<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>الاجتهاد الأرشيف - أنباء تونس</title>
	<atom:link href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%87%d8%a7%d8%af/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/الاجتهاد/</link>
	<description>الأخبار في تونس، وحول العالم</description>
	<lastBuildDate>Tue, 13 Apr 2021 10:23:37 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=6.9.4</generator>

<image>
	<url>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2022/05/cropped-logo-anbaa-tounes-32x32.png</url>
	<title>الاجتهاد الأرشيف - أنباء تونس</title>
	<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/الاجتهاد/</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>يوميات رمضانية (اليوم الأوّل): حقيقة القداسة في الإسلام!</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2021/04/13/%d9%8a%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%91%d9%84-%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2021/04/13/%d9%8a%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%91%d9%84-%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 13 Apr 2021 10:23:35 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[الاجتهاد]]></category>
		<category><![CDATA[الدين الإسلامي]]></category>
		<category><![CDATA[الفقه الإسلامي]]></category>
		<category><![CDATA[القداسة في الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[جامع الزيتونة بتونس]]></category>
		<category><![CDATA[رمضان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=263932</guid>

					<description><![CDATA[<p>نفتتح بتوطئة هذه اليوميات الرمضانية في طرح من أجل تجديد العروة الوثقى، وهي سلسلة طروحاتنا المتمحورة حول ضرورة قصوى هي الجهاد في الاجتهاد المتحتم اليوم على كل مسلم نزيه للدفاع عن الدين القيّم من الهجمة الفاحشة التي يتعرض لها من الخارج، وخاصة من الداخل عبر الطابور الخامس الذي ما انفك يسعى جاهدا للنيل من سماحة...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2021/04/13/%d9%8a%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%91%d9%84-%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82/">يوميات رمضانية (اليوم الأوّل): حقيقة القداسة في الإسلام!</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<figure class="wp-block-image size-large"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2021/04/جامع-الزيتونة.jpg" alt="" class="wp-image-263933"/><figcaption><em>جامع الزيتونة بتونس.</em></figcaption></figure>



<p><strong>نفتتح بتوطئة هذه اليوميات الرمضانية في طرح من أجل تجديد العروة الوثقى، وهي سلسلة طروحاتنا المتمحورة حول ضرورة قصوى هي الجهاد في الاجتهاد المتحتم اليوم على كل مسلم نزيه للدفاع عن الدين القيّم من الهجمة الفاحشة التي يتعرض لها من الخارج، وخاصة من الداخل عبر الطابور الخامس الذي ما انفك يسعى جاهدا للنيل من سماحة هذا الدين وإناسته.</strong></p>



<p class="has-text-align-left">بقلم <strong>فرحات عثمان</strong> *</p>



<span id="more-263932"></span>



<div class="wp-block-image"><figure class="alignright size-large"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2018/09/فرحات-عثمان.jpg" alt="" class="wp-image-148250"/></figure></div>



<p>لقد قمنا بعد بإماطة اللثام عن حقيقة الردّة واللواط في الإسلام مبيّنين أنه، في دين الحنيفية المسلمة الصحيح، لا تحريم ولا تجريم لحرية المعتقد وطلاقة الجنس المثلي الذي جعله الله في البعض من خلقه. وها نحن نبيّن في هذا الشهر الكريم حقيقة القداسة في الإسلام حتى نخلّص إبريز الإيمان الصحيح مما شابه جرّاء الإسرائيليات التي خالطته على مر العصور.</p>



<p>كلامنا من باب قولة الحق التي يفرضها ديننا حتى على النفس؛ وهي، أولا وآخرا، كلمة السواء التي لا إيمان دونها؛ فبها يكتمل الدين السوي، إذ هي اليوم الجهاد الأكبر، الوحيد الذي بقي واجبا، وهو الاجتهاد، ما لا ينتهي في دين يتجدد على الأقل على رأس كل قرن. إنها «النشأة المستأنفة» بالمعنى الخلدوني، لدين أزلي التعاليم هو اليوم في زمن ما بعد الحداثة، الدين ما بعد الحداثي: الإسَلام (أي السلام كلّه) أو إسلام ما بعد الحداثة.  </p>



<p> وقيل الحق يفرض الموضوعية في الدرس والتمحيص لاعتماد العقل والمنطق، وهما مناط الدين الإسلامي؛ رغم ذلك، غاب هذا عن الأذهان إذ فُرضت عليها قراءة معيّنة له ليست ضرورة الأفضل ولكنها هي التي كرسها التاريخ باسم إجماع الأمة، ولو أنه إجماع مفروض بشوكة الحاكم.</p>



<h3 class="wp-block-heading">اليوم؛ ما الذي يمنع من تجديد الفقه الإسلامي والتشريع الحالي ؟</h3>



<p>ولا مجال لدوامه هذه الحال لأنّ سنّة الحياة التطور والتغيّر؛ فكل شيء يتحول، ولا يدوم إلا وجه الله. لذا، حان الوقت للعودة إلى ما ميّز الدين الإسلامي الحنيف، ألا وهو هدم الطواغيت والأصنام؛ وهي اليوم معنوية، باسم فقه لعله صلح لزمانه إلا أنه لم يعد صالحا اليوم ولليوم. فما الذي يمنع من تجديد الفقه الإسلامي والتشريع الحالي، وقد ثبت تغلغل العديد من الإسرائيليات فيه، ناهيك الفهم الخاطئ الذي زاغ عن مقاصد الشريعة؟ كيف لا نقوم بذلك على عجل فنفعّل دون تأخير آلية الاجتهاد التي نسيناها أو تناسيناها؟</p>



<p>نحن، في هذه اليوميات، لا نأتي إلا بتذكرة لما ثبت من أخلاقيات الإسلام وثوابت حضارته، لا ببدعة مما لم يعرفه ديننا وأهله ممن لم يحرّفه أو يزيغ عنه؛ فإن بدا كلامنا للبعض من الابتداع، فهو دون أدنى شك بالمعني اللغوي للكلمة، أي إنشاء الشيء والابتداء فيه؛ وطرحنا لا يخص حتما المضمون، بل الشكل وحده، إذ لا نأتي بأي جديد بخصوص المضمون ممّا يعرفه كل مسلم حق، وإن سها عنه.</p>



<p>وإننا هنا، وفي طروحاتنا، لا نأتمر إلا بقول العلي القدير، فأمره هو التجلّي للنيّة الدينية الخالصة «وذكّر&#8230;!». فلا شك أن واجب التذكير من الجهاد اليوم، الجهاد الحقيقي، الأكبر، إذ الجهاد الأصغر ولّى وانقضي، فلا جهاد اليوم إلا مجاهدة النفس؛ وهل أهم من تذكيرها وتذكير الناس &#8211; ولا عيش لابن آدم بدونهم ووسطهم &#8211; بما يسهون عنه؟</p>



<p>ذاك هو الاجتهاد المستدام الذي يحفظ دين الحنيفية المسلمة من الغربة فيجعله دين كل زمنٍ راهنٍ، لجدّته وتجدده. وتلك هي الشهادة الحقة في الإسلام، أي الإتيان بالخبر القاطع؛ لا دعوى شهادةٍ بالموت، بل بالحياة لقران القرآن، أي &nbsp;الإصداع بكلمة الحق، خاصة في هذا الزمن الذي أصبح للباطل فيه ادّعاء الحقيقة؛ ولعمري هذا من تلبيس إبليس وتبليسه!&nbsp;</p>



<p>بذلك يكون الإسلام كلمة العدل في زمن اللاعدل، أي الإيمان الصحيح، وهو في كلمة السواء. فما دين القيّمة إن لم يكن هذا الكلام السوي لأجل سبيل سوية، هي محجّة الله وعباده الأخيار؟&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;</p>



<h3 class="wp-block-heading">أ &#8211; هذا من الجهاد الأوحد اليوم، الجهاد الأكبر</h3>



<p>إننا، في زمن اللخبطة القيمية الذي نعيشه، نُسيء لديننا بدون أن نعلم، إذ نجعل تعاليمه السمحة سمجة، خابطين خبط عشواء في أهم ما تفتّق عنه ديننا الحنيف، أي إناسته؛ فكان سبّاقا للأخذ بمنظومة حقوق الإنسان قبل أن تفرض نفسها في الحياة المدنية للناس. ذلك أن للدين الإسلامي هذا الجانب المدني الذي ينضاف للجانب الديني، وهو صفته كمعاملات، أي كدنيا، علاوة على كونه دين وملة. فليس الإسلام مجرّد شعائر، إذ هو أولا وقبل كل شيء ثقافة.</p>



<p>وثقافة اليوم هي تنمية الأحاسيس في النفس البشرية وهي دوما أمّارة بالسوء؛ ويكون هذا بتنمية المشاعر السنيّة بالاعتماد على عقل حسّي، حسّاس، لا يكتفي بالمجردات الديكارتية التي مكّنت من حداثة الغرب، بل يعتمد أيضا على فتوحات المعرفة في ميادين تجاهلها العلم طويلا، كميدان النفس واللاشعور والمتخيّل.</p>



<p>كل هذا اليوم من الجهاد الأكبر الذي دعا إليه الإسلام، فكان سبّاقا إلا حداثة قبل الحداثة الغربية، مكوّنا ما دعوته بالحداثة التراجعية. ولا شك أن الجهاد الوحيد الحلال في يوم الناس هذا ليس إلا الجهاد الأكبر، وكل ما عداه من الإجرام والإرهاب لانتفاء الإرادة الصالحة منه وهي لب لباب الجهاد.&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;</p>



<p>فالمسلم، تماما ككل بشر، مدني بطبعه، أي يعيش مع غيره ولأجله وبه. فليس له أن يفرض دينه على أحد، قبل أن يفرضه على نفسه. ثم هو إن فرضه على غيره، فلا يكون ذلك بغير المثل الأسنى، لا بالقوة والعنف. هذا هو إسلام اليوم، الإسلام الما بعد حداثي!</p>



<p>وفي هذا الإيمان الإسلامي، الإرادة الصالحة عند المؤمن، خاصة المسلم العربي، هي الإرادة التي لا تناقض ذاته المتطلعة للحرية؛ أما إن هي ناقضتها، فهي طالحة وإن كانت فعليا صالحة من زاوية غير ذاتية. ذلك أن الحرية ليست قيمة ذاتية بالنسبة إليه، بل شائعة بين الناس، متقاسمة بينهم، لكل الحرية في إرادة الحرية. وهذا توجه سليم إذ يذكّرنا بالتعريف المعرف للحرية، أي تلك التي تقف عند حرية الغير، فلكل حريته.&nbsp;&nbsp;&nbsp;</p>



<p>وكما كتب محمد حسين هيكل في «حياة محمّد»: «تقوم الحضارة الإسلامية على أساس هو النقيض من أساس الحضارة الغربية؛ فهي تقوم على أساس روحي يدعو الإنسان إلى حس إدراك صلته بالوجود ومكانه منه قبل كل شيء. فإذا بلغ من هذا الإدراك حد الإيمان، دعاه إيمانه إلى إدامة تهذيب نفسه وتطهير فؤاده، وإلى تغذية قلبه وعقله بالمبادئ السامية: مبادئ الإباء والأنفة والأخوة والمحبة والبر والتقوى. وعلى أساس هذه المبادئ ينظّم الإنسان حياته الاقتصادية&#8230;».</p>



<p>وهو يضيف: «خلّف محمد هذا الميراث الروحي العظيم الذي أظل العالم ووجّه حضارته خلال عدة قرون مضت، والذي سيُظله من بعد ويوجه حضارته حتى يتم الله في العالم نوره&#8230; ولئن قامت هذه الحضارة الإسلامية على أساس من قواعد العلم وهدى العقل، واستندت في ذلك إلى ما تستند إليه الحضارة الغربية في عصرنا الحاضر؛ ولئن استند الإسلام من حيث هو دين إلى التفكير الذاتي، وإلى المنطق التجريدي (الميتافيزيقي) &#8211; إن الصلة مع ذلك وثيقة بين الدين ومقرّراته والحضارة وأساسها. ذلك بإن الإسلام يربط بين التفكير المنطقي والشعور الذاتي، وبين قواعد العقل وهدى العلم، برابطة لا مفرّ لأهله من البحث عنها والاهتداء إليها ليظلوا مسلمين وطيدا إيمانهم.»</p>



<p>إلا أن كل هذا، كما يقول أيضا، مرتهن بما ميّز الإسلام عما سبقه في الدينين التوحيديين، أي «أنه لم يعرف شيئا اسمه الكنيسة أو السلطة الدينية على نحو ما عرفت المسيحية. فليس لأحد من المسلمين، ولو كان خليفة، أن يفرض أمرا على الناس باسم الدين، وأن يزعم أنه قدير مع ذلك على الغفران لمن خالف هذا الأمر. وليس لأحد من المسلمين، ولو كان خليفة، أن يفرض على الناس غير ما فرضه الله في كتابه. بل المسلمون أمام الله سواسية، لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوى.»&nbsp;</p>



<p><strong>وإلى يومية الغد وفيها الفصل (ب) والفصل (ج) حول أنّ طرحنا من الاجتهاد اللامنتهي لدين متجدّد، وأنه كلمة السواء، الإيمان الصحيح. </strong></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2021/04/13/%d9%8a%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%91%d9%84-%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82/">يوميات رمضانية (اليوم الأوّل): حقيقة القداسة في الإسلام!</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2021/04/13/%d9%8a%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%91%d9%84-%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>في تجسيد الأنبياء والصّحابة : فصل المقال فيمَن ادّعى الباطل بقصد الإضلال</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/09/19/%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%ac%d8%b3%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%91%d8%ad%d8%a7%d8%a8%d8%a9/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/09/19/%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%ac%d8%b3%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%91%d8%ad%d8%a7%d8%a8%d8%a9/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[ali ben mansour]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 19 Sep 2016 08:51:45 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[الاجتهاد]]></category>
		<category><![CDATA[الفقه]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=26146</guid>

					<description><![CDATA[<p>بقلم : أسعد جمعة* في الأيّام القليلة الماضية، طلعت علينا إحدى الصّحف الإلكترونيّة &#8220;حقائق أون لاين&#8221; بعنوان أراده صاحبه بمثابة فصل المقال في مسألة خلافيّة: &#8220;تجسيد الأنبياء والصّحابة&#8221;، والحقيقة أنّ بعض الحشويّة من سلفيّي الوهّابيّة الحنبليّة يقول بالتّحريم دون سائر علماء الأمّة، موهمًا القارئ العادي أنّه لا يجوز &#8220;دينيًّا&#8221; التّعقيب على رأي محاوره. فآثر أن...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/09/19/%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%ac%d8%b3%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%91%d8%ad%d8%a7%d8%a8%d8%a9/">في تجسيد الأنبياء والصّحابة : فصل المقال فيمَن ادّعى الباطل بقصد الإضلال</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-26148 aligncenter" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2016/09/تجسيد-الرسول.jpg" alt="%d8%aa%d8%ac%d8%b3%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b3%d9%88%d9%84" width="725" height="430" /></p>
<p><strong>بقلم : أسعد جمعة*</strong></p>
<p><strong>في الأيّام القليلة الماضية، طلعت علينا إحدى الصّحف الإلكترونيّة &#8220;حقائق أون لاين&#8221; بعنوان أراده صاحبه بمثابة فصل المقال في مسألة خلافيّة: &#8220;تجسيد الأنبياء والصّحابة&#8221;، والحقيقة أنّ بعض الحشويّة من سلفيّي الوهّابيّة الحنبليّة يقول بالتّحريم دون سائر علماء الأمّة، موهمًا القارئ العادي أنّه لا يجوز &#8220;دينيًّا&#8221; التّعقيب على رأي محاوره. فآثر أن يعنون مقاله: بعد الجدل الذي أثارته إمكانيّة عرض فيلم &#8220;محمّد رسول الله&#8221; في تونس: حمدة سعيّد [المفتي الأسبق للدّيار التّونسيّة] يوضّح رأي الدّين من تجسيد الأنبياء والرّسل&#8221;.</strong><span id="more-26146"></span></p>
<p>فنقول بداية: مَن الذي أهّل هذا الرّجل للحديث باسم الدّين؟ فإذا ما سلّمنا أنّه يصادر عن رأي الجماعة المالكيّة، فلا يمكنه القول بأنّ تشخيص الأنبياء والصّحابة محرّم شرعًا، ذلك أنّ الأدلّة الشّرعيّة تعوزه.</p>
<p>ما افتراه هذا الرّجل هو، بلغة الفقهاء، من باب &#8220;التّشْديد على غير قياس&#8221;، فمن أين له &#8220;أنّ الدّين الاسلامي لا يسمح بتجسيد الرّسل والأنبياء بأيّ شكل من الأشكال&#8221;، وهذا حكم شرعيّ &#8220;سادس&#8221; من اختلاق مدّعي الفتيا، فممّا أقرّه جمهور الفقهاء أنّ الأحكام الشّرعيّة تقتصر على خمس لا سادس لها؟</p>
<p>أمّا العلّة في هذا الحكم الشّرعيّ السّادس، فإنّها الأخطر: &#8220;باعتبار أنّ الله رفع من شأنهم ووضعهم في مكانة مميّزة مقارنة ببقيّة البشر&#8221;، وقد نبّهنا -جلّ من قائل- بظاهر الآيات المحكمات من مثل هذا الصّنيع، درءًا لشبهة الشّرك: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ (سورة الكهف، الآية 110)، ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ (سورة إبراهيم، الآية 11)،  ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ﴾ (سورة آل عمران، الآية 144)، إلى غير ذلك من الآيات العاضدة لهذا المعنى؟</p>
<p>كما أنّ كتب السّيرة النّبويّة الشّريفة قد أوردت لنا صفات نبيّنا الأكرم على جهة التّفصيل. فلو كان هذا من باب الإتيان بما حرّم الله، فأنّى للإمام التّرمذيّ أن يأتي بمثله في كتاب &#8220;الشّمائل المحمّديّة&#8221;، حيث ذكر فيه أحاديث كثيرة في وصفه –عليه الصّلاة والسّلام-؟ أليس هذا ضرب من ضروب تجسيد نبيّنا –صلّى الله عليه وسلّم-؟</p>
<p>ألا يعلم هذا الفقيّه أنّه من أصول فقه المالكيّة أن لا اجتهاد مع النصّ، والآثار الدّالّة على الإباحة في الغرض أكثر من أن تحْصى؟! فليراجع بداية المجتهد ونهاية المقتصد لأبي الوليد بن رشد إن كان في ريبة من أمره؟</p>
<p>أمّا عن تعلّله بأصل الإجماع، فعلى فرض إمكان انعقاده في هذا الشّأن، فلا إجماع بين علماء المالكيّة، فضلاً عن علماء الأمّة، على تحريم تجْسيد الأنبياء والرّسل. كما أنّ المؤتمر الذي عقده السّلفيّون الوهّابيّون المُشار إليه في قول هذا الرّجل، لا حجّيّة شرعيّة له. فما من أصوليّ قد تحدّث عن حجّية مؤتمر يُعقد في مكان ما، يُقصى منه ثلاثة أرباع علماء المسلمين. أضف إلى ذلك أنّ الرّجل يتحدّث عن &#8220;شبه إجماع&#8221;: &#8220;رأي كلّ علماء الأمة تقريبًا&#8221;، فأغيثوني يا علماء الأمّة، أسمعتم أصوليّ أوْحد قد نزّل &#8220;شبه إجماع&#8221; علماء الأمّة منزلة الأصل الفقهيّ؟!</p>
<p>أمّا عن تحصّنه بأصل الرّأي، ففضلاً عن عدم توفّر شروط الاجتهاد في هذا الرّجل، لِمَا سبق من أدلّة على جهله بالقرآن والسنّة وأصول الفقه، فإنّ العمل بمبدإ &#8220;سدّ باب الذّرائع&#8221; يقود إلى الإباحة لا إلى التّحريم، ذلك أنّ شبهة الشّرك بالله (في صورة اعتبار الأنبياء والرّسل أسمى من المرتبة البشريّة) هي أوْكد هاهنا من ادّعاء التّنزيه (عن جسديّة سائر البشر).</p>
<p>أمّا عن قوله: &#8220;وفي رأيي الدّين الاسلامي فيه قضايا أعمق وأبلغ من هذه القضيّة&#8221;، فلمّا كان لا أصل فقهيّ لهذا القول عند المالكيّة، فنكتفي بالقول في ردّنا على هذا الرّجل: إنّ الفتوى في العبادات لا تكون، في المذهب المالكي، رهينة الخطورة من عدمها. ذلك أنّ الجماعة المالكيّة لا تنزّل الاستصحاب ولا الاستصلاح ولا الاستحسان منزلة أصول الفقه. فعلى أيّ مذهب أفتى هذا الرّجل؟!</p>
<p>أتحدّى هذا الرّجل أن يقف عند أئمّة المذهب المالكي على كلمة واحدة عاضدة لمثل هذا التّحريم. إنّما وردت المسألة في آثار متشدّدي الحنابلة أمثال ابن تيميّة وتلميذه ابن قيّم الجوزيّة، لتتّخذ حكم التّحريم عند السّلفيّة الوهابيّة، إذا ما سلّمنا أنّ هذه الفرقة تتنزّل منزلة المذهب الفقهيّ.</p>
<p>والخليق بالملاحظة هو مدى استخفاف أمثال هذا الرّجل بخططهم الشّرعيّة. تحضرني الآن قولة لفقيه مالكيّ آخر (الإمام سحنون)، وشتّان بين الاثنين، حيث قال لابنته بعد أن أرغمه الأمير أبو العبّاس على تولّي قضاء أفريقيّة: “اليوم ذُبح أبوك بغير سكين”، إشارة منه إلى هوْل التّصدّى للقضاء والفتيا. فإن كان –عزّ من قائل- قد عاتب حبيبه المصطفى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ﴾ (سورة التّحريم، الآية 1)، فانظر &#8211; أيّها الرّجل- ما هو &#8211; تعالى- فاعل بك حين لا ينفع لا مال ولا جاه.</p>
<p>&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;</p>
<p><strong>* جامعيّ.</strong></p>
<p>&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;</p>
<div class="post_content">
<p>**  <strong><span lang="AR-SA">المواقف والأفكار التي تنشر في قسم “أفكار” لا تلزم إلا أصحابها ولا يعني نشرها من قبلنا تبنينا لها بأي صفة من الصفات .</span></strong></p>
</div>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/09/19/%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%ac%d8%b3%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%91%d8%ad%d8%a7%d8%a8%d8%a9/">في تجسيد الأنبياء والصّحابة : فصل المقال فيمَن ادّعى الباطل بقصد الإضلال</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/09/19/%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%ac%d8%b3%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%91%d8%ad%d8%a7%d8%a8%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>(30) عيد بأي حال عدت يا عيد؟</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/07/05/30-%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%a8%d8%a3%d9%8a-%d8%ad%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d8%af%d8%aa-%d9%8a%d8%a7-%d8%b9%d9%8a%d8%af%d8%9f/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/07/05/30-%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%a8%d8%a3%d9%8a-%d8%ad%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d8%af%d8%aa-%d9%8a%d8%a7-%d8%b9%d9%8a%d8%af%d8%9f/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[ali ben mansour]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 05 Jul 2016 10:05:27 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[الاجتهاد]]></category>
		<category><![CDATA[الاسلام]]></category>
		<category><![CDATA[السنة]]></category>
		<category><![CDATA[الشريعة]]></category>
		<category><![CDATA[رمضان]]></category>
		<category><![CDATA[عيد]]></category>
		<category><![CDATA[عيد الفطر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=16999</guid>

