كتاب سامي كليب وعمر كايد «سوريا : سقط الأبد فهل ينجو البلد؟» يستعيد الأيام الأخيرة لنظام بشار الأسد، من ارتباك المؤسسة العسكرية وتبدّل علاقة دمشق بحلفائها إلى الطريق الذي قاد أحمد الشرع إلى الرئاسة.
جمال قتّالة
لم تسقط دمشق في يوم واحد. خلف المشهد الذي اختصرته الشاشات في صور القصور المهجورة والجنود المنسحبين، كانت أشهر طويلة من الحسابات والتحولات والانتظارات قد سبقت اللحظة الأخيرة.
ذلك الجانب الخفي من النهاية السورية اختار الإعلامي والكاتب سامي كليب والباحث عمر كايد الاقتراب منه في كتابهما الجديد «سوريا: سقط الأبد فهل ينجو البلد؟»، الصادر قريباً عن دار نوفل، دمغة هاشيت أنطوان.
على مدى أكثر من عام ونصف، اشتغل المؤلفان على البحث والتوثيق وإجراء عشرات المقابلات، وصولاً إلى مادة تمتد على 304 صفحات. النتيجة ليست سرداً زمنياً لسقوط نظام بشار الأسد بقدر ما هي محاولة لإعادة تركيب الأيام التي صنعت تلك النهاية : ماذا حدث داخل الجيش؟ ماذا بقي من تحالفات دمشق؟ وكيف انتقل أحمد الشرع من موقع قائد هيئة تحرير الشام إلى موقع رئيس سوريا؟
حين بدأ الجيش يفقد تماسكه
في الروايات التي جمعها الكتاب من عدد من كبار الضباط السوريين، تبدو المؤسسة العسكرية في أيامها الأخيرة أقل تماسكاً مما ظهر في الرواية العامة التي رافقت سقوط النظام.
ضباط أرادوا القتال، وآخرون سلّموا مواقع ومدناً. أوامر لم تصل، وقرارات بدت مرتبكة، ومشهد ميداني كان يتغير بسرعة أكبر من قدرة القيادة السياسية والعسكرية على التعامل معه.
هذه الشهادات تمنح الكتاب واحدة من أكثر زواياه حساسية : البحث عن اللحظة التي بدأ فيها الجيش، المؤسسة التي قامت عليها سلطة آل الأسد، يفقد قدرته على الصمود.
ولا يتعامل المؤلفان مع المسألة باعتبارها هزيمة عسكرية مجردة، بل يتتبعان ما رافقها من اضطراب في القرار السياسي، وما سبق المعركة من إعداد لدى هيئة تحرير الشام وحلفائها.
الأسد بين طهران وموسكو وحزب الله
قبل أن يصل المشهد إلى نهايته، كانت علاقة الأسد بحلفائه قد دخلت مرحلة مختلفة. إيران وروسيا وحزب الله لم يكونوا مجرد أسماء في خريطة الحرب السورية؛ كانوا جزءاً من منظومة سياسية وعسكرية امتدت سنوات. لكن المرحلة الأخيرة حملت، وفق ما يورده الكتاب، متغيرات عميقة في هذه العلاقات.
كليب وكايد يعودان إلى تلك الفترة، ويقدمان روايات ومعلومات يقول الناشر إنها تكشف للمرة الأولى تفاصيل من العلاقة المعقدة بين دمشق وحلفائها، وصولاً إلى اللحظة التي تبدلت فيها المعادلة السورية. ويضع المؤلفان هذه التحولات في سياق إقليمي أوسع بدأ يتغير بقوة بعد 7 أكتوبر 2023. فالحرب التي اندلعت في المنطقة أعادت ترتيب أولويات القوى المتصارعة، وانعكست على سوريا وموقعها في شبكة التحالفات المحيطة بها.
أحمد الشرع: الطريق الطويل إلى السلطة
أما أحمد الشرع، فلا يظهر في الكتاب بوصفه الرجل الذي وصل فجأة إلى قمة السلطة. المؤلفان يتتبعان مساره القتالي والسياسي والفكري، والتحولات التي طرأت على خطابه ومشروعه، وصولاً إلى انتقاله من قيادة هيئة تحرير الشام إلى رئاسة سوريا.
وتكتسب هذه المتابعة أهميتها من كون الرجل نفسه أصبح جزءاً من التحول الذي شهدته البلاد. لذلك يتوقف الكتاب عند خلفيته الإسلامية والجهادية، ثم عند التحولات السياسية والأيديولوجية التي رافقت صعوده، محاولاً تفسير أسباب الانتقال من مرحلة إلى أخرى. السيرة هنا مرتبطة بسؤال السلطة: أي مشروع يحمله الشرع ؟ وكيف يمكن أن يتعامل مع بلد خرج من حرب طويلة، وتتنازعه قوى ومصالح داخلية وإقليمية متشابكة؟
سقوط الأسد أغلق باباً، لكنه لم ينهِ الأسئلة السورية. السلطة الجديدة تواجه ملفات داخلية ثقيلة، بينما بقيت الجغرافيا السورية مساحة لتقاطع مصالح إقليمية ودولية. إسرائيل وتركيا حاضرتان في الحسابات الجديدة، إلى جانب دول عربية وقوى غربية أعادت بناء قنواتها مع دمشق. وهنا يأخذ عنوان الكتاب معناه الكامل: «سقط الأبد فهل ينجو البلد؟» المسألة لم تعد معرفة كيف انتهى حكم الأسد فقط، وإنما معرفة ما الذي سيحدث للدولة السورية بعد ذلك. وحدة البلاد، شكل السلطة، موقع الفصائل، العلاقة مع الجوار، ومستقبل التوازنات الداخلية؛ كلها أسئلة تظل مفتوحة أمام مرحلة لم تستقر ملامحها بعد.
وبحسب دار نوفل، يرصد الكتاب المخاطر التي يمكن أن تهدد حكم أحمد الشرع ووحدة سوريا، كما يتابع انتقال البلاد من منظومة تحالفات ارتبطت طويلاً بإيران وروسيا وحزب الله إلى واقع إقليمي مختلف.
سامي كليب، الإعلامي والكاتب اللبناني-الفرنسي، يحمل دكتوراه في الإعلام وتحليل الخطاب السياسي، وعمل في إذاعتي فرنسا الدولية ومونت كارلو، إلى جانب نشاطه التلفزيوني والأكاديمي. وله تجربة سابقة مع الملف السوري من خلال كتاب «الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج»، الذي صدر عام 2016 وترجم إلى لغات عدة.
وعمر كايد باحث وكاتب متخصص في الفكر السياسي والفلسفي، حاصل على دكتوراه في الفلسفة السياسية من الجامعة اليسوعية، وعمل مراسلاً حربياً خلال الحرب السورية والحرب الإسرائيلية على لبنان، كما أعد وأنتج أفلاماً وثائقية وتحقيقات صحافية.
ومن المقرر أن يوقّع سامي كليب الكتاب يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، من السابعة إلى الثامنة والنصف مساءً، في جناح مكتبة أنطوان ضمن معرض بيروت العربي الدولي للكتاب على واجهة بيروت البحرية الجديدة.



شارك رأيك