فاهم بوكدوس يكتب: “الإبهار بدل الشرعية: ندوة ترامب حول فنزويلا وتطبيع خرق القانون الدولي”

يعقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هذه اللحظات ندوة صحفية محاطًا بعدد من قادة فريقه العسكري والأمني، مخصصًا حديثه لما يصفه بـ«العملية النوعية» التي جرت في فنزويلا. المشهد مدروس بعناية: عدد كبير من المتدخلين،ومصطلحات أمنية وعسكرية كثيفة تُلقى تباعًا، والاستشهاد بعمليات أمريكية مشابهة، في محاولة واضحة لإغراق الرأي العام بسيل من التفاصيل التقنية والدرامية في عرض سياسي/إعلامي محكم

مرة أخرى، يستدعي ترامب سردية «المغامرة الأمريكية الاستثنائية»، تلك الرواية التي تُصوَّر فيها الولايات المتحدة كقوة فوق القانون، تتحرك خارج الحدود وتعلو على السيادة، باسم الأمن العالمي. وضمن هذا الإطار، يجري اختزال ما حصل في فنزويلا في مجرد عملية تعقب واعتقال “مجرم خطير عابر للقارات”، وكأن الأمر يتعلق بمطاردة جنائية معزولة لا بعمل عدائي داخل أراضي دولة ذات سيادة.

الإغراق المعلوماتي هنا ليس تفصيلاً تقنيًا، بل أداة سياسية. فكل معلومة إضافية، وكل اسم، وكل مسار تهريب،تُستخدم لصناعة ضجيج يمنع رؤية الحقيقة: أن ما جرى انتهاك صارخ للسيادة الفنزويلية، وجريمة دولية مكتملة الأركان. يتم نقل النقاش عمدًا من مستوى القانون الدولي إلى مستوى الإثارة الأمنية، ومن سؤال الشرعية إلى دهشة التفاصيل.

بهذا الخطاب، تُمحى فنزويلا كدولة. لا مؤسسات، ولا قضاء، ولا رئيس، ولا شعب صاحب حق. تُقدَّم البلاد كأرض مفتوحة للعمليات، وكأن السيادة امتياز تمنحه واشنطن وتسحبه متى شاءت. الرئيس الفنزويلي يُقصى من المعادلة، ويُتعامل معه ضمنيًا كطرف غير ذي صفة، في إهانة سياسية مباشرة لدولة عضو في المجتمع الدولي.

الخطورة الحقيقية لما يقوم به ترامب لا تكمن فقط في الفعل، بل في الطريقة التي يُعاد تسويقه بها.
فقانونيًا، يجري التلاعب بالمفاهيم لتحويل الاعتداء على دولة ذات سيادة إلى إجراء أمني مشروع، في سابقة تهدد أسس القانون الدولي ومبدأ عدم التدخل.
وسياسيًا، تُبعث رسالة واضحة: أن الولايات المتحدة تحتفظ بحق اقتحام الدول، وتجاوز رؤسائها، وفرض روايتها بالقوة، ثم مطالبة العالم بتصديقها.
وأخلاقيًا، يُرتكب الانتهاك مضاعفًا: مرة حين يُعتدى على شعب ودولة، ومرة حين يُطلب من الرأي العام العالمي قبول ذلك بوصفه “ضرورة أمنية” أو “بطولة استثنائية”.

ما يجري اليوم ليس تتبعًا لمجرم، كما يُراد تصويره، بل تغطية إعلامية كثيفة لجريمة دولية فائقة الخطورة، تستهدف شعب فنزويلا وقيادته وحقه في السيادة. إن تحويل الاعتداء إلى قصة مطاردة، والانتهاك إلى مغامرة، ليس سوى محاولة فجة لإخفاء الحقيقة تحت ركام من التفاصيل،تفاصيل لا تغيّر من جوهر الأمر شيئًا: أن ما حدث عدوان، مهما كان اسمه أو روايته.

شارك رأيك

Your email address will not be published.