					<description><![CDATA[<p>يكتبها فرحات عثمان هذا آخر يوم في رمضان، وهوذا عيد الفطر يطل ككل سنة بأفراحه ومسراته، فهل تنسينا أتراح هذا الشهر المبارك الذي مر في لمحة البرق فما صمناه حقا ؟ أليس الصوم عن كل ما فيه إساءة لغيرنا، فهل صمنا عنه ؟ أليس الصوم العزوف عن أوساخ الدنيا، فكيف يتواصل هذا التكالب عليها في...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/07/05/30-%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%a8%d8%a3%d9%8a-%d8%ad%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d8%af%d8%aa-%d9%8a%d8%a7-%d8%b9%d9%8a%d8%af%d8%9f/">(30) عيد بأي حال عدت يا عيد؟</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><img decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-17001" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2016/07/عيد-الفطر-1.jpg" alt="عيد الفطر" width="725" height="430" /></p>
<p><strong>يكتبها فرحات عثمان</strong></p>
<p><strong>هذا آخر يوم في رمضان، وهوذا عيد الفطر يطل ككل سنة بأفراحه ومسراته، فهل تنسينا أتراح هذا الشهر المبارك الذي مر في لمحة البرق فما صمناه حقا ؟</strong><span id="more-16999"></span></p>
<p>أليس الصوم عن كل ما فيه إساءة لغيرنا، فهل صمنا عنه ؟ أليس الصوم العزوف عن أوساخ الدنيا، فكيف يتواصل هذا التكالب عليها في عز رمضان ؟ لقد رأينا، مثلا، العديد من الوجوه السياسية ممن له اليوم كل الامتيازات يطلب المزيد بتقديم ملفٍ لدى هيئة الحقيقة والكرامة ضمن 65 ألف ملف، ومنهم السيدان راشد الغنوشي وحمادي الجبالي؛ فكيف ندّعي العمل لخير الشعب الفقير وهمّنا المزيد من الثروة ؟</p>
<p>نعم، تجب العدالة ويتوجب ألا تكون انتقامية؛ إلا أن العدالة الحقة، نظرا لما فيه البلاد والشعب من حال مزرية، ليست بالتعويض المادي، وهذا هو الدور الأساسي للهيئة، والذي تحرص عليه دون الحرص في نفس الوقت على إعطاء المثل في احترام القانون؛ والحال نفسها مع الساسة وهم لا يستحون من البحث المتواصل للزيادة من المنافع لشخصهم حتى وإن كان ذلك على حساب الشعب.</p>
<p>سفينة بلدنا تتقاذفها اليوم الأمواج العتية، وهي أمواج المصالح الضيقة والنزعات الأنانية. ولكن تونس العزيزة ليست في مهب الرياح بقدر ما هي في يد المقادير؛ فلن تسعى هذه المقادير إلا لخير هذا الشعب  الذي يستحق الأفضل. هذه قناعتي تلخّصها قراءتي الموالية  في إسلام الغد بتونس اليوم وقد حركتها إرادة الحياة فلا بد أن يقودها فكر حر، تحرر من قيود الجمود به، وروح حية متطلعة للأفضل، أي كل ما مكّن الإسلام أن يكون حضارة عالمية تنويرية والذي بانعدامه جعل منه ظلمات اليوم الدامسة، ففي ذلك الأمل لأن يخرج منها لتعود له أنواره المضيئة.</p>
<p><strong>الإسلام</strong> <strong>اليوم</strong> <strong>وغدا</strong></p>
<p>نعم، الأمل نور في القلب يجعله الله فيه لكل من صفت نفسه وسعى لما فيه الخير والبركة لغيره قبل نفسه. هذا ما أجبت به صديقا لي من المغرب سألني، وقد أخذ به كل مأخذ ما يفعل الغوغاء باسم الإسلام : «كيف أبقى مسلما بعد هذا الذي نرى؟»      وقال مستدلا بكلام فنان مثله مرهف الإحساس: « للأسف، المسلمون لا يفكرون إلا بالسلطة والمال؛ والله ، في عُرفهم، ليس إلا ذريعة لتبرير مصالحهم الشخصية&#8230; ‫فما يحدث في العراق أو باكستان هو تكرار حرفي لِما حدث في جزيرة العرب في زمن محمد بن عبدالله ، نبي المسلمين&#8230; ‫الإسلام بقي جامدا في تلك النقطة ولم يتطور قيد أنملة منذ انطلاقته الأولى، أي منذ حوالي 1435 عاما، ولن يتطور أبدا كما تطورت المسيحية التي استطاعت أن تتكيف مع تحولات العصر&#8230;»</p>
<p>ثم أضاف، مؤكدا ما لا يقبل النقاش : «إن العطب الكبير هو إسلام الشريعة&#8230; ‫جُبن الكثيرين ومجاملاتهم وخوفهم يمنعهم من قول ذلك&#8230; وسأقولها و أكررها&#8230; الإسلام كابوس تاريخي على العقلاء والاحرارا من مسلمي &#8220;الوراثة&#8221; أن يضعوه وراء ظهورهم ، وعلى الحقوقيين أن يفتحوا عريضة عالمية تندد بفظاعات هذا الدين وخطره على الناشئة ومستقبل العقول الحرة والنفوس الأبية بل والحضارة الإنسانية برمتها&#8230;».</p>
<p>هذا ما يقوله صديقي، وهو من خيرة مفكري مغربنا، بل العالم العربي طرا؛ وليس وحده الذي يفكّر هكذا، وإن كانت له الشجاعة التي تنقص غيره للإدلاء برأيه الحر كمفكر حر. و أنا لا أقبل قيل صديقي رغم معزته الكبري عندي، بل لأجلها، إذ أعلم تمام العلم ما للقنوط من مأخذ على النفوس الأبية. فكانت إجابتي أن قلت له والحسرة تملأ فؤادى مع معرفتي أن ليس فيها فائدة :  ‫إن ما يتراءى لنا اليوم من الفهم المشوش لما يمكن له الإنقاذ من الهوة السحيقة التي نحن بها هو الفهم غير المعتاد لأسباب هذه الهوة، فهكذا يُنعت كل جديد حادث لم تعتده الأدمغة إذا تشبت بالمعروف المعهود. وهذا وإن كان مما لا أستغربه من العامة، فأنا بكل صراحة أستغربه من أهل الفكر؛ فهم أدرى وأعلم من أي أحد أن الفكر المركب ليس الفكر المتهافت ولا المتناقض بما أنه لا تناقض في فكر ما بعد الحداثة.</p>
<p>وأضفت : لا فائدة للعودة هنا لمسألة الشريعة التي جعلت منها قبة وهي    مجرد حبّة في فكرنا الأضدايدي  pensée contradictorielle وهو فكر هذا الزمن العلمي الذي قطع مع النمط القديم في التفكير، أي ما يُسمّي بالفكر الديكارتي. نعم، لا أشد خطرا اليوم على الناشئة مما يُسمّون أدمغتهم به من أحكام انتهت صلوحيتها كما نقول للدواء، فهي مما صلح وعافى طويلا إلا أنها اليوم أصبحت السم الزعاف، لهذا أعود للتأكيد على دور المثقف، وصديقي من سادتهم، للتصدّي لهذا الزحف المغولي الإسلاموي عوض البكاء على أطلال ليست هي إلا أطلال عروش كانت مشيدة ويمكنها من جديد الارتفاع شامخة مهيبة.</p>
<p>لقد حان الوقت لرفع كل ما تحنط من الفكر الإسلامي النير حتى نعيد له رونقه. فدعنا من إسلام الشريعة المحنطة، لأن الشريعة الحقة هي ما شُرع لهذا العصر حسب مقاصد الشريعة وروحها؛ أما ما كان صالحا لعهد مضى، فهو لم يعد من الإسلام الأزلي التعاليم العلميها العالميها. إن كلام صديقي العزيز يبيّن شدة تأثره بما يحدث، وهذا مما أفهمه، إلا أنه وغيره يحمل من الأنوار ما يحتم عليهم تجاوز مثل هذا الألم الحاد الذي يمنعهم من إفادة الناس بعلمهم النيّر واستعماله كمنقذ من الظلال لهم وكمنقذ من التحسر على ما لا فائدة تُرجى من التحسّر عليه. فليس أشد من الألم والحسرة منعًا للعالم أن يفيد الناس بوافر معرفته، وهذا واجب النخبة الحقيقية. فليكن الله في عون كل مجتهد للعمل على إنارة الناس ورفع الغشاوة على أعينهم؛ فإن لم يفعل المثقف المستنير، فمن يفعله غيره ؟ ليكن المفكر المسلم بورميثيوس، لا يستسلم لليأس، فذلك من نوع الحرام السلفي الذي لا تعترف به الأذهان الحرة المتحررة، والمفكر الحر لها القدوة !</p>
<p>هكذا وبتصرف وجيز كانت إجابتي الأولى لصديقي، ثم سرعان ما أردفتها بإجابة مستفيضة لهول المسؤولية التي في أعناقنا. فقلت ما أبيّنه بتصرف طفيف هنا حتى أُبدّل مكان الحسرة ما من شأنه رفع حيرة الصديق المفكّر وكل مفكر صادق النية في بلاد الإسلام المنكوبة اليوم. ذلك لأن مثل هذه المهارات والأنوار التي يزخر بها ذهنهم المتفق لا ينبغي أن تُهدر في التشنيع بلا فائدة على ما ليس من شأنه لا الإفادة ولا الضرر إلا بفهمنا له. ولا فهم بغير المجاهدة، أي مجاهدة النفس ثم مجاهدة الغير، للوصول إلى المعرفة الصحيحة التي هي دوما أعلى من العلم المجرد ولو كان علميا؛ فالعالم هو الجاهل طالب العلم أبدا، لا من ظن أنه علم، إذ عندها يبدأ جهله، ولا قاع له.</p>
<p><strong>إسلام</strong> <strong>الشريعة</strong> <strong>في</strong> <strong>الميزان</strong></p>
<p>بدأت بالإتيان بالبعض مما ذكره صديقي من سيء الحسن، لأن السوء والحسن مقترنان في الذات البشرية، فلا حُسن وحسنى بدون سيء وأسوأ؛ هذا قدر الإنسان الذي يعرفه خير المعرفة صديقي وكل فكّر مثله. قال الصديق في غيضٍ من فيض ما اختنقت به نفسه، مستشهدا بنماذج من القرآن وقد وضع بين معقوفين صفتنا له بأنه  كتاب الرحمة المهداة، ذاكرا ومستشهدا بتعليقات لما به من وجوب قطع الرؤوس وإطارتها : {  «فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق» (سورة محمد:4). قال القرطبي رحمه آلله: (لم يقل فاقتلوهم لأن في العبارة بضرب الرقاب من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل، لما فيه من تصوير القتل بأبشع صوره، وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه). وقال ابن كثير رحمه آلله: (فضرب الرقاب) أي إذا واجهتموهم فأحصدوهم حصدا بالسيوف). وقال أبو بكر الجزائري: (أي فاضربوا رقام ضربا شديدا تفصلون فيه الرقاب عن الأبدان). قال الكاساني رحمه آلله: (فأضربوا فوق الأعناق) وهذا بعد الأخذ والأسر لأن الضرب فوق الأعناق هو الإبانة من الفصل ولا يقدر على ذلك حال القتال ويقدر عليه بعد الأخذ والأسر)}.</p>
<p>هذا ما قاله صديقي الأستاذ وهو، كما قلت، من صفوة الصفوة المثقّفة ببلد من بلاد المغرب المستنير بغزارة ما فيه من أهل التصوف وقد جعلوا من أرضه هذا التيرب الخصب لنماء إسلامٍ جديدٍ متجددٍ. ما من شك أن ما يدل على ما في هذه الاستشهادات من نشاز مع فكر صديقي العزيز هو ما يُترجمه ويبرع فيه علم الاجتماع الفهيم، وهو أفضل مدخل في رأيي للنظرة الأنَسَية الجديدة للأمور، خاصة في طرحه بخصوص ما بعد الحداثة. هذا، وأنا أعمل على التنظير لإسلام ما بعد الحداثة ببلاد المغرب وسائر أرض الإسلام على هدي فكر ممثله الأسنى، ميشال مافيزولي Michel Maffesoli،  الذي يعرّبه صديقي الحزين في أبهج الحلل وأرقاها. أذكر  له ما يلي من ترجماته، أسوقها تباعا لترك المجال للتمتع ببراعة الترجمة وعظمة الفكر ما بعد الحداثي لمافيزولي وقد فتح له صديقي الباب على مصراعيه بمغربنا الزاخز بالمتناقضات، الباحث عن ذاته.</p>
<p>في مقولة تبيّن عظمة الجزئي بين الفن الكلاسيكي و الباروكي، يبيّن الأستاذ ميشال مافيزولي بتعبير صديقي الأنيق الرائق: « كيف أن الحكمة الشعبية ذات جذور أنثربولوجية لا يرقى إليها شك. ومن خصائصها المائزة أنها تشيح بوجهها عن المستقبل، مقابل انهماكها في الحاضر وتجذُّرها في تربة المعيش، وتستنكف أيضا عن إهدار طاقتها في تنكّب الآتي و ترقب مجيئه.»  ويضيف صديقي دون التفطن لمدى تناقضه في مقولاته في الإسلام وما يترجمه : «إن الإهتمام الشديد بالصغير والمتناهي بالصّغر ليس له أبدا أنْ يُضيِّق دائرة الحياة أو يجعلها تتحجر و تتكلّس. ليس له ذلك طالما هو طريقة، من جملة طرائق، في تدبير النمو الاشتدادي السائر باتجاه العمق ، عكس النمو الامتدادي المهووس بالتوسع ولا شيء غيره. »</p>
<p>إن ما يستشهد به صديقي المغربي مما يسمّيه إسلام الشريعة ليس من الشريعة إلا للآخذ بها، بينما الإسلام لكل الناس؛ والذي يميّز هذا الدين عن سائر الأديان هو إبطاله لكل الأصنام بما فيها المعنوية، وجعله للعلاقة بين الله وعبده مباشرة لا واسطة بينهما. فكل من انتصب قائما بين الله والمؤمن المسلم للكلام عن الدين، زاعما تبيان أحكامه، ليس إلا من الأحبار والكهنة وقساوسة كنيسة ليس لها أي مكان في إسلامنا إذا أخذنا به الأخذ الصحيح. لذا، كل من يتكلم عن الإسلام دون العودة إلى مقاصده يحنّط تعاليمه بأن يمحي منها كل حرية في التأويل، جاعلا القداسة لا للدين وإنما للحرف، نازعا عنه روحه؛ بذلك، هو يعبد صنما أقامه بنفسه لا هذا الدين العلمي العالمي الذي يبقى أزليا في تعاليمه لأنها تتأقلم مع كل زمان ومكان نتيجة العودة إلى مقاصدها التي هي الوحيدة التي لا تتغير فلا تتسنه.</p>
<p>لنقرأ ما يقول صديقي بنفسه في معرض حديثه عن الجزئيات التي هي بوصلة المجتمعات و محرارها، وهو يترجم فكر ما بعد الحداثة المافيزولي إلى لغة الضاد: «‫ هذا ما يُفسّر أن الاقتدار الاجتماعي، وهو تعبير آخر عن الأُنسيّة، يستمد قوته وعنفوانه من تفاعله الموصول بين العياني والحسي من جهة، والتجليات المعتادة جدا في ثنايا الحياة اليومية من جهة ثانية. والحال أنه من تفاعله الخلاق هذا يستلهم قدرته على مقاومة إملاءات السلط بكل أنواعها. السلط أو أنظمة الحكم والتحكّم التي يواجهها و يُوازنها باقتداره. فالطريف والخالي من الدلالة، أو ما أراده العقل الإنتاجي الربحي كذلك، ينتصبان، في كل الأحوال، كدرع واقٍ ورادع للصخب المزعج المنبعث من المؤسسات المتعالية، وهو ما يُحوِّل ذلك الخالي ظاهريا من دلالة إلى مُترعٍ بدلالته  الخاصة.»</p>
<p>هذا ما ينطبق تماما على الإسلام وحاله اليوم، إذ لنا الإسلام الرسمي الذي تفرضه السلط السياسية حسب مصالحها، ولنا الإسلام الشعبي الذي هو أقرب للإسلام الصحيح، إلا أن سلطته تبقى رهينة الاعترف بها، ومن له العمل على ذلك غير أهل الفكر وصديقي منهم الذي يضيف في ترجمته: « لاحظ غويو، وهو بالمناسبة أول عالم اجتماع تطرق للأنوميا، أي للخارق للعادة والخارج عن المألوف في المجتمع، وأبرز أهميتها،كيف أن عظمة النوابغ تظهر من خلال طرق معالجتهم للتفاصيل والجزئيات. وعلى هديه نتساءل إنْ لم يكن النبوغ الشعبي يتجلى أول ما يتجلى في تذوقه للجزئيات وتفاعله الشديد معها. فالسمة الفارقة للجزئيات والتفصيلات هو تحررها من القبضة الحديدية للطموحات المفرطة والمُغالية للسلط أو أنظمة الحكم على اختلافها، ويعود ذلك إلى كون الجزئيات إياها عادية جدا، بل وموغلة في الاعتيادية، والحال أن العادي والمعتاد هو المختبر اليومي للأُنسيّة. إن المتع الحسية، متع الجوارح والمعيش البسيط التي تختصرها الحياة العادية، هي الضامنة، على المدى الأطول، لاستمرارية المجتمعات. ويعود ذلك، في تقديري الخاص، إلى أن الجزئي والتفصيلي هو العالم كله مختصرا وكثيفا. ووضعُه هذا هو الذي يجعلنا نتمثل كل عنصر من عناصر الحياة على أنه مستقل بذاته ومندغم في غيره في آن واحد. وفي كلمة، الجزئي هو الملموس الكوني. »</p>
<p><strong>الإسلام</strong> <strong>الشعبي</strong> <strong>الما</strong> <strong>بعد</strong> <strong>حداثي</strong></p>
<p>الجزئي الذي هو بوصلة الإسلام الشعبي، كما بيّنه ببلاغة عربية صديقي، من الفكر ما بعد الحداثي؛ وهو يكمن عندنا في هذا الاعتقاد الساري في سائر المجتمعات الإسلاميه أنه دين الرحمة والمحبة. لذا، علينا بيان كيف يجب أن تتجلى مظاهر هذه الرحمة حتى لا يكون الدين الرهبوت والنقموت الذي نعاينه من العديد من أهله، إذ أن هذا البعض جزء من الكل، فلا وجود له إلا لوجود تعاطفٍ لأسبابٍ عديدة من طرف الكل الذي يعمه في لخبطة فكرية. وهذه اللخبطة لا يمكن رفعها إلا من طرف النبغاء من أهل الفكر ممن لا ينحرفون بفكرهم ولا بأنفسهم إلى الصراع الذي لا ينتهي بين الخير والشر، تلك المانوية التي داخلت الإسلام وهي من إفرازات عادات وتقاليد غير ما أسس لديننا العربي؛ ففي الإسلام تناغم تام في الذات البشرية وتلاحم وطيد بين ما هو من الشر وما هو من الخير، وليس أكبر دليل على ذلك إلا ما نجده فه من التفريق بين الذنب والإثم، وهو من رواسب الفكر الإغريقي الذي أثر كثيرا على فكر الإسلام.</p>
<p>في ترجمته للأمور الصغيرة التي تنظمها القوانين الكبيرة، منطلقا مما قاله فرومونتان عن الفنّ التشكيلي أي أن «من الوارد أن تُنظّم قوانين كبيرة جدا أمورا صغيرة جدا» يقول صديقي أيضا: « المقصود هنا بالقانون هو ذلك الناظم الجوهري (الجواني) الذي يجعل الواقع مستقلا ومتينا ومتجاوِزا، بِما لا يُقاس، لكل الشروحات والأحكام الجاهزة في حقه. وهذا المقصود هو الذي يسري على المحسوس، المحسوسُ في كل جماله التراجيدي ، بِما هو معجون، جزئيا، في أنصبة من شقاوة وقبح وفوضى، فضلا عن تفرده بنظامه الخاص، والمُعاش بصفته تلك.» أليست هذه حال الإسلام إذ الأمور الصغيرة هي طريقة فهم العوام لدينهم بأنه دين الرحمة والغفران، بينما القوانين الكبيرة هي ما يُسمّى إسلام الشريعة وما يأخذ به الإسلام الرسمي وهي في الأغلب أحكام غير إسلامية في روحها، لأنها متفرعة عن اليهودية والمسيحية ؟</p>
<p>فمن يأخذ اليوم، غير القليل من المعتوهين، بقطع اليد رغم أن هذا مما ورد فيه نص صريح ؟ ومن يقول بملك اليمين أو بالعبودية ؟ أليس كل هذا وغيره من القوانين الكبيرة، شأنه في ذلك شأن كل ما ورد من شناعة حسب مفهومنا اليوم لحقوق الإنسان في زمن لم يكن للإنسان فيه حقوق ؟ أليس من الضروري الأخذ بالجزئيات الهامة وطرح ما بدا من القوانين رغم مسحتها الإلاهية، إذ نحن لا نناقض كلام الله عندما لا نعمل بحرف كلام له جاء متناغما مع عصر ولّى وانقضى، وإنما بروح هذا النص وهي أيضا من كلامه، بل هي أعلى وأرفع ما فيه ؟ هذا هو مفهوم الشعوب الإسلامية، خاصة بمغربنا الصوفي، للإسلام رغم منطوق شريعته !</p>
<p>لا شك أن صديقي لا يقول غير ذلك عندما يواصل ترجمته فيقول : « ‫تحدثت أعلاه عن &#8220;فلسفات الحياة&#8221; التي هي من فلسفة الشعب التي تتبين البصيرة الشعبية من خلالها إرادة عيْش غلاّبة بفضلها تسير الأمور وتستمر، رغم كل الضربات وشتى الأوامر والنواهي ومظاهر إستغلال وسيطرة وإخضاع وإذلال. وهذا المعطى المركزي ساءل ولا زال يُسائل فلاسفة وعلماء اجتماع ساعين للكشف، كلٌّ على شاكلته، عن السر الكامن وراء استمرار حياة الأفراد والجماعات رغم كل أشكال ومظاهر القهر والضغط. من جهتنا، نتساءل إنْ لم يكن سر الأسرار في ذلك كامنا في هذه الأشياء الصغيرة التي هي نسغ الحياة اليومية وبها تعج وتمور. نتساءل أيضا إنْ لم يكن سر الأسرار كامنا في الملموس/ المحسوس العصي على الزوال، والذي يستمر البشر في التشبث به في كل الأحوال والمشهود له بصلابته وتماسكه. ولا طائل من البحث عنه في عوالم أخرى ، أو في الحلم بمجتمعات كاملة وفي التطلع لمعقولات مثالية أو طوباويات من كل ألوان الطيف. فعندما يقول مثلٌ شعبي، مثلا، بأن &#8220;الشيء تُمسكه بيدك أفضل من شيئين تنتظرهما وتُمنّي بهما النفس&#8221;، فذاك دليل على ثقة الحس المشترك في ما هو بمتناول اليد وبعالم الشهادة، مقابل عدم اكتراثه واستخفافه بالموعود والمجهول والمقيم بعالم الغيب الذي قد يأتي أو لا يأتي !»</p>
<p>هكذا يتكلّم صديقي عن الحس المشترك، هذه الحكمة الشعبية التي تزخر بها مجتمعاتنا ولا يراها حواليه ! إن المؤكد الأكيد هو أن ما يسمّيه الصديق إسلام الشريعة ليس له من المهابة والسيطرة على العقول إلا عند القلّة من تجار الدين ومعتوهيه؛ أما الأغلبية، وهي ذات حسٍ شعبيٍ عالي الكعب، فهي لا ترى مانعا في فهم الإسلام حسب مقاصده. إنما المشكل اليوم هو أنها لا تجرؤ على التصريح بذلك؛ وهذا طبعا لا يعني أن مثل هذا الفكر غير موجود عند العموم، وهذا ما يؤكد على ضرورة العمل على رفع مثل هذه القيود عن العموم؛ فمن يعين على ذلك غير من له من الثقافة الزاد الوفير ؟ فبها تأتي الثقافة الأكاديمية في نصرة الثقافة الشعبية؛ والكل ثقافة واحدة لا اختلاف بينهما إلا في المظهر، والمظهر خداع في دنيا المظاهر هذه !</p>
<p>ونحن نقرأ لصديقي في ترجمة له عن ‫دلالة إنزياح أخلاق الاقتناع عن أخلاقيات الممارسة ما يلي : « ‫الحق أن هذه الطريقة العريقة والموصولة في تمثل أشياء الحياة وإتيانها تدعواليوم أهل الفكر والنظر، وبعد عودتها إلى سطح، للقيام بثورة كوبرنيكية إحتفاءٌ بعلوّ شأن الملموس والأشياء الصغيرة والبسيطة والعادية جدا في حيوات الناس. تلك الأشياء التي تنتظم على نحو منطقي وسلس، و منها يتشكل نسق الواقع البشري.»</p>
<p>نعم، إن علينا، خاصة أهل الفكر منا، القيام بثورة كوبونيكية على المسلّمات في فكرنا إذ هو عندها من الفكر الديني الذي نحن نرفضه في الآن نفسه. لنتذكر أن الفكر المتحرر اليوم في الغرب ليس حقا بالمتحرر بما أن رواسب الدغمائية اليهودية المسيحية لا تزال به، بينما إذا بدت لنا هذه الدغمائية ظاهرة واضحة للعيون في فكرنا، فذلك لا لرواسب خصوصية للفكر العربي الإسلامي وإنما لما طغا عليه من تلك العادات الغريبة عنه. فالإسلام السلفي والجهادي اليوم ليس في أغلبه إلا من رواسب الإسرائيليات في الدين الإسلامي الذي أصله التفتح والقبول بالآخر؛ هذا ما أنتجه وصدّره لغرب القرون الوسطى، معيدا إليه بضاعته الإغريقية في أفضل حال، ومستوردا منه أسوأ ما فيه، دغمائيته إلى حد أنها أصبحت ميزة له اليوم حتى عند المستنيرين من مثقفينا.</p>
<p>يقول صديقي أيضا في ترجمته تلك: « والسؤال المطروح الآن هو : لماذا تُمثّل عودتها وبروزها على السطح الاجتماعي ثورة من هذا الحجم ؟ ‫ببساطة لأن الأصل في الأشياء هو طابعها الفلتان والزئبقي والهارب، ربما لكونها مندورة للفناء كما هو مندور مشاهدوها ومُعايشوها. فوق، تحدثتُ عن حكمة تراجيدية لأن إحساس الإنسان بالتناهي يدفعه، دونما شعور وبلا إرادة عازمة، إلى تجريب كل ما يدخل في باب &#8220;الرائع&#8221; في هذه الحياة ومن خلال المعيش. إن الإحتفاء بالأشياء والأمور الصغيرة المتناثرة حواليه ليُعبّر أحسن تعبير عن فلسفة حياتية تدفعه دفعا باتجاه التقاط واقتناص كل ما هو قابل للعيش والمعايشة، والتفاعل مع المعطيات المباشرة التي تقع في دائرة مداركه، والموسومة بعفويتها واندفاعيتها على حد تعبير برغسون.</p>
<p>‫من السمات المائزة للمعيش اليومي قدرته الفائقة على الإنزياح عن الأخلاق التمامية والمتحجرة. لذلك، قد تجد الناس في معاشهم يعلنون الولاء الصريح لمعتقدات دينية وقناعات أخلاقية، بل قد يتحمّسون للدعوة إليها والتبشير بها، إلا أنهم سرعان ما يرمونها وراء ظهورهم ما أن تعترضهم عقبات أو تواجههم مشاكل تعجز هذه المعتقدات أو القناعات عن مجاراتها أو فكّ ألغازها. فقد يُجاهر فرنسي بمواقف عنصرية &#8220;مبدئية&#8221; إزاءالأجانب، غير أن ذلك لن يمنعه من مراعاة جاره العربي و الأخذ بيده عند الحاجة. بالمثل، لا تحول الأخلاق الجنسية المتشددة لهذا أو ذاك دون وقوعه في مطبات زيغ جنسي بوسطه القريب والأقرب.</p>
<p>في مطلق الأحوال، ثمة انفصام (انفصال) مسترسل ولافت بين القناعات الأخلاقية المُعلنة والمتجهِّمة من جهة، وممارستها على أرض الواقع من جهة أخرى. تلك الممارسة التي تنحو منحى الزيغ واللزوجة والمرونة الشديدة في الواقع اليومي. ولعل ذلك هو ما يُفسّر تلك المقاومة الشرسة التي تٌبديها الأشياء الصغيرة والملموسة حين لا تسلم قيادها بسهولة وتتأبّى على التطويع. إن المهم، في هذا السياق، ليس ما ينبغي أن يكون، بل الكائن والمتحقق على الأرض. يقول فيبر كلاما لطيفا بهذا المعنى : &#8220;قد لايكون الشيء جميلا ولا مٌبجّلا ولا جيدا، غير أنه يُعاش كما هو وبلا أدنى اكتراث بإحالته على مستويات عليا تتجاوزه من قبيل المعتقد والمثل الأعلى الفلاني أو العلاني&#8221;. أعتقد بأن مفهوم التعددية القيمية الذي اشتهر به فيبر يستمد كل قوته وألقه من هذه الفكرة الأساسية التي عبر عنها للتو.»</p>
<p><strong>المثقف</strong> <strong>والحكمة</strong> <strong>الشعبية</strong></p>
<p>هذا ما علينا القيام به في زمننا الراهن، وهو من اللزوميات عند خاصة الخاصة قبل العامة. رغم ذلك، ففي هذه العامة العديد من المظاهر التي تبعث على الأمل غير أنها سبقت وتبقى سابقة على صفوتها إلى حد إنارتها حتما. وذلك لا يخفى على صديقي إذ هو يقول في ترجمة عنونها ‫الأبيقورية الإجتماعية والتمحور حول الحاضر : «‫ ولمزيدٍ من بيان ما تعنيه الأُنسية، كما نتمثلها، نورد جملة بداهات غاية في البساطة، من قبيل تلك التي عبّر عنها هوغار بـ &#8220;المتع اليومية&#8221; في دراسته للثقافة الشعبية. فقد وقف مليّا عند الأهمية القصوى لِما سمّاه &#8220;نكهة العيش&#8221; و&#8221;الحياة الجيدة&#8221; و&#8221;شدة الإنهمام بالحاضر&#8221;، وكلها سمات مميِّزة لهذه الثقافة. وسندفع بمعاينته إلى الحد الأقصى بالقول بأن الأبيقورية اليومية باتت بالفعل أيديولوجية ونمط عيش منتشرين على أوسع نطاق في المجتمعات المعاصرة. لقد غدت نزوعا قويا متمحورا حول بؤرة الحاضر والآني ذي الأوجه والأشكال المتناسلة. نزوع لايحفل إطلاقا بمُنازلة ومنازعة التمثلات الإسقاطية الدينية والسياسية والإقتصادية، بل يقنع باقتناص لحظات المتعة السعيدة الهربانة والمتسارعة.</p>
<p>‫يتعلق الأمر في هذه الأبيقورية الإجتماعية بمعرفة، أو بالأحرى بخبرة سليقية ومُستبطنَة تتماهى مع تلك الحكمة التراجيدية التي تُدرك بأن المتع الأساسية في هذه الحياة، من قبيل الأكل والشرب والثرثرة والحب والشجار، متع في عجلة من أمرها وتمر بسرعة. وبالتالي، تقضي &#8220;الحكمة الشعبية &#8221; باقترافها هنا والآن دونما تباطؤ ولا إرجاء. من الضروري التذكير الدائم بهكذا بداهات بعد تعوُّد &#8220;العقل المجرد&#8221; لكثير من أهل الفكر والنظر على تجاهلها و إسقاطها بالمرّة من الحساب. بيد أنها هي النواة الصلبة لكل بناء إجتماعي للواقع شاؤوا ذلك أو شككوا فيه أو جحدوا به حتى. إننا، بحق، حيال إمبيريقية يومية شديدة البساطة مقطوعة الصلة تماما بالإمبيريقية المُتفلسفة المُحكمة البناء والمُتقنة الصنع. إمبيريقيةٌ مؤداها أن &#8220;الموجود هو المنظور والمحسوس والواقع بمتناول اليد&#8221; وماعداه معدوم. وحتى لو اعترفنا له بوجود محدود وجزئي، فليست له عواقب مباشرة على أحوال الناس و شرطهم الوجودي.»</p>
<p>إنها بديهيات، كما يقول صديقي، ولهذا فهي حتمية للخروج بدين الإسلام من البوتقة التي يريده فيها أزليا لا أعداؤه فقط بل وأيضا من يدعي أنه يبتغي له الخير. ولأضيف هنا دلالة أخرى عن حتمية التغيير بالحديث عن التعقد الإجتماعي كما نظّر له &#8220;إدغار موران&#8221; وكما ترجمه صديقي أخذا عن فكر أستاذنا مافيزولي: «‫ وتفادياً لأي تفسير سببي أو آلي لهذه العناصر، نبادر إلى القول بأنها لا تحتمله أصلا لأنها ليست سوى جُماع لحظات متزامنة في تحققها وتفاعلها، ما يعني أنها غير تعاقبية ولا منفصلة عن بعضها بالمرة.</p>
<p>‫إن المنطق البيتيّ، بيت القصيد في حديثنا، هو قبل كل شيء منطق الوحدة العضوية بين هذه العناصر، وهو أبعد ما يكون عن بنية بسيطة وبدائية. إنه منطق متماهٍ مع حالة التعقد والتشعب، كما أفاض موران في بيان أوجهها وشرحها من خلال ما أسماه الأنموذج البيو-أنثربوسوسيولوجي. ثمة تفاعل متواصل بين عناصر هذا الكلّ، ما يجعلها عُرضة لتعديلات وتغيرات متواصلة أيضا. فالحداثة القائمة على السببية العقلانية تتمحور حول التضامن الآلي البسيط، في حين أن المُحرّك المحوري للأزمنة التقليدية (ما قبل الحديثة) وما بعد الحداثية هو التضامن العضوي الموسوم بتعقده اللافت والقائم أساسا على التفاعل.</p>
<p>ما سبق من بسطٍ لهذه المسوغات يحملنا على تقرير كون المنطق البيتي العريق مقولة فيها من الوجاهة ما يجعلها أقدر على مساعدتنا على فهْم حال ومآل المجتمعات المعاصرة. في مو ازينها، تعتبر الحساسية البيئية وحالات التكافل بين الجيران والأعمال الخيرية والإحسانية وعلاقات التكافل بين &#8220;شمال&#8221; &#8220;جنوب&#8221; أشكالا وصيغا متكاثرة لهذا التضامن الإجتماعي والطبيعي الناشيء. في الإتجاه نفسه، من حقنا أن نتساءل إنْ لم تكن كل مظاهر التطور التكنولوجي، من حركية في التواصل مازجة بين نسخ وصوت ومشاهدة ، تعابير عن هذا النزوع الإنساني الجامح، نزوع إلى القرب والاقتراب وتحقيق أشكال من إحتكاكات &#8220;بيتية&#8221;.</p>
<p>ما هو في حكم المؤكد حتى الآن هو أن حالة التعقد المعجونة من طينتها مجتمعاتنا المعاصرة تتكئ على نماذج عابرة للأزمنة والأمكنة تشمل حالات الإنهمام بالذات وبالغير وبالمحيط والقريب، علما بأنه هو نفسه علة ونتيجة لهذا التطور التكنولوجي الدقيق والتواصل الجماهيري الكثيف اللذين يشهدان فورة غير مسبوقة في هذه المجتمعات.»</p>
<p><strong>الحكمة</strong> <strong>الشعبية</strong> <strong>فكر</strong> <strong>مركّب</strong></p>
<p>أنا أرى أن الفكر المركب pensée complexe هو مما يتواجد بكثرة ولو بصفة غير رسمية وشبه عفوية في مجتمعاتا العربية وخاصة المغاربية. فهو الذي من شأنه التأثير في الفكر السياسي الطاغي لفهمنا للدين، كما يقول صديقي؛ فالتأثير في &#8220;السياسي&#8221; مستحيل بدون فهمٍ عميقٍ للمجتمعي. لنقرأ له أيضا، مواصلا ترجمته لفكر مافيزولي: « ‫وكما أن تغييب هذين الإصطلاحين، يجعل فهم العمق المجتمعي مستحيلا، فإن عدم استحضار المدار البيتي سيحكم على أي حلم بممارسة تأثير على المجال السياسي بالفشل؛ سيما وأن &#8220;السياسي&#8221; يحدّه ويؤطّره مدار المدينة. هي ذي الجدلية نفسها التي رصدناها فوق، والتي يتحقق من خلالها مرورٌ من المدار المحدود للجماعة إلى شبكة واسعة من العلاقات، قوامها دوائر متتالية تحوم حول مركز واحد.</p>
