عن دمج صحيفتي “لابراس” و «الصباح»، يكتب الصحفي فاهم بوكدوس
  • كيف يمكن أن ينجح توحيد التسيير دون المساس بتعددية الصحافة؟

دخلت «دار الصباح» و«سنيب لابراس» مرحلة جديدة مع انطلاق إجراءات نقل تسيير الأولى إلى الثانية، عقب إتمام عملية بيع أسهم «دار الصباح» لفائدة «سنيب لابراس»، بما يمهد لاستكمال مسار الاستيعاب بين المؤسستين. وتمثل هذه الخطوة تحولا مهما في مسار مؤسستين من أعرق مؤسسات الصحافة التونسية، بما يجعل من الضروري النظر إليها ليس فقط من زاوية الملكية والتصرف، وإنما أيضا من زاوية مستقبل الصحافة والعاملين فيها والوظيفة التي تؤديها كل مؤسسة.

ومن الطبيعي أن تكون للخطوة اعتبارات اقتصادية وإدارية، في ظل الصعوبات الهيكلية التي تواجهها الصحافة المكتوبة وتراجع مواردها وارتفاع كلفة الإنتاج والتحولات العميقة التي يشهدها سوق الإعلام. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يتيح توحيد بعض الإمكانات والهياكل والموارد فرصا لتحسين التصرف، وترشيد النفقات، وضمان استمرارية مؤسستين لهما حضور تاريخي في المشهد الإعلامي التونسي.

لكن أهمية العملية وحجمها يجعلان من الضروري أن يترافق البعد الاقتصادي مع رؤية واضحة لمستقبل المؤسستين، حتى لا يتحول توحيد التسيير بالضرورة إلى توحيد للهوية الصحفية أو للخيارات التحريرية،
فلكل من «الصباح» و«لابراس» تاريخها، وذاكرتها المهنية، وجمهورها، وتجربتها التحريرية، وهو ما يجعل الحفاظ على خصوصية كل عنوان جزء من المحافظة على التعددية داخل الصحافة التونسية. وليس المقصود بذلك إقامة حدود مصطنعة بين المؤسستين، أو رفض أي تعاون بينهما، وإنما التأكيد على أن التكامل الإداري والاقتصادي يمكن أن يتعايش مع تعدد الأصوات والمساحات التحريرية.

ان المعيار الأهم في الحكم على عملية الدمج هو ما ستفرزه قواعد التسيير الجديدة من ضمانات فعلية لاستقلال العمل التحريري، ومن وضوح في الفصل بين الإدارة والتحرير، ومن حماية للصحفيين والعاملين من أي تدخل غير مهني في أداء مهامهم.

ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة التي من مصلحة الجميع، إدارة وعاملين وصحفيين وهياكل مهنية ورأي عام، أن تكون الإجابة عنها واضحة منذ البداية: ما هي المجالات التي سيشملها توحيد التسيير؟ وما الذي سيبقى مستقلا داخل كل مؤسسة؟ وهل ستحتفظ كل صحيفة بهويتها وهيئتها التحريرية؟ وكيف ستنظم العلاقة بين الإدارة وغرف الأخبار؟ وما هي الآليات التي ستضمن استقلال القرار التحريري؟ وكيف ستتم حماية الحقوق المهنية والاجتماعية للعاملين خلال عملية إعادة الهيكلة؟

ان هذه الأسئلة لا تعكس تشكيكا في نوايا القائمين على العملية، ولا انتقاصا من قيمة أي من المؤسستين أو من جهود العاملين فيهما، وإنما تنطلق من حقيقة بسيطة: كل إعادة هيكلة كبرى لمؤسسة إعلامية لا تمس فقط الحسابات المالية والإدارية، بل تمس أيضا بيئة العمل الصحفي ومستقبل العاملين وطبيعة المنتوج الإعلامي.

ومن المهم، لذلك، أن يكون العاملون في قلب هذه المرحلة، لا باعتبارهم طرفا اجتماعيا ينبغي إعلامه بالقرارات فحسب، وإنما باعتبارهم أصحاب خبرة متراكمة ومعرفة مباشرة بالمؤسستين وباحتياجاتهما وبما يمكن تطويره فيهما. ويقتضي ذلك حوارا واضحا حول مستقبل مواطن الشغل، والمسارات المهنية، وشروط العمل، وتنظيم غرف الأخبار، وحقوق الصحفيين وسائر العاملين، بما يضمن ألا تتحول مقتضيات إعادة الهيكلة إلى مصدر غموض أو هشاشة مهنية.

