عن العلامات البارزة في الحراك التضامني مع المقاومة، كتب الصحفي فاهم بوكدوس ما يلي بعد التأكد من ايقافهم:
“يومٌ ثقيل… ليس لأنّه بداية القيد فقط، بل لأنّه بداية انتظارٍ طويل قد يقصر وقد يطول أيّامًا أو شهورًا. يومٌ تختلط فيه مشاعر القلق بالفخر، والحزن باليقين. ففي مكانٍ ما خلف الأبواب المغلقة، يجلس اليوم وائل نوار، جواهر شنة، سناء مساهلي، نبيل الشنوفي، ومحمد أمين بنور. وجوهٌ عرفها الناس في ساحات الفعل، لا في ظلال الصمت.
هؤلاء لم يكونوا مجرّد أسماء في منشورات عابرة. كانوا من العلامات البارزة في الحراك التضامني مع المقاومة منذ اليوم الأوّل لـ طوفان الأقصى. حين اكتفى كثيرون بالشعارات الكبرى وبكلمات الغضب التي تملأ الفضاء الافتراضي، كانوا يبحثون عن الطريق الأصعب: كيف يتحوّل التضامن إلى فعل، وكيف تتحوّل الفكرة إلى مبادرة، وكيف يصبح الغضب عملًا مدنيًا منظمًا يترك أثرًا في الواقع.
لم يرضوا بأن يكون التضامن صدى بعيدًا. فاجتهدوا، وفكّروا، وجادلوا، وحلموا، حتى وُلدت أفكار جديدة للنضال المدني . أفكار خرجت من رحم الإيمان بأن الشعوب، حتى حين تبدو ضعيفة، تستطيع أن تبتكر طرقها الخاصة لمواجهة الظلم.
ومن بين تلك الأفكار وُلدت قافلة الصمود.
لم تكن مجرد رحلة، ولا حدثًا رمزيًا عابرًا. كانت محاولة صادقة لكسر العجز، وكأنها تقول إن الطريق إلى فلسطين لا يجب أن يبقى طريقًا مغلقًا في الخيال. ساروا في طريق محفوف بالمخاطر، طريقٍ يعرفون مسبقًا أنه قد لا يرحم، وكاد الخطر والصحراء الليبية ان تبتلعهم في كل لحظة، لم يرتجفوا ولم يتراجعوا. لم يكن ذلك عنادًا أعمى، بل إيمانًا عميقًا بأن الكرامة حين تُختبر لا تُقاس بحجم الخطر بل بقدرة الإنسان على الوقوف رغم الخوف.
عادوا من تلك التجربة أكثر إصرارًا، لا أقل.
ثم جاء مشروع آخر، أكبر وأبعد أفقًا: أسطول الصمود. فكرة بدت للبعض مستحيلة، لكنها بالنسبة لهم كانت استمرارًا طبيعيًا لحلم بسيط: أن لا يبقى الحصار قدرًا أبديًا لغزة، وأن يبقى الضمير الإنساني قادرًا على أن يمدّ يده عبر البحار.
ساهموا بجهدهم ووقتهم وقلوبهم في هذا المسار. كانوا جزءً من محاولة لصناعة ربيعٍ جديد، ربيعٍ يمتد من تونس إلى كل مكان ما زال يؤمن بأن التضامن ليس كلمة بل موقف.
واليوم… يبدأ فصل جديد من الحكاية.
اليوم الأوّل من الإيقاف.
ربما هو يوم طويل داخل الجدران الباردة، يوم تختبر فيه النفس صبرها، وتفكر فيه العائلات في وجوه أحبّتها، ويتساءل فيه الأصدقاء عن العدالة والمعنى. لكنّه أيضًا يوم يكشف شيئًا آخر: أن الطريق الذي اختاروه لم يكن طريقًا سهلًا منذ البداية.
التاريخ مليء بلحظاتٍ مشابهة. لحظات يُظن فيها أن القيد قادر على إيقاف الفكرة. لكن الأفكار التي تولد من الكرامة لا تُحبس طويلًا، والناس الذين يختارون الوقوف إلى جانب المظلومين يعرفون مسبقًا أن الطريق قد يمرّ عبر العتمة.
قد يطول الإيقاف وقد يقصر.
وقد تتكاثر الأيام الثقيلة او تتضاءل
لكن شيئًا واحدًا يبقى واضحًا: الإرادات التي صنعت القوافل، وحلمت بالأساطيل، وواجهت الخطر دون أن تنحني… ليست إرادات تنكسر بسهولة.
سيبقى أثرهم في الشوارع التي مرّوا بها، وفي العقول التي ألهموها، وفي القلوب التي تعلّمت منهم أن التضامن يمكن أن يكون فعلًا حيًّا.
واليوم، في هذا اليوم الأوّل من الإيقاف، قد تبدو الجدران عالية… لكن التاريخ يهمس دائمًا بالحقيقة نفسها:
السجون قد تطيل الطريق، لكنها لا تكسر الذين قرروا أن يمشوا فيه حتى النهاية”.
*ف.ب.ك



شارك رأيك