<p>يُعلّم هذا النظام الإثيقي المستأنسين به الإستئناس أيضا بروابط عمادها مشاعر صداقة وعطاء وإكرام ضيف ومسلكيات أخرى مثيلة تتحقق من خلالها الأشكال الأساسية للتضامن المجتمعي والتآزر الجماعي. وهو الأمر نفسه في تصور كزينوفان الذي يرى بأن إتيان المُتع البيتية يُمهّد صاحبه للعيش في الجماعة ومعها. فإن كانت الغاية من الرابطة الجامعة بين الزوج وزوجته تنحصر في البيت، فلن تكون بهذه الصفة أكثر من &#8220;لحظة جدلية&#8221; داخل لحظات الجماعة الأكبر وفي عموم المدينة التي يكون الأزواج مدعوون فيها إلى الإضطلاع بأدوار أخرى أكبر وأكثر انفتاحا على الآخر. وتوخيا لمزيد من الدقة، نضيف بأن الإنهمام الفوكوي بالذات، ذي الحضور الدائم في الثقافتين الإغريقية واللاتينية تحت إسم &#8220;إبيميليا هيوتو&#8221;، يندرج      أصلا في كلٍّ متكامل يضم دفعة واحدة الإمساك بزمام الذات والإنهمام بشؤون البيت، علاوة على المشاركة في الشأن العام أي في شؤون المدينة.»</p>
<p>بعد كل هذا من أجوبة على الطريقة السقراطية، إذ الإجابة هي فينا وتسبق التساؤل الذي يصدر عنا فلا يأتي إلا كرجع صدًى لها،  سألت بدوري صديقي: ‫ألست أنت الذي يتحدث في ترجماتك لمافيزولي عن الفرق بين المتشكل قبليا والمتشكل بعديا بالمجتمعات ؟ ألا ينطبق هذا على المجتمعات الإسلامية ؟ فأنا قرأت لك واستمتعت به ككل قرائك وهم كثر  ما يلي: « ‫وعلى صورة &#8220;مقبض الإناء&#8221;، كما استوحاه زيميل ، فإن الخالي ظاهريا من دلالة وجدوى في الحياة اليومية ، لايعدم جدواه الخاصة ودلالته الذاتية اللتان يرفد بهما الروابط الإجتماعية ذات المفاعيل المؤكدة. وبِما أن الأفراد داخل المجتمع ينخرطون في جمهرة من الشبكات الأساسية القائمة على الصلات الوثيقة للقرابة، فإنهم يندمجون فيها حد الإنصهار، وتلك سمة فارقة طابعة أيضا بميسمها لروح ما بعد الحداثة. فالبناء العضوي المرصوص للحلقات الصغيرة تتولد وتتناسل عنها كيانات إجتماعية أكبر وأوسع. وهذا ما أسميته، تحديدا وفي غير ما موضع، &#8220;الوحدة العضوية&#8221; التي تنسجها روابط مفتوحة، عارضة ووجدانية المنزع، وتتميز بكونها تتشكل بعْديّاً، خلافا للوحدة المغلقة للمؤسسة التي تتطلع للكونية والثبات والاستفراد بصفة &#8220;العقلانية&#8221;، وبسب ذلك كله يكون تشكُّلها قبْليّاً.</p>
<p>في السياق نفسه، لاضير من الاستعانة من الموروث الفلسفي القديم بمقولتي &#8220;المنطق الداخلي&#8221; و&#8221;اللوغوس سبيرماتيكوس&#8221; رغبةً منا في مزيد من توضيح لهذا المعطى السوسيولوجي المعاصر. ثمة بالمنطق البيْتي منطق داخلي (جواني) ينثر بذوره بعْديا فتتفتق وتنضج ويشتد عودها إلى أن تتبرعم باتجاه الخارج مُخصِّبة وملقّحة لمجمل الروابط الاجتماعية. تقديري أن الوحدة العضوية لكل الشبكات الاجتماعية تشتغل وفق هذه الصيرورة، وتقديري أيضا أنه من الأهمية بمكان التأكيد على المنظور إياه في تناول هذه المسألة، إذ هو الكفيل ببيان كيف يغدو المنطق البيتي نموذجا لمنطقٍ متمركز حول بؤرة الملموس الأقصى كما عمّده والتر بنيامين. ومن هذه الناحية، فهكذا &#8220;منطق&#8221; أبعد ما يكون عن وضع إجتماعي يكون فيه الفرد منغلقا على ذاته ومنزويا على خُويصة نفسه في شرنقته الخاصة، بل مندور للإنفتاح على &#8220;خارجه&#8221;.</p>
<p>إن هذا &#8220;الملموس الأقصى&#8221; هو الخلاّق للروابط العضوية التي سعت المفارقة اللافتة أعلاه في المعطى الاجتماعي إلى وضع اليد عليه وبيانه. وفي السياق نفسه، أُقدّر مرة أخرى بأنه من المناسب جدا إستحضار المصطلح اللاتيني دوموس Domus ومعناه ما يضم ويشمل كل الموجودات المتقاربة والمتجاورة، من بشر وحيوان وموروث ثقافي و أواصر أرضية وترابية و بيوتات، ضمن كل متناغم. وللمصطلح نظير في الإغريقية هو واكوس Oikos  المشبع بالحُمولة الرمزية ذاتها. وقد بيّن فوكو، بمعرض شروحاته لأحد نصوص كزينوفان، كيف أن هذا المفهوم قادر لوحده على تحديد وتكثيف ملامح &#8220;أسلوب العيش والنظام الأخلاقي السائدين في فترة تاريخية وحضارية بعينها&#8221;.»</p>
<p>هكذا تكلم صديقي وهكذا دلل بنفسه على أن واجبه يقتضي أن ينير أهل المغارة، شعبنا الغارق في ظلامه الأسود الغربيب، إذ لا يرى من دينه إلا خيال ما يتحرك وراءه، حيث النور خارج مغارته. فمن يهدي العموم إلى ذخائر هذا الفكر وثرائه إذا لم يكن المفكر النابغة والجهبذ العالم به وبفكر من نظر له من العلماء الأفذاذ ؟ إنه دور المثقف المسلم الذي أشرت إليه، بل هو قدره حتى وإن حمله على أن يكون كالشمعة التي تحترق للإضاءة. فليكن شعار كل مفكّر شعار الأديب الشاعر جوته، الذي أحب سماحة الإسلام وروحانيته، وهو الذي بقي يطالب وهو على فراش الموت بهذا : المزيد من النور ! وإنه بلا شك الفكر المركب الذي ينبع من الحكمة؛ فمن، غير المفكرين المتجذرين، وهم قلة قليلة، بإمكانه الإنارة بهذا الفكر في زمننا الحالك ؟</p>
<p><strong>المظاهر</strong> <strong>وأخلاقية</strong> <strong>الجماليات</strong></p>
<p>لمزيد الامتاع بهذا المثال الحي للفكر المركب، ‫أختم ردّي على صديقي وعلى كل من صدقت نيته في الخروج بديننا من مصيبته، ولكن اليأس منعه من الكسب لتغيير الأوضاع، بمقتطفات حصرية من دنيا المظاهر، نحو أخلاقيات جمالية Au creux des apparences. Pour une éthique de l&#8217;esthétique، وهو كتاب صديقي المترجم الجديد لميشال مافيزولي لما يُنشر بعد، حيث يقول بالحرف الواحد، وأنا طبعا أضم صوتي إلى صوته : « المطلوب اليوم هوالتوقف عن كُره الحاضر، وهو مطلبٌ غير هين على حماة وسدنة &#8220;العوالم الخلفية &#8221; التي تستمرءُها وتمتهن ترويجها الأنساق الفكرية والنظرية. نقول ذلك في الوقت الذي يتشكل فيه مجددا على مرآى منا ومسمع عالم ساحر ومسحور في آن. هو ذا التحدي الكبير الذي يواجهنا في نهاية القرن العشرين. وبناء على هذه القناعة الأساسية، جعلنا الأفكار المركزية في الكتاب بين يديك تتمحور حول القضايا الآتية:</p>
<p>&#8211; البديهي والحس المشترك بحسبانهما يقينا،</p>
<p>&#8211; الظواهر (المظاهر) بحسبانها عمقا،</p>
<p>&#8211; وأخيرا، لا آخرا، تجربة القرب والمحايثة بما هي تجربة نوعيّة .</p>
<p>والهدف من وراء طرح هذه القضايا هو هدف مزدوج. فمن جهة، سنسعى إلى معاينة فروضنا التي تقدّم ذكرها على الأرض. ومن جهة ثانية، سنسعى جاهدين لإبراز ما تنطوي عليه من معان ودلالات. ما عاد ثمة شك في أن اليقينيات الكبرى التي عمَّرت طويلا باتتْ تتهاوى واحدة تلوالأخرى. والأحداث كما التحولات والمُستجدات تدفعنا دفعا إلى التفكير بطرائق جديدة في التفكير والمقاربة.     المعرفة في طور التشكل لا بد أن تكون في صلة دائمة مع العالم. لمِنْ شأن إغفالُ هذا المعطى إقتراف شرخ محتوم بين الفكر والواقع، شرخٌ سرعان ما يتحول إلى هوة عميقة وسحيقة يستحيل ردمها. وحدوث هذه الشروخ، بين الفينة والأخرى، هي السبب في ظهور وتنامي أحوال نفسية جماعية تتراوح بين المزاج النكد والنزعة الكلبية، بله ومظاهر من الثورة المسترسلة على كلكل الأوهام في عصرنا .</p>
<p>إن الحاضر ينبوع ثرٌّ للتفكير، التفكير بإطلاق رغم أنه لا يعدو أن يكون نقطة عبور بين ماضٍ متراكم ومستقبل ممتد. الحاضرُ يمدنا بالعناصر والوقائع الكفيلة بفهْم الناشيء، فهمُه بمنأى عن كل الخلفيّات والأحكام الجاهزة. أكيد بأن الأمر يتعلق بمعطى بديهي لاجدال فيه. غير أن المشكلة تكمن في أن هناك من بيننا منْ لازال يصر، وبعد معاينته للوقائع على الأرض، على حذف هذه وتجاهل تلك مقابل انخراطه الجانح في التنظير المعياري والأخلاقوي، التنظير لِمَا كان يجب أن يكون ولِما ينبغي أن تكونه الحياة الاجتماعية بمعزل عن المعاينة الباردة والواقع العنيد.</p>
<p>غالبا ما يُعقِّبُ الفيلسوف المُؤتَمن على هيكل المفاهيم، وعالم الإجتماع الحريص على جدوائيته، والصحافي الوصي على ما ينبغي نشره من عدمه، غالبا مايُعقب هؤلاء جميعا على الباحث الاجتماعي القانع بالملاحظة الوصفية وبإعمال الظواهرية بقولهم وبصوت واحد:</p>
<p>كلُّ هذا &#8220;جيد&#8221; و&#8221;جميل&#8221; ، وربما صحيح، لكن ما ذا بعد ؟ كما لو أن المرئي بحد ذاته غيركاف، وكما لوكان بناء النسق من الواجبات المطلقة، وكما لوكان إدخال البديهي والواقعي في قوالب فكرية جاهزة شرطا لازبا لنيل اعتراف. والحال أن الواقع، الواقع بحد ذاته، في غنى عن كل التبريرات النظرية السابقة عليه أو اللاحقة به. الحق أن الأمر يتعلق، في هذا الموقف المتواتر، بتقليد ضارب في القدم، تقليدٌ مارسه كهنة الخدمة الذين ما انفكّوا يتوهمون بأن إنكار الموجود والمتحققق شرط مطلق لاستمرار وهم الكمال المزيف والمصطنع لمنظوماتهم وأنساقهم الفكرية الدوغمائية .»</p>
<p>إن ما ثبت في الإسلام من نصوص تحجّرت ليس بالثابت حقيقة إلا إذا أردناه كذلك؛ فنحن نعلم أن كل شيء يتحول في كل لحظة، فلا ساكن يسكن سكون الموت، بل هو في حركة دائمة، ولا ثبوت للجلمود بما أنه دائم التحول. ولا شك أن في الإسلام المغربي الوفير من عوامل تبين مثل هذا التحول الدائب وهذه الحركية الأبدية أو المستدامة كما يحلو القول اليوم. ولعل الأمازيعية من نواته كما أن الأرضية الصوفية هي تيربه.     فليتمعن، كل مفكّرٍ نزيه، في ما يقول ويكتب، فهو مفتاح فرجه وفرج أهل بجدته إذا طبقه على ما يعيشه، فإنه لن يشاهد عندها ما نرى عند أهالينا من ازدواجية في الشخصية.</p>
<p>ولتكن حيرة صديقي وحزنه، بل وحيرة كل مسلم وحزنه على ما نعيشه من فترات الشك اليقيني، وهو اليوم من العقل الحسي أو الحساس كما نعلم؛ وذلك هو الاصغاء إلى ذبذبات المجتمع التي هي اليوم على إيقاع إسلام ما بعد الحداثة، الإ-سلام، لا على ما تحدّث عنه صدقيق المفكر المغربي من إسلام الشريعة.</p>
<p>إن إسلام الشريعة نغمة قديمة متقادمة، عرفناها وعركناها، فلم تعد مستساغة إلا لمن انعدم الطاقة على استباط الجديد من القديم حتى لا يرضى بالقديم الذي أكل عليه الدهو وشرب. فالإسلام ثورة مستدامة، وعلينا التدليل على ذلك بقراءة ثورية صالحة لزمن ما بعد الحداثة. فليكن كل صاحب فكر حر من صانعيه بما له من الزاد الوفير في المعرفة الفهيمة، سلاحه الفتاك الأوحد الأخلاقيات الجمالية  التي يزخر بها ديننا كما عرّف به أهل التصوف الأوائل وكما نجده أثره في مغاور شخصية التونسي تحت تراكمات دنيا المظاهر الخداعة.</p>
<p><strong>حركية</strong> <strong>الإسلام</strong> <strong>المهرجانية</strong></p>
<p>أنا أفهم وأتفهّم أن  تدفع قناعاتُ البعض منّا إلى التحسّر على المآل الذي آلتْ إليه أحوال الناس وأوضاعهم في بلاد الإسلام اليوم؛ لكني لهؤلاء أقول مستعملا حرف صديقي في إحدى ترجماته الأنيقة لمافيزولي، الأب بلا منارغ لما بعد الحداثة اليوم: لا جدوى من رفض الواقع طالما أن &#8220;الواقع لا يرتفع&#8221;، ومن العبث نكران الموجود مادام موجودا. الأجدى والأفضل، بل وعين العقل، هو الإعتراف به ثم النظر، مليّا، في ما إذا كان نتاجا طبيعيا وسلسا لأنموذج عابر للأزمنة والأمكنة أعمق وأشد رسوخا من كل تمظهراته وتجلياته. أُنموذج هادي تتدثّر به الجِبلّة البشرية مجبول على الإعلاء من شأن التداخل والتلاحم بين النص وروحه، بين حرف القرآن ومقاصده، وعلى اجتراح قيم الخلطة والرغبة الجامحة في إتيان الإنصهار والتوحد في الآخرين باعتماد الرابطة العضوية بينهم، رابطة الروحانيات لا رسومها الظاهرة.</p>
<p>من الوارد جدا أن نكون إزاء تناوبٍ للأدوار بين ثقافة كبيرة &#8220;عالِمة&#8221; ذات الغلبة والسطوة إلى يوم الناس هذا، سادرة في تكريس التمايز والفردانية المشكوك فيها ومعيار الطبقة السوسيو- اقتصادية من جهة &#8211; وتلك مثلا حضارج الإسلام المنقرضة -، وثقافة مغايرة ونوعية لاتدعي ضرورة العالِمية وموسومة بـ &#8220;القاصرة&#8221; منجهة أخرى ، إلا أنها تحسن التعبير عن الأوضاع الإجتماعية التي تنحو منحى الإنصهار والفناء والذوبان في الآخر. وبإمكانها الانقلاب إلى ثقافة عالمة عالمية إذا تعدد من آمن بها. فالفكر هو محرك الثقافات.</p>
<p>وبمقتضى جماليّات التلقي، يجوز القول بأن الإنخراط المكثّف في الإبداعات الاشهارية وفنون الطبخ المتكاثرة ، وفي انتعاش الأغاني التصويرية &#8211; بل وحتى في التعلق بمظاهر طريفة للإسلام تنقض ظاهريا ما أجمع عليه أهله وتأتي بما يحايث روحه لما ليس فيه رئاء الناس من مراءاة -، ما هو في العمق سوى تعبير عن ممارسات تتولى تجسيد هذه الوظيفة الوجدانية أو الحركية الإنفعالية في حلّتها الاجتماعية. إنها تعبير نافذ عن الأشياء الصغيرة المؤتّثة للحياة، والتي رغم شدة بداهتها وفرط بساطتها واعتياديتها إلا أنها لا تني تذكّر بأن الثقافة ما هي إلا جُماع أشياء بلا مترتبات ، كما أنها نواة صلبة لكل وجود إجتماعي نظامي. وكذلك حال إسلام ما بعد الحداثة إذ هو مجموع تصفات متحررة من مل رسم معتاد ولكنها متجذرة في روح الإسلام لأنه كلام الله الحقيقي الذي لم يعد يسمعه أهله. وذاك هو التجذر الحيوي للإ-سلام، الإسلام ما بعد الحداثي.</p>
<p>لقد نجحت الأعمال المتميّزة لـ أبراهام مولز في لفْت الانتباه إلى النفسي المتناهي بالصّغر في اليومي من خلال التركيز على عنصر التكرار فيه، تكرار الأفعال البشرية العادية جدا في مجرى الحياة اليومية. وهذه الأشياء التي درجنا على اختزالها في الصيغة الأثيرة لـ &#8220;لاشيء تقريبا&#8221; أو &#8220;أشياء بالكاد&#8221; هي التي تُؤطِّر المناخ الغامر لمكان أو فضاء مديني، وبالتالي هي المؤهَّلة لمساعدتنا على فهْم التواصل الإجتماعي بتعبيراته المتعددة وتجلياته الوافرة.</p>
<p>كذلك الشأن تماما لإسلام هذه الحقبة الزمنية الذي هو في نمو مطرد بمثل هذه التصرفات التي يعدها البعض خروقات خرقاء لرسمه بينما هي إحياء للدين الحق كرفض الصوم كرها أو مناقشة حقية اعتقاد أن عيد الأضحى من السلام بينما هو من العادات اليهودية مما يجعل الأضحية خارج الحج من غير السلام بما أن ذيبح الله ليس إسماعيل بل هو إسحاق. وبالمناسبة، لابد من الإشارة، ودائما في سياق المعاينة الإمبيريقية، إلى أن أشكال التواصل الإجتماعي قلّما تكون حمّالة لمضامين دقيقة ومحتويات مضبوطة إلا في الحالات التي تحصل فيها بين آحاد. بل حتى في هذه الحالات، لا يكون التواصل حمّالا      ناقلا لمضمون دقيق إلا على نحو عابر و عارض. لذا، يتوجب أن يكون الفكر النير كقطرة الماء، يدوم انهمارها على جلمود الصخر حتى يفتته.</p>
<p>فليس للتواصل الاجتماعي للمفكرين الذين لهم القدرة على الإبداع أن يكون كالتواصل المعتاد للعامة وللغوغاء منهم وإلا كان منهم. فالتواصل الإجتماعي اليومي لا يكترث للانشغالات النظرية والمجردة، بل وحتى للأحاسيس العميقة جدا بقدر ما هو جُماع &#8220;أطراف حديث مُتجاذب&#8221; ليس له ما بعده ، يدور في معظمه حول أحوال الصحة والزمن الهارب والمُسرع الخُطى وأحوال الطقس والبرامج التلفزيونية والمواعيد الرياضية وما شاكل و شابه. هذا فضلا عن كونه تواصل شفاهي يتوسّل طقوسيات عفويّة وحركات تلقائية وصيغا مكرورة في المسلك والملبس، وكلُّها دالة، أيما دلالة، على أن معشر المتواصلين تجمعهم أحاسيس انتماء متضاربة ناسجة، بالمُحصّلة، لوشائج و أواصر يتشكل المجتمع برمته من نسيجها وتشبيكاتها.</p>
<p>هذه أحاسيس بالانتماء الحضاري لثقافة أفلت تحمل تحت رمادها من وميض البرق ما يكفي أن يكون له ضرام، أمثال الفكر الصوفي والأمازيغي بالمغرب الأمازيغي العربي. كل ذلك لا يكون الوشائج والأواصر التي تشكل نسيج المجتمع برمته مع وافر تشبيكاته إلا بما يضيفه الفكر النير من لمسات سحرية، وليس هذا يتوفر إلا عند المثقف العضوي إذا قبل أن يكون فكره كالتيرب، لا فعل ولا مفعول له في الحاضر، إلا أن نتاجه لا مفر منه في الآجل.</p>
<p><strong>الفتوحات</strong> <strong>التونسية</strong></p>
<p><strong> </strong>في الحراك السياسي الذي يشهده العالم، وعلى رأسه مغربنا، وتونس بالذات، لاحظنا كيف أن الإسلام كان حاضرا بصفة مشهودة، وكأن الدين هو مدار التنافس على الحكم. والحقيقة هي أن الإسلام السياسي، رغم ما قيل عن فشله بعد أحداث مصر، وما هو عليه من حالة عفن بدولة الإسلام المزعومة، لهو في صميم الواقع العربي الإسلامي مما يجعله في قلب المعركة السياسية. ذلك لأن الإسلام دين ودنيا، ولا مناص من العودة إليه بالنسبة للبعض، والانطلاق منه بالنسبة للآخرين.</p>
<p>أما العودة إليه، فقد عشناها مع التجربة السياسية التي قادها ويقودها الإسلام الحاكم بتونس والذي بيّن فشله. لا أدل على ذلك ما نشاهده يوميا من انسلاخ أهم قادة هذا الإسلام الحاكم عن واقعنا وتقوقعهم في الماضي السحيق، فكأن الإسلام لا حاضر له، وكأن العودة إلى الأيام الأولى بمكة والمدينة هي النسق الأهم في التاريخ الإسلامي الذي يجب أن نعيش على وقعه، لا ما جاء به هذا الدين من فلسفة حياة تعطينا المفتاح الأفضل لفتوحات أكبر وأعظم مما تحقق في الماضي السحيق. طبعا هذا لا يقلل في شيء من الأحداث الجسيمة الغابرة التي تبقى طبعا في الذاكرة؛ ولكن دون العودة إليها بالضرورة لما في ذلك من خطر الانفصام في الشخصية والانفصال عن الواقع المعاش، وهي من الأمراض، حتى في السياسة؛ عافانا الله منها !</p>
<p>لقد فهم بتونس الطرف الذي يُنعت باللائكي أهمية الدور السياسي للدين فنراه يخصص له الكلام الوافر في التظاهرات التي يقيمها ردا على تظاهرات الإسلامين. فإذا الإسلام والشعارات الدينية غير غائبة في المحفل، وكأنه أراد التدليل على أن اللائكية لا تعني حقيقة القطع بين الديني وغير الديني، بل هي الأخذ بما يميز غالبية الشعب؛ وهذا هو مفهوم العلمانية الصحيح كما سبق أن بينت ذلك في يومية من هذه اليوميات.</p>
<p>نعم، إن الدين يبقى بتونسنا مدار كل شيء، لأنه في المتخيل الشعبي، ولأنه لا سياسة في بلاد الإسلام بلا موقف واضح ومعتدل من المرجعية الإسلامية. إلا أن هذه المرجعية في بلداننا التي تؤسس للديمقراطية لا يمكن لها أن تكون كمرجعية الإسلام عند الشيعة مثلا؛ نظرتنا للدين لا يمكن أن تأتي متزمتة كذلك التزمت الذي نراه في بلدان شقيقة ما نوت يوما اتباع طريق الديمقراطية ولا قامت بثورة لأجل ذلك. وبديهي أنه لا يمكن البتة أن نهوي إلى تلك الحال التي عليها اليوم حالة الطاغوت المتسمي بهتانا بالخلافة الإسلامية وليست هي إلا خلافة إبليس في الأرض.</p>
<p>إن المرجعية التي يمكن أن تكون للإسلام في ديمقراطيتنا الناشئة هي مرجعية سلطة أخلاقية لها أن تقوم ببلداننا بدور سلطة خامسة، فيكون لها ما للسلط الأربع المعروفة من حقوق، ولكن عليها أيضا نفس الواجبات التي يفرضها انفصال السلط؛ أي هي تساند وتعاضد أحيانا تلك السلط وتناقضها وتعارضها أحيانا أخرى، إذ هي سلطة منها تكون الخامسة، إلى جانب السلطة التنفيذية والسلطة التشريعة والسلطة القضائية وسلطة الإعلام الحر. ذلك لأن في ديننا الزاد الكافي الذي علينا اكتشافه من جديد لإثراء حياتنا السياسية بروحانية هجرت الممارسة التقليدية للديمقراطيات الغربية العريقة وقد امتلكها هاجس المادية، فإذا به يقتل فيها أحيانا البعض من محاسن الديمقراطية؛ فإذا بنا نرى الأخلاق تنعدم من السياسة فتصبح تصرفات الساسة سياسوية.</p>
<p>لذا، بإمكاننا بتونس فعلا تحقيق الفتح الجديد المنتظر، ولكن لا ذلك الذي يتكلم عنه عادة زعيم الحزب الإسلامي بتونس أو بالمغرب، بل الفتح الحقوقي والحرياتي الذي ينتظره الشعب، ومن شأنه أن يكون كفتوحات ابن عربي المكية.  وقد سبق لي أن دعوت إلى قراءة باطنية لما جرى في مصر وقلت أن الإسلام السياسي له أن ينجح بتونس بدون أدنى إذا اغترف حكامها من منابعه الفيحاء، لا كما يراها المتزمتون من حزب النهضة الحاكم اليوم بتونس، بل كما قرأها المتصوفة وعملوا بها.</p>
<p>لقد ترك لنا ابن عربي في موسوعته الصوفية العظيمة ما يمكنّنا من قراءة جديدة لديننا من شأنها أن تضمن له المشاركة الفعالة على الساحة السياسية كما سبق أن بينت. إن الفتوحات المكية، وهي أعظم موسوعة في التصوف بلغة الضاد على الإطلاق، زاخرة بالمصطلاحات الهامة كوحدة الوجود والإنسان الكامل، التي وفّق فيها صوفينا الأندلسي بين كنوز القرآن والسنة وعلم الكلام وذخائر الفلسفة الرواقية والمشائية والأفلاطونية المحدثة والغنوصية اليهودية والمسيحية؛ كل ذلك بصبغة صوفية إسلامية كانت حداثة قبل أوانها ولا تزال حداثة ما بعد الحداثة.</p>
<p>لقد أخذت الروحانيات في العالم أجمع بمصطلحات ابن عربي وفتوحاته الدينية ففاضت وأفاضت بمعاني الوحدة الوجودية الشمولية وبالحب الإلاهي الذي هو أساس كل شيء. فالحق هو أصل الوجود وهو الفاعل على الحقيقة لكل شيء في كل شيء؛ وعالم الممكنات يخلق خلقا جديدا في كل لحظة ويفنى في اللحظة التي تليها، كما يرى العلم ذلك اليوم.</p>
<p>نعم، لم يكن ابن عربي في عمق حسه الروحي وبسطة فكره وخياله ممن اتبع منهجا فلسفيا وتحليلا علميا، إذ أهمل منهج العقل إلى منطق الذوق ومنهج التصوير العاطفي والرمز والإشارة؛ فكان بذلك سبّاقا لما يسمّى اليوم بالعقل الحسي أو الحساس الذي فرض نفسه في علم الإجتماع الفهيم.</p>
<p>المهم أن ابن عربي أعطى بفتوحاته وفصوص حكمه أكبر دليل على روعة الإسلام وسماحة تعاليمه في كونيتها وانفتاحها على أفضل ما في الإنسان، أيا كان مشربه ونزعته، بما أنها تنشد الإنسان الكامل. وهي بذلك تتناغم تماما مع التعاطي الفهيم للسياسة الذي نتمناه لتونس. ولا غرو أن لا كمال للإنسان إذا لا ينتفي من النفس البشرية كل ما فيها من تكبر واستعلاء وتميّز وتمييز ورفضٍ للآخر، كل آخر.</p>
<p>فلإن كانت أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس، فليس هذا في اعتدادها بنفسها واعتقادها أنها شعب الله المختار؛ بل ذلك في تمسكها بالعروة الوثقى التي مدارها الجهاد الأكبر المتواصل للنفس لتزكيتها وتجاوز هناتها، إذ لا مجال لأن تنتهي ما دمنا على هذه البسطية، التي هي تبقى أبدا دنيا.</p>
<p>الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو العمل المتواصل للوصول لأفضل معروف وللنهي عما يمنع ذلك فينكره باعتباره بدعة مثلا أو خروجا عن العادة؛ لأن الإسلام ثورة مستدامة، ولا مناص من أن تكون دوما مستأنفة. ولا يكون ذلك إلا بالأخذ بالمعروف من قيم البشرية جمعاء في عالمنا وكما تقرّه الأنظمة المتطورة، وترك ما أصبح من المنكر حتى وإن كان معروفا سابقا، قبل أن يصبح من الهجر المهجور؛ إذ تلك سنة الحياة البشرية ونواميس المجتمعات الحية، لا تبقى على حال، فحُسن اليوم هو قُبح الغد أوالعكس.</p>
<p>إن للسياسة في حياتنا اليوم من التقاليد التي أصبحت عريقة والعادات المعروفة التي يختزلها النظام الديمقراطي الآخد أساسا بالمنظومة العالمية لحقوق الإنسان؛ ولا مناص للإسلام السياسي من تعاطيها كما هي وإلا تنكّر للمعروف وعمل على الأمر بالمنكر. فالإسلام دين عبادات ومعاملات، جانبه الدنيوي لا يعنى بتاتا خلط الشعائر بالسياسة، بل هو بمعنى تفتح الدين لكل ما ثبتت سلامته في الساحة السياسية العالمية من تصرفٍ حكيمٍ عند الأمم المتقدمة علينا شوطا في هذا الميدان. فلا شك أن الإسلام إذا أخذ بمثل هذا التوجه له أن يحقق فتوحات كبرى، مثل أن يبتكر نموذجا سياسيا جديدا ينطلق من أفضل ما أفرزه العقل السياسي البشري كما نراه حوالينا ليغذيه بروحانية ديننا وأخلاقياته، فلا ينقص منه شيئا بل يتحفه بما فيه من خيرٍ يكون تزكية لكل البشر.</p>
<p>تلك هي الفتوحات المكية الجديدة، وهي اليوم تونسية، إن قدّر لها أن ترى النور، سياسية ودينية، أخلاقية وعلمية عالمية؛ وهي مما يفتح الله به على الخاصة من عباده لأجل العامة منهم لكونية دينه. وحتى يقدّر لهذه الفتوحات أن تُتحف الوجود بكنوزها، لا بد للآخذين بزمام الأمور بأحزاب الإسلام الحاكم من الخروج من عقيدة عوام المتزمتين بينهم، المتشبثين بنظرة عقيمة للإسلام. ولا يكون ذلك فقط بالمرور إلى عقيدة الخواص منهم، بل وأيضا إلى الخلاصة أو حتى خلاصة الخاصة من حزبهم؛ وذلك لأن هذه الخاصة لها، خلافا لمتزمتي الحزب وغلاته، من العلم الحق والقول الصدق في فهم الإسلام ما ذهب عن العموم في النهضة ومن لف لفها.</p>
<p>فليت هؤلاء، رغم قلتهم، يعظوا عامتهم ليتّعظوا بمرارة التجربة الماضية وقساوة ما يمكن أن يأتي إذ لم يغترفوا من فلسفة صاحب الفتوحات المكية ومن البعض من فصوص حكمه؛ ومنها أن العين الوجودية واحدة فلا تختلف إلا بالأحكام، والصلة بين الحق والخلق أو الله والعالم كالصلة بين الواحد العددي وما ظهر عنه من أعداد؛ والحقيقة الوجودية وحيدة في جوهرها وذاتها متكثرة بصفاتها، لا تعدد فيها إلا بالاعتبارات والنسب والاضافات. وكما قال ابن عربي:</p>
<p>سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها : فما نظرت عيني إلى غير وجهه/ ولا سمعت أذني خلاف كلامه.</p>
<p>وبذلك، فحتى العلم بالسلب هو علم بالله، كما يقول شيخنا في الفتوحات أيضا. ونحن نعمم هنا مفهوم السلب عمدا، إذ الإسلام محجة الحق، والحق كالأفق لا نصله أبدا، بل نداوم المسير نحوه بعثراتنا وأخطائنا، ولكننا نبقى دائما على السبيل السوي رغم كل ذلك، فلا تكفير ولا تهجير، لأن الأفق دوما أمامنا؛ فالحق دوما نبتغي إن شاء الله وقدّر. هذا إذن هو الإسلام السياسي الذي نريده لمغربنا، إسلام التسامح والمحبة، الإ-سلام الذي هو أمن وسلام؛ وتلك هي الفتوحات المكية الجديدة، الفتوحات السياسية المغربية !</p>
<p>فليكن أخذ الجميع بالدين في تونس بعد رمضان هذه السنة أخذ الحب بقلب المتيم، عندها يخطر  حتما بباله بيت ابن حمّويه، هذا الأديب والقائد العسكري لقي حتفه سنة 1250 ميلادية مستشهدا على رأس جيش آخر الملوك الأيوبيين بمصر خلال الحرب ضد الصليبيين في مدن مصب النيل :</p>
<p>أنتم سكنتم فؤادي وهو منزلكم  |  وصاحب البيت أدرى بالذي فيه.</p>
<p>فصاحب البيت ليس الفقيه ولا السياسي، إنما هو المواطن، إذ البيت هو الوطن، وهو للجميع تماما كالدين. لنعمل إذن حتى يسكن الإسلام فؤاد المؤمن كما يسكن المؤمن الوطن، عزيزا مكرما، متعلقا به إذ هو أدرى بالذي في قلبه من غيره. بهذا نسعد حقا بديننا وفي ديننا. والله الأقدر على كل شيء والأعلم في كل شيء؛ جعل الله عيدنا سعيدا وأعاده علينا باليمن والبركة.</p>
<p>&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;..</p>
<p><strong>للمزيد</strong></p>
<p>*محي الدين بن عربي : الفتوحات المكية، دار الكتب العلمية، بتحقيق أحمد شمس الدين.</p>
<p>*عبد الله زارو : مزايا العقل الحساس. دفاعا عن سوسيولوجيا تفاعلية، إفريقيا الشرق، المغرب. ترجمة لكتاب Éloge de la  raison sensible  لعالم الإجتماع الفرنسي ميشال مافيزولي Michel Maffesoli، منظر مابعد الحداثة.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/07/05/30-%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%a8%d8%a3%d9%8a-%d8%ad%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d8%af%d8%aa-%d9%8a%d8%a7-%d8%b9%d9%8a%d8%af%d8%9f/">(30) عيد بأي حال عدت يا عيد؟</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/07/05/30-%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%a8%d8%a3%d9%8a-%d8%ad%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d8%af%d8%aa-%d9%8a%d8%a7-%d8%b9%d9%8a%d8%af%d8%9f/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>(26) في جاهليتنا الجديدة</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/07/01/26-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84%d9%8a%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/07/01/26-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84%d9%8a%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[ali ben mansour]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 01 Jul 2016 11:27:08 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[الاجتهاد]]></category>
		<category><![CDATA[الاسلام]]></category>
		<category><![CDATA[الفكر السلفي]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=16497</guid>

