الشكندالي يتطرق الى موضوع النشاط خارج المنظومة و في المقابل إلى من اختار احترام القانون…

الحديث عن القطاع الموازي الموجود خارج رادارات الادارة في تزايد و بلا شك، و في المقابل أصبح من اختار احترام القانون هو المغفل. الاستاذ الجامعي رضا الشكندالي المختص في الاقتصاد يطرح اليوم- عبر التدوينة التالية التي نشرها على صفحات التواصل الإجتماعي-، المسألة بعد كشف وزارة المالية عن مشروع ميزانية 2027 الذي يعتمد في اغلبيته على الجباية:

حين يتحوّل القانون الاقتصادي والجبائي في تونس من أداة لتنظيم الحياة الاقتصادية إلى وسيلة للإيقاع بالمواطن! تدوينة استقيتها من وقائق حقيقية.

ثمة خلل عميق في فلسفة التشريعات التي تحكم الاقتصاد التونسي، وفي الطريقة التي تُصاغ بها بعض الإجراءات وتُطبّق بها القوانين. خلل يجعل المواطن يشعر أحياناً بأن القانون لم يوضع لمساعدته على احترام واجباته، وإنما للبحث عن أخطائه وترصّد هفواته حتى يقع في شراكه.

تأملوا هذه المفارقة الصارخة: من يتهرّب من دفع الضرائب، ومن ينشط خارج المنظومة القانونية، ومن يختار الاقتصاد الموازي، قد يظل بعيداً عن أعين الرقابة والمحاسبة. أما المواطن الذي يصرّح بمداخيله، ويمسك حساباته، ويدفع ضرائبه، ويحاول احترام القانون، فهو مكشوف أمام الإدارة، وتلاحقه الإجراءات والخطايا والتتبعات، حتى إنه قد يجد نفسه في مواجهة القضاء بسبب إجراءات لم يكن على علم بها!

فأي رسالة نوجّهها بذلك إلى المواطن؟ هل نقول له إن الالتزام بالقانون هو الطريق الآمن، أم نجعله يشعر بأن الالتزام نفسه قد يعرّضه لمزيد من التعقيدات والمخاطر؟

الأكثر إشكالاً أن بعض الإجراءات تبدو وكأنها تنصب الفخاخ بدلاً من أن تضع الحواجز الوقائية أمام المواطن حتى لا يقع في الخطأ. فبدلاً من إعلامه بالمخالفة، وتمكينه من تسوية وضعيته، وتوضيح ما يتعين عليه القيام به، يُترك أحياناً ليتفاجأ بتبعات إجرائية وقضائية لم يكن يتوقعها.

ولعل المثال الأكثر إثارة للاستغراب هو أن يقوم المواطن بدفع خطية لتسوية مخالفة، ثم يُعاد فتح الملف أو إحالته إلى القضاء دون أن يعلم بذلك، ليجد نفسه أمام حكم غيابي، رغم أنه قام بالدفع معتقداً أنه أنهى الموضوع. وهنا لا نتحدث فقط عن خطأ إجرائي محتمل، بل عن سؤال جوهري يتعلق بحق المواطن في الإعلام، وفي الدفاع عن نفسه، وفي الأمن القانوني.

إن وظيفة القانون ليست اصطياد المواطن، ولا تحويل كل هفوة إلى مناسبة للعقاب. وظيفة القانون أن ينظم، ويوضّح، ويوجّه، ويمنع المخالفة قبل وقوعها، وأن يضمن التناسب بين الخطأ والعقوبة، وأن يتيح للمواطن فرصة حقيقية لتدارك أخطائه وتسوية وضعيته.

نحن بحاجة إلى تشريعات اقتصادية وجبائية تقوم على الثقة قبل العقاب، والوقاية قبل الزجر، والمرافقة قبل التتبّع. تشريعات تجعل احترام القانون مصلحة للمواطن، لا مغامرة يخشى عواقبها.

فلا يمكن أن نبني اقتصاداً منظماً بالضغط على الملتزمين، بينما نترك أبواب الاقتصاد الموازي والتهرب الجبائي مفتوحة. ولا يمكن أن نطالب المواطن بالانخراط في المنظومة الرسمية، ثم نجعل تجربته معها سلسلة من التعقيدات والمفاجآت والعقوبات.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله التشريعات هو أن تجعل المواطن الملتزم يشعر بأنه مغفّل لأنه احترم القانون، وأن تجعله يعتقد أن الإفلات من القانون أقل كلفة من احترامه.

عندها لا نكون بصدد بناء دولة القانون، بل بصدد إضعاف الثقة في القانون نفسه.

شارك رأيك

Your email address will not be published.