وتعاقبت على البلاد وجوه عديدة، انتقلت خلالها الخطابات من الانتقال الديمقراطي والعدالة الانتقالية إلى الإصلاح ومقاومة الفساد، ثم إلى المسار التصحيحي ومفاهيم الجمهورية الجديدة.

غير أن تعاقب المراحل لا يعني بالضرورة تجاوز المرحلة السابقة، فاجترار الماضي، وتحويله إلى مادة دائمة للصراع السياسي، قد يصبح عائقاً أمام بناء المستقبل. ولكل عصر نظامه، ولكل مرحلة أخطاؤها ونتائجها، ولا يمكن بناء دولة مستقرة على أساس شيطنة كل ما سبق لمجرد أنه أصبح “النظام السابق”. فالنظام القائم اليوم سيكون، في يوم ما، نظاماً سابقاً، وما يبقى في النهاية ليس الخطاب الذي رافق السلطة، وإنما ما أنجزته الدولة من مؤسسات وسياسات وقرارات قابلة للاستمرار.

ولا يعني ذلك إنكار ما استوجب المساءلة بعد 2011، فقد كانت هناك تجاوزات، وكان من الطبيعي أن تخضع للقانون، خصوصاً حين يتعلق الأمر بتغليب سلطة الأشخاص على سلطة الدولة والقانون. لكن المحاسبة شيء، وتحويل الماضي إلى حالة دائمة من الصراع شيء آخر.

ومن هنا، فإن تجاوز الماضي لا يقاس بمجرد تعاقب الحكومات وتغير المسؤولين، كما أن هذا التعاقب لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على نشوء نخبة جديدة من رجال الدولة. فالمنصب السياسي، مهما علا، يظل اختباراً لا شهادة نجاح. في هذا السياق برزت ظاهرة يمكن تسميتها، لأغراض الوصف لا التحقير، بـ”مسؤول الصدفة”، وهي تلك الشخصية التي تصل إلى موقع القرار في سياق سياسي محدد، وقد تمتلك حضوراً إعلامياً أو قدرة على التواصل أو مهارة في إدارة اللحظة، لكنها لا تملك بالضرورة مشروعاً طويل المدى للدولة، بل تنحصر رؤيتها في إدارة الشأن اليومي والمعادلات السياسية الآنية.

وهذا القصور لا ينفصل عن أزمة أعمق تعاني منها الإدارة نفسها، فغياب “عقيدة الشأن العام” واستمرار خضوع الجهاز الإداري لمنطق الطاعة السلطوية عوض الولاء للقاعدة القانونية الموضوعية، يحول دون تطور بيروقراطية كفيلة بإنتاج الاستمرارية المؤسسية. فرجل الدولة الحقيقي لا يعمل في فراغ، بل يحتاج إلى إدارة واعية بهويتها، لا تكتفي بخدمة من يحكم، بل تنتصر للمصلحة العامة فوق اعتبارات اللحظة والتقلبات السياسية.

إن إعادة الاعتبار لمفهوم “رجل الدولة” ليست دعوة إلى صناعة أبطال جدد، ولا إلى الحنين للماضي، بل هي محاولة لاستعادة معيار فقد شيئاً من وضوحه. فالمنصب عابر، ورجل الدولة الحقيقي هو من يدرك أن السلطة وسيلة لبناء الدولة لا غاية لإثبات الذات، ويتعامل مع المؤسسات باعتبارها إرثاً للأجيال القادمة لا أدوات لخدمة اللحظة السياسية.

الدولة أطول عمراً من رجالها، وما يبقى بعد مغادرة المناصب هو القرار والأثر والمؤسسة والتاريخ وحده كفيل بأن يضع كل شخص في المكان الذي يستحقّه.

  * ضابط متقاعد من الحرس الوطني.

شارك رأيك

Your email address will not be published.