					<description><![CDATA[<p>يكتبها فرحات عثمان نستقبل الليلة أفضل شهر رمضان، ألا وهي ليلة القدر (على أرجح الأقوال) وهي التي تنزّل فيها القرآن، فإذا هو في القلوب ويظل فيها ما بَلّ بحرٌ صوفة. إلا أن المسلمين، عوض أن يجعلوا من تعاليم دينهم هذه الأشجار الباسقة التي تغذيهم قطوفها الدانية وتظلّهم أفنانها، تفننوا في التجارة فيها، لا فقط بثمارها،...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/07/01/26-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84%d9%8a%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9/">(26) في جاهليتنا الجديدة</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><img decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-10335 aligncenter" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2016/05/رمضان-في-تونس.jpg" alt="رمضان في تونس" width="725" height="430" /></p>
<p><strong>يكتبها فرحات عثمان</strong></p>
<p><strong>نستقبل الليلة أفضل شهر رمضان، ألا وهي ليلة القدر (على أرجح الأقوال) وهي التي تنزّل فيها القرآن، فإذا هو في القلوب ويظل فيها ما بَلّ بحرٌ صوفة.</strong><span id="more-16497"></span></p>
<p>إلا أن المسلمين، عوض أن يجعلوا من تعاليم دينهم هذه الأشجار الباسقة التي تغذيهم قطوفها الدانية وتظلّهم أفنانها، تفننوا في التجارة فيها، لا فقط بثمارها، بل أيضا بقطعها واستغلال الأرض لإقامة عمارات إسمنت الدمغجة؛ مما عجّل بجهلنا لديننا جاعلا منه جاهلية جديدة.</p>
<p>في هذا، يقول سيد قطب في مقدّمة كتابه «في ظلال القرآن» الذي أثّر شديد التأثير على جحافل من المتزمتين ممن صدّقوا كلمة الحق تلك جاعلين منها باطلا: « في ظلال القرآن نعمة. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها. نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه&#8230; وعشت &#8211; في ظلال القرآن &#8211; أنظر من عُلو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة&#8230; أنظر إلى تعاجب أهل الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال، وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال&#8230; كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال، ولثغة الأطفال.. وأعجب.. ما بال هذا الناس؟! مابالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة، ولا يسمعون النداء العلوي الجليل، النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه؟»</p>
<p>يختم قطب المقدمة بما يلي : « هذه بعض الخواطر والانطباعات من فترة الحياة في ظلال القرآن، لعل الله ينفع بها ويهدي. وما تشاؤون إلا أن يشاء الله.» ويقول محمد قطب، شقيق الشهيد، مقدّما النسخة الجديدة من الكتاب المنشورة بدار الشروق المصرية، مندّدا باستغلال الناس الفاحش لكتب شقيقه ولفكره: « ولو أن هذا البعض كان يبغي نشر الدعوة وحده فما كان الأمر ليسوءنا، علم الله. أما وهم يتّجرون بها، ويجعلونها مجالا للمضاربات والمنافسات، فقد كان الأمر في حاجة إلى مراجعة تردّ الأمور إلى نصابها، وتحفظ للكتب مكانتها وللمؤلفين حقوقهم.»</p>
<p><strong>في</strong> <strong>ظلال</strong> <strong>القرآن</strong> <strong>الوارفة</strong><strong>  </strong></p>
<p>إننا، تماما كسيد قطب، نتحدّث طوال هذا الشهر الكريم عن ديننا ونحن نحرص على أن نتفيّأ بظلال القرآن الوارفة، لا كما يفعل البعض من استغلالٍ وتجارةٍ. لم يكن ديدننا إلا النهل من منبع عذب سلسبيل، هو هذا الدين الذي فيه، لأجل كونيته وعلميته، من الزاد العلمي ما لا يفنى، ومن الغذاء الفكري ما لا حد له لأصحاب النهى الذين حسنت نيتهم.</p>
<p>ولا شك أن النية الحسنة اليوم هي في محبة الآخر، كل آخر، على هناته ما دام يطلب العلم والمعرفة، وهما ليس بما يُمتلك، بل هذه السبيل التي ندرج عليها بحثا عن حقيقة ليست إلا الأفق الذي يمتد أمامنا فنمشي نحوه دون الوصول إليه أبدا. ولا شك أن العلم اليوم أوسع مما كان لنزعته الحسية، فهو فن أيضا؛ لذلك دعونا لإثراء علوم الدين بفنونه.</p>
<p>حتّى نحافظ على أنوار الإسلام ساطعة، لا بد أن نسهر في التعامل مع تراثنا على توخّي أفضل الطرق في الأخذ بهذه الثروة التليدة وأثمن الوسائل، فلا نخلط مكنوزاتها بما كوّمه عليها الزمن من تراكمات طارئة تشينها ولا تزينها. من ذلك، في الأخذ بما جاء به القرآن، الإلتزام بحرف النص وروحه؛ فإن تطابق النص وروحه، كان النص بحرفه المرجع الأوحد، وإن اختلف النص مع روحه، غلبت الروح لعلوّ شأنها في ديننا، ولأنها من كلام الله تماما كالحرف واللفظ، إلا أنها أرفع مقاما. وطبعا، في الأخذ بروح النص، يأتي دور التأويل، ولا يكون إلا بالعودة أولا وقبل كل شيء إلى السنة الشريفة الثابتة، ثم إلى مقاصد الشريعة.</p>
<p>إن العديد ممن يجهلون دينهم أو يحتكرون الكلام فيه باسم مرجعية كنسية أو كهنوتية ليست لا فيه ولا منه ليتكلّم في الدين كلام العارف العالم، بينما لا أعلم ولا أعرف من الله؛ فهو لا يعرف الدين إلا لماما أو ما بقي من اجتهاد السلف الذي بار بمرور الزمن وتغيّر الأحوال. ذلك لأن الدين ليس نصا جامدا، بل هو الحياة؛ لهذا كان الإسلام الدين والدنيا؛ فإذا النص العَقَدي، أي ما يخص أركان الدين، لا اجتهاد فيه، ليس الأمر كذلك بخصوص مجال المعاملات، أي الجانب المدني في الإسلام الذي يقتضي الاجتهاد المستدام.</p>
<p>ليس المهم اليوم ما حفظه الفقهاء عن ظهر قلب يجترّونه على رؤوس الملأ، بل ما نجده عند الناشئة من تطلعات للأفضل، وهي مستقبل الإسلام؛ فواجبنا السهر على تعليمها الدين بصفة علمية لا بالدمغجة الفاحشة التي تميّزنا لأخذها بمناهج بالية تطمس سماحة الدين وإناسته. كم من التونسيين، وليس فقط الصغار، بإمكانه تعداد الأشهر القمرية والسنوات الهجرية بدون تردد أو غلط؛ وكم منهم يعلم أن عدد أيام الشهر القمري 29 يوما ولا 30 إلا استثنائيا؛ وكم منهم يعرف الأبجد العربي معرفته للأبجد اللاتيني ؟</p>
<p>نعم، لقد صعّبت العربية الأمور لما فيها من اتساع؛ فللكلمات أضداد والأبجد أبجدان مثلا؛ لكن، أليس التعدد من مظاهر الزمن الراهن وميزاته ؟ أليس الخلاف والاختلاف ثراءً رغم أن العرب والمسلمين عدّوه في زمن انحطاطهم محنة ! فقد مكّن لحضارة الإسلام أن تكون حداثة قبل أوانها؛ تلك الحداثة التراجعية التي أتكلم عنها ! لذا قلت وأقول أنه لا يمكن للإسلام اليوم، إذا أردنا بناء حضارة جديدة، إلا أن يكون إسلام ما بعد الحداثة، بما أنه كان حداثيا قبل الأوان.</p>
<p>إننا اليوم في جاهلية جديدة، والخروج منها ليس ماقام ويقوم به من يدّعي الانتماء لفكر سيد قطب، إذ ذلك مما يزيد الطين بلة، وهو المتسبب بعد في الدعدشة الحالية للإسلام. إن الخلاص هو فعلا بالعودة إلى ظلال القرآن الذي يبقى نبراسا للعالمين وبرجسا لكل الروحانيين؛  لكن لا يكون ذلك باللغط فيه واللخبطة القيمية التي شاعت جاعلة من الدين ما ليس فيه ولا منه. فإذا نحن، مثلا، نمنع المساواة في الإرث بين الجنسين بتعلة نص قطعي؛ فهل نقطع غدا يد السارق والنص في ذلك بنفس القطعية ؟</p>
<p>كما قالته الصوفية منذ زمان، لا خلاص من جاهليتنا الجديدة إلا بالتزام الفرقان، بما أنه فصل الصحة من الغلط وبيّن حكمة الله خير بيان؛ به نتوصّل إلى مكنونه باعتمادنا على مقاصد الشريعة كما بينتها السنة الصحيحة حسب ما رواه البخاري ومسلم، لا غير. بهذا نعود إلى الصحيح من الدين وننبذ ما مسخه من شوائب.</p>
<p>وقد عملنا طوال هذه اليوميات على تعداد البعض منها؛ ونواصل هذا تبرّكا بالليلة المقدسة اليوم وغدا، مذكّرين بغيضٍ من الفيض الإلاهي الذي لم يعد الإسلام الرسمي يعرفه أو ينتبه إليه؛ فهر تجارة رخضية لا دين المعرفة والإناسة. من ذلك، نذكّر أولي الألباب أن الذنب الأوحد في الإسلام هو الإشراك بالله، وما عداه ىغتفر في دين الرحمة، لأن الله رحمان رحيم؛ وأن الإسلام هو الدين وأيضا الدنيا، يعمل العبد فيهما كأنه يحيا أبدا وكأنه صريع لحظته، فلا رهبنة في ديننا، بل الحياة التي لها أن تكون الحيوان؛ وأن السنة ليست كلها مما يُتّبع، لأن الرسول كسائر العباد في غير مهمته النبوية، من شأنه أن يعبس ويتولّي؛ وأن إجماع الفقهاء لا يمتلك أزلية أحكام الله العقائدية، وإلا أصبح سواء مع كلام الله، بينما هو من اجتهاد البشر الذي خاصيته الأولى النقصان.</p>
<p>نقول بعض الشيء في هذا كما نعود للسبب الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه من جاهلية جهلاء، إذ كانت محنة خلق القرآن فغلق باب الاجتهاد ما أذن ببداية انحطاط الإسلام، بعد أن نكون ثنّينا بكلمة في ما يتوجّب من كلمة السواء من طرف الحزب الإسلامي بتونس المتأرجح اليوم بين الصدق والكذب. ولنبدأ بقناع هذه الجاهلية الجديدة، سلفية شوارعنا وما ينميّ الإرهاب الذهني عند البعض من أهل التزمّت رغم ادعاء الوسطية؛ فهي سلفية الأكاذيب التي لا مناص من التخلص منها للتأسيس لإسلام جديد متجدد بهذه البلاد وبالعالم الإسلامي طرا.</p>
<p><strong>السلفيّة</strong> <strong>قناع</strong> <strong>الجاهلية</strong> <strong>الحديثة</strong><strong>     </strong></p>
<p>إن سلفي اليوم يجمع بين ظلالات ترهاته ومناهج غريبة عن الإسلام ذات أصول يهودية مسيحية؛ ويعظم خطأه بأن يفعل ذلك باسم الإسلام الذي هو منه بريء. نعم، لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها؛ فما الذي أصلح أولها ؟ لم يكن ذلك إلا بالثورة التي أتى بها الإسلام على الجمود وجحود آلاء الله في نعمته على عباده بالعقل لأجل الاستنارة به في شؤون هذه الحياة الدنيا. كان ذلك على هدي روح الدين ومقاصده، لا على التقيّد بنصوص أرادها الله فضلى لكونها تقدّمية على الدوام، متدرّجة في البيان وفي الأخذ بعلوم الآن وفنون الزمان الراهن.</p>
<p>أليس مدلول السلفية كما يقول الشيخ محمد أمان الجامي في الصفات الإلهية «يطلق على طريقة الرعيل الأول ومن يقتدون بهم في تلقّي العلم، وطريقة فهمه وبطبيعة الدعوة إليه. فلم يعد إذن محصورا في دور تاريخي معين، بل يجب أن يُفهم على أنه مدلول مستمر استمرار الحياة وضرورة انحصار الفرقة الناجية في علماء الحديث والسنة، وهم أصحاب هذا المنهج، وهي لا تزال باقية إلى يوم القيامة من قوله صلى الله عليه وسلم: {لاتزال طائفة من أمتى منصورين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم}»؟</p>
<p>هذه الطائفة، بصريح عبارة الرسول، لا يضّرها من خالفها ولا من خذلها، لأنها تصبر على الحق وتداوم العمل على إعلاء كلمته بالتي هي أحسن دون إفساد في الأرض؛ أليس الصبر على المصائب من أوكد وأسمى صفات المسلم الحق، لا مسلم الزجاج، ذلك الذي يفتخر بلمعان البلور ولا يأبه بما يحتويه مما فسد بداخله ولا بهشاشته إذ يتصدع أو ينكسر لأدنى هزة ؟ للأسف، هذا إسلام السلفي رغم أننا اليوم في زمن ما بعد الحداثة، زمن عودة الوعي إلى عظمة خالق هذا الكون، وعصر عودة الروحانيات؛ وديننا من أفضل الممثلين لها.</p>
<p>إن السلفيين أهل الأثر، اتبعوا الكتاب وسنّة الرسول وأقوال الصحابة، وقد اتبعوا تلك الأثار بذكاء وفطنة، لا بجهالة، فلم يقتفوا الآثار كآثار، أي كأصنام وأنصاب لا تُمسّ ولا تُغيّر، بل اتبعوها كتشخيص لفكر وعلو مقاصد؛ فإذا تغيّرت الظروف واقتضت تعديل الأثر للحفاظ على روحه السنية، كان ذلك جائزا وإلا أصبح الأثر صنما لا نورا يهتدى به.</p>
<p>والنور يتنوّع حسب الزمان والمكان، أما الصنم فلا ! لنأخذ على ذلك مثلا  في ابتداع السلف تحريم العبودية اليوم ولم ينص عليها الأثر؛ أفكان ذلك من باب البدعة أم التمسك بسنة السلف في روحها ؟ ذلك هو احترام روح الأثر لا الأثر نفسه؛ ذلك هو حقا التمسك بسنة السلف الصالح والتزام طريقهم !</p>
<p>إن الإسلام دين صالح لكل الأزمان؛ وهذا لا يكون إلا بنص جاء في بلاغته ثائرا على وضع شائن، وهو في نفس الوقت متأقلم مع المحيط البشري الذي دعاه للتسليم لله. فهو يبقى أزليا ببقائه متأقلما مع الأوضاع الراهنة للبشرية بالتفعيل الدائم لروح الله التي تتجلى من خلال كلامه. أفيحق لنا، باسم قدسية الوحي، التمسك بنص كلام الله والتنصل من روحه ؟ ألا يعلّمنا الإسلام أن الروح، وهي من أمر الله، أعلى شأنا من كل شيء في مخلوقاته ؟ كيف نتجاهل روح الإسلام بدعوى احترام نصه ؟</p>
<p>إن السلفي الحق اليوم، ذلك الذي يقدّر نضال ابن حنبل في سمو غايته، لهو المسلم الذي يتمسك بروح الإسلام لا بنصه، بظاهر وباطن أهدافه التي تتناغم مع روحه كما تبينها مقاصده، لا بباطل ما ظهر منه فخالف باطنه وأهدر روحه ! على السلفي الحق، حتى يكون سلفي الحقائق لا الأكاذيب،  التنصل من المعنى المتعارف عليه للسلفية الذي لا يمت بشيء إلى الصحة، حتى عند من ادّعى ذلك وتبجح بسلفيته، إذ هو كمن أراد الجمع بين الضب والنون، أي يأتي بالمستحيل في الموافقة بين دواب الصحراء ودواب البحر؛ ولا يمكن ذلك.</p>
<p>إن سلفية الأكاذيب، ومنها متزمّتة ما يُدعى كذبا بالإسلام الوسطي، تحاول الجمع بين نار الجحيم المعدّة للمفسدين في الأرض بالإرهاب المادي والذهني وماء الجنة الزلال الذي لا يرتوي منه إلا المسلم المسالم؛ الأمين حقا على دينه، الذي لا إكراه فيه ولا تمييز، إذ الإيمان في الإسلام يأتي عن قناعة وحرية. وهي على ضلال مبين لأن من مباديء ديننا الحنيف نبذ التباغض ورعاية مشاعر المودة والمحبة؛ فكيف نرعى حقوق الله علينا إذا لم نمتحن قدرتنا عليها، فنلتمس مدى فاعلية قيمنا مع أبعد الناس عنا، أو بالأحرى من نخالهم أعداءً لنا وهم أحباب، على الأقل من زاوية النظر الدينية المبدئية ؟</p>
<p>السلفي الصحيح هو المسلم الحق الغيور على دينه، المتمسك بأعز ما في ديننا الحنيف، ألا وهو روحه الثورية على التقاليد البالية ونزعته الإنسانية التي هي أولا وقبل كل شيء علمية وكونية. هذه هي السلفية الحقيقية التي لا تزعزعها البتة تصرفات النوكى المتزمتين ممن يحملون قناع الجاهلية الجهلاء دون دراية. إن السلفي الحق هو ذاك الذي جسّده الإمام ابن حنبل في ورعه وعلمه، وبالأخص نبل أخلاقه وعلمية رسالته ونزاهتها، حيث كان لا يبعد عن الحق، فكان حريصا أن تكون كلمته دوما كلمة السواء التي يراد بها القسطاس، لا كما علّمنا تاريخنا في سرعة الانزلاق إلى متاهات وزيف المظاهر مما يحمل بعض أعداء الدين الإسلامي السمح استعمال كلمة الحق جزافا، فلا يراد بها إلا الباطل !</p>
<p>فكيف يكون سلفيا من لا يحترم أخاه المسلم وقد دعاه إلى ذلك شرعه، آمرا إياه بأن يسلم أخاه من يده ولسانه ؟ نعم، إن السلفي يشكك في إسلامه، بل ويكّفره؛ ولكن ما هذه الجرأة الفظيعة والله رحمان رحيم، عفوّ غفور ؟ ألا يمنع مدّعي السلفية بذلك إلاهه من إكرام عبده، الظالم لنفسه، بالمغفرة؛ فباب المغفرة في إسلامنا دوما على مصراعيه مفتوحا؛ أنسى ذلك أو تناساه ؟</p>
<p>ما هذا الإسلام الدعيّ الذي نراه في ربوع بلادنا الجميلة، أرض التسامح والإخاء، في حياة شعبها اليومية ؟ ما هذه التصرفات التي هي أقرب إلى تلبيس إبليس منها إلى سماحة الدعوة المحمدية، دعوة المحبة والرحمة ؟ منذ متى أمر إسلامنا الاعتداء على من لا يعتدي على المسلم بيده أو بلسانه، وقد حرّض على الخلق الحسن وعلى إيثار غض النظر عن الإساءة، طالما لم تطل منا السلامة ؟</p>
<p>منذ متى أمر الإسلام، دين الحضارة، الإفساد في الأرض وطمس أي معلم ثقافي حتى وإن تجاهر بالمس بالمقدسات، لأن المقدّس الحق في ديننا هو المقدّس بالقلب والنيّة الصادقة، لا بالشكل والمراءاة؛ وهو المقدس بالاحترام والعمل على إعلاء حسنه ونبله وقداسته بالمثل الطيب لا بإضفاء مسحة من الجمود عليه مما تجعله من تلك الأصنام الحديثة التي تكمن قداستها في ظاهرها فيمنع المساس بشكلها وطقوسها، هي من العادات اليهودية لا الإسلامية.</p>
<p>ما هذه الدعوة الجاهلية التي تجعل المقدسات وشخص الرسول الكريم عرضة للتهكم لأجل أبسط البلاهات وتحط من سمو التعاليم الإسلامية فتعرضها لأتفه التصرفات وأخسّها ؟ هل انحطت قيمة الإسلام إلى هذه الدرجة حتى يمكن الاستخفاف به على النحو الذي نراه لأخس الأسباب ؟ هل ديننا إسلام قوارير، أي شيء يهزّ صفاءه ؟  وهل يتحدّد الاحترام الذي يفرضه كل ما علا فسما بتصرفات البلهاء وترهاتهم ؟ متى عارض الإسلام حرّية الفنان وعبقرية الشاعر وقد اعترف لهما بهما ودافع عنهما حتى وإن أدى ذلك بهما إلى الغي والغباوة ؟</p>
<p>لعمري، إن تصرفات المتزمتّين السلفيين ضد قداسة الروح لمن أفضع وأوضع ما يقومون به لتمجيد ديننا ورسوله ! إن الإسلام أعلى من أن يدنّسه أي تصرف أحمق، وإن تعاليمه لمن العلو والسمو ما لا يحط أي شيء من الاحترام الواجب لها، خاصة التظاهر بتطبيقها بحذافيرها مع اغتيال روحها، لأن مثل ذاك التصرف لا يشين إلا صاحبه، لا أثر له على براءة الإسلام منه وحفاظه على هيبته وقدره.</p>
<p>إن الإسلام لأعلى قدرا من أن يُحتقر أو يهان، كما تفعل سلفية الأكاذيب وأهل الإرهاب الذهني، فهو يتعالى عن كل تصرف رذيل. إن كل تصرف مرتذل، في ديننا الحنيف، لا يجب أن يُجابه إلا بالإزدراء والاحتقار، فعين الحكمة في مثل ردة الفعل هذه، والإسلام حكمة الله. أما إذا تصرفنا بحمق، فتحمسّنا باطلا، لقدر الرسول المصون مثلا، أو لمقدسات ديننا المحفوظة من طرف الله، لا نكون إلا أكثر حمقا وأعلى قدرا في النوك ممن ندّعي إساءتهم إلى الإسلام، لأن إساءتنا أعظم، إذ هي إساءة لسماحة الإسلام.</p>
<p>متى كان الإسلام يأبه لإساءات من لا يعلو إلى مقامه ولا يرتفع إلى مستوى رسالته ؟ أليس الاحتقار أكبر وقعا على المحتقر من الوقوع في فخ الإثارة الذي تنصبه كل إهاجة أوتحدٍ من ؟ هل أضر النبي أن قيل له مجنون وشاعر ؟ أيضر السحاب نبح الكلاب ؟ أليس من شأن البصاق الموجه للسماء أن يشوّه وجه من يدّعى إرساله نحوها ؟</p>
<p>نعم، لا شك أن أخلص السلفيين نيّة يحلم بأرض عربية إسلامية لا شر فيها؛ ولكن متى انعدم الشر من الحياة الدنيا ؟ وهل ندعو للخير بزرع الشر وللإصلاح بالإفساد ؟ إن بلادنا لا تخلو من الشر كسائر بلاد العالم؛ بل حتى المدينة في عهد الرسول كان فيها من الشطّار شر ودعارة ! فهلا نكون خير خلق لخير سلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمثل الطيب ومكارم الأخلاق، لا بالإفساد في الأرض ومحاكاة الظالمين غيرهم وأنفسهم، المتجنّين على روح الدين ؟</p>
<p>لقد علّمنا الرسول الأكرم أن الإسلام في مثل هذه الحالات يُقابل الإساءة بالإحتقار على أسوء تقدير، بل ويعمل جاهدا على الإتيان بالحسنى لبيان الخطأ ولفت الإنتباه إلى ما يجدر الركون إليه، وذلك بالمجادلة وتبادل الرأي والصبر على بلاهة البلهاء حتى يرحمهم الله لبلوغ الصواب إن أراد لهم ذلك.</p>
<p>الإسلام لعلو كعبه ونبل رسالته لا يسطّر أي خط أحمر لاحترام الناس له، لأن واجب الإحترام لدين مثله، كوني وعلمي، يفرضه العقل والتصرف الرصين لا أمر الحاكم أو أي سلطة قهرية. فالإسلام يضمن الحرية كاملة، خاصة في ميدان الإبداع الذهني الحر، وهو من الميادين التي ترفع من قدر الإنسان الحامل للأمانة الإلاهية.</p>
<p><strong>ليس</strong> <strong>كل</strong> <strong>ما</strong> <strong>في</strong> <strong>السنّة</strong> <strong>والإجماع</strong> <strong>يُتّبع</strong></p>
<p>إننا في فترة تاريخية هامة بالبلاد التونسية نؤسس فيها لإسلام جديد متجدد ينقذه من جاهلية اليوم الجديدة. من مقتضيات هذا التأسيس التذكير بأن الشرك بالله هو الإثم الأوحد في الإسلام، فكل ما عداه من الذنوب من شأنها التكفير والغفران. ومن هذه المقتضيات إقرار الفصل بين المجالين الخاص والعام لحياة المؤمن، أي مبدأ  الدولة المدنية في الإسلام الذي هو أيضا معاملات؛ والدين فيه يخصّ الفرد في حياته الخاصة، لا دخل لأحد فيها؛ أما الدنيا، فلا دخل للدين فيها، لأنها شورى بين كل المواطنين، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، ملتزمين بالدين أو متحررّين من أوامره ونواهيه.</p>
<p>ومن أهم المقتضيات أنه ليس كل ما في السنّة والإجماع يُتّبع؛ ولأهمية هذا المبدأ نتوسع فيه قليلا. أليس من الظلم للرسول ولدينه أن نحجّر سنته وفهمنا لأحاديثه ؟ خاصة ونحن نعلم أن الفرق واضح بين السنة والحديث، وأنه كثرت الأحاديث المنحولة على الرسول؛ فلهذا كان علم الحديث، ولذلك وقع اختيار الصحاح التي يختلف عددها؛ إلا أنه لا اختلاف أن أصحها هما ما جمعه البخاري ومسلم، بل ما اتفق عليه الشيخان.</p>
<p>فهلا اكتفينا بهذا الاتفاق وطرحنا جانبا كل ما يجعلنا نخبط خبط عشواء،  إذ نحن نعتمد مثلا اليوم أحاديث لظلم الناس باسم الإسلام،  كقتل المثليين الأبرياء، بينما لا حديث في المثلية لا في البخاري ولا في مسلم كما سبق أن بيّنا ؟ هلا اكتفينا باتفاق الشيخين وتركنا بقية الصحاح للخروج من اللخبطة القيمية التي تميّز إيماننا اليوم، فنقطع بذلك الوسائل لكل من يسعى لجعل الحق باطلا يصرفه عن منابعه ومقاصد الشريعة المشروعة ؟</p>
<p>هلا أخذنا بالمقاصد في تأويل السنة فأولناها كما يجب أن نفعل مع القرآن، حسب مقاصده، إذ ليست السنة المهيمنة على الفرقان كما فهمه البعض بما أن القرآن هو الأصل والسنة هي الفصل، فلا يغيّر الفصل الأصل، كما هو الحال مثلا في قضية الرجم التي ما أتى بها كلام الله ؟</p>
<p>إن السنة جاءت بفهمٍ لمنطوق القوم حسب زمنٍ ومجتمعٍ معيّن، كان لزاما أن يكون كما كان إذ هو أفضل ما كان، لكن لذلك الزمن. ولا شك أن الرسول، لو عاش في مجتع آخر وزمن آخر، لأتى بأحاديث أخر وسنة غير ما عرفنا؛ فهل يكون تزوّج طفلة لو لم تكن تلك عادة مجتمعه، بل وعادة معظم البشر في كل الحضارات تقريبا، ومنها الرومانية ؟</p>
<p>وهل من المنطق اتباع الرسول في ما كان يفعل، وهو بشر كغيره من البشر، إلا في ما خصه به الله من شرف الرسالة ؟ فمثلا، يروي البخاري أنه حاول مرارا الانتحار برمي نفسه من شاهقٍ حين أبطأ عليه الوحي وانقطع عليه فترة من الزمن، إلا أن جبريل منعه من ذلك؛ هل نتّبعه في محاولة الانتحار  عندما تضيق علينا الدنيا تأسّيا به، ولعلنا لا نجد الروح القدس لمنعنا من ذلك ؟</p>
<p>ثم نحن نعلم أن الرسول الكريم كان يلعق صحن طعامه، ثم تصرّف حسب أخلاق العرب في زمنه التي لم تكن بعد تأخذ بما أتى به الدين الجديد من قوانين في حقوق الإنسان، فأمر مثلا بقتل بعض الأعداء صبرا، ومنهم شعراء وأصحاب رأي وقلم، لا أصحاب سيف؛ كما أنه أمر في إحدى المرات بقتل كلاب المدينة؛ هل نعتدّ بكل هذا ؟ أليس ذلك من غير السنة الواجب اتباعها ؟</p>
<p>ألم يبيّن الله في محكم كتابه أن الرسول من شأنه أن يخطأ كبشر فيصحح مساره الله كما فعل في تصرفاته البشرية، بل وحتى عندما غرّر به الشيطان بما سُمّي الآيات الشيطانية التي سرعان ما تنزّل الوحي لإبطالها. فللشيطان التبليس الشنيع؛ وما دام النبي العربي بشرا قبل كل شي، لا ربا كما هو الحال عند النصارى، لا مناص من الغلط والخطأ لأن ابن آدم خُلق عجولا ناقصا. لا شك أن هذه هي محنته في الدار السفلى حتى يتزكّى ويصفّي النفس الأمارة دوما بالسوء من مساوئها، وهو الجهاد الأكبر الذي لا نهاية له؛ فحتى الموت لا ينهيه، إذ لا موت للروح، ولها أيضا واجب التزكية بعد موتها، على الأقل عبر ما تتركه من أثر طيب  وعمل صالح.</p>
<p>كذلك الحال بالنسبة للإجماع اليوم؛ فلا يشك أحد من المسلمين أن هذا الركن هام من مصادر التشريع، إلا أنه آخرها، فلا يأتي إلا بعد الكتاب والسنة والقياس؛ وهذا مما أصاب فيه أهل الفقه القدامى. إلا أنهم أخفقوا في تعريفهم له عندما حدّوا أفقه بما اتفق عليه علماء الاجتهاد من أمة محمد فحسب؛ لأن الإسلام كوني علمي وتعاليمه صالحة لكل البشر في كل زمان ومكان. لا يمكن إذن تحديد الاجتهاد في دينٍ كوني هو خاتم الرسالة الإلاهية باجتهاد من أخذ بالإسلام فقط، إذ تتوجب إضافة كل مؤمن بالله، موحدٍ له. أليس الإسلام الحنيفية المؤمنة، فيه الإيمان، أي الجانب الثقافي للدين، أعلى من الإسلام المجرّد أي الجانب الشعائري فيه ؟ وهذا ما يمكن أن تسمح به تنمية فنون الدين في الإسلام، ولا شك.</p>
<p>إن الإجماع اليوم ضرورة هو إجماع الأمم المتحضّرة على ما هو من الأخلاق والقيم الحضارية، لا حضارة إلا بها. وهذا يعني الإسلام أيضا ويخص أمته لأنها كل البشرية، ما دام الدين الحنيف خاتم الأديان وما دامت أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس. فالأمر بالمعروف في زمن ما بعد الحداثة هو ما تعرفه الحضارات البشرية، كل الحضارات، والنهي عن المنكر هو ما ينكره البشر المتحضّر. طبعا، هذا يقتضي  العودة للدين الإسلامي الأصيل الذي فيه الإيمان يعلو مجرّد الإسلام والشعائر فيه أقل قيمة من صبغة الإسلام الحضارية والثقافية، بما أنه دين ودنيا، أي الدين بالمعنى المعروف عند علماء الإجتماع، وهو الواصلة بين البشر عن طريق الروحانيات.</p>
<p>إن الإسلام روحانيات قبل أن يكون عبادات؛ فالصلاة مثلا ليست فقط في حركات آلية يقوم بها المسلم، بل هي أولا وقبل كل شيء، كما يبينّه الأصل اللغوي للكلمة، هذا الدعاء الذي يرفعه المؤمن إلى ربّه فيتم به التواصل بين الخالق ومخلوقه دون أية وساطة. هذا ما يمتاز به دين الإسلام عن بقية الأديان.</p>
<p>بذلك يمكن القول أن الإجماع اليوم هو أيضا ما تُجمع عليه الأمم المتحضرة بخصوص مباديء حقوق الإنسان في محتواها الكوني؛ وهو أيضا بمثابة الاتفاق صالح على حكم شرعي، إذ الشرع يقر في مقاصده بحقوق الإنسان في صبغتها العالمية هذه. إنه بمثابة ما سمّاه الأصولين الإجماع السكوتي، أي أنه اليوم قبول قول بعض المجتهدين في مثل تلك المسائل بالسكوت، فهو علامة الرضا ولا شك.</p>
<p>الواجب اليوم على أهل الإسلام لهو الارتقاء بهذا الاجماع السكوتي الحالي إلى مستوي الإجماع الصريح، أي علينا ألا نفرق، بخصوص المجتهدين في ميدان الأخلاق ومباديء البشرية، بين اجتهاد علماء الأمم المتحضرة وعلماء الإسلام ما دام اجتهادهم يتناغم مع مقاصد شريعتنا في كونيتها وعلميتها. من الأكيد أيضا أن نعود إلى الشروط التي استنبطها المسلمون لقبول الاجتهاد لنحيّنها حتى توافق مقتضيات هذا العصر، عصر ما بعد الحداثة.</p>
<p>لئن تبقى لا محالة ضرورة الاستناد على الكتاب وما صح من السنة، فلا بد من عدم تجاهل روح نص الكتاب ومقولة السنة ومقاصدهما، لا نقف عند الرسم والشكل، بل نذهب إلى الباطن الذي يخفى عادة عند التوقف على الظاهر من الشرع. أما اتفاق أهل الاجتهاد الذي يبقى، فهو في كل ما يخص أمور العقيدة التي لا اجتهاد فيها، وهي أساسا في الإسلام التوحيد. بذلك؛ لا مناص من عدم اعتبار ما اشترطه السلف من ثبوت صفاتٍ للاجتهاد خلقت كنيسة في دين الإسلام، وقطعت العلاقة المباشرة بين الله وعبده؛ فإذا الفقيه في الإسلام عبارة على كاهن يهودي أو حبر مسيحي.</p>
<p>لذا، لا بقاء من تلك الشروط إلا ما يتناسب مع عمومية الإسلام البشرية وعلميته، فلا يُعتد مثلا بما كان من اجتهاد أكل عليه الدهر وشرب من ضرورة مجانبة البدع، لأن التغير سنّة الحياة وأساس من أسس التقدم العلمي. فالعلم يبدأ بدعة؛ وذلك حال الفن لا محالة، وهو العلم وزيادة.</p>
<p><strong>لتضع</strong> <strong>النهضة</strong> <strong>الشونيز</strong> <strong>على</strong> <strong>الحروف</strong></p>
<p>الشونيز، حسب تعبير الخليفة المأمون، هي هذه النقاط والحركات التي نضعها على الأحرف العربية حتى نتكلم دون تصحيف؛ وكانت عيبا في فترة أوج الحضارة العربية، بينما لا غنى عنها في يومنا هذا. ذلك ما يتوجب فعله من طرف حزب النهضة التي تتلاعب كثيرا في سياسة هي للمخاتلة أقرب من الأخلاق. إلا أنها تقوم بها باسم الدين، فإذا جرمها أفظع من جرم من تعتد بهم في مثل هذا التصرف السياسي الأخرق، وهو بحق إجرامي بخصوص روح الإسلام السمحة المتسامحة.</p>
<p>إن ما قلناه في السلفية ينطبق على الحزب الإسلامي المدّعي الوسطية، الذي سبق لزعيمه أن قال : «ولأن الزمن زمن الديمقراطية، فلا بأس من الأخذ بطلاء منها»؛ فهو بهذا يفعل ما عابه على من حارب طويلا. وقد قال أيضا يفنّد نواياهم الحسنة : «ولو أن الإسلام راج سوقه لما ترددوا في إطلاق بخوره»؛ وها نحن نرى البعض من رجال حزب النهضة، بعد أن وصل إلى الحكم، لا يترددون في إطلاق البخور تقديسا لنظرة معيّنة للعمل السياسي تقصي العديد من مقومات المجتمع التي تعرّض إليها زعيمها واعترف بحقها في الوجود، وبالأخص منها تعدد الرؤى ونبذ التزمت والإقصاء والعزوف عن تهميش الغير والتنكيل بالآخر لا لشيء إلا لأنه مختلف المآرب والهوى.</p>
<p>إن الشيخ الغنوشي يقول في كتابٍ له أن «رأسمال السياسة ليس الشطارة والمناورة، وإنما ميزان القوة»؛ ذلك لعمري عين الحقيقة في دولة ديمقراطية مغرقة في هذا النموذج السياسي الحي في الحكم؛ أما من كان حظه منها الهشاشة مثل ما هو الحال بتونس، فلا يكفي هذا الميزان لوحده، إذ يجب تعديل كفّتية بالعدل ونسبية الرؤى وبالتوافق حتى يكون بحق ذلك الميزان الإسلامي، ألا وهو القسطاس المبني على العدل والإنصاف. من ذلك ضرورة أن يأخذ القوي &#8211; بالرغم عن قوته النابعة من مشروعيته الإنتخابية &#8211; برأي الضعفاء سياسيا من الأحزاب والحركات المستقلة لما لها من حقٍ في الوجود على الصعيد السياسي لمجرد تواجدها على المستوى الإجتماعي، حتى وإن لم تسعفها الآلة الإنتخابية بالوزن اللازم؛ ونحن نعلم ما في تلك العملية من هنات وقلة نزاهة.</p>
<p>بمثل هذا الشرط يكون مجتمعنا مجتمع تآخٍ وسلمٍ، وتكون أمتنا بحقٍ خير أمة أخرجت للناس، لا لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالمفهوم الديني فحسب، بل أيضا وأساسا بمفهومه السياسي والإجتماعي، بل قل الحضاري. وهو، كما بيّنا أعلاه، الأمر بما هو معروف في أخلاقيات الديمقراطية والنهي عن منكر التزمت في المعتقدات، كل المعتقدات بما فيها الدين، والإجحاف في التصلت على الغير لاختلاف مشاربه وتوجهاته السياسية والمذهبية، وحتى الشخصية.</p>
<p>لا مندوحة لأن يكون حظ المسلم ببلادنا &#8211; وقد اعتُرف بحقه في الوجود بمجتمعات أقل حظا في الصلاح من مجتمع يدّعي أنه خير أمة أخرجت للناس &#8211; أوفر وأعظم بمجتمعنا نظرا لقيمه العالية ومثاليته الكبرى وخلقه السني حتى لا تكون هذه الخاصيات مجرد شعارات باهتة لا حقيقة لها، كعبادة التزمت للمظهر والشعائرية وجهل باطن الشرع وأدبياته، ومنها حسن المثال واحترام الآخر ونبذ الغلو في كل شيء.</p>
<p>إن أخشى ما يُخشى اليوم أن كل ماسبق من مباديء وما دعا إليه ويدعو راشد الغنوشي من تصرف سياسي متحضر يبقى في بلدنا، وحسب تعبيره، «مجرد أماني وألعاب بهلوانية» عند الساسة الحاكمة المتفرعة عن حزبه. فكل ما يجري اليوم ببلادنا، كما قاله بنفسه في أعدائه السياسيين قبل أن يصبحوا شركاء في الحكم  «يكشف عن قدرٍ غير قليل من ضعف الوعي السياسي إلى حد السذاجة وضعف المبدئية الأخلاقية إلى حد الانتهازية بما (يجعل) السياسة تبدو وكأنها مجرد ميدان مناورات وليس مجالا محكوما بقوانين صارمة أهمها قانوم ميزان القوى (وذلك حسب المنطوق الصحيح الذي بيناه أعلاه) أو مباديء العدالة والمصلحة الوطنية العليا».</p>
<p>هذا، وإن يؤكد زعيم النهضة على أن إرادة الشعب لا تُقهر، فالخطأ كل الخطأ اليوم هو في العودة بها، كما يفعل السلفيون وتأثيرهم يبقى من الأهمية بمكان على أتباع النهضة، إلى إرادة الله، لا لشيء إلا لأن ذلك أولا من البديهيات و ثانيا من الحق الذي يراد به الباطل بتكييفه وتوجيهه حسب توجهاته المذهبية.</p>
<p>الأحرى والأصح اليوم القول أن إرادة الله هي إرادة الشعب لأن الله فوّض لعباده حكم أنفسهم وبيّن لهم كيفية الرشاد في ذلك بالاعتماد على العقل والتزام المصلحة العامة في توجهٍ كله تسامح ومسالمة كونية. فإن أخطأ المجتهد، له مع ذلك الأجر الحاصل لكل اجتهاد صادق لأنه، كما قال ابن حزم (ونذكر هنا قوله بتصرف)، لأفضل للمسلم الحق أن يغلط عن اجتهاد على عدم الغلط عن تقليدٍ لمن سبقه خوف البدعة؛ فما التقدم والتطور سوى نتاج البدع المتتالية. أما إن لم يجتهد وأخطأ فلا كفر يلحقه ما دام يؤمن بضرورة الاستكانة لحكم الله وقبول المحنة المسلّطة عليه من طرف خالقه بصدر رحب لعدم إصابته الحق بإعمال العقل وتحمل كل تبعات ذلك. يكون هذا نظرا لحسن نيّته وحتى يخلص إلى ما هو أفضل منه بالعمل الدؤوب على تخليص نفسه من كل الشوائب، و تحطيم أصنامها. فالشيطان يكمن في كل النفوس البشرية، مؤمنة كانت أم لم تكن؛ وتلك ما يسمّيه علماء الإجتماع المحدثين بحصة الشيطان في كل نفس بشرية (Part du diable).</p>
<p>إن راشد الغنوشي يصرّ على تحوّل حزبه «من المشروع الدعوي المحدود إلى المشروع الحضاري الشامل»، وليس بالإمكان إلا تحية هذا التوجه والتنويه به. لكن إلى أي مدى، يا تُرى، تترامى حدود النهضة الحضارية ؟ حتى نتعرف على ماهية هذا المشروع الحضاري على أرضية الواقع التونسي المعاش ونتعرف على صدق هذا البرنامج الحضاري حقيقة، ننتظر من الحزب الرد على المسائل الإجتماعية التي قد تكون محرجة ولكنها نابعة من صميم الحياة اليومية للتونسي؛ وهي من قبيل ما يُسمّى في علم الإجتماع بالمنهج النوبي Paroxysme حيث يدفع استعمال البرهان إلى ذروة ما به من تدليل، يستحسنون اللجوء إليه لاستكشاف مكنون الواقع والتعبير عنه على حقيقته.</p>
<p>إن المسائل المسكوت عنها من تلك المنتظمة اليوم في مسلك التحضر والتي لا مناص للعبور بها كمحطة من محطات الرقي إلى رتبة أعلى من التقدم وإلى المزيد من الحرية في مجتمع ديمقراطي ديدنه التسامح وتكريم الذات البشرية على ماهيتها واحترام حقوق كل فرد منه كما هو لا كما يقننه حاكموه ويبتغيه منظرو أي مذهب. وهذه المسائل الثلاثة المحورية للتدليل على التوجه الديمقراطي للحزب الإسلامي: إقرار المساواة في الإرث بين الجنسين، حرية العلاقات الجنسية بين البالغين بما فيهم من الجنس الواحد، إبطال تجريم القنب الهندي وتحريم الخمرة.</p>
<p>لقد ذكّر الغنوشي، في كتابٍ له وفي العديد من التصريحات، بشهاداتٍ صادقة على تعقل الإسلاميين التونسيين سابقا حيث رفضوا الرد «على عنت السلطة بمثله». فهل كان هذا التعقل مجرد خاصية للحركة وقتية في زمن المعارضة أم هي من خاصيات نموذجها، تبقى ولا تزول مع وجودها اليوم على سدة الحكم، وتبقى غدا أيضا إن دامت لها أصوات الشعب أو انصرفت عنها ؟</p>
<p>كيف يكون ذلك إذا لم يتجسد في قوانين ؟ لقد بيّن الغنوشي أن الحركة لم تتردد في الاعتراف بأخطاء ارتكبتها، وإقدامها «على تقويم صارم» لتجربتها؛ فهل هذا من قبيل الماضي المندثر أم يبقى إلى اليوم، ونحن نرى من التصرفات والأقوال عند بعض الوجوه في حزبه ما ينذر بخطر الانزلاق بهم من التنديد بإرهاب علماني إلى التنظير لإرهاب أصولي أدهى وأمر، لأنه يستغل الحق في خدمة الباطل بينما لا يعدو الأول أن يكون من باب تصريف حق مشوه في خدمة حق مموه ؟</p>
<p>بالتالي، هل النهضة مستعدة لتفعيل المواضيع المسكوت عنها السابقة الذكر حتي يصح قول زعيمها «بتاريخية الظاهرة الإسلامية وخضوعها شأن كل الظواهر لقانون التطور في علاقة لا تنفصم مع بيئتها بما يفرض تمايزها من موقع إلى آخر» ؟ إذا كان ذلك كذلك، فكيف يتم اليوم هذا التطور إذا واصل الحزب إعتماد نظرة جامدة للموروث الديني وتعامل مع النص القرآني، كل النص، ومع السنة المحمدية، كل السنة، بنفس المنهاج، أي منهاج الأخذ بالحرف بحذافيره، فيكون بذلك التقديس للنص وشكله لا لروحه ومقصده ؟</p>
<p>عندها، يخيب مسعانا في التأسيس لفهم جديد متجدد للإسلام بتونس، إذ نواصل إقامة أصنامنا الجديدة وتماثيلنا لتصورٍ منا للحكمة الإلاهية، مع أن من يتصرّف كذلك يقرّ في نفس الوقت بأن العقل البشري يبقى بداهة قاصرا على الولوج إلى الحكمة الإلهية لضعته مهما علت مكانته، وإن رام ذلك وكاد ينجح في مسعاه.</p>
<p><strong>التأسيس</strong> <strong>لفهم</strong> <strong>متجدد</strong> <strong>للإسلام</strong></p>
<p>إن الخروج من جاهلية اليوم يقتضي إعادة التأسيس لمفهوم الإسلام ببلادنا. فالآن وقد انتفى هاجس الخطر الأصولي عند أهم أصحاب الثقل في تمرير القرار الحاسم على الساحة العالمية وانفتحت ببلدنا تجربة واعدة مع النهضة كأسّ لها &#8211; إن صدقت طبعا نيّتها -، علينا الحرص حتى لا تكون سياسة الإسلام السياسي في الجسد التونسي مثيلة لما فعله به النظام السابق.</p>
<p>لا بد من نبذ عادة الدكتاتوية البغيضة في «إعمال المبضع في الجسد» حسب عبارة راشد الغنوشي نفسه، لأن الجسد وإن اختلفت الرؤى يبقى واحدا، فلا هو إسلامي محض ولا هو علماني بحت، بل فيه من كل المكونات التي، وإن لم تكن خالصة الجوهر فهي بالرغم، أو من أجل، ذلك رفيعة المعدن، ما يجعلنا نؤذيه وننتهك حرمته إذا آلمنا جزءا منه أيا كان صغره، حتى وإن كان ذلك بحجة الأغلبية وبمنطق الديمقراطية.</p>
<p>لا أحد من شأنه منازعة القول أن أخلاقيتنا الإسلامية التونسية تعلّمنا أن مجتمعنا يجب أن يكون متلاحما، متآخيا، لأن أي أبسط عضو به تألّم تداعى له كامل الأعضاء بالسهر والرعاية، وأفضل الرعاية ما يفرزه القلب من إحساس وعطف وحب لا نهاية له ! فحتى لا تكون مداواة «الإسلام الجريح» بتونس من باب الطب المعروف بالرعواني، منطلقه التشفي مما تركه ولا شك التطرف العلماني من قروح، لا بد أن تكون عودتنا إلى هويتنا وعودة وعينا بمقومات ذاتيتنا على قاعدة سليمة.</p>
<p>وما من شك أن للنهضة &#8211; وعليها أيضا &#8211; المساهمة بالقسط الأوفر في بناء صرح الإسلام الجديد بتونس، آخذة بما تختزله العقلية التونسية من تراث تليد ينضاف إلى الإثراء الطارف الإسلامي، مكونا بذلك ثوابت لا محيد من الأخذ بها إذا عزمنا العمل بما يتفق مع أعظم القيم الإسلامية قدرا، إضافة إلى التوحيد، ألا وهما العدل والإنصاف حتى وإن كان ذلك على حساب أركان وعقائد أساسية غيرها.</p>
<p>ألم يعاتب الله القدوة العظمى في ديننا، محمدا، عندما وجب ذلك تصرف منه رغم عصمته وسناء خُلُقه ؟ أنكون أفضل من الرسول الأكرم فنعبس ونتولى دون ارتداع إذ جاءنا اليوم الشعب يطالبنا الاغتراف من أحلى وأعذب ينابيع الإسلام الحق، حتى وإن كان على حالة العمى التي أصابته من ويلات النظام البائد فلا يرى بجلاء وصفاء روعة هذه الينابيع ؟ فالبعض يكتفي للارتواء من شدة الضمأ بالعكر من تلك المياه ما من شأنه تعريض حياته لخطر المرض بله الهلاك، فهلا منعناه بأن أفضنا عليه الماء الزلال ؟</p>
<p>إنه من الخطأ الفاحش أن نعتبر مثل هذا التعطش الذي نلمسه في المجتمع التونسي للهوية وللقيم، خاصة على مستوى بعض الشباب، دليلا على أسلمته على منوال واحد ونهج ضيّق تنتفي منه كل تلك الصفات التي لا محيد عنها لأصحاب العقول الواعية المتزنة لأنها أسست للعقلية التونسية. تلك الصفات، إذا نحن اختزلناها بمنظور إسلامي أصولي، تتراءي لنا من قبيل البدع في أفضل الحالات، بل الزندقة وحتى الكفر المحض عند بعض المتزمتين. أما إن أردنا فهمها على حقيقتها، فهي تتلخص في التسمية المعروفة للبربري، ساكن تونس القديم، ألا وهي : الرجل الحر !</p>
<p>إن الأوكد اليوم في هذه الفترة الحساسة، العصيبة في الآن نفسه، ألا نضع مكان الاغتراب لدى الحكم الذي كان ساريا اغترابا لدى الشعب باسم تعريبه وأسلمته، لأن التونسي، وإن كان عربيا مسلما بحق، فهو أيضا في عربيته وإسلاميته من الشذوذ أو الطرافة بمكان حيث تغترف عربيته من ينابيع أعجمية عديدة تغذيها وتزيدها بلاغة ورونق، ويتلون تدينه بما أفرزه العقل الإسلامي من إبداع.</p>
<p>يكفينا أن نرمز إلى ذلك الإبداع بالمكانة التي أحرزها فيه، رغم كل العراقيل والتضحيات، التصوف كما أحرزه في العالم أجمع، جالبا التقدير لمنبعيه الأساسيين، ألا وهما كتاب الله وسنة رسوله، لكن بعيدا كل البعد عن تحجر أهل الرسم من السلفيين. فمن يؤكد، مثل زعيم حزب النهضة، «أن الوسطية والاعتدال هما السمت العام في مجرى التيار الإسلامي وليس التشدد والعنف»، لا يبرهن على ذلك بأفعله وسياسته في البلاد.</p>
<p>كما لا يخفى على أحد، خاصة السياسي المحنك، ليس أقسى من تسلط مظالم ذوي القربى؛ فهلا حرص زعيم الحزب الإسلامي على ضمان حماية البلاد من تعسف ذوي قرباه من أعضاء حزبه التابعين للتيارات السلفية، سواء كأداة أو كضحية لها، والنهضة &#8211; وهذا لا يخفى على أحد &#8211; بحاجة لأصواتها للحملات الانتخابية المبرمجة ؟</p>
<p>إن كان الجواب بنعم، هلا عمل الغنوشي بما فيه شفاء غليل تطلعات الجانب العلماني من المجتمع حتى لا يقع استدراج البلاد، رغم الشعارات، إلى حمأة الفتنة والتقاتل الداخلي بحجة العودة إلى الإسلام أو تعلة احترام مقدساته، خاصة وأن عدد المصطادين في الماء العكر لا يستهان به ؟</p>
<p>فلا خلاص لتونس إلا بتأسيس إسلام جديد بها. وذلك لايكون إلا بالتدليل على أن الإسلام، إن كان بحق واحدا، فبعلميته وكونيته، وإلا فهو متعدد المشارب، غزير المعاني، متنوع المظاهر، ليس في معتقداته وشعائره غلو أو هيمنة إرهابية. بهذا يكون للنهضة شرف السبق إلى تبيان الرشد من الغي وإفشال مساعي كل من يسيء للإسلام باسم الدفاع عنه؛ وذاك، كما بيّنا، حال كل مسلم سلفي يرفض الغير لمجرد اختلافه دون الوعي بأن واجبه الأول كمسلم حق هو احترام الذات الانسانية بصفة عبوديتها لله ولكون الدين لخالقها وحده لا لعباده المتساويين أجمعين في الاسلام والتسليم له، وإن ميزت بينهم التقوى، وقد سلف أن بيّنا معناها الصحيح في يومية سابقة.</p>
<p>لا شك أن بمثل هذا التوجه والعمل يحقق الساسة بتونس، وخاصة من يدّعي نصرة الإسلام بهذه البلاد، ما هم ينادون به من قبل الصعود إلى سرير الحكم من «توفير مقوّم أساسي من مقوّمات التغيير، ألا وهو ردم الهوة بين جناحي الحركة الوطنية : العلماني والإسلامي&#8230; ولا غرو أن البلاد أحوج ما تكون لهذه الخطوة رغم الثمن الباهض الذي يمكن أن يدفعه الطرفان، ولكنها خطوة في اتجاه التاريخ&#8230; (بشهادتكم وشهادة غيركم ممن صفت نيته) بما يجعل أي تضحية مجزية المردود&#8230;»</p>
<p>بذلك يكون الإسلام التونسي وفيا للثلاثية التي تميزه، التي لخصها ببلاغة ابن عاشر في منظومته المشهورة، وهي المالكية والأشعرية والصوفية؛ ولا شك أن دعم البعد الصوفي بتونس لهو أفضل جُنة لحفظه من الخطر السلفي وثقافته المحببة للتكفير، بينما الرسلام اليوم لهو التفكير لا غير. ولنتذكّر قولة الجنيد السالك أن «التوكّل عمل القلب، والتوحيد قول القلب»، وقول أبي العباس السياري أن «عطاء الله على نوعين : كرامة واستدراج، فما أبقاه عليك فهو كرامة، وما أزاله عنك فهو استدراج؛ فقل : أنا مؤمن، إن شاء الله!»</p>
<p>إن التصوف، علاوة على كونه العنصر الأهم من ثلاثية الذاتية الإسلامية في تونس، بله في سائر بلاد الإسلام، هو اليوم المنظومة الوحيدة التي من شأنها القيام في وجه السلفية لمقارعتها بسلاحها في مبارزة مصيرية لمستقبل الإسلام لما لها من مشروعية مذهبية (ونحيل هنا على القولة المأثوة عن الجنيد : علمنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة)، وتاريخية إسلامية وتجذر في الهوية مع انفتاح على العالم لكونيتها، وعلى الروح العلمية في مفهومها الحالي أو ما بعد الحداثي.</p>
<p><strong>بدايات</strong> <strong>جاهلية</strong> <strong>الإسلام</strong></p>
<p>إن أفضل وسيلة للخروج من أي مأزق تكمن في التعرف أولا على أسبابه؛ ولا شك أننا بذكر أسباب جاهلية اليوم نضمن الخروج منها. لنختم إذن هذا الطرح، الذي نتوسع فيه أكثر في يومية تالية نخصصها للخبطة القيمية عند أهل الإسلام، ببيان بدايات جاهليتنا الحالية.  من المفيد هنا التفطن إلى المثل اللاتيني الذي معناه أن الوصول لأعلى المراتب هو بداية النهاية : La roche tarpéenne est proche du Capitole، وليس ذلك إلا ما عبّر عنه شاعر الأندلس بصدر هذا البيت : لكل شيء إذا ما تم نقصان.</p>
<p>لقد اشتهر المعتزلة بكونهم أصحاب العقل في حضارة الإسلام، فكان فكرهم مستنيرا عقلانيا، إلا أنهم إذا كانوا على مستوى البحث في علّيين ، فقد تصرّفوا في مجتمعهم كما يتصرّف النوكى، مما أدّى إلى هدم كل ما بنوه، جاعلين ما أسدوه من خدمات سنية للفكر الإسلامي في سجّين، فزج ذلك بكل الفكر العقلاني في غياهب الانحطاط؛ فلا فكر حر ُيفرض بالقوة !</p>
<p>لقد أراد المعتزلة فرض رأيهم بشوكة السلطان ، رغم وجاهته وعلو كعبه، فاستغلوا حظوتهم قرب الخليفة المأمون وحملوه على فرض القول بخلق القرآن فرضا. هذا ما أدّى إلى محنة كان الفكر الإسلامي في غنى عنها، إذ لم تكن فحسب محنة الرافضين لفكرة خلق القرآن، بل محنة الفكر الإسلام عامة، مما أدى إلى غلق باب الاجتهاد.</p>
<p>تماما كما أراد المعتزلة فرض رأيهم النير بالقوة، جاء بعدهم أصحاب الفكر الظلامي ففرضوا رأيهم الأخرق بالقوة أيضا؛ وهذا ما نقاسيه إلى اليوم؛ بذلك كانت محنة خلق القرآن بداية انحطاط الإسلام في غياب الفكر الحر. فإنه ليغلط من يعتقد أن تردى حضارة الإسلام إلي أسفل السافلين مرده الاحتلال الخارجي.</p>
<p>نعم، لا شك أن ما حاق ببلاد الإسلام، بداية من الغزو المغولي إلى الحروب الصليبة، أضعفها، مانعا عودة الصحة إلى بدنها المعتل. إلا أن هذه الهجمات الخارجية لم يكن لها أن تفعل فعلها إذا لم يمهّد لها الفكر الإسلامي ذاته الطريق بغلقه باب الاجتهاد؛ فقد حكم على العقول بالتحجر، فغدت غير قادرة على التصدي بنجاعة لأي عدوان.</p>
<p>لقد بدأ الإسلام السلفي منذ انقلاب السلطان على أهل الاعتزال بالتسلط على كل تجليات الفكر العقلاني معتمدا في ذلك على نفس الآلية التي استعملها عقليو الإسلام، ألا وهي شوكة الحاكم. بل إن منظريه طوروها حتى أصبحت سلاحا فتاكا بين أيدي الحكام يخدمون به في نفس الوقت طغيانهم وذلك بطمس كل علامة تحرر في فهم الدين وصرف معانية البليغة رغم أن فكر ما قبل الانحطاط كان حداثيا قبل الأوان.</p>
<p>أين نحن اليوم من هذه الطفرة التي سبقت قيام الدولة العباسة وعصر التدوين، فأعطت للإسلام أفضل ما أمكن للعقل البشري اختراعه من فكري علمي وعالمي تميز بالحرية التامة فالإبداع والعبقرية ؟ لقد اخترع العربي المسلم قواعد لغته وتفنن في فهم القرآن بغريبه ومجازه، فلم يستح من قراءته على أوجه مختلفة، بل ومتناقضة، لأن القرآن ورد على أحرف متعددة وكان متقدما على زمانه.</p>
<p>إن العقل في الإسلام لم يكن ما فهمه المعتزلة وتغلب من بعد على الغرب، أي هذا العقل الجاف الديكارتي، إنما كان عقلا حسيا Raison sensible لا تتنافض فيه الأمور بقدر ما هي تتفاعل وتتكامل؛ وذلك تماما كاللغة العربية بما فيها من ثراء إلى حد أن الكلمة تعني الشيء وضده. ولا شك أن مثل هذا البديع اللغوي الذي منه معجزة القران هو ما يسمى في العلوم الاجتماعية المعاصرة بالفكر المركب Pensée complexe والفكر الأضدادي Pensée contradictorielle. وهو أفضل ما يميز اليوم هذه العلوم.</p>
<p>اليوم، في فترة ما بعد الحداثة التي أظلتنا، مع فتوحات اللاوعي والمتخيّل، لم يعد العقل الفكر العقلاني كما عرفناه زمن الحداثة الغربية، إنما هو فكر ذوقي بالأساس، هذا الفكر الحسي كما تفطن له الغزالي وكما نظر له أخيرا علم الاجتماع الفهيم Sociologie compréhensive. فلكأن التاريخ يعيد نفسه ! إن كل التأخر الذي نحن فيه، هذه الجاهلية الجهلاء، ما كان له أن يكون إذا لم تحكم السلفية الفكرية قبضتها على عقول الناس باسم قضية خلق القرآن، مستعملة نفس الأسلوب الذي اعتمده العقليون وهم يعتقدون خدمة العقل بينما كانوا يهدمون صرحه.</p>
<p>الحال اليوم نفسها عند السلفية الذين ـــ على الأقل عند مخلصي النية فيهم، كما كان حال زعيمهم الإمام ابن حنبل ـــــ يعتقدون خدمة الإسلام وهم لا يعملون إلا على هدم أساسه. فأس الإسلام هو الحرية في فهم أحكامه وتصريفها حسب مقاصده دون التقيد بمقتضيات زمن ولى واجتهاد سبق؛ ذلك لأن قوة دين القيمة في الاجتهاد المستدام. أما السلفية اليوم، وكل متزمت في فهم الإسلام، لا ينافح إلا على نفوذ سياسي وسلطة معنوية يضيفها إلي تسلط مادي لمجرد التحكم في عقول البشر وقد خلقهم الله أحرارا. متى استُعبد الفكر في الإسلام إلا منذ فتح العقليون الباب لذلك باعتمادهم على الحاكم لفرض مقولتهم؛ فإذا بهم يشوهونها ويفتحون السبيل أمام أعداء الفكر الحر؛ فليس للفكر الحر من راعٍ إلا فكر حر مثله !</p>
<p>إن الذي ينقصنا اليوم لهو فكر عقله ذوقي حساس، لا حِجر فيه       Tabou ولا تسلط عليائي واستعلائي؛ هذا ما علينا استعادته، إذ هو مما كان لناو في بدايات الإسلام حتى أوج العقلانية في عهد المأمون، أي بداية النهاية، بمثابة اللِبَسَة Habitus. وبما أن التاريخ يعيد نفسه، إذ كل شيء فيه إلى عود على بدء لأن الزمن مابعد الحداثي لولبي Spiralesque، لا بد لنا من العودة إلى حيث وقف بنا الزمن الأول، أي قضية خلق القرآن والخوض فيها مجددا، ولكن على قاعدة جديدة هي الحرية التامة بعقل لم يعد ديكارتيا.</p>
<p>لقد تهافت العقل العلموي المحض وولى زمانه في نطاق ما عهدناه من  الوضعية Positivisme التي نضبت منابعها؛ ولنا أن نستلهم إبداعاتنا من الفكر المداعب الحساس Pensée caressante وعلم اجتماع القصف والعربدة Sociologie de l&#8217;orgie، وذلك طبعا بالمعنى الاشتقاقي، إذ أصل الكلمة Orgè يعني الاكتناف  الانفعالي Ambiance émotionnelle ، وهو أهم ميزة لما بعد الحداثة، كما هو مما يميّز نفسية مجتمعاتنا.</p>
<p>إن المجون من أغزر الفيض، وهو أفضل علامة للتحرر والانعتاق من ربقة كل قيد فكري، خاصة الفكر السلفي المناهض لروح الإسلام التحررية. بذلك نتوصل لأن نجعل من هذا الزمن، الذي سادت الظلمة فيه فكرنا، اللحظة الحاسمة للاستنارة والتنوير، وهي ما يّسمى سوسيولوجيا باللحظة السرمدية Instant éternel. فلا شك أنه يتسنى لنا عندها، في نطاق فكرنا المركب، قلب بيت شاعرنا أبا البقاء الرندي قائلين بحق، مدللين عليه : لكل شيء إذا ما نقص اكتمال !</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/07/01/26-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84%d9%8a%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9/">(26) في جاهليتنا الجديدة</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/07/01/26-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84%d9%8a%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إسلام النفاق في المساواة في الإرث</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/30/%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%a7%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d9%88%d8%a7%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b1%d8%ab/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/30/%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%a7%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d9%88%d8%a7%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b1%d8%ab/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[ali ben mansour]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 30 Jun 2016 12:29:21 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[الاجتهاد]]></category>
		<category><![CDATA[الاسلام]]></category>
		<category><![CDATA[المساواة في الإرث]]></category>
		<category><![CDATA[عثمان بطيخ]]></category>
		<category><![CDATA[مفتي الجمهورية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=16339</guid>

