القاضي الوسلاتي يعلق على التداول الإعلامي لجريمة جندوبة وعن حق الجمهور أن يعرف…

آخر الأخبار حول جريمة جندوبة تناقلتها تقريبا جميع وسائل الإعلام و من بينها من له مراسلون مباشرون من عين المكان استقصوا المعلومة مما يروى دون احترام قانون الأشخاص خاصة أن الأبحاث لازالت جارية. و في هذا المجال، كتب القاضي عمر الوسلاتي ما يلي:

“جريمة جندوبة: من حق الجمهور أن يعرف، وليس من حق الإعلام بمختلف اشكاله أن يحاكم !؟
أعادت جريمة مقتل الموظفة بدار الشباب في جندوبة، التي اختفت منذ 3 أكتوبر 2026 قبل العثور على جثتها مدفونة في منزل مهجور، طرح سؤال جوهري حول الحدود الفاصلة بين حق الجمهور في المعلومة وواجب الإعلام في احترام القانون وحقوق الأشخاص. وقد تداولت وسائل إعلام أخبارًا عن الاشتباه في زميلين للضحية، أحدهما رجل والأخرى امرأة، في انتظار ما ستكشف عنه الأبحاث والإجراءات القضائية.لا خلاف في أن الجريمة تستوجب الكشف عن ملابساتها ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عنها. كما أن تعاطف الرأي العام مع الضحية وعائلتها حق مشروع، والمطالبة بكشف الحقيقة موقف طبيعي. لكن هذا كله لا يبرر تحويل التغطية الإعلامية إلى محاكمة علنية تسبق القضاء، أو نشر روايات وتفاصيل غير مثبتة قد تلحق أضرارًا يتعذر تداركها.
أول هذه الضمانات قرينة البراءة. فمجرد الاشتباه في شخص أو إيقافه، وحتى تداول أخبار عن اعتراف منسوب إليه، لا يبيح للإعلام التعامل مع المسؤولية الجزائية باعتبارها حُسمت نهائيًا. ويتعين التمييز بوضوح بين ما ثبت من الوقائع، وما ورد في المعطيات الأولية، وما تنسبه المصادر إلى المشتبه فيهم، وما لم يصدر بشأنه حكم قضائي بات.ولا يقل عن ذلك خطورة نشر تفاصيل الحياة الخاصة، أو الخوض في العلاقات الشخصية المفترضة، أو تقديم دوافع غير مؤكدة للجريمة في صيغة حقائق. فمثل هذه المعالجة لا تضيف بالضرورة شيئًا إلى فهم الجمهور، لكنها قد تتحول إلى وسيلة للوصم والثلب والتشهير، وتُلحق الأذى بعائلات وأشخاص لم تثبت مسؤوليتهم عن أي فعل.أما كشف هوية الشهود ومعطياتهم الشخصية، أو نشر أقوالهم وتفاصيل يمكن أن تكشف عنهم، فيطرح إشكالًا أشد حساسية. فحماية الشهود والأشخاص المعرضين للخطر تقتضي تجنب كل نشر قد يكشف هوياتهم أو يعرّضهم للضغط أو الانتقام، فضلًا عن ضرورة عدم المساس بسرية الأبحاث متى كانت المعلومات محمية قانونًا. ولا يجوز أن تتحول الرغبة في السبق الصحفي إلى عامل قد يؤثر في سلامة الأدلة أو حرية الشهادة أو حسن سير العدالة.ويقتضي تقييم هذه الممارسات الرجوع إلى المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، والمرسوم عدد 116 لسنة 2011 في نطاق انطباقه، فضلًا عن القواعد المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية ومجلة أخلاقيات المهنة الصحفية. فحرية الإعلام لا تعني إطلاق يد الصحفي في الحياة الخاصة والسمعة، كما أن حماية قرينة البراءة لا تعني حجب كل معلومة تهم المجتمع؛ وإنما تقتضي التثبت، والتوازن، واحترام الكرامة، والتناسب بين المصلحة العامة ومقدار ما يُنشر.وتتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية تحريرية لا تقل عن مسؤولية الصحفي الذي ينقل الخبر. فالعنوان المثير، والصورة المنشورة، والتعليق المصاحب، وطريقة عرض الاتهامات، كلها عناصر قد تصنع لدى الجمهور حكمًا مسبقًا حتى عندما يتضمن النص تحفظًا شكليًا بأن الأبحاث لا تزال جارية.إن القضية ليست دعوة إلى الصمت، ولا إلى منع الصحافة من متابعة جريمة هزت الرأي العام، بل دعوة إلى ممارسة الحرية بمسؤولية. فمن حق الجمهور معرفة ما يتأكد من الوقائع، ومن حق عائلة الضحية معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة، ومن حق كل مشتبه به ألا يُدان إعلاميًا قبل أن تقول المحكمة كلمتها، ومن حق الشهود وسائر الأشخاص المعنيين ألا تتحول حياتهم وكرامتهم وسلامتهم إلى مادة للاستهلاك العام
حرية الصحافة تقتضي أن تنشر ما يهم الجمهور، وأخلاقيات المهنة تقتضي أن تنشره صحيحًا، والتغطية الصحافية تقتضي أن تنشره دون أن تحاكم أصحابَه.!!

شارك رأيك

Your email address will not be published.