تونس : مؤتمر نقابة الصحفيين في ظل أربعة صحفيين خلف القضبان

تنطلق اليوم، السبت 10 أكتوبر 2026، أشغال مؤتمر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في سياق سياسي وإعلامي بالغ الحساسية، عنوانه الأبرز وجود أربعة صحفيين في السجن، هم مراد الزغيدي وبرهان بسيس وزياد الهاني ومحمد اليوسفي، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤال الحريات الصحفية وحدود الانفتاح في تونس، ويمنح النقاش حول أوضاع المهنة أبعاداً تتجاوز الشأن النقابي المباشر.

الفاهم بوكدوس *

ولعل أحد المؤشرات التي تسمح بقراءة طبيعة العلاقة بين السلطة والصحافة في تونس هو عدد الصحفيين الموجودين في السجن في الوقت نفسه. فمهما تعددت أشكال التضييق، من المحاكمات والتتبعات القضائية إلى المنع من العمل والضغط على المؤسسات الإعلامية والتضييق على مصادر المعلومات، يظل سجن الصحفيين من أكثر المؤشرات دلالة على وضع الحريات العامة، وعلى طبيعة الحدود التي تُرسم أمام حرية التعبير والنقد.

خلال سنوات حكم بن علي، عاشت الصحافة التونسية تحت وطأة الرقابة والضغط السياسي والأمني، وتعرض صحفيون للملاحقة والمحاكمات والمنع من الكتابة والسفر. ورغم شمولية ذلك المناخ القمعي، كان من النادر أن يوجد أكثر من صحفيين اثنين في السجون في الوقت نفسه. وقد عرفت تلك المرحلة سجن توفيق بن بريك وسليم بوخذير وزهير مخلوف، إلى جانب تجارب أخرى من الملاحقة والتضييق، دون أن يعني ذلك أن بقية الصحفيين كانوا يتمتعون بحرية فعلية أو أن المجال الإعلامي كان بمنأى عن القمع.

قدرة السلطة على فرض الرقابة الذاتية والخوف

لم تكن محدودية عدد الصحفيين المسجونين آنذاك دليلاً على تسامح السلطة مع حرية الصحافة، بل كان من الممكن قراءتها ضمن أساليب إدارة المجال الإعلامي والتحكم فيه، بما يسمح بإبقاء الضغط قائماً دون أن تتحول كل عمليات التضييق بالضرورة إلى أحكام بالسجن. فالقمع لا يُقاس فقط بعدد من يُلقى بهم خلف القضبان، وإنما أيضاً بمدى قدرة السلطة على فرض الرقابة الذاتية والخوف، وتحديد ما يمكن نشره وما ينبغي الصمت عنه.

ان وجود أربعة صحفيين في السجن في الوقت نفسه اليوم يطرح أسئلة لا يمكن اختزالها في الملفات القضائية الفردية، ولا تجاوز دلالاتها السياسية والمهنية. فبصرف النظر عن الاختلافات القانونية المحيطة بكل قضية، فإن اجتماع هذه الحالات في لحظة واحدة، بالتزامن مع انعقاد مؤتمر نقابة الصحفيين، يجعل من ملف الحرية الصحفية أحد الاختبارات الأساسية للمناخ العام في البلاد.

وتنبع خصوصية سجن الصحفي من أن آثاره لا تتوقف عند حرمانه من حريته الشخصية، بل تمتد إلى حق المجتمع في المعرفة. فالصحفي لا يمارس حقاً فردياً في التعبير فحسب، وإنما يؤدي وظيفة عامة تتمثل في جمع المعلومات والتحقق منها ونقلها، ومساءلة أصحاب القرار، وإتاحة الوقائع والآراء أمام المواطنين. وعندما يُسجن صحفي بسبب ما يكتبه أو يقوله، أو يجد نفسه مهدداً بالملاحقة بسبب ممارسته لعمله، فإن الأثر يتجاوز شخصه إلى إضعاف قدرة المجتمع على الاطلاع والنقاش والمساءلة.

من هذه الزاوية، لا يتعلق الدفاع عن الصحفيين المسجونين بالدفاع عن أشخاص بعينهم، ولا بتبني كل مواقفهم أو آرائهم، وإنما بالدفاع عن مبدأ أساسي مفاده أن حرية التعبير لا تكون مضمونة إلا عندما تشمل أيضاً الآراء الناقدة والمزعجة، وأن معالجة التجاوزات المفترضة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإسكات الأصوات أو ترهيب بقية العاملين في المجال الإعلامي.