					<description><![CDATA[<p>بقلم فرحات عثمان إنه لمن تباشير غربة قريبة للإسلام في هذه الديار، بعد أن غوى بالشرق المتهافت، أن نسمح لأنفسنا بالنفاق كما نفعل اليوم ! فمن ناحية نتكلم عن سماحة الدين وما فيه من تعاليم إناسية، ومن ناحية أخرى، عندما يتعلق الأمر بالإتيان بالدليل القاطع على ذلك، نرفع القناع عن وجه كالح لإسلام لا يعدل...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/30/%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%a7%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d9%88%d8%a7%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b1%d8%ab/">إسلام النفاق في المساواة في الإرث</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-922 aligncenter" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2016/01/عثمان-بطيخ.jpg" alt="عثمان بطيخ" width="725" height="430" /></p>
<p><strong>بقلم فرحات عثمان</strong></p>
<p><strong>إنه لمن تباشير غربة قريبة للإسلام في هذه الديار، بعد أن غوى بالشرق المتهافت، أن نسمح لأنفسنا بالنفاق كما نفعل اليوم !</strong><br />
<span id="more-16339"></span></p>
<p>فمن ناحية نتكلم عن سماحة الدين وما فيه من تعاليم إناسية، ومن ناحية أخرى، عندما يتعلق الأمر بالإتيان بالدليل القاطع على ذلك، نرفع القناع عن وجه كالح لإسلام لا يعدل بين الجنسين ولا يقبل بالآخر المختلف.</p>
<p><strong>دعدشة</strong> <strong>إسلامنا</strong> <strong>السمح</strong> <strong>المتسامح</strong></p>
<p>فبعد أن دعى البعض من أهل التزمت إلى قتل الأبرياء المثليين وصمت المفتي ولم يندد بجرمهم، كما تجاهلت السلط تلك الدعوة الإجراميه باسم الدين فلم تقل شيئا، لا هي عاقبت صاحب هذا القول الشنيع ولا هي نددت به، هي ذي تتغافل عن كلام المفتي الذي يعيد الكرة، مؤكدا أن الإسلام لا يطبّق مبدأ المساواة بين الجنسين في الميراث !</p>
<p>إننا بمثل هذا النفاق في الدين نشجع على دعدشة ديننا ونسعى لخرابه في هذه البلاد، خاصة في شهر رمضان الذي يحتّم علينا قول الحق حتى على أنفسنا.</p>
<p>فأي خير نجنيه لديننا بمثل هذا التزمت في فهم تعاليمه؟ أليس هذا من الإرهاب الذهني الذي يغذّي الإرهاب المادي؟ أليس هو من تلك الفتنة التي هي أشد من القتل ؟</p>
<p>هل نسعى للفتنة في بلدنا عوض العمل على إشعاع تعاليم الدين الإناسية الروحانية بتشجيع فهمٍ متسامحٍ يأخذ بمقاصد الشريعة لا بحرف النص تاركا روحه، وهي أعلى وأزكى ؟</p>
<p><strong>ليس</strong> <strong>الإسلام</strong> <strong>في</strong> <strong>نصه</strong> <strong>فقط</strong> <strong>بل</strong> <strong>في</strong> <strong>مقاصده</strong></p>
<p>إن موقف المفتي الرافض للمساواة في الإرث بين الجنسين، والذي لا تندد به السلط ولا الحزب الإسلامي المدعي المرجعية الديمقراطية، لمن شأنه غدا أن يحملنا على العمل بكل ما في القرآن من آيات قطعية. ومنها حتما تلك التي تأمر بقطع يد السارق، لأنها في قطعية منابات الميراث؛ فأي فرق في رفض التسوية اليوم لآية نعتبرها قطعية وفي الدعوة غدا لقطع يد السارق عملا بآية قطعية أيضا في الغرض ؟</p>
<p>لقد بيّنا عديد المرات أنه لا قطعية في كلام الله في الميراث إلا ما كان من اجتهادٍ للفقهاء، وهذا الاجتهاد لا يصلح اليوم. ذلك لأن القرآن لا يُفهم فقط بحرفه، بل أيضا وخاصة بمقاصده وروحه؛ ومقصد الشريعة القطعي هنا هو التسوية بين الجنسين لما أعلاه الإسلام من قيمة المرأة يريد المتزمتون الحط منها.</p>
<p>هل نبدّل مقصد الإسلام وهو دين العدل والإنصاف ؟ وهل هناك أي عدل في الميراث سوى احترام مبدأ التناصف والمساواة ؟ كفانا نفاقا في ديننا، وإلا لنقل أنه لا يحترم العدل ولا يقر بقيمة المرأة؛ عندها، لنطبّق كل الأيات التي هي في قطعية نص الميراث، بما فيها قطع اليد !</p>
<p><strong>الإسلام</strong> <strong>اجتهاد</strong> <strong>متواصل</strong> <strong>حتى</strong> <strong>لا</strong> <strong>يصبح</strong> <strong>غريبا</strong></p>
<p>الإسلام اجتهاد مستمر يقتضي التثوير لمعاني القرآن والفهم الفطين للسنة الصحيحة حسب مقاصد الشريعة؛ فلا فتوى فيه تهم، خاصة إذا كانت من نتاج الإسرائيليات التي غزت ديننا فطمست معالمه، فجعلته يأخذ بالعادات اليهودية المسيحية لا العربية السمحة. ذلك لأن النص القرآني ليس صنما، كما كان نص التوارة، لا يمكن تأويله، خاصة في أمور الدنيا؛ بل هو يقتضي التأويل المستمر لعلميته وكونيته.</p>
<p>لذا، فتوى مفتي الديار الجمهورية لا تشرّفه ولا تنصف دين الإسلام لأنها تنفى إمكانية المساواة في الإرث بتونس؛ وإنها لقاصمة الظهر ممن يقول بأخذه بالإسلام السمح المتسامح، العلمي التعاليم العالميها.</p>
<p>إن من يقول بالقطعية في عدم المساواة في الميراث يحرّم ما لم يحرمه الله حسب مقاصد شريعته؛ وهو في تزمته هذا لا يلتزم بالإسلام الصحيح الذي يتحتّم فيه الاجتهاد المتواصل في أحكام الدنيا؛ فهو بذلك لا يعود إلا للإسرائيليات التي كانت فيها قطعية النص قبل أن تنبذها لمّا طوّرت علومها الدينية.</p>
<p>وبعد، بما أنه في القرآن الكريم هذا النص القطعي في قطع اليد، هلا دعونا إلى تطبيقه في قوانينيا أخذا بحرف النص الديني؟ هذا ما يقتضيه منطق فتوى المفتي، علما وأنها لا تلزمه إلا هو لا بقية التونسيين، لأن الفتوى في الإسلام مجرد رأي، لا كما هي في اليهودية والمسيحية حيث فتاوى الأحبار قوانين.</p>
<p>هذا، والفتوى الإسلامية الصحيحة تأتي لتكريس الاجتهاد المتواصل الذي ليس له أن ينقطع فنجتر اجتهاد من سبق، وإلا أصبح الدين القيم غريبا كما بدأ؛ فذلك ما حذّر منه الرسول الأكرم. هل هذا ما نريده لديننا وقد شوهته بعد داعش وصويحباتها المجرمة؟</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/30/%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%a7%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d9%88%d8%a7%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b1%d8%ab/">إسلام النفاق في المساواة في الإرث</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/30/%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%a7%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d9%88%d8%a7%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b1%d8%ab/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حول بيان القيروان : هل يكفي الاستنكار لتنزيه الإسلام من الإرهاب الذهني؟</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/23/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%86-%d9%87%d9%84-%d9%8a%d9%83%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%86%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d9%84%d8%aa/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/23/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%86-%d9%87%d9%84-%d9%8a%d9%83%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%86%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d9%84%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[ali ben mansour]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 23 Jun 2016 09:36:34 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[الاجتهاد]]></category>
		<category><![CDATA[الاسلام]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن]]></category>
		<category><![CDATA[القيروان]]></category>
		<category><![CDATA[مكافحة الارهاب]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=15394</guid>

