بعد الضربات والهجمات الأمريكية الأولى صباح اليوم على فنزويلا، قد نرى ضربات متزامنة على إيران أيضا، في الساعات القليلة القادمة، بعد التنسيق الأمريكي الصهيوني، وبالتالي سنشهد حربين أو أكثر في وقت واحد، إضافة إلى حروب قائمة في المنطقة أصلا، وخطرها على السلم العالمي.
فوزي بن يونس بن حديد
بدأت الحرب رسميا على الدولتين المعارضتين للولايات المتحدة الأمريكية والمناصرتين بقوة للقضية الفلسطينية، ففي صباح اليوم السبت، 3 جانفي 2026، أقدمت واشنطن على ضرب فنزويلا في العمق بضربات قوية وغير مسبوقة استهدفت البلاد دون سابق إنذار في تعدٍّ سافر على سيادة الدول المستقلة، وقد منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضوء الأخضر للقوات الأمريكية بغزو فنزويلا لتغيير النظام هناك وإزاحة الرئيس نيكولاس مادورو عن سدة الرئاسة، وكان الهدف الأمريكي في الأساس هو السيطرة على ثروات هذا البلد الغني بالنفط أمام تدهور الاقتصاد الأمريكي في ظل الأزمات التي تعيشها في السنوات الأخيرة. وبينما ترتع أمريكا في فنزويلا بعينها اليمنى، تركت عينها اليسرى على إيران بعد الاحتجاجات الداخلية المفتعلة لمحاولة زعزعة الأمن، ومحاولة تشتيت النظام الإيراني وإلهائه لتوجيه ضربات له سواء من أمريكا أو إسرائيل أو منهما معا.
عمل عدائي امبريالي يخالف كل الأعراف والمواثيق الدولية
وبعد اللقاء الحميمي بين ترامب ونتنياهو الذي حصل بداية الأسبوع، فإن كليهما اتفقا على ضرب الدولتين وغزوهما، وتغيير النظام السياسي بهما، وطرد كل العناصر المعارضة لسياستهما، لذلك رأينا في الأيام الماضية خطابا مناهضا للدولتين، واستفزاز كل من أمريكا وإسرائيل هاتين الدولتين من خلال تصريحات تنم على عزمهما على التعدي عليهما وتحمل كل العواقب، ورغم أن ما يقومان به من عمل عدائي امبريالي يخالف كل الأعراف والمواثيق الدولية والقوانين الإنسانية والدولية إلا أن كلا الدولتين تقومان بذلك ولا تباليان بما سيحدث بعدئذ من نتائج وخيمة على منطقة الكاريبي وعلى العالم كله.
لقد بات واضحا أن سياسة تقويض الدول المعارضة لسياسة ترامب ونتنياهو، هي سياسة أمريكية صهيونية امبريالية استعمارية امتدت جذورها وتعمّقت مع انهيار النظام العالمي وضعف الأمم المتحدة وتطرف النظام السياسي في كلٍّ من أمريكا وإسرائيل لنشهد مرحلة خطيرة اليوم تجسدها القوات المعادية لفنزويلا وإيران، وبقي ترامب خلال الفترة الماضية يروج لحالة السلام التي يزعم أنه قد أسّسها، ليظهر وجهه الحقيقي في معاداة أي نظام يمكن أن يسبب له إرهاقا سياسيًّا واستقلالًا اقتصاديًّا، لتظهر هذه الفجوة الكبيرة في العلاقات الدوليّة، وتشرذم النظام العالمي الذي يبدو أنه في أيامه الأخيرة ويحتضر، ليتشكل نظام جديد مبني على القوة المادية لفرض حالة جديدة من الأنظمة السياسية.
وتغيير العالم بالقوة التي يميل إليها الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الصهيوني، خطر عظيم على استقرار الدول واستمرار حالة التوافق في علاقاتها، بل ستتجه على الأغلب نحو التوتر والانفعال والتحرك بانفراد. فكل من لديه قوة يفرضها على الواقع يستطيع استخدامها ولا يخشى أحدا، وهذا ما نراه ورأيناه قد بدأ ينتشر في الحروب المتتالية خلال السنوات القليلة الماضية، وهذا مؤشر خطير على تفكك الدول خاصة تلك التي لم تتحصن جيدا ضد أي ضربات قادمة من هنا أو هناك.
سياسة الغطرسة وفرض القوة الغاشمة
وهذه السياسة التي بدأت تنتشر، قد تتوسع في المستقبل القريب، وقد تشمل بلدانا وقارات أخرى، وما تغيير اسم وزارة الدفاع الأمريكية قبل أشهر إلى وزارة الحرب إلا دليل على أن أمريكا ستسلك طريق الحرب ضد أي دولة أو تنظيم في العالم بكل حرية ودون قيود، كما تفعل إسرائيل ذلك أيضا في فلسطين ولبنان وسوريا وفي أي مكان تحت هذا المسمى، وإذا لم يتم احتواء الموقف قد تنتشر النار بسرعة إلى دول أخرى، وتنتشر الفوضى والبلبلة في أنحاء العالم، وخاصة تلك الدول التي تتعرض لضربات مباشرة. ولا شك أن ترامب ونتنياهو يمارسان اليوم سياسة الغطرسة وفرض القوة الغاشمة لتغيير الواقع على الأرض بغضّ النظر عن الخسائر الناجمة عن تحركاتهما.
وبعد هذه الضربات والهجمات الأولى على فنزويلا، قد نرى ضربات متزامنة على إيران أيضا، في الساعات القليلة القادمة، بعد التنسيق الأمريكي الصهيوني، وبالتالي سنشهد حربين أو أكثر في وقت واحد، إضافة إلى حروب قائمة في المنطقة أصلا، وخطرها على السلم العالمي، مثل الحرب الروسية الأوكرانية وتوتر الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وبداية التوتر في حضرموت والنزاع في اليمن، والمناوشات التي تحدث هنا وهناك في العالم، وهذا ما يقلق فعلا ويصعّب فرض سياسة ضبط النفس في مثل هذه المواقف الصعبة.
وما انفلت لا يمكن ترميمه بسرعة، وهذا ما تحاول السياسة الامبريالية ترسيخه على الواقع الإيراني والواقع الفنزويلي، لذلك لا بدّ أن تحذر هذه الدول من الوقوع في فخ سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على المنطقة بشكل كامل، حيث لا تسمح إدارة ترامب بمنافسة أي دولة أخرى تنغص عليها تنفيذ سياساتها بكل حرية، فهي لا تمارس إلا سياسة الاستسلام بلغة السلام من خلال قانون القوة المفرطة ولذلك لجأت إلى سياسة التحرش بالدول ومحاولة السيطرة الكلية على العالم بعيدا عن سياسة الأمم المتحدة التي يبدو أنها تشهد أيامها الأخيرة وتتعرض للموت الحتمي.



شارك رأيك