تحت عنوان “إيقاف نائب خارج الدستور: اختبار خطير للحصانة البرلمانية ولسيادة القانون”، نشر النائب محمد علي ما يلي على صفحات التواصل الإجتماعي، و ذلك على إثر ايقاف زميله أحمد السعيداني يوم 4 فيفري الجاري ثم ايداعه السجن:
*”تثير مسألة إيقاف النائب أحمد السعيداني، على خلفية تدوينته الأخيرة إشكالًا دستوريًا وقانونيًا بالغ الخطورة، يتجاوز شخص المعني ليطال جوهر الحصانة البرلمانية وحدودها ووظيفتها. فإذا ثبت أن الإيقاف تم استنادًا إلى تلك التدوينة، فإن الأمر لا يطرح مجرد تساؤلات إجرائية، بل يكشف عن خلل عميق في فهم النص الدستوري أو في احترامه.
فالدستور، عندما استثنى جرائم القذف والثلب من الحصانة البرلمانية، لم يفعل ذلك على إطلاقه، ولم يفتح الباب أمام كل تأويل موسّع أو توظيف انتقائي، بل ربط هذا الاستثناء بتعريف قانوني دقيق لهاتين الجريمتين. إذ يتمثل القذف والثلب في إسناد وقائع محددة وغير صحيحة إلى شخص أو أشخاص معيّنين، من شأنها المساس بشرفهم أو كرامتهم ، كاتهامهم بالرشوة أو السرقة أو سوء التصرف المالي أو غيرها من الأفعال الملموسة القابلة للإثبات أو النفي. وهذا التعريف ليس تفصيلًا تقنيًا، بل معيارًا حاسمًا يحدد متى يجوز تجاوز الحصانة ومتى تبقى قائمة وواجبة الاحترام.
*وبالرجوع إلى مضمون التدوينة موضوع الجدل، يتبيّن- بحسب ما هو متداول-أنها لم تتضمن إسناد وقائع جزائية محددة لأشخاص بعينهم ، ولم تُسمِّ متهمين، ولم تنسب أفعالًا جرمية واضحة يمكن توصيفها قانونًا كقذف أو ثلب. بل إن أقصى ما يمكن أن يُؤخذ عليها، على فرض ثبوته، هو استعمال عبارات سيئة قاسية أو أوصاف تنطوي على احتقار أو سبّ، وهو ما يندرج قانونًا ضمن جريمة الشتم ، لا القذف ولا الثلب.
وهنا يبرز الفارق الجوهري الذي لا يجوز القفز عليه أو التلاعب به: فجريمة الشتم، مهما بلغت حدّتها، لا تندرج ضمن الاستثناء الدستوري من الحصانة البرلمانية.
وبالتالي، فإن ملاحقة نائب من أجلها لا تكون مشروعة إلا بعد رفع الحصانة عنه وفق الإجراءات البرلمانية المنصوص عليها، وليس عبر الإيقاف المباشر أو التتبّع الجزائي الفوري. إن تجاهل هذا التمييز يُعدّ خرقًا صريحًا للدستور لا مجرد اجتهاد قابل للنقاش.
الأخطر من ذلك أن توسيع مفهوم القذف والثلب ليشمل كل تعبير نقدي حاد أو توصيف سياسي قاسٍ من شأنه أن يفرغ الحصانة البرلمانية من محتواها، ويحوّلها من ضمانة دستورية لحريّة التعبير والرقابة إلى نصّ شكلي بلا أثر. فالحصانة لم تُقرّ لحماية النواب كأشخاص، بل لحماية الوظيفة التمثيلية ذاتها، وضمان قدرتهم على مساءلة السلطة التنفيذية وطرح الملفات العامة الحساسة دون خوف من التتبّع أو الإيقاف.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال مسؤولية رئاسة البرلمان ومكتب المجلس ولجنة الحصانة عمّا آلت إليه هذه الوضعية، سواء بالفعل أو بالصمت. فالدستور والنظام الداخلي لا يكتفيان بمنح هذه الهياكل صلاحيات شكلية، بل يفرضان عليها التزامًا إيجابيًا بحماية الحصانة البرلمانية والتصدّي لأي خرق لها، لا الاكتفاء بردود فعل متأخرة أو بيانات عامة بعد وقوع الانتهاك.