					<description><![CDATA[<p>بقلم فرحات عثمان أصدر حفظة القرآن المجتمعون بالقيروان يوم الإربعاء، نهار السابع عشر من رمضان، بيانا سمّوه  « بيان القيروان ليلة نزول القرآن »؛ مع العلم أن تاريخ نزول القرآن ليس من المتفق عليه قطعيا عند  أهل العلم في الإسلام. الكيل بمكيالين جاء في هذا البيان استنكار هؤلاء الحفظة لما سمّوه محاولات ترمي إلى ربط...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/23/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%86-%d9%87%d9%84-%d9%8a%d9%83%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%86%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d9%84%d8%aa/">حول بيان القيروان : هل يكفي الاستنكار لتنزيه الإسلام من الإرهاب الذهني؟</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-15396 aligncenter" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2016/06/القيروان.jpg" alt="القيروان" width="725" height="430" /></p>
<p><strong>بقلم فرحات عثمان</strong></p>
<p><strong>أصدر حفظة القرآن المجتمعون بالقيروان يوم الإربعاء، نهار السابع عشر من رمضان، بيانا سمّوه  « بيان القيروان ليلة نزول القرآن »؛ مع العلم أن تاريخ نزول القرآن ليس من المتفق عليه قطعيا عند  أهل العلم في الإسلام.</strong><span id="more-15394"></span></p>
<p><strong>الكيل بمكيالين </strong></p>
<p>جاء في هذا البيان استنكار هؤلاء الحفظة لما سمّوه محاولات ترمي إلى ربط الإسلام بالترويع والتخويف والإرهاب الإجرامي، معلنين رفضهم كلّ الصّور النّمطيّة التي تستهدف تشويه سمعة هذا الدين الحنيف.</p>
<p>لسائل أن يسأل هنا : هل هذه المحاولات  التي يندّد بها الحفظة لا تستند إلى واقع محسوس وحقائق دامغة لا فقط من أعداء الإسلام، بل هي أيضا ممن يدعي الدفاع عن الدين القيّم؟ هل يكفي التنديد بالأولى وتجاهل الثانية، وهي أعتى وأنكى للإسلام وسماحته؟</p>
<p>أليس من الكيل بمكيالين تجاهل دعوات البغض واالكراهة من الفقهاء والأئمة أنفسهم للاكتفاء بادانة البعض فقط من ظواهر الاعتداء على الإسلام دون المساس بالأصل؟</p>
<p><strong>ضرورة إدانة الإرهاب الذهني</strong></p>
<p>لقد أدان الحفظة الإرهاب بكل أشكال ومظاهر الإرهاب مهما كانت بواعثه وأسبابه، معتبرينه تهديدا خطيرا للإنسانيّة وللأمن والسلم الدولي. وهذا ولا محالة مما يثلج القلب لو تبعه الفعل والعمل على تفعيله في الواقع اليومي.</p>
<p>إلا أن الواقع لعلى سنوات ضوئية من مثل هذه التصريحات التي لا تعبّر في أفضل الحالات إلا على نيات ليست حسنة كل الحسن؛ فهي مثل تلك العقود التجارية التي نرى فيه الفصول الجائرة تُكتب بخط لا يُرى وفي مكان خفي يجب الانتباه إليه حتى لا ينخدع المرء؛ وقد قال المثل الفرنسي أن سبيل جهنم معبدة بالنيات الطيبة.</p>
<p>فلا شك أن كتاب الله هو كتاب هداية ورسالة سلام وأمان وتسامح واعتدال، وهو قادر بمضامينه ومبادئه وقيَمه على تحصين الأجيال القادمة ضدّ كل أشكال الانحراف والتطرف كما يقول مجمع الحفظة بالقيروان. إلا أن هذا لا يمنع أن هناك من يستعمله لا للقتل فقط، بل لنبذ الآخر المختلف الذي لا يفسد في الأرض. وقد رأينا من الأئمة من يهاجم المفطرين والمثليين بتونس فيمنعهم من حرياتهم بينما لم يأتوا ما يخالف الدين في حقهم في الحياة الآمنة بكل حرية ودعة.</p>
<p>ألا يتم ذلك باسم الدين؟ فما يقول فيه حفظة القيروان؟ هلا نددوا بهذا الإرهاب الذين أيضا حتى يكون كلامهم صادقا صدوقا لا كاذبا مداهنا؟ فالإرهاب الذهني لأشد ضررا من الإرهاب المادي لأنه يمهد له السبيل، فهو التيرب له!</p>
<p><strong>إضافة الفعل للقول، وإلا كان كلامنا نفاقا</strong></p>
<p>ما دام أهل الإسلام  لم ينددوا بأقوال وأفعال من يظلم الناس في حرياتهم ممن لا يصوم أو من يحيا حياته الجنسية كما جعلها الله فيه، كيف نصدقهم عندما يقولون  أنّ من يقرأ ويحفظ القرآن ويتدبّر معانيه لا يُمكن أن يكون عنيفا ولا لعّانا ولا متنطّعا، وأنّ حافظ القرآن هو راقي السلوك، وسليم الوجدان ونظيف الفكر؟</p>
<p>فهذه الأئمة التي تدرّس القرآن وتحفّظه هي التي لا تعطي المثل الأسنى لاحترام الغير والآخر المختلف؛ أين نحن من واقع مرير يتجاهله من يدعي الدفاع عن القرآن وهو يخادع؟ هل الدين المخاتلة؟</p>
<p>نعم، كما يقول حفظة القرآن بالقيروان، إن الإنسانية تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى اجتثاث أسباب الصراع، ودواعي الفتن، وإلى مواجهة التطرّف العنيف الذي لا يهدد المسلمين فحسب، بل يُهدّد البشريّة جمعاء بإحلال منطق القوة بَدَلَ قوة المنطق.</p>
<p>إلا أن هذا يقتضي أن نغير نظرتنا للإسلام وقراءتنا لتعاليمه من نظرة كره للآخر المختلف وقراءة متزمتة إلى نظرة حب وقراءة إناسية؛ فلا بد من إضافة الفعل للقول وإلا كان كلامنا مجرد نفاق.</p>
<p>بهذا فقط تتظافر الجهود الخيّرة والعزائم الصادقة للقضاء على هذه الظاهرة واجتثاث جذورها وأسبابها. ولا يكون ذلك إلا بنشر القيم الصحيحة للإسلام السمح الرامية الى تحقيق السلام والوئام والضامنة للوفاق وللتعايش السلمي بين الأفراد والمجتمعات.</p>
<p>فهل من الإسلام تجريم المثلية أو الإفطار في رمضان أو تجريم استهلاك الخمر أو حتى القنب الهندي ما دمنا لا نحرم ما هو أض للصحة، أي التبغ؟ فأين العدل الإسلامي؟ وهل من النزاهة السكوت عن انغلاق باب الجهاد الأصغر في الإسلام وبقاء الجهاد الأكبر فقط به؟ أين التقوى الصحيحة في مثل هذا النفاق؟</p>
<p>لذا، كما أهاب  مجمع القيروان بالقادة وأهل الفكر والسياسة وعلماء الدين والمثقفين أن يعملوا على إشاعة ثقافة السّلم ونشر قيم الحوار التي تُفضي إلى التلاقي وتفتح سبل التعاون والتضامن، أهيب بهم ليفعّلوا هذا على أرض الواقع حتى لا يكونوا منافقين.</p>
<p>مثلا، هذا يكون بالدعوة حالا ودون تردد للسماح لمن يرى الإفطار علنا أن له ذلك في دين الإسلام الصحيح؛ و لتحقيق المساواة في الميراث، ما دام هناك المشروع في الغرض أمام مجلس النواب؛ ولإبطال تجريم المثلية ما دام الأمر أضر بالعديد من الأبرياء ومهد لجرائم عدة في حق الإنسانية جمعاء.</p>
<p>بمثل هذ من الإجراءات، وهي غيض من فيض مواضيع من المسكوت عنها من شأنها اجتثاث الإرهاب من العقول، ننجح في التعريف بالصورة المشرقة للإسلام الحنيف، والى مزيد العمل على إبراز قيمه، التي ليست هي وسطية ومعتدلة بقدر ما هي ثورية في نبذها لكل ما تحجر في العقول.</p>
<p>كفانا، يا أهل الإسلام، مخاتلة ونفاقا وتجارة خاسرة لدين أنتم تضيّعون صفوة صفوته، فإذا هو هذه الدعدشة المقيتة التي ستجعله لا محالة يعود غريبا كما بدأ وكما حذر منه سيد الآنانم !</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/23/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%86-%d9%87%d9%84-%d9%8a%d9%83%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%86%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d9%84%d8%aa/">حول بيان القيروان : هل يكفي الاستنكار لتنزيه الإسلام من الإرهاب الذهني؟</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/23/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%86-%d9%87%d9%84-%d9%8a%d9%83%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%86%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d9%84%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>(17) هل الحج والعمرة اليوم من التقوى؟</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/22/17-%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%88%d9%89%d8%9f/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/22/17-%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%88%d9%89%d8%9f/#comments</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[ali ben mansour]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 22 Jun 2016 09:25:51 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[الاجتهاد]]></category>
		<category><![CDATA[الاسلام]]></category>
		<category><![CDATA[التقوى]]></category>
		<category><![CDATA[الحج]]></category>
		<category><![CDATA[رمضان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=15242</guid>

