*بقلم الإعلامي فاهم بوكدوس
نحيي اليوم ذكرى يوم الشهداء، وهو تاريخ مفصلي في مسار النضال الوطني ضد الاستعمار. ففي مثل هذا اليوم من سنة 1938، خرج التونسيون في مظاهرات سلمية للمطالبة ببرلمان تونسي منتخب وحكومة وطنية ذات سيادة، غير أن هذه التحركات قوبلت بقمع شديد خلّف عشرات الشهداء والجرحى وآلاف المعتقلين. وقد تحوّل هذا اليوم إلى رمز خالد للتضحية والفداء في سبيل الحرية والكرامة الوطنية، وتستحضره الأجيال المتعاقبة بكل إجلال واعتزاز
غير اننا نلاحظ مع الزمن خفوتا بارزا في إحياء مثل هذه المناسبات الوطنية في تونس وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول العلاقة مع الماضي ومعانيه. فهل يعود هذا التراجع إلى نوع من الانقطاع الرمزي عن الذاكرة الوطنية، حيث لم تعد الأجيال الجديدة تستحضر تلك المحطات بنفس الزخم، أم أنه نتيجة تحولات سياسية واجتماعية وثقافية جعلت الاهتمام يتجه أكثر نحو قضايا الحاضر وتحدياته؟
إن ضعف حضور هذه الذكريات قد يعكس أيضًا أزمة في نقل الذاكرة الجماعية، بما يجعلها أقل تأثيرًا في الوعي العام.
ومن زاوية أخرى، يمكن فهم هذا الخفوت باعتباره تعبيرًا ضمنيًا عن خيبة أمل، حيث إن الشعارات التي رفعتها تلك المرحلة والتضحيات الجسيمة التي قُدمت لم تبلغ، في نظر كثيرين، غاياتها الكاملة. فالمطالب التي دافع عنها الشهداء، من تمثيلية شعبية حقيقية وسيادة وطنية وعدالة اجتماعية، ما تزال محل نقاش وجدل، بل إن بعضها يبدو اليوم بعيد المنال. هذا الإحساس بعدم اكتمال المسار قد يجعل استحضار تلك الذكريات مؤلمًا أو محرجًا، بدل أن يكون مصدر فخر واحتفاء.
كما أن تواصل التضحيات في الحاضر، منذ الثورة إلى اليوم، دون تحقيق قطيعة واضحة مع أسبابها، يضفي على هذه المناسبات طابعًا إشكاليًا. فهي لم تعد مجرد ذكرى تاريخية منتهية، بل امتداد لنضال لم يُحسم بعد.
لذلك، فإن خفوت إحيائها قد يكون انعكاسًا لحالة من التردد بين التمسك بالذاكرة والرغبة في تجاوزها، في انتظار أن تتحقق الأهداف التي ضحى من أجلها السابقون، ويستعيد الاحتفاء بهذه المناسبات معناه الكامل كرمز للإنجاز لا فقط للتضحية”.
*ف.ب. المدير التنفيذي لنقابة الصحفيين



شارك رأيك