«صدقي الذي قتلني» لمراد بوكرزازة : حين تقود الجريمة إلى ذاكرة قسنطينة

في «صدقي الذي قتلني»، الصادرة سنة 2023 عن دار الألمعية للنشر والتوزيع، الجزائر، يفتح مراد بوكرزازة الحكاية بجريمة قتل، ثم يترك التحقيق يقود القارئ إلى ما وراءها: عائلة تتقاطع داخلها الثروة والإرث والغيرة والمصلحة، ومدينة تحضر تدريجيًا بذاكرتها ولهجتها وعاداتها. ياسمين هي الضحية، لكن الجريمة لا تبقى محصورة في مصيرها؛ فكلما تقدم التحقيق، اتسعت الرواية لتكشف عالمًا عائليًا واجتماعيًا، قبل أن تستعيد قسنطينة مكانها في قلب السرد.

جمال قتالة

ياسمين امرأة ثرية تبنّت نفيسة وربّتها، قبل أن تتبدل العلاقات داخل محيطها مع عودة خديجة، والدة نفيسة، ودخول منير في دائرة الصراع. هنا يتحول الإرث من مسألة عائلية إلى مصدر للتوتر، وتصبح الثروة جزءًا أساسيًا من دوافع الشخصيات. تتشكل المؤامرة وينتهي الأمر بمقتل ياسمين، فتدخل الرواية مسارها البوليسي: آثار الجريمة، الشبهات، التحقيق، ثم البحث عن الأدلة التي تقود إلى الحقيقة.

تكتشف سمية، الخادمة، رفقة البستاني علي، آثار ما حدث، بينما يتولى الضابط عزيز والمحقق سفيان متابعة القضية. ويسهم الجار محمود، من خلال تسجيلات كاميرات المراقبة، في كشف الحقيقة. تنتهي المحاكمة بالحكم على منير ونفيسة بعشرين سنة سجنًا، وعلى خديجة بسبع سنوات بتهمة التستر على الجريمة.

لكن بوكرزازة لا يجعل الوصول إلى القاتل نهاية الرواية. فالجريمة تكشف، في الوقت نفسه، ما كان مختبئًا داخل الأسرة: علاقات تهتز أمام المال، وقرابة تتراجع أمام المصالح، وإرث يتحول إلى سبب للخصومة. وهذا ما يمنح البناء البوليسي وظيفته الأساسية داخل النص؛ فهو ليس غاية مستقلة، بل طريق إلى كشف العلاقات التي أنتجت المأساة

حين يصبح الصدق مفارقة

يحمل العنوان منذ البداية مفارقة لا تخفى. «صدقي الذي قتلني» يضع الصدق في مواجهة محيط لا يبدو مستعدًا دائمًا لاستقباله. ياسمين شخصية حازمة، ويصفها النص: «كانت صارمة وواقعية!!!»، فيما تقول الرواية في موضع آخر: «نحن نحب المنافقين». بين العبارتين تتشكل إحدى المفارقات التي تحيط بالشخصية: امرأة تبدو واضحة في مواقفها، داخل عالم تحكمه حسابات أكثر تعقيدًا.

ومع ذلك، لا تقدم الرواية صدق ياسمين باعتباره التفسير الوحيد لمقتلها. الصراع على الإرث والثروة يظل في صلب الدافع الجنائي، بينما يمنح العنوان الشخصية بعدًا آخر، ويجعل «الصدق» جزءًا من المفارقة التي ترافقها حتى النهاية.

وتساعد لغة الشخصيات على تثبيت هذا العالم. فالحوار لا يأتي فقط لنقل المعلومات أو دفع التحقيق إلى الأمام، وإنما يكشف أيضًا طريقة تفكير الشخصيات وعلاقتها ببيئتها. العبارات الشعبية واللهجة المحلية تمنح السرد ملمحًا قسنطينيًا واضحًا، وتضع القارئ داخل مجتمع له مفرداته وإيقاعه الخاص.

من هنا تبدأ الرواية في مغادرة حدود التحقيق. قسنطينة تدخل النص من خلال أمكنتها وأصواتها وعاداتها، ويستعيد بوكرزازة السويقة ورحبة الصوف وسيدي جليس، كما يستحضر المالوف والفقيرات والبنوتات وبعض الأساطير والعادات التي تنتمي إلى ذاكرة المدينة.

يقول: «كان الربيع ربيعًا حقيقيًا، قبل أن يهجم – بني هالة – وتتريف قسنطينة»، ثم يعود إلى تفاصيل الحياة اليومية: «كنا نركب الكاليش… نحمل لبراج واللبن». وفي استعادة المناسبات الدينية يقول: «كانت المناسبات الدينية، عزيزة، وغالية، في رمضان، نطيبو في رحمة وحدة تقريبًا، باللوز…». لا تأتي هذه التفاصيل على هيئة وصف خارجي للمدينة، بل من داخل ذاكرة الشخصيات، بما يجعل المكان مرتبطًا بما عاشه أهله وتوارثوه.

حتى العبارات الشعبية تؤدي دورًا في رسم هذا العالم، مثل «الناس اللي فيهم ريحة الوالدين». فالمدينة تظهر هنا من خلال كلام أهلها، ومن خلال علاقتهم بالعائلة والجيرة والمناسبات والطقوس. وفي الوقت الذي يكشف فيه التحقيق الجانب المظلم من العلاقات العائلية، تستعيد الذاكرة تفاصيل عالم آخر، أكثر التصاقًا بالمكان وأهله.

هذا التداخل هو أحد مفاتيح الرواية: الجريمة تقع في الحاضر، لكن السرد يعود باستمرار إلى ما كان عليه المكان. وكأن التحقيق يبحث عن حقيقة مقتل ياسمين، بينما تبحث الرواية في الوقت نفسه عن بقايا مدينة داخل ذاكرة شخصياتها.

حكاية الجريمة وحكاية المدينة

تتجاور في «صدقي الذي قتلني» حكايتان لا تسيران بالسرعة نفسها: حكاية الجريمة التي يدفعها التحقيق نحو النهاية، وحكاية المدينة التي يتركها السرد مفتوحة على الماضي. لهذا قد يتباطأ الإيقاع في بعض المقاطع حين يبتعد النص عن التحقيق ليستعيد الأمكنة والعادات، لكنه في المقابل يوسّع مجال الرواية خارج السؤال البوليسي المباشر.

الإرث يفتح باب الجريمة، والتحقيق يكشف العلاقات، والذاكرة تعيد قسنطينة إلى الواجهة. وبين هذه المستويات تتحرك الشخصيات بلغتها ومصالحها وذكرياتها، فلا تعود المدينة مجرد مكان تجري فيه الأحداث، بل تصبح جزءًا من معنى الحكاية نفسها.

تبدأ الرواية بجريمة داخل عائلة، وتنتهي عند ذاكرة مدينة. وحين يكتب بوكرزازة: «قسمطينة ماها وهواها وتحفة نساها»، تكون قضية ياسمين قد وصلت إلى نهايتها، لكن قسنطينة تبقى في الصفحة الأخيرة، لا كخلفية للجريمة، بل كذاكرة نجت منها.

شارك رأيك

Your email address will not be published.