ويكتسب انعقاد مؤتمر النقابة في هذا السياق أهمية إضافية. فالمؤتمر ليس مجرد محطة تنظيمية لتقييم أداء المكتب التنفيذي وانتخاب قيادة جديدة وتحديد أولويات العمل النقابي، بل هو أيضاً مناسبة لتقييم واقع المهنة وموقع الصحفيين في المشهد العام، ومدى قدرتهم على ممارسة دورهم باستقلالية، في ظل تصاعد المخاوف من التتبعات القضائية وتراجع الضمانات التي تحمي حرية العمل الصحفي.

الدفاع عن الشروط التي تسمح للصحافة بأداء دورها الرقابي

كما أن وجود أربعة صحفيين في السجن يضع المؤتمر أمام مسؤولية تتجاوز المطالب المهنية والاجتماعية، مهما كانت أهميتها، لتشمل الدفاع عن الحق في الحرية وعن الشروط التي تسمح للصحافة بأداء دورها الرقابي. فالدفاع عن الأجور وظروف العمل والاستقرار المهني لا ينفصل عن الدفاع عن حرية الصحفي في الكتابة والنقد والتحقيق، لأن المهنة التي يُحاصر أصحابها بالخوف والملاحقة لا يمكنها أن تؤدي وظيفتها الاجتماعية على الوجه المطلوب.

وفي هذا السياق، تبدو الدعوة إلى الإفراج عن مراد الزغيدي وبرهان بسيس وزياد الهاني ومحمد اليوسفي أكثر من مطلب نقابي أو تضامني. إنها دعوة إلى تخفيف الاحتقان وفتح أفق أوسع للحريات، وإشارة إلى أن معالجة التوتر القائم لا يمكن أن تتم عبر المزيد من التضييق، بل من خلال احترام الحقوق والحريات وضمان استقلال القضاء وتوفير بيئة تسمح بالنقد والاختلاف.

لقد أظهرت التجربة التونسية أن الإفراج عن الصحفيين يمكن أن يُقرأ، في لحظات التوتر السياسي، باعتباره مؤشراً إيجابياً على إمكان الانفراج. فكما كان اعتقال الصحفيين في مراحل سابقة علامة على تشدد السلطة وانكماش المجال العام، يمكن أن يشكل إطلاق سراحهم اليوم رسالة تهدئة تتجاوز الوسط الإعلامي إلى بقية الفاعلين السياسيين والمدنيين والاجتماعيين.

ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين الإفراج عن الصحفيين وتحقيق انفراج حقيقي في أوضاع الحريات. فالإفراج، على أهميته، يظل خطوة أولى ما لم يترافق مع ضمانات تمنع تكرار الملاحقات بسبب التعبير عن الرأي، ومراجعة النصوص القانونية التي تُستخدم لتجريم العمل الصحفي، وإنهاء مناخ التخويف الذي يدفع الصحفيين إلى الرقابة الذاتية، فضلاً عن توفير شروط الاستقلالية الاقتصادية والمهنية للمؤسسات الإعلامية.

إن الاختبار الحقيقي لا يكمن فقط في عدد الصحفيين الذين يوجدون خارج السجون، بل في قدرتهم على العمل دون خوف، وفي مدى استعداد السلطة لتحمل النقد، وفي قدرة المجتمع على حماية حقه في إعلام مستقل وتعددي. فالحرية الصحفية ليست امتيازاً تمنحه السلطة أو تسحبه، وإنما حق أساسي لا تستقيم الحياة العامة من دونه.

من هنا، ينعقد مؤتمر نقابة الصحفيين تحت عنوان حاضر بقوة في اذهان الصحفيات والصحفيين: أي مستقبل للصحافة التونسية في ظل وجود أربعة من أبنائها خلف القضبان؟

قد لا يكون الإفراج عن الصحفيين الأربعة كافياً وحده لتغيير المشهد، لكنه سيكون خطوة ذات دلالة سياسية ومعنوية مهمة، ويمكن أن يمثل بداية لتخفيف الاحتقان وإعادة بناء الثقة. أما استمرار سجنهم، في ظل انعقاد مؤتمر يفترض أن يكون مناسبة لتجديد الالتزام بحرية الصحافة واستقلاليتها، فسيبقي السؤال مفتوحاً حول الاتجاه الذي تسلكه البلاد في ملف الحريات.

الصحفيون أولاً، ليس لأنهم فوق القانون، بل لأن حرية الصحافة شرط لحق المجتمع في المعرفة، ولأن الإفراج عنهم يمكن أن يكون بداية انفراج أوسع، لا في الإعلام وحده، بل في الحياة العامة كلها.

* صحفي.

شارك رأيك

Your email address will not be published.