من الواضح أن الضربات الإيرانية الكاسحة قد كشفت أن القواعد الأمريكية في دول الخليج لا تمثل رصيدا استراتيجيا بل عبئا لا تقدر هذه الدول على درء نتائجه و هذا هو مصير من يعتمد على الصهاينة و الأمريكان . (الصورة : خريطة القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط).
أحمد الحباسي *

لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني الأمريكي و في تاريخ الصراع المتعدد الأشكال بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية و الولايات المتحدة الأمريكية يتم استهداف و ضرب القواعد العسكرية الأمريكية المتواجدة بعدة دول خليجية من طرف القوات الإيرانية. من الواضح للمتابعين أنهم تفاجئوا بالخطوة العسكرية الإيرانية و بعدم قدرة القواعد الأمريكية على التوقي الفاعل من هذه الضربات التي تمّ تنفيذها بصواريخ و بطائرات بدون طيار و في شكل صليات متلاحقة.
و بالنتيجة حققت هذه الضربات كامل أهدافها و تبين بالفعل أن كافة الدفاعات الجوية قد فشلت فشلا غير منتظر في إحباطها أو التقليل من حجم الأضرار التي تسببت فيها و الذي أخرجها في ظرف ساعات معدودة عن العمل و عن حماية الأجواء الخليجية وهي المهمة الرئيسية المعلنة عند السماح بإنشاء هذه القواعد الاستعمارية على الأراضي الخليجية.
لقد شكل وجود القواعد الأمريكية في دول الخليج دائما مشكلة إستراتيجية مستعصية ذلك أن حكام الخليج و في نطاق حالة خوفهم من / أو استعدائهم للجمهورية الإسلامية الإيرانية و محاولتهم تنفيذ الإستراتيجية الصهيونية الأمريكية الرامية إلى قلب نظام الحكم في إيران و الإتيان بحميد قرضاي جديد يمكن الضغط عليه لتنفيذ هذه الإستراتيجية القذرة قد سعوا بالمال و التآمر و الحملات الإعلامية المغرضة و التضليلية إلى الإيحاء للشعوب الخليجية الرافضة للوجود الصهيوني الأمريكي بأن إنشاء تلك القواعد هو بوليصة التامين ضد المخاطر المتأتية من الجانب الإيراني و أنه طالما وجدت تلك القواعد التي تحتوى على أحدث ما أنتجت معامل السلاح الأمريكية المتطورة فان ما يسمى “بالسيادة” ستبقى محفوظة.
أنظمة خائفة وذليلة وصفها ترامب بالبقرات الحلوب
لقد ربطت الأنظمة الخليجية مصيرها و أمنها الشخصي بوجود القواعد الأمريكية الصهيونية على أراضيها كما فرضت الإدارة الأمريكية على هذه الأنظمة الخائفة و الذليلة التي لم يخجل الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب بوصفها بسخرية لاذعة بالبقرات الحلوب دفع كلفة حمايتها من الأموال النفطية المتدفقة.
لقد طرح السؤال فى خضم العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران منذ أشهر قليلة لماذا تستهدف القوات الإيرانية دول الخليج و لأن الجواب كان منتظرا للعارفين و المتابعين فقد جاء الرد صريحا شفافا بأن القيادة الإيرانية تعتبر أن هذه الدول -ما عدى سلطنة عمان بنسبة أقل- ليست خارج معادلة الحرب أو الاستهداف لأن انطلاق العدوان الأمريكي من هذه القواعد أو قيامها باستهداف الصواريخ الإيرانية الموجهة لضرب الكيان الصهيوني يعتبر فى عرف القانون الدولي مساهمة فعالة في العدوان يترتب عنه اعتبار كل دولة مضيفة لهذه القواعد شريكة في العدوان.
إن أحد الفرضيات التي سقطت بلا رجعة خلال هذه الحرب أن وجود القواعد الأمريكية يوفر حماية كاملة لدول الخليج و قد بدأ الحديث داخل هذه الدول عن بحثها على أطر دفاعية أخرى أكثر انسجاما مع طبيعة المنطقة بل أنه لم يعد سرا الحديث عن وجود اتصالات بين هذه الدول أو بعضها مع إيران لمحاولة إيجاد صيغ تعايش و حلول للمشاكل المطروحة.
هناك نقاش واسع بشأن ما إذا كان الوجود العسكري برمته في دول الخليج لا يزال يمثل الضامن الأكثر فاعلية للردع الإقليمي أم أنه بات يعرضها بصورة متزايدة لتداعيات الصراع الإيراني الأمريكي الصهيوني.
السؤال المطروح الآن في دول الخليج : هل ينبغي لهذه الدول تعميق اندماجها العسكري الدفاع مع الولايات المتحدة الأمريكية أم أنه من الأفضل التفكير فى تنويع الترتيبات الأمنية تدريجيا بحيث لا تتحول أية شراكة خارجية إلى مصدر هشاشة أو عبء استراتيجي؟
من الواضح بقراءة هادئة أن أمريكا لا تهتم إلا بمصالحها و تعتبر هذه القواعد جزءا من منظومة عالمية مترابطة تهدف إلى طمأنة الحلفاء مع الحفاظ على وجود عسكري متقدم لتعزيز قدرات الانتشار السريع فى عدة مناطق ساخنة في العالم لذلك يمكن القول أن الضربات الصاروخية الإيرانية قد كشفت محدودية فاعلية هذه القواعد بل أنه تبين أن الصواريخ الاعتراضية قد نفذت بعد ساعات قليلة مما ترك المجال الخليجي مفتوحا لتلقيها موجات أخرى من الضربات الإيرانية.
إن ثبوت عدم فاعلية القواعد العسكرية لحماية الأنظمة الخليجية المتهالكة لا يرجع للحرب الأخيرة التي لا تزال تدور رحاها بل يتذكر الجميع ان هذه القواعد لم تستطع حماية المملكة السعودية من هجمات الحوثيين سنة 2019 و لم تحم المنشآت النفطية عصب الاقتصاد السعودي.
من الواضح أن الضربات الإيرانية الكاسحة قد كشفت أن القواعد الأمريكية لا تمثل رصيدا استراتيجيا بل عبئا لا تقدر دول الخليج على درء نتائجه و هذا هو مصير من يعتمد على الصهاينة و الأمريكان .
* كاتب و ناشط سياسي.



شارك رأيك