وفي الوقت نفسه، فإن دور الهياكل المهنية لا يقتصر على الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمهنية، رغم أن ذلك يمثل أولوية أساسية، بل يشمل أيضا الإسهام في النقاش حول مستقبل المؤسسة الصحفية وضمان استقلالية التحرير وتعددية الآراء. فالمصلحة المهنية للعاملين والمصلحة الصحفية للمؤسسة ليستا مسارين متعارضين، بل إن استقرار العاملين واستقلال الصحفيين يمثلان جزء من شروط بناء مؤسسة إعلامية قوية وقادرة على الاستمرار.

وإذا كان من المشروع البحث عن نموذج اقتصادي أكثر استدامة، فإن نجاح العملية لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم التوفير في النفقات أو بمدى توحيد الهياكل الإدارية. فالاستدامة الحقيقية لأي مؤسسة إعلامية ترتبط أيضا بقدرتها على الحفاظ على ثقة جمهورها، وعلى إنتاج محتوى مهني ذي مصداقية، وعلى توفير بيئة تسمح للصحفي بأداء عمله باستقلال ومسؤولية،ومن هذا المنطلق، يمكن أن يكون توحيد بعض الموارد فرصة لتطوير المؤسستين، والاستثمار في التحول الرقمي، وتحسين ظروف الإنتاج، وتعزيز التكوين، وتطوير نماذج اقتصادية جديدة، دون أن يكون ذلك على حساب خصوصية كل صحيفة أو تنوع المشهد الإعلامي.

كما أن المرحلة الجديدة تتيح فرصة لوضع قواعد أكثر وضوحا للحوكمة داخل المؤسستين، بما يحدد مسؤوليات الإدارة والتحرير، وينظم آليات اتخاذ القرار، ويضمن حق الصحفيين في ممارسة مهنتهم وفقا للقواعد المهنية والقانونية، ويمنع الخلط بين مقتضيات الإدارة الاقتصادية ومتطلبات العمل التحريري.

إن التحدي الحقيقي أمام «الصباح» و«لابراس» ليس فقط كيفية إدارة مؤسستين تحت قيادة واحدة، وإنما كيفية تحويل هذه المرحلة إلى فرصة لإنقاذ مؤسستين إعلاميتين عريقتين، والحفاظ في الوقت نفسه على تعددية الصحافة وعلى حقوق العاملين وعلى استقلالية القرار التحريري،فنجاح عملية الدمج لا ينبغي أن يعني أن يصبح العنوانان نسخة واحدة، كما أن الحفاظ على خصوصية كل منهما لا يعني رفض التعاون أو التكامل. وبين الأمرين يمكن بناء صيغة تجعل وحدة التسيير وسيلة لتحسين الأداء والاستدامة، لا مدخلا إلى توحيد المحتوى أو إلغاء الخصوصيات المهنية والتحريرية.

وفي النهاية، فإن المصلحة العامة تقتضي أن يكون واضحا أن إنقاذ المؤسسة الاقتصادية لا ينفصل عن حماية المؤسسة الصحفية. فالمؤسستان لا تقاسان فقط بعدد الأعداد التي تصدرانها أو بحجم مواردهما، وإنما أيضا بقدرتهما على الحفاظ على صحافة مهنية، وعلى تعدد الأصوات، وعلى حقوق العاملين، وعلى مساحة حقيقية يمارس فيها الصحفيون مهنتهم باستقلال ومسؤولية،وبين مؤسستي «الصباح» و«لابراس» تاريخان وتجربتان وجمهوران، ويمكن أن يكون توحيد التسيير فرصة لبناء مستقبل أكثر استقرارا لهما، شرط أن يظل الهدف هو توحيد الجهود والإمكانات حيث يكون ذلك مفيدا، لا توحيد الأصوات والخيارات التحريرية، فالتعددية هي مصدر القوة والقيمة الصحفية.

يكون توحيد التسيير فرصة لبناء مستقبل أكثر استقرارا لهما، شرط أن يظل الهدف هو توحيد الجهود والإمكانات حيث يكون ذلك مفيدا، لا توحيد الأصوات والخيارات التحريرية، فالتعددية هي مصدر القوة والقيمة الصحفية..

*فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية

شارك رأيك

Your email address will not be published.