					<description><![CDATA[<p>يكتبها فرحات عثمان  يذهب العديد من أهل الإسلام إلى تحديد بداية نزول القرآن في مثل هذا اليوم من شهر رمضان من سنة 610 مسيحية. وإن لم يكن اتفاق في ذلك، إذ قيل أيضا يوم الثامن عشر أو الرابع والعشرين أو غيره، وكلها أقوال لا حجة واضحة عليها، فلا خلاف أن بدء نزول القرآن كان في...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/22/17-%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%88%d9%89%d8%9f/">(17) هل الحج والعمرة اليوم من التقوى؟</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-15244 aligncenter" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2016/06/الحج-والعمرة.jpg" alt="الحج والعمرة" width="725" height="430" /></p>
<p><strong>يكتبها فرحات عثمان </strong></p>
<p><strong> يذهب العديد من أهل الإسلام إلى تحديد بداية نزول القرآن في مثل هذا اليوم من شهر رمضان من سنة 610 مسيحية. وإن لم يكن اتفاق في ذلك، إذ قيل أيضا يوم الثامن عشر أو الرابع والعشرين أو غيره، وكلها أقوال لا حجة واضحة عليها، فلا خلاف أن بدء نزول القرآن كان في شهر رمضان المبارك. </strong><span id="more-15242"></span></p>
<p>وهناك أيضا خلاف في أول الآيات المنزلة، وإن ذهب الجمهور من علماء المسلمين إلى أنها الآيات الأول من صدر سورة العلق.</p>
<p>هذه السورة تؤكد دون أدنى شك النزعة العلمية لدين الإسلام، إذ هو بحق دين عقلاني فيه الحظ الأوفر لإعمال العقل، أفضل ما في الإنسان. وذلك ما جعل الدين القيّم ينتشر بسرعة فائقة ويؤسس لحضارة كونية.</p>
<p>إلا أن أهله أضاعوا اليوم هذه النزعة العلمية العليمة بنبذهم إياها وركونهم إلى التقليد. مثال ذلك  أنهم يتمسّكون عند ذكر تاريخهم بإحياء المناسبات المفرحة، ناسين أو متناسين المناسبات المحزنة رغم أن فيها العبرة والاعتبار.</p>
<p>فالمسلم يحتفل أيضا في السابع عشر من رمضان بحدث هام في التاريخ الإسلامي، وهو الذي مهّد بحق لدولة الإسلام، إذ مثّلت غزوة بدر مولد دولة الإسلام بقيام اللبنة الأولي لها بالانتصار الساحق للمسلمين بهذه المعركة. وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة، الموافق للثالث عشر من شهر مارس عام 624م.</p>
<p>ورغم أنه حصلت معارك أخرى بعد بدر، منها ما كان فيها انهزامهم، كوقعة أحد، لا نرى أهل الإسلام يذكرونها أو يتكلّمون فيها إلا نادرا. ولا شك أن في هذا النقص المفرط للتقوى التي هي دوام الحرص على رعاية حقوق الله؛ وهي لا تكون إلا بالحرص على عدم العناية بشيء من الدين وترك أشياء أخرى لعلها أهم، بل الأهم.</p>
<p>هذا لا يخص المناسبات الدينية فقط، بل أيضا الشعائر، كشعيرة الحج والعمرة كما نبّينه في هذا الطرح. فقد ابتعدنا عن الفهم الصحيح لهاتين الشعيرتين حتى أصبحتا صناعة وتجارة لا يبتغى منهما المسلم حقا وجه الله، بل فسخ ذنوب سرعان ما يعود إليها ما دام في وسعه فسخها بزيارة متجددة للبقاع المقدسة.</p>
<p>ولعل ما حدث أخيرا من تجاوزات ومغالطات بتونس في قوائم الحجيج من طرف الأئمة، حسب وزارة الشؤون الدينية، لهو الدليل القاطع على ما نقوله من انقلاب الحج إلى مجرد تجارة وانعدامه من روح التقوى الصحيحة.</p>
<p><strong>عندما يُفرغ الحج من التقوى</strong></p>
<p>الحج ليس إلا خامس أركان الإسلام، وهو لمن استطاع إليه سبيلا، أي لا زيارة إلا عند الاستطاعة. وككل شيء في دين القيمة، ليست الاستطاعة مادية فقط، بل ليست هي مادية بتاتا في أفضل الحالات، إذ تبقى أساسا معنوية وأخلاقية قبل كل شي.</p>
<p>الاستطاعة بمعنى الإطاعة، أي الإجابة؛ فهي إجابة دعاء الله لفعل الخير ونبذ الشر؛ فهل أفضل من كف اليد واللسان عن الغير، أيا كان فعله، أخذا بدعاء الله ورعاية لحقوقه؟ أليس من الإحسان، وهو لب الدين، إكساء العريان وإطعام الجائع، وهم كثر حوالينا؟</p>
<p>لذا، الزيارة الأفضل لله والطاعة الأصح له لهي في مجاهدة النفس للحد من نوازعها بصفة متواصلة، والإجابة المستدامة طوعا لما يدعو إليه الإسلام من مكارم أخلاق والإصلاح في الأرض.</p>
<p>هذا حال المطّوعة، الذين يتطوّعون بالجهاد الأكبر، أي جهاد النفس، فهم الذين يطيعون حقا تعاليم الإسلام، لا يتلاعبون بها بحج ليس القصد منه إلا رغبة فسخ ذنوب لا يفسخها الله في الحقيقة، بل يزيدها إثما بمثل ذاك التصرف، إذ فيه المخاتلة والتحيّل على الله، بينما لا ينخدع الله !</p>
<p>لقد جعل البعض ممن يدّعى الإسلام من الحج والعمرة الوجوب الذي لا غاية منه مصلحة ذاتية، فإذا بنا حيال هذا المسلم الدعيّ الذي يعمل، عن قصد أو غير قصد، على نسف دينه يوميا، كما يشاء ويشتهي، بتصرفات خرقاء ليس فيها إلا الفساد والإفساد. ثم هو بعد ذلك يعتقد بالحج والاعتمار أنه يولد من جديد بلا ذنوب، فيدّعي التقوى خداعا !  ليس هذا من التقوى، بل من تبليس إبليس! في ذلك صدق المثل الشعبي التونسي حين عيّر الحاج الذي يذهب للحج مزمزما ثم يعود للبلاء متحزّما.</p>
<p>للأسف، هذا هو المفهوم الخاطيء للحج، المهيمن على العديد من العقول، والذي لم يعد فيه من الإسلام إلا الرسم؛ وقد تسرّب من الإسرائيليات كالعديد من المفاهيم التي قلبت سماحة الإسلام رأسا على عقب.</p>
<p>نعم،  شوّه أهل الإسلام دينهم باستيراد ما يُشبه شعيرة الاعتراف في الدين المسيحي، فأصبح لنا في الإسلام، لا مجرّد كرسي الاعتراف، بل أرضه. لذلك نرى المسلم يحرص على الحج والعمرة لا للتقوى بل لتنظيف نفسه من أوساخها. فهلا كفّر عن ذنوبه بإطعام المسكين أو إكساء الفقير أو بصدقة الكلمة الطيبة التي هجرت أفواهنا والابتسامة على الوجه وقد أصبح المسلم عابسا قمطريرا؟</p>
<p>إلى متى تكون مكة، وهي أرض العبادة، بمثابة ذلك الكرسي الذي ينحنى أمامه المسيحي للحصول من رجل الدين الجالس فوقه على غفران الله لذنوبه، وإن كانت من أفحش الفواحش، أي فيه الظلم للعباد والإفساد في الأرض؟ متى كان في الإسلام خليفة لله بعد الرسول الأكرم، الذي لم يكن له إلا الشفاعة لعباد الله لا ضمان الغفران الذي هو لله؟</p>
<p><strong>في الفهم الصحيح للحج وللعمرة  </strong></p>
<p>الحج هو القصد للزيارة؛ وهو لغويا كثرة القصد؛ وفي تعارف الشرع الإسلامي، الحج هو قصد بيت الله لإقامة النسك. أما العمرة، فهي الزيارة أيضا، وهي تطوع؛ إلا أنها أصبحت حجا أصغرا عند معظم الفقهاء.</p>
<p>إلا أن الحج في الإسلام ، أولا وآخرا، توحيد الله وعبادته، سواء كان ذلك عند الحنفية (حيث الحج هو قصد البيت في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة) أو المالكية (حضور جزء من عرفة ساعة من ليلة النحر والطواف سبعا بالبيت والسعي سبعا بين الصفا والمروة) أو الشافعية (عبادة تلتزم الوقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة) أو الحنبلية (قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص).</p>
<p>ما من شك أن توحيد الله، ما دامت النية طيبة، ممكن أيا كان الزمان والمكان والفعل؛ بل من الثابت أنه لا حج إذا فسدت النية فيه، فصار من باب المداهنة والمراءاة وابتغاء ما في الدنيا من زخرف ومسح للذنوب بما يتوفر من مال. وهذا يناقض نزعة الإسلام التي لا تفرّق بين البشر إلا بالتقوى، وليست هي مجرد شعائر بل كسب وعمل حسب مقاصد الشريعة.</p>
<p>يفرّق اليوم الفقهاء بين الحج كفريضة و حج التطوع <strong>أو </strong>حج النافلة، فيذهبون إلى الضرورة القطعية للأول لصفته كركن من أركان الإسلام، مع علمهم أنه في حدود الاستطاعة، وإمكانية الانصراف عن  الثاني للتصدق بنفقة الحج مثلا على من بحاجة له، إذ ذلك أفضل وأعظم أجرا.</p>
<p>للتأكيد على هذا، من المفيد هنا ذكر ما قاله الإمام ابن تيمية في الاختيارات، وهو في أتم الوضوح : « والحج على الوجه المشروع أفضل من  الصدقة التي ليست واجبة. وأما إن كان له أقارب محاويج، فالصدقة عليهم أفضل. وكذلك إن كان هناك قوم مضطرون إلى نفقته. فأما إذا كان كلاهما تطوعا فالحج أفضل؛ لأنه عبادة بدنية مالية، وكذلك الأضحية، والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمة ذلك، لكن هذا بشرط أن يقيم الواجب في الطريق، ويترك المحرمات، ويصلي الصلوات الخـمس، ويصدق الحديث، ويؤدي الأمانة، ولا يعتدي على أحد ».</p>
<p>هذا، ولا بد من الإشارة إلى أن  الفقهاء عادة ما يغضّون النظر عن الاستطاعة التي ليست فقط في المال والصحة، إذ يمكن أن تكون معنوية، أي أن حال الفقراء والبائسين حيال من ينوي الحج من شأنها أن تكون حالة عدم استطاعة معنوية.</p>
<p>إن الاستطاعة على عمل الخير هي من أفضل الواجبات الشرعية؛ وقد لخصها الولي الصوفي سيدي عبد القادر الجيلاني أفضل تلخيص في خطبة هي من أقصر وأبلغ الخطب، إذ صعد المنبر فقال : « اللقمة في بطن جائع خير من بناء ألف مسجد، وخير ممن كسا الكعبة والبسها البراقع، وخير ممن قام لله راجع، وخير ممن جاهد الكفر بسيف مهند قاطع، وخير ممن قام الدهر والحر واقع؛ وإذا نزل الدقيق في بطن جائع له نور كنور الشمس ساطع؛ فيا بشرى لمن اطعم جائع !»</p>
<p><strong>صناعة الحج وتجارة العمرة </strong></p>
<p>إن حال الحج والعمرة اليوم جد مزرية؛ فالزيارة تقام، أولا، في ظروف عصيبة، فيها كل التجاوزات لحق المؤمن لعبادة ربّه بكل حرية. ثم هي، ثانيا، تقع على أرض أصبحت تُنتهك فيها حقوق المسلم المشروعة رغم أن الله ضمنها؛ فإذا المسلم فيها عديم حقوق المؤمن في الحرية والكرامة، ومنها التساوي بين الجنسين وحريتهما التامة في المعتقد والرأي والتصرف في حرمة حياتهما الخصوصية بدون رقيب.</p>
<p>لقد أصبح الحج اليوم صناعة والعمرة تجارة، كأن المسلم يمنّ بهما على الله، وهو غني عن العالمين، خاصة الذين يستجيبون لتكليف ويسهون عن تكليف أعظم وأخطر أصبحت مضرّته أكبر من نفعه على أهل الدين القيم بما خالطه من تجارة وسياسة.</p>
<p>يقول مثلا أهل الإسلام أن العمرة سنة ثابتة؛ فهل هي ثابتة حسب نية الرسول حقا، أي في ابتغاء وجه الله، لا مسخ الإسلام ومقاصده بالحصول على فسخ ذنوب وفواحش؟  إن كل سنة نبوية لا تبقى سنة واجبة إلا إذا لم تنتف منها النية السليمة؛ فهي التي تضمن ألا تصبح مجرد حركات آلية ومظاهر كلها رياء وكذب، وذلك بالحرص عليها في ظروف من النزاهة التامة، ليس فيها أي خدمة لمن يسيء للإسلام، وإلا انتفت منها كل تقوى.</p>
<p>فكما يقال، أجر العمرة على قدر النصب والنفقة؛ لم لا يكون إذن النصب في فعل الخير والنفقة في مواطن أفضل وأكبر ؟ أليس في بلاد الإسلام العديد من الفقراء واليتامى وأبناء السبيل الذين هم، بصريح العبارة شرعا، لأحق بالمال الذي يخصصه الحاج والمعتمر لزيارة بيت الله؟ أليس مكان بيت الله الحقيقي في قلب المؤمن، كما أن قِبلته في كل مكان ما دامت العبادة صافية لا مخاتلة فيها ولا تبيلس؟</p>
<p>لذلك، وباسم الاجتهاد الذي بدونه يندثر ديننا ليصبح غريبا كما بدأ &#8211; لا قدرّ الله &#8211; ومن باب أن الخطأ مع حسن النية أفضل في الدين القيّم من التقليد المضر به، لَمِن الإسلام القول أن الإيمان الصحيح اليوم هو في الامتناع عن الحج وعن العمرة ما داما يتمّان في أفظع الظروف على أرض لا يُحترم فيها الدين السمح في تسامحه.</p>
<p>لقد اختلطت السياسة بالدين الشيء الذي أفسده. فلم لا يُعنى بالحج والعمرة أهل من الإسلام نزهاء، يتطوعون لخدة دينهم بصفاء نية وصدق سريرة، بعيدا عن زخرف الدنيا، من أهل الحسنى، لا تزمت في إيمانهم؟ عندها، بالإمكان حقيقةً السعي للعودة بالحج والعمرة إلى فهمهما الصحيح، أي ابتغاء وجه الله.</p>
<p>في انتظار ذلك، ليعود حج الناس وعمرتهم الفعل التقي والكسب النزيه المتمثّل في الصدقة بإطعام وإكساء المساكين أو الزيادة فيه نظرا لاستشراء الفقر المدقع، وأيضا في الكلام الطيب والعمل الصادق بكف اليد واللسان عن الغير، إذ في ذلك أفضل التقوي.</p>
<p>هل نحن بحاجة إلى التذكير أنه لا حجاب بين الله وقلب العبد المؤمن الصادق السريرة ؟ ففعل ما ذكّرنا به أعلاه لمن صفوة التقوى التي تفرض نفسها على ضمير المؤمن النزيه، إذ الإيمان الصادق أن يأخذ العبد بما يمليه عليه ضميره معتمدا في ذلك على أخلاق الدين القيّم ومكارمها ليساهم في إتمامها على هدي سنة الرسول الكريم.</p>
<p><strong>الحرم المكي بين الدين والسياسة</strong></p>
<p>إن ما يعيشه عالمنا الإسلامي اليوم من دعدشة للدين القيم ومسخ بجاهلية جديدة، وما يحدث بالأراضي المقدّسة، يشين حتما ديننا؛ وليس من النزاهة عدم التنبه لذلك. وقد بدأنا نرى بعض أهل الحق  يدعون مثلا لمقاطعة الحج ما دام يتم في ظرورف لا تليق بالدين القيم وقداسته. وقد وصل ذلك أيضا بالبعض ممن يغارعلى دينه التخمين في الدعوة إلى نقل الحج من أول الحرمين إلى ثالثهما وأول القبلتين، أي من مكة إلي القدس. فما دام الدين تسيّس، فليكن في ذلك فائدة، ألا وهي خدمة القضية الفلسطينية! هكذا يقول المنطق حسب قولهم؛ وهو قول له وجاهة.</p>
<p>طبعا الأمور موكلة في الإسلام الصحيح إلى ضمير المؤمن في علاقته المباشرة مع خالقه؛ فهو الذي يقرّر ما يمليه عليه ضميره باعتماد أخلاق الدين القيم وحدها.</p>
<p>ولعلّه من المفيد هنا التذكير بما حدث في فترة عصيبة من التاريخ الإسلامي لا بد من معرفتها اليوم حتى ننير البعض مما عتم على الأذهان في هذه الفترة الحالكة من تاريخنا المعاصر، إذ كثر فيها الدجل واختلط بها الحابل بالنابل حتى أصبح تبليس إبليس من الإسلام.</p>
<p>لعل العديد من أهل الإسلام لا يعلم أن الحج لم يسلم من تداعيات الخلافات السياسية والفتن العقائدية التي لازمت التاريخ الإسلامي منذ وفاة الرسول.</p>
<p>فهذه الخلافات أدّت في فترات حدّتها إلى قصف بيت الله الحرام بالمنجنيق؛ كما أنها أدت أيضا إلى نقل الحج مدة زمنية من مكة إلى بيت المقدس؛ كان ذلك خلال الصراع بين عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير أثناء الحرب الدامية التي عقبت وفاة مؤسس السلالة الأموية وانتقال الحكم من الفرع السفياني إلى الفرع المرواني.</p>
<p>فقد نازع ابن الزبير بن العوام، حواري الرسول الأكرم، السلالة الأموية بأن تحصن بمكة وتحكم في العراقين وطالب بإمارة المؤمنين لنفسه لما كان يدّعيه من أولوية له فيها. ولعل ذلك كان يكون له إذا قبل دعوة البعض ممن ناصر الأمويين عندما طالبوه بالقدوم إلى دمشق عاصمة الدولة الأموية، الشيء الذي رفضه ابن الزبير فأضعف حظوظه في التغلب على أعقاب السلالة الحاكمة. فكانت وقعة مرج راهط وتغلب مروان بن الحكم الأموي وصعد لسدة الحكم بدمشق ثم خلفه ابنه عبد الملك أميرا للمؤمنين أو خليفة لله كما كان يدّعي.</p>
<p>لقد احتدم الصراع على الحكم بعد انقسام الامبراطورية الإسلامية إلى قسم أموي بدمشق وقسم حجازي عراقي بمكة. المهم الذي يجب معرفته هو أن الأمويين، أثناء هذه الحرب الدامية، نقلوا الحج من مكة، التي كانت تحت نفوذ أعدائهم، إلى بيت المقدس.</p>
<p>ووجدت سلالة ابن مروان الأموية بكل سهولة بين الفقهاء من يدعّم مقولتها في شرعية هذا التبديل، إذ أهمية بيت المقدس الدينية لا تُنكر، وهي أول القبلتين وثالث الحرمين، وقد عاشت فترة مضيئة من تاريخ الإسلام، بما أنها تقترن بالاسراء والمعراج.</p>
<p>كان هذا سهلا بالطبع لكون بيت المقدس تحت نفوذ أصحاب الحكم بدمشق؛ إلا أن الأهم للتأكيد عليه هو أن تحويل الحج إلى القدس دام بضع سنوات دون أن ينكر العديد من فقهاء الإسلام الأجلاء صحته؛ فلم تستعد مكة مكانتها كقبلة الحج الوحيدة إلا بعد مصرع ابن الزبير بمكة وعودة الحرم المكي إلى النفوذ الأموي.</p>
<p><strong>تحييد الحرم المكي والحج</strong></p>
<p>لعل في هذا التذكير التاريخي مصلحة الإسلام وقد شوهت تعاليمه الأغراض السياسية، خاصة منها تعاليم الوهابية التي لا تأخذ بالإسلام الصحيح، بل بالإسرائيليات التي تغلغلت في دين الحنيفية.</p>
<p>هذا التيار المتزمت في الإسلام لا يمثل بحال من الأحوال لا روحه ولا نصه حسب مقاصده في حقيقتها. فهو بدعة لا شرعية لها للرعاية الرسمية لمناسك الحج. فكيف يواصل المسلمون القبول بتوظيف الدين من طرف السياسة بهذا الشكل؟</p>
<p>مصلحة الإسلام اليوم أكثر من أي وقت مضى  تقتضي أن تتكلف برعاية مقتضيات الحج كلها سلط مستقلة تمثل هذا الدين حق التمثيل، بعيدا عن أي تزمت وتشويه. ففي ذلك العودة الضرورية المتأكدة إلى حقيقة الحج؛ لأن الحرم الشريف في قداسته مستقل الذات عن كل سلطة دنياوية، إذ الحاج بمكة بين أيدي الله وحده.</p>
<p>أما إذا لم يتم ذلك، فهلا فكرّ أهل الإسلام، استنارة بتعاليم التاريخ، في الدعوة لأن تكون بيت المقدس قبلة الحجاج حفاظا على روح الدين الإسلامي من التشويه وقد أفحش في ذلك لا أعداؤه فقط، بل وقبلهم كل من ادعي رعاية الإسلام ممن سعى ويسعى لهذم أسه من الداخل. بذلك تتدعم ولا شك، على المستوى السياسي النبيل، دعوى من يبتغى تحرير فلسطين؛ ذلك لأن في الحج إلى بيت المقدس من التدعيم للقسط الوفير دون خزعبلات للقضية الفلسطينية !</p>
<p>نعم، لقائل أن يقول أن كل ذلك كان ممكنا لتواجد بيت المقدس بين أيدي المسلمين؛ إلا أن هذا لا يمنع من اللجوء إلى الفكرة، بل وتوظيفها أيضا لخدمة قضية فلسطين العادلة التي لم تسلم من تلاعب التجار بها. فكما هو معلوم، وضعية القدس حسب القانون الدولي هي تدويلها؛ وهذا ما ترفضه إسرائيل رفضا قاطعا.</p>
<p>إن دراسة فرضية الدعوة لنقل الحج والعمرة إلى أول القبلتين ثالث الحرمين الشريفين لمن شأنه تقديم الدعم الكبير للقضية الفلسطينية تذكيرا بضرورة تدويل القدس ودحضا لمزاعم إسرائيل في جعلها عاصمتها.</p>
<p>فأي أفضل تدويلٍ للقدس من الاعتراف بها قبلة لحجاج المسلمين؟ وأى دعم للقضية الفلسطينية من جحافل الحجاج تأتي كل سنة لتأكيد وضعية القدس الدولية كمهد للملة الإبراهيمية التي جاءت الحنيفية المسلمة خاتمة لها؟</p>
<p>بذلك، ولا شك، تتدعم على المستوى السياسي النبيل دعوى من يبتغى تحرير فلسطين، لما في الحج إلى بيت المقدس من القسط الوفير حقيقة وبدون خزعبلات من ينتفع لمصالحه الذاتية بالقضية الفلسطينية ! وبذلك يكون أيضا الحج المبرور نزيها، إذ هو زيارة لله في بيته وخدمة للسلام على أرضه؛ أليس الإسلام السلام قبل كل شيء؟</p>
<p><strong>العودة بالحج إلى التقوى الصحيحة</strong></p>
<p>إن تعاسة ما نعيشه اليوم لهو المسخ السافر للدين القيم؛ فهل من حل للعودة بالحج إلى التقوى الصحيحة لإعادة صفائه للإسلام وقد تلاعبت بتعاليمه لا أيدي الأعداء فقط، بل حتى من يدّعي رعاية حقوقه؟</p>
<p>ماذا نرى اليوم؟ الحج، هذه الشعيرة الدينية الكبار، تحت سلطة دينوياوية سياسية لا تعمل حقا بتعاليم الإسلام الصحيحة، بل تشوهها. لذا، رأينا أن على المملكة السعودية، بطوع إرادتها واختيارا منها، إذا أرادت الحفاظ على شرف ومسؤولية رعاية الحرمين الشريفين، أن تجعل مناسك الحج تحت سلطة مستقلة عنها، تمثل حقا الإسلام في سماحته. بذلك تخدم الإسلام حقة خدمته وتحترم تعاليه؛ وهي الأولى بذلك لتواجد الحرم الشريف على أرضها.</p>
<p>إن هذه الحال المناهضة لروح الإسلام الصحيح لتقتضي إخراج الدين من السياسة في أقرب وقت. فيخطىء من يعتقد أن في الإسلام الخلط بين الدين والدنيا أو السياسة؛ فإن كان الإسلام دين ودنيا حقا، فذلك بمعنى التفريق بين مجال الدين ومجال الدنيا، إذ الأول للمجال الخاص، وللحياة الخصوصية في الإسلام حرمتها؛ والثاني للمجال العام الذي لا دخل للدين فيه بأي حال من الأحوال.</p>
<p>من أوكد الواجبات اليوم على أهل الإسلام، ممن لا يبتغي إلا مصلحة الإسلام، العودة لمنابعه الصحيحة والاتعاظ بالتاريخ لنصرة هذا الدين وقد شوهت تعاليمه الأغراض السياسية، خاصة منها تعاليم التيارات المتزمتة التي لا تأخذ بفهم صحيح للحنيفية المسلمة.</p>
<p>ولا شك أن فكرة تكليف رعاية مقتضيات الحج كلها السلط المستقلة الممثلة للدين حق التمثيل، بعيدا عن أي تزمت وتشويه، لا بد لها أن تفرض نفسها. ففي ذلك العودة الضرورية المتأكدة إلى حقيقة الحج؛ لأن الحرم الشريف في قداسته مستقل الذات عن كل سلطة دنياوية؛ فالحاج بمكة بين أيدي الله وحده.</p>
<p>إن الفظاعة التي وصلت إليها حال الإسلام اليوم هي التي تقتضي، كما قلنا، أن ترفع الوهابية يدها عن مكة فتجعل رعاية مراسم الحج بين أيدي حماة للإسلام ممن لا صفة سياسية  لهم، فلا تزمت عندهم ولا أغراض سياسوية، همهم الأوحد خدمة الإسلام بصفته ملة البشرية قاطبة.</p>
<p>فهذا ما لا يمكن أن تتكفل به الوهابية بعد اليوم إذ أفسدت لب لباب الإسلام بفهمها المتهافت للدين. لذا من واجبها، خدمة للإسلام، المبادرة بتعيين من يرعى مناسك الحج حق الرعاية من المتصوفة، أهل الإسلام الصحيح، إذ لا سلفية حقة إلا صوفية الحقائق بشهادة ابن تيمية نفسه، زعيم السلفية !</p>
<p>بذلك يتم إنهاء هذه الحرب العشواء بين الصوفية والسلفية التي لا خير فيها للإسلام؛ فقد حان زمن سلام الأتقياء!</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/22/17-%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%88%d9%89%d8%9f/">(17) هل الحج والعمرة اليوم من التقوى؟</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/22/17-%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%88%d9%89%d8%9f/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>1</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>(13) التقوى اليوم هي الجرأة في العدل والنزاهة</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/18/13-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%88%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d9%87%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b1%d8%a3%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/18/13-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%88%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d9%87%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b1%d8%a3%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[ali ben mansour]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 18 Jun 2016 10:24:30 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[الاجتهاد]]></category>
		<category><![CDATA[الاسلام]]></category>
		<category><![CDATA[التقوى]]></category>
		<category><![CDATA[العدل]]></category>
		<category><![CDATA[المساواة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=14662</guid>

