سبقتنا حرب بنزرت، وبقيت في الذاكرة أكثر من معركة… بقي منها نشيدٌ وطنيٌّ كنا نردده بحماسة ومعنى للوطن، لم يكن يومها يحتاج إلى كثير من الشرح. في ملحمة بنزرت، تعلّمنا أن الوطن قد يُدافع عنه بالدم، وأن السيادة لا تُمنح، بل تُنتزع بالإرادة والتضحيات. كما علّمتنا أن القضايا الوطنية لا تُفهم بمعزل عن مواقف الدول ومصالحها، وأن استقلال القرار الوطني يظلّ مسؤولية الأجيال المتعاقبة. واليوم، يعلّمنا واقعنا أن الدولة أيضاً لها حرمتها ومسؤوليتها. وعلى وقع نشيد الجلاء، كان جيلٌ كامل يتعلّم، وسط الأحداث، ماذا يعني أن تكون للدولة رجالٌ يحملون اسمها، ويدافعون عن وجودها.
العقيد محسن بن عيسى *

مسار النضال والتضحيات (1956 – 1963)
لم يكن طريق الجلاء العسكري معبداً بالوعود الدبلوماسية وحدها، بل كان مسار نضالٍ شاقّ خاضته تونس الحديثة منذ إعلان استقلالها في 20 مارس 1956 لإكمال سيادتها الترابية. وأمام تمسك القوات الاستعمارية بقاعدتها الاستراتيجية في بنزرت، فرض الواقع التونسي مواجهة تاريخية في صيف 1961؛ حيث التقت إرادة الجيش الوطني والحرس الوطني بملحمة المتطوعين والمدنيين.
خاض التونسيون معركة بنزرت بصدور عارية واستبسال بيّن، دافعوا فيها عن حَرَم الأرض وكرامة الدولة، وقدموا مئات الشهداء والجرحى. لقد أثبتت تلك الساعات العصيبة أن بناء الدولة الوطنية لا يتأتى إلا بالانتزاع والتضحية، وأن الاستقلال الحقيقي يُكتب حين يستعد أبناء الوطن لبذل أنفسهم دفاعاً عن وجوده واستقلالية قراره.
كيف حيّا العالم الانتصار؟
أحدثت ملحمة بنزرت واكتمال انسحاب آخر جندي أجنبي في 15 أكتوبر 1963 صدى زلزل الدوائر الدبلوماسية الدولية وأكد حقيقة أن الشعوب التائقة للحرية لا تُقهر. سارعت الدول العربية والمغاربية إلى إعلان التضامن الكامل مع تونس، واعتبرت أن صمود بنزرت هو انتصار لكل القضايا التحررية في المنطقة لكسر الهيمنة الاستعمارية.
وعلى الساحة الدولية، خاضت تونس معركة سياسية وقانونية رفيعة في أروقة الأمم المتحدة، أسفرت عن صدور قرار الجمعية العامة التاريخي بأغلبية ساحقة يُقر بأحقية تونس للسيادة الكاملة على ترابها ويدعو إلى الجلاء. لقد أشاد العالم بدولة فتية استطاعت بإرادة شعبها وحكمة قيادتها أن تدير صراعاً متكافئاً مع دولة عظمى، وتجعل من قضيتها رمزاً نضالياً لدى حركة عدم الانحياز وكل القوى المدافعة عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.
رسالة الأمانة للجيل الصاعد
واليوم، ونحن نستعيد تلك الذكريات، يفرض نفسه سؤال لا مفرّ منه: ماذا يعني الوطن للجيل الصاعد اليوم؟ هل ما زال الوطن عنده نشيداً وذاكرةً وتاريخاً ومسؤولية؟ وهل يدرك أن الانتماء ليس مجرد شعارات، بل هو أيضاً واجب ومواطنة واستعداد لتحمّل المسؤولية؟
لكن السؤال لا ينبغي أن نوجّهه إلى الجيل الصاعد وحده، بل علينا أن نوجّهه إلى أنفسنا أيضاً. فالأجيال لا ترث الأوطان بالتضحيات وحدها، بل ترث معها القيم والمعاني التي تجعل تلك التضحيات جديرة بأن تُحفظ في الذاكرة.
إن الأمانة لا تختزل في الزي والسلاح، ولا في استحضار البطولات الماضية؛ إنها أيضاً في صون الثقة بين المواطن ودولته، وفي ترسيخ قيم المواطنة والعدل، وفي أن يشعر كل جيل بأن له مكاناً في وطنه، ودوراً في بنائه، ومستقبلاً يستحق أن يعمل من أجله.
ومن هنا، لا يكفي أن نسأل: أين جيل اليوم لتسلّم الأمانة ؟ بل علينا أن نسأل أنفسنا أيضاً : أيّ أمانة نترك له ؟ وأيّ وطن نقدّم له ؟ وبأيّ قدوة نهيّئه لتحمّل المسؤولية ؟
الأمانة لا تنتقل بالحنين إلى الماضي وحده، بل بالقدوة، وبترسيخ القيم، وبجعل الوطن حقيقةً نعيشها، لا مجرد نشيد نردده. ومن ملحمة بنزرت سنة 1961 إلى واقعنا اليوم، نستحضر ماضينا، لا لنكتفي بالفخر به، ولا لنحاكم به الأجيال الجديدة، بل لنسأل أنفسنا عمّا فعلناه وما ينبغي أن نفعله اليوم… فالوطن الذي دافع عنه جيل بالأمس، مسؤولية جيل اليوم، وأمانة الأجيال القادمة.
* ضابط متقاعد في الحرس الوطني .



شارك رأيك