ويتعيّن على رئيس البرلمان، بوصفه الضامن لاحترام الدستور داخل المؤسسة التشريعية، أن يبادر بطلب توضيحات رسمية حول الأساس القانوني للإيقاف، وأن يعلن موقفًا واضحًا لا لبس فيه يذكّر بحدود الاستثناء المتعلق بالقذف والثلب، وبأن أي تتبّع جزائي خارج هذه الحالات يُعدّ خرقًا للحصانة. فالصمت في مثل هذه الحالات لا يمكن تأويله حيادًا، بل يُشكّل تقصيرًا في أداء واجب دستوري صريح.
كما يتحمّل مكتب المجلس مسؤولية مباشرة لا يمكن التخفيف منها. فمجرّد الإشارة العرضية في بلاغ صادر عقب اجتماع عادي إلى “الدعوة لاحترام الضمانات الدستورية” لا يرقى إلى مستوى موقف مؤسساتي جدّي، بل يعبّر في أحسن الأحوال عن حدّ أدنى شكلي من التفاعل، وفي أسوئها عن تهرّب من تحمّل المسؤولية. فمكتب المجلس مُلزم بإجراء تقييم صريح لمدى احترام الحصانة، وباتخاذ موقف واضح بشأن سلامة الإجراءات، لا بإنتاج عبارات عامة تصلح لكل الحالات ولا تُلزم أحدًا.
أما لجنة الحصانة، فإن تقاعسها عن التحرك التلقائي للتحقق من طبيعة التتبّعات وحدودها الدستورية يُعدّ إخلالًا بوظيفتها الأصلية، التي وُجدت أساسًا لمنع مثل هذه الانزلاقات. فانتظار الطلبات أو التعلّل بالإجراءات الشكلية في مواجهة خرق محتمل للدستور لا يُعفيها من المسؤولية.
إن الاكتفاء بالدعوة المجردة إلى “احترام الضمانات الدستورية” دون الدفاع عنها فعليًا، ودون تسمية الخلل إن وُجد، ودون تحميل المسؤوليات، يفرغ النص الدستوري من مضمونه، ويحوّل الحصانة البرلمانية إلى حبر على ورق. وهو مسار خطير من شأنه أن يجعل كل نائب مهددًا بالإيقاف أو التتبّع كلما اقترب من ملف عام حسّاس أو عبّر عن موقف سياسي غير مريح.
وعليه، فالمسألة لا تتعلّق بالدفاع عن نائب بعينه أو عن أسلوب تعبيره، بل بالدفاع عن الدستور، وعن استقلال المؤسسة التشريعية، وعن مبدأ الفصل بين السلطات. فالصمت المبطّن والمواقف الرمادية لم تعد مقبولة. وإما أن تضطلع مؤسسات البرلمان بدورها الكامل في حماية صلاحياتها والذود عن الحصانة البرلمانية، أو تتحمّل علنًا مسؤولية التفريط فيها وما قد يترتّب عن ذلك من ضرب لأسس الدولة الدستورية.
وفي هذا السياق اود تسجيل ملاحظة هامة حول عدم احترام الحصانة البرلمانية منذ اليوم الأول للبرلمان الحالي، حيث تم انتهاك حق النائب وجدي الغاوي بشكل مباشر. وتم إيقافه مباشرة عقب أداءه اليمين الدستورية كنائب بمجلس النواب، وهو ما يشكل تجاوزاً صارخاً للحصانة البرلمانية المكفولة دستورياً.
كما تمت ممارسة نفس هذا الانتهاك مع النائبين معز بن يوسف وحمدي بن صالح، مما يزيد من خطورة التجاوز على مؤسسة البرلمان وحقوق أعضائه.
كما تتم متابعة النائب حاتم الهواوي دون اتخاذ الاجراءات الدستورية المتعلقة بالحصانة.
و في الأخير، التأكيد على وجوبية الالتزام باجراءات رفع الحصانة في التتبع القضائي للنواب لا يعني أبدا ان النائب فوق المساءلة ان وجبت بل هو جوهر الالتزام بالدستور و دولة القانون”.



شارك رأيك