					<description><![CDATA[<p>يكتبها فرحات عثمان إن من يتمعّن في نتائج امتحان الباكالوريا ليجد فيها تجليات لعديد النقائص التي تشكو منها البلاد، خاصة الفرقة الكبيرة بين حال مدن الشريط الساحلي  ومدن البلاد الداخلية أو العميقة. فالهوة التي تقصم البلاد إلى شطرين ليست فقط في النقص الفاحش في التنمية الاقتصادية والإجتماعية وفي توزيع الثروات بالنسبة لداخل البلاد، بل هي...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/18/13-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%88%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d9%87%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b1%d8%a3%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86/">(13) التقوى اليوم هي الجرأة في العدل والنزاهة</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-14667 aligncenter" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2016/06/المسجد.jpg" alt="المسجد" width="725" height="430" /></p>
<p><strong>يكتبها فرحات عثمان</strong></p>
<p><strong>إن من يتمعّن في نتائج امتحان الباكالوريا ليجد فيها تجليات لعديد النقائص التي تشكو منها البلاد، خاصة الفرقة الكبيرة بين حال مدن الشريط الساحلي  ومدن البلاد الداخلية أو العميقة.</strong><br />
<span id="more-14662"></span></p>
<p>فالهوة التي تقصم البلاد إلى شطرين ليست فقط في النقص الفاحش في التنمية الاقتصادية والإجتماعية وفي توزيع الثروات بالنسبة لداخل البلاد، بل هي أيضا وخاصة في الحق والحظ الفادح في التعليم والثقافة لصالح الساحل.</p>
<p>ذلك ما يجعل العدد الأوفر من المتفوقين في الامتحان من مدن مثل بنزرت ونابل وسوسة وصفاقس، والعدد الأقل من القصرين وسليانة مثلا. وهذا ليزيد وضوحا الاختلال في التوازن المرعب بين جهات البلاد الذي لا يجرؤ بعد الساسة على الاهتمام به جديا.</p>
<p>ونحن نعلم أن للرموز الثقافية الدفع الفاعل في تغيّر الأشياء، مما يؤشر حتما لانقلاب شعبي جديد إذا لم يقع تدارك الأمر بسرعة بقرارات جريئة تفرض تغيير نمط التعاطي مع السياسة رأسا على عقب والقطع مع الأنموذج الحالي، هذه السياسة البهيمة التي يفرضها نظام متهافت للعلاقات بين الدول.</p>
<p>إلا أن ما يتعين فعله على مستوى أنفسنا لهو أسهل بكثير من مقتضيات السياسة على الساحة الخارجية في علاقاتنا مع الدول الصديقة والشقيقة التي لا مندوحة، نظرا لحجم تونس وموقعها، من التعامل معها والأخد بعين الاعتبار لرغباتها. رغم ذلك، على الساحة الداخلية، حدث ولا حرج  عن العبث السياسي والأخلاقي !  حتى من يدّعي المنطق الديني الذي يغترف منه مرجعيته، فقد جعل عمله السياسي سياسويا  لا يعطي للأخلاق قدرها.</p>
<p>فهاهم الساسة من حزب النهضة، رغم تواجدهم في ردهات الحكم، يتكالبون على مصالحهم المادية، مقدّمين مطالب للتعوبض المادي أمام هيئة الحقيقة والكرامة،  متمسكين بتعويض مالي لما فاتهم، وكأن الشعب هو الذي كان وراء الضر الذي لحقهم. لأن الشعب هو الذي يدفع اليوم الثمن رغم حالته المزرية !</p>
<p>وفي هذه الحال البئىسة لساستنا، يمكننا ولا شك تصريف قول الحسن بن يسار البصري في البعض من رقائقة : « ويحنا، ماذا فعلنا بأنفسنا؟ لقد أهزلنا ديننا، وسمّنّا ذنيانا، وأخلقنا أخلاقنا وجدّدنا فرشنا وثيابنا ! »</p>
<p><strong>عقلية</strong> <strong>الغنيمة</strong></p>
<p>هذا ما فعلته مثلا عائلتا راشد الغنوشي وحمادي الجبالي رغم تواجد الأول في الحكم وشدة قرب الثاني منه، وتمتعهما بامتيازات الحكم، كأنه جشع مفرط منهما في الحصول على المزيد.</p>
<p>نعم، إنه من حق من ظُلم سابقا إبراز الحقيقة كاملة و غير منقوصة  حتى يطلع عليها كل التونسيين؛ ولكن هل يتطلب هذا التعويض المادي؟ هل تصرّف بهذا الجشع المادي كل من ظُلم في العهد القديم ؟ هناك عدة نزهاء لم يقدموا أي مطلب للهيئة لقناعتهم أن النضال الحق لأجل تونس لا يستحق أي تعويض. فلنحيي هؤلاء الوطنيين الحقيقيين!</p>
<p>لئن كان الأمر حقا مجرد إظهارٍ للحقيقة، فلم التعويض؟ هل الكرامة في التعويض المادي؟ أليس أفضل وسيلة لطي صفحة الماضي هي القطع مع عقليته، أي عقلية الغنيمة؟ لكن هاهي على حالها عند ساسة اليوم !</p>
<p>إن المثل الشعبي يقول أن السكاكين تكثر عندما تسقط الضحية. ولا شك أن الأمر نفسه، بل أفضع، عندما يسقط نظام ويأتي آخر، أو تفقد دولة هيبتها، فيكثر الانتهازيون وتزداد أطماعهم مع نقصان أخلاقهم وتقواهم. لأن القضية أولا وقبل كل شيء قضية أخلاقية بامتياز.</p>
<p>فهذه هيئة الحقيقة والكرامة تعتقد رئيستها أنها فوق القانون، فلا تعترف بقرارات قضاته، بينما أرادها الدستور لحماية دولة القانون وإعادة الهيبة له عبر خدمة الحقيقة والكرامة! وهذه جحافل الانتهازيين ممن ظُلم من طرف العهد البائد، تماما كما ظُلم الشعب كله تحته، تريد نصيبها من مال هذا الشعب الفقير الذي لا أحد يعوض له ما أصابه، وهو أعتى !</p>
<p>إن ثورة الشعب أصبحت ثروة للبعض؛ والكل يتم باسم باسم الوطنية والثورية الكاذبة؛ وخاصة باسم الأخلاق والتقوى في زمن النفاق هذا. فمتى طالب وطني بتعويض لجهاده من أجل البلاد، خاصة وأن مستوى الشعب اليومي تحت الصفر، فلا يستطيع العيش بكرامة؟ أي كرامة هذه التي يقع فيها تبديد أموال شعب زوالي لمن هو في الحكم، ينتفع بعد برواتب عالية، ناهيك عن الامتيازات المرتبطة بسرير الحكم؟</p>
<p>أليس من الأخلاق إعطاء المثل الأعلى والامتناع عن المطالبة بأي تعويض مادي للاكتفاء بشرف خدمة الوطن؟ أليست هذه هي الوطنية الحقة؟ وأين التقوى في  غسل أوساخ الماضي بالمال عوض تنظيفها بالأخلاق وحسن السيرة والتصرف؟ أليس هذا المطلوب ممن واجبه السعي لخدمة الشعب والكف عن الفساد والإفساد، خاصة وأن مرجعيته دينية ؟ هل هذه أخلاق من طرف من يؤكد على محوريتها في السياسة؟ وهل هذه تقوى ممن يمتهنها كتجارة مربحة؟</p>
<p><strong>جرأة</strong> <strong>العدل</strong> <strong>والنزاهة</strong> <strong>من</strong> <strong>التقوى</strong></p>
<p>إننا إذا أخذنا بالدين كما يجب،  أي اجتهدنا في فهم معانيه وتثوير حكمة الله، نكون بحق أتقياء. هذا، وقد بينت في يومية سابقة معنى التقوى الصحيح في الدين؛ فلنضيف هنا أنها، إذا امتهنا  السياسة أي الإسلام السياسي كما يفعل حزب النهضة، ترتبط وثيق الارتباط بالعدل. لأن الدين هو العدل.</p>
<p>والعدل يعني ما قام في النفوس أنه مستقيم وأنه ضد الجور. فهل من العدل مثلا أن يطالب اليوم من له امتيازات الحكم التعويضات على ما لحقه سالفا؟ أهذا شكره لله الذي أبدل عسرا يسرا؟</p>
<p>وهب ذلك حقه، ألا يسقط الحق عندما نرى أغلبية الشعب لا تحصل لا فقط على حقها في المواطنة، بل وأيضا في العيش الكريم؟</p>
<p>إن العدل عامة، وفي السياسة خاصة، هو التصرف الذي ليس فيه أي ميلان إلى الهوى والجور. فأين كل هذا في ما رأينا من تكالب على المال ممن يدعون زهدهم في الدنيا؟</p>
<p>مادامت حالهم لا تختلف عن حال غيرهم في علاقتهم بالحكم وبأوساخ الدنيا، فهلا كفوا عن الكلام في الدين ومغالطة الشعب بمعسول الكلام وزخرف التجديل؟ فهذا من دلائل انعدام النزاهة التي هي البعد عن السوء وعن اللؤم، أي أن يكون المرء نزيه الخلق، يسير على هدي الرسول في الأخذ بمكارم الأخلاق. هذه هي التقوى اليوم زمن النفاق والخداع. وهي تقتضي الجرأة في النزاهة وقول الحق ولو على النفس.</p>
<p>إن الدين أساسا النية الطيبة، وهي نزاهة تصرفاتنا، خاصة منها السياسية. فالسياسي المسلم هو من ينزه نفسه عن القبيح ويباعد عن القبيح. أما إذا فقدنا النزاهة وفقدنا العدل، ماذا بقي من التقوى؟</p>
<p>إن الأخلاق الإسلامية أهم ما لنا في ديننا، إلا أننا نسيء لها بفهمنا له تآكل، شرب عليه الدهر وأكل، ناسين لب لبابه، ألا وهو روحه السنية ومقاصده. فمما يُروى عن التابعي الربيع بن خثعم أنه كان يقول : «عليكم بالسرائر اللاتي تخفى على الناس؛ وهن على الله تعالى بواد». والسرائر هي ما تعرّف اليوم بالمتخيل imaginaire واللاشعور inconscient وفيها الحاكم الليبيدو. فهو إما حاكم عادل يعطي لكل ذي حق حقه أو هو جائر لا ينتصر إلا لمن تنكر لصبغة الله في خلقه فمسخها أو أراد مسخها.</p>
<p>ذلك لأنه مواصلة قهر ما فينا من إحساس وشعور عاطفي بما فيه الحسي الجنسي هو من باب التطاول على سنة الله في خلقه كما يفعل الطاغوت وأهله؛ والمحافظة على القوانين الجائرة التي تحد من الحريات الخاصة للمؤمنين هي من باب التقديس لأصنام معنوية، على كل مسلم حق العمل على تحطيمها بأسرع ما يمكن ورفض القبول بها واحترامها، إذ في ذلك التشويه لديننا وفتح الباب فيه لكل مخادع زنيم يتسربل بقميص الإسلام لإفساده، كما هي الحال اليوم بداعش.</p>
<p>إن على الحكام اليوم في بلاد الإسلام، عوض السهر على مصالحهم الذاتية، العودة إلى دينهم الصحيح حتى لا تنقلب يوما بلادهم إلى داعش آخر. وهذا لا يكون بداية إلا برفع كل القوانين الجائرة التي بها تُسرَق من الناس حقوقهم الثابثة في حياة حرة مطمئنة في ظلال الإسلام الوارفة، خاصة منها تلك المتعلقة بالحياة الخصوصية للمؤمن، ومنها الجنسية، التي لا دخل فيها إلا لله حتى وإن بدا لنا العبد في تصرفه الخاص عاصيا لله.</p>
<p><strong>التجارة</strong> <strong>بالدين</strong></p>
<p>إننا طبعا ننحو هنا باللائمة على طرف من الأطياف السياسية أكثر من غيره لأنه هو الذي يتبجح بالدعوة للدين فيتاجر به عوض احترام مبادئه وأدبياته. فليس جديد أن يتكالب على المادة مثلا من عهدنا ذلك منه سابقا؛ إنما العيب، كل العيب، أن يأتي مثله من ينتقد سيرته ويندد بفساد أخلاقه. فأين الدين التي يُغالط الشعب به؟ وأين التقوى التي يدعيها؟</p>
<p>إن الدين هو الحق، والله هو الحق. فالتقوى هي التزام الحق ونبذ الباطل؛ وكل كذب في الدين وعلى الدين باطل. من ذلك هذه التجارة الوضيعة التي أصبح البعض يمارسها بتونس وببلاد الإسلام مما جعل ديننا ظلامة مقيتة ودعدشة مجرمة.</p>
<p>الأغرب هو أن تجد مثل هذه الجاهلية الطريق إلى أذهان الناس؛ ولعل الأمر يهون لو لم يكن ذلك إلا من الغوغاء، لكن هذه الحال التعيسة تخص صفوة الصفوة من النخب في بلدنا وفي غيرها من بلاد العرب والإسلام.</p>
<p>لقد تكررت الانتهاكات لا لقانون البلاد فقط بل للدين ومبادئه دون أن يتحرك من له القدرة على تنقية الحياة التونسية من مثل هذا الرجس؛ فالساسة في أفضل الحالات هم المشارك الموضوعي لمثل هذه الانتهاكات للدين وللدستور، همهم المصلحة الشخصية والمزيد من الأموال رغم تواجدهم بسدة الحكم وتمتعهم بامتيازاته.</p>
<p>إن واجب الحزب الإسلامي خاصة التمسك بالتزاماته بإرساء ديمقراطية حقة بتونس. لهذا، من المتوجب على النهضة هدم ما في أنفس البعض من رجالاتها من أصنام الطغيان. فالأمل الذي نحلم به لتونس هو أمل غد أفضل تتناغم فيه الحريات، كل الحريات، مع أفضل ما في الأخلاقيات والآداب الإسلامية من تسامح ومحبة وحلم دون تغطرس ولا استبداد برأي! أليس الله يقول : « إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء »[القصص 56]؟</p>
<p>نعم، إن للنهضة، من منطوق توجهها الإسلامي، مسؤولية رعاية الأخلاق الإسلامية والهداية إليها. ولكنه من المفيد التذكير بأن الهداية نوعان في الإسلام. فإلى جانب الأولى المشار إليها بالآية المذكورة، وهي هداية التوفيق للعمل وخلق الإيمان في القلب &#8211; التي هي من خاصيات الله وحده فلا يملكها غيره -، هناك هداية الإرشاد والدلالة والبيان؛ وهذه هي التي بإمكان النهضة العمل بها ومن واجبها أيضا، بل ومن واجب كل مسلم مِـنّا جميعا!</p>
<p>ولا يكون هذا في مجتمعنا، الذي نريده ديمقراطيا، بالتسلط والتجبر مع انعدام كل حرية، بل بالدعوة المسالمة والإجتهاد الفكري والتبيين العقلي والتربية المتسامحة؛ وإلا تاجرنا بالدين.</p>
<p>فالقيام بما أوجب الله علينا لهو من التقوى، وهي في سؤاله دوما إصلاح نيتنا وتقويم أغلاطنا؛ كل ذلك في جو من الحرية التامة حتى تكون الموعظة بحق حسنة والإيمان بالله عن قناعة لأنه يأتي عن خيار حر، لا عن قهر وانعدام مسؤولية.</p>
<p>إنه لا مجال بتونس لإسلام قصّر لا مآخذ عليهم يأتمرون بما يقوله لهم تجار الدين؛ بل الإسلام الوعي والمسؤولية، إسلام الإنسان الراشد الذي حُمّل الأمانة لما فيه من عقل ورجاحة فكر يمكّنانه من التوصل لوحده، دون وصاية أحد، إلى التفريق بين الحق والباطل، بين الصالح والطالح. وهذا لا يتوفر إلا في جو من الحرية التامة بلا قيود.</p>
<p>في كتاب له، يقول الشيخ راشد الغنوشي، بعد التأكيد على أن حزب النهضة تطور حثيثا لاستيعاب مستجدات الحداثة، أن هذا التطور «انضبط بحدود.. ما يطيقه منهج تفسير النص الإسلامي الذي تواطأ عليه المسلمون وخلاصته بأن التطور ينبغي أن يتم في إطار المعلوم من الدين بالضرورة، فما هو ثابت نصا يقينا، ما هو يقيني في مورده واضح معناه من النصوص لا نملك إلا التسليم.. يمكن أن لا نطبق بعضه الآن لأن ظروف التطبيق غير متوفرة، ولكننا لا نستطيع أن نحوّله عن اتجاهه.»</p>
<p>عندما يقول ذلك يحق لنا أن نتساءل : أليس هذا عين التجارة بالدين اليوم؟ أين سلطة إعمال العقل؟ أين كونية الإسلام إذا تمسك بنمط من الحياة كما كانت في عهد الرسول؟ ألسنا بذلك نحاكي المسيحية في تأليه نبينا الذي يبقى إنسانا قبل كل شيء، فنأخذ بسنته حتى تلك التي كانت لا تخص إلا عهده؟</p>
<p>ألسنا نحاكي اليهودية في إزالة الرحمة عن الله، وهي أخص خاصياته، بإن نجعله يحكم حكما ليس فيه الصلاح والفائدة إلا لفترة وزمان؟ كيف ندّعي الإسلام إذن، وديننا يدعونا إلى إعمال العقل وإلى العدل والإنصاف والتسامح، فيكتفي من المؤمن _ رغم أنف الجميع _ بالإقرار بتوحيد الله دون العمل بسائر الشعائر لكبير رحمته وسعة غفرانه؟</p>
<p>إنه من المتأكد اليوم إعادة النظر شموليا في معتقداتنا وجزئيا في مفهومنا للوحي ولقدسيته. فليس المقدس ما هو غير قابل للنمو والتطور، وهي سنة الله في حياة البشر، والوحي كلام الله للبشر، لأنه إذا كان كذلك أصبح صنما يُعبد، وقد جاء الإسلام فأزال الأصنام. لكن، يا ترى، هل أزال حقا كل الأصنام؟ ألم نحتفظ بداخل أنفسنا بأصنام خفية أو سرية؟</p>
<p>إن إقامة الوحي كنص لا يحق لنا المساس ببعضه، حتى وإن كان ذلك تطبيقا لنص آخر صريح يؤكد على ضرورة الأخذ بمقاصد الشريعة، لهو من باب عبادة الأصنام، وإن كانت معنوية، ولا عجب أن تكون كذلك في عصر المعلوماتية والافتراضية! وهذا من التجارة الكاسدة في دين لبّه التجدد المستدام، وإلا بار كالتجارة الخاسرة.</p>
<p><strong>الدين</strong> <strong>في</strong> <strong>الاجتهاد</strong><strong> </strong></p>
<p>لقد حذّر رسول الإسلام من يوم يعود فيه الدين الحنيف إلى ما كان عليه في بدايته، غريبا وحيدا؛ فهل نبتغي التعجيل بذلك اليوم بالعمل على ما يبتغيه أعداء الإسلام من تضييق الخناق عليه؟</p>
<p>إننا، وإن لم نشعر بذلك، نعمل في صالحهم  بجعل ديننا مجرّد شعائر وطقوس وعادات عوض استرجاع ما وصل إليه من علو كعب في الحضارة والثقافة مع الحفاظ على أعلى قدسياته، وخاصة روحة الثورية الأزلية.</p>
<p>ولا غرو أن ذلك لا يكون إلا بالانفتاح على الغير والأخذ بكل ما في الإسلام من نزعة ثقافية تنهل من دعوته الملحة لإعمال العقل في كل شيء والتأقلم مع كل ما في الكون من مآرب ومشارب، دون التقيّد بفهم خاطيء للمقدس في الإسلام.</p>
<p>إضافة لما سبق، لنعرّف ما هو مقدّس بتفسير عكسي، فنقول أن المقدس ليس ذاك الشيء المحنط، الذي لا روح به، وإلا كان صنما لا ينفع ولايضر.  إن المقدس في لسان العرب هو المنزه عن العيوب والمطهّر من النقائص. أما أن نصرف التقديس كما يفعله اليوم كل من أخذ بحرفية النص فذلك من باب تقديس الأصنام، لأنه يجعل من نص حرفي صنما له عوض المرور إلى روحه.</p>
<p>إن الإسلام أولا وقبل كل شيء إيمان، وهو أعلى درجة من مجرد الإسلام، أي الإسلام الشعائري. فالإسلام هو الحنيفية السمحة، خاتم الأديان، أي العهد الأخير، ولا مجال لأن يكون بحق كذلك إذا رفضنا الأخذ بكل فتوحات العلم وثوابت الحضارة البشرية. ويأتي هذا بالاجتهاد المستمر.</p>
<p>لقد اعترف راشد الغنوشي بأن « الحركة الإسلامية&#8230; دخلت بقوة كأن ليس في البلد إسلام سابق، وكأنها فاتح جديد يريد أن يعيد تشكيل الإسلام في تونس تشكيلا كاملا. ثم تبيّن بعد ذلك أن هنالك تراثا إسلاميا في تونس ». كما تبيّن له أن « للمجتمع كلمته ورد فعله وأنه ليس عجينة طيّعة، وأن الشعب التونسي الذي يبدو مائعا ليّنا، في الحقيقة له ثوابت، وَهِمَ بورقيبة عندما غرّته شعبيته وزعامته أنه يمكن أن يشكل بكل حرية، أن يعيد تشكيل هذا الشعب. ولكن لما سقط بورقيبة بعد أكثر من نصف قرن من معاشرته للمجتمع التونسي لم تبكه عين&#8230;»</p>
<p>كما وهم بورقيبة، حسب الغنوشي، في فرض رأيه على الشعب، فالنهضة تغلط أيضا في فرض نمطها السياسوي على الشعب التونسي العتي الذي له تمسك شديد بتقاليده، ولكنه تجذر حيوي، متفتح على المحيط الخارجي، آخذ بكل المستجدات.</p>
<p>إن ديننا الحنيف يبقى، رغم ما طالته من تشويه أيادي الأعداء من الداخل والخارج، هذه الثورة الروحية الكبار على كل ما يتحجر في المخلوقات إذا نضبت من ماء الحياة. فالإسلام روحانيات قبل أن يكون شكليات، إذ هو ثقافة قبل صفته الشعائرية الخاصة ببعض البشر.</p>
<p>لذلك من المتحتم أن يتجدد بانتظام بآلية الإجتهاد. في هذا، يقول خاتم الأنبياء : « من أراد العلم فليثوّر القرآن »، وتثوير القرآن هذا هو قراءته ومفاتشة العلماء به في تفسيره ومعانيه. وقيل : لينقّر عنه ويفكّر في معانيه وتفسيره وقراءته. ويقول الرسول الأكرم مشجعا على الاجتهاد : « إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر »؛ فإذا كان هذا في الحكم، ما بالك في الاجتهاد في الفكر وبالرأي؟</p>
<p>لقد كان للرأي المكانة الفضلى عند السلف، حتى أن أصحاب المذاهب، مثل مالك وأبي حنيفة والليث، كانوا يتتلمذون على ربيعة بن فرّوخ فيلجؤون إليه ليجتهد برأيه في كل أمر أشكل عليه فيأتيهم بالحكم فيما على وجه تركن إليه نفوسهم وتطمئن له القلوب. لهذا لقّب ربيعة الرأي.</p>
<p>وبعد، تقول الحكمة السنية : ما زال العالم عالما ما دام يطلب العلم، فإن ظن أنه علم فقد جهل. فمهما علم ابن آدم، ما أوتي من العلم إلا قليلا : «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» (الإسراء، 85).</p>
<p><strong>الشريعة</strong> <strong>بمقاصدها</strong></p>
<p>إن  الاجتهاد في الإسلام لهو بمثابة الواجب العيني اليوم نظرا لما آل إليه حال الإسلام في جاهليته الجديدة؛ وهذا يقتضي الأخذ بمقاصد الشريعة. الكل يعلم أن الفقه الإسلامي كان، من الشافعي إلى الشاطبي، يقف على رجل واحدة إلى أن مدّه هذا الأخير برجله الثانية، ألا هي مقاصد الشريعة التي لا يمكن اليوم فهم الدين إلا بها. ورغم ذلك، نحن لا نعمل بها أو بصفة غير كافية ولا شافية للمنطق وللعقل السليم.</p>
<p>لا مناص عند الكلام في الدين من أن ينطلق ذلك من روح الموافقات، مصنف الشاطبي، ليضيف له لبنة من لبنات علم الإسلام حتى يكون اليوم موافقا للعقل والعلم. إلا أنه ليس العقل الغربي كما عهدناه، وكما لم يعد له كل العلمية والموضوعية، بل العلم الحسي الفهيم، وهو تمام الأخذ بالمعقولات دون تجاهل ما كان يُعد من غير المعقولات. ذلك أنها ليست إلا معقولات لم تعقلن بعد ولا مناص لها من ذلك لما يميز العقل البشري من تطور مستدام.</p>
<p>هكذا الحال أيضا لكل قراءة للإسلام إذ هي في تطور لا ينتهي ما دامت تأخذ بروحه، أي لب لبابه، بما أن كل مقاصد الشريعة فيها، إذ هي تختزلها بحكمة ربما تفوت لبيب اليوم ولا تفوت لبيب الغد. ولا غرو، ليس اللبيب هذا الجاهل الذي يغتر بلبه فيجعل منه صنما معنويا لا مكان له في دين حطم كل الأصنام بلا استثناء.</p>
<p>إن الدين محوري في حياتنا، ولكن ليس كنص لا يتطور حسب روحه المتأقلمة مع مقتضيات الزمن بما أنها أزلية، بل كحرف في تناغم مستديم مع كل ما يقبله العقل البشري وتستسيغه فطرته أيا حدث ذلك من أصقاع الأرض بما أن الإسلام عالمي التعاليم كوني المباديء.</p>
<p>وبما أن الدين هو العدل والنزاهة، فلا بد من الجرأة فيهما لتفعيلهما على ضوء مقاصد الشريعة خاصة وأن الفقه القديم تهافت ولا بد من تحيينه. في هذا، يقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في فاتحة مقاصد الشريعة الإسلامية، معللا سب كتابته لهذا المؤلف :</p>
<p>« دعاني إلى صرف الهمة إليه ما رأيت من عسر الاحتجاج بين المختلفين في مسائل الشريعة إذا كانوا لا ينتهون في حجاجهم إلى أدلة ضرورية أو قريبة منها يذعن إليها المكابر ويهتدي بها المشبّه عليه كما ينتهي أهل العلوم العقلية في حجاجهم المنطقي والفلسفي إلى الأدلة الضروريات والمشاهدات والأصول الموضوعة فينقطع بين الجميع الحجاج، ويرتفع من أهل الجدل ما هم فيه من لجاج، ورأيت علماء الشريعة بذلك أولى، وللآخرة خير من الأولى.</p>
<p>«وقد يظن ظان أن في مسائل علم أصول الفقه غُنية لمتطلب هذا الغرض بيد أنه إذا تمكن من علم الأصول، رأى رأي اليقين أن معظم مسائله مختلف فيها بين النظار مستمر بينهم الخلاف في الفروع تبعا للاختلاف في تلك الأصول، وإن شئت فقل قد استمر بينهم الخلاف في الفروع لأن قواعد الأصول انتزعوها من صفات تلك الفروع، إذ كان علم الأصول لم يدوّن إلا بعد تدوين الفقه بزهاء قرنين؛ على أن جمعا من المتفقهين كان هزيلا في الأصول يسير فيها وهو راجل، وقلّ من ركب متن الفقه فدُعيت نزال فكان أول نازل، لذلك لم يكن علم الأصول منتهًى ينتهي إلى حكمه المختلفون في الفقه، وعسُر أو تعذّر الرجوع بهم إلى وحدة رأي أو تقريب حال.»</p>
<p>هذا الرأي الحصيف لشيخ من أبرز شيوخ، لا تونس وحدها والبلاد المغاربية، بل الإسلام طرا، يبيّن مدى الضروة القصوى اليوم إلى إعادة النظر في مسلمات عدة من المسائل التي عُدّت غلطا  قطعية وليست هي من الإسلام لا جملة ولا تفصيلا، إذ لا تعدو أن تكون إلا من رواسب الإسرائيليات فيه التي شوهت تعاليمه السمحة.</p>
<p>لا شك إذن أن مداومة الحديث في المسكوت عنه في حياتنا للتذكير بالحقيقة يشحذ همة الساسة لاستباط الحل الأفضل للخلاص من التلاعب بالدين الذي نعيشه والذي تداعياته وخيمة على البلاد والعباد، والدين نفسه في إناسته.</p>
<p>فهذا التلاعب دعدشة مقيتة تتغلغل في الأدمغة، فيصبح الإسلام من جرائها ظلاميا بعد أن كان تنويريا مؤسسا لحضارة عربية أمازيغية إسلامية كونت حداثة قبل الحداثة الغربية، هذه الحداثة التي انطفأت أنوارها اليوم، زمن ما بعد الحداثة.</p>
<p>يقول الشيخ ابن عاشور في فاتحة نفس الكتاب ما يلي، نسوقه من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين، إذ هذا منا اجتهاد في مسائل أصول الفقه، وبالأخص في مفهوم التقوى الجريئة، أي العادلة النزيهة:</p>
<p>«على أن معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقاصدها ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد تمكن العارف بها من انتزاع الفروع منها أو من انتزاع أوصاف تؤذن بها تلك الألفاظ يمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثا على التشريع وتقاس فروع كثيرة على مورد لفظ منها باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أنه مراد من لفظ الشارع، وهو الوصف المسمى بالعلة.»</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/18/13-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%88%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d9%87%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b1%d8%a3%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86/">(13) التقوى اليوم هي الجرأة في العدل والنزاهة</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/18/13-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%88%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d9%87%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b1%d8%a3%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>(10)أفضل الإسلام السياسي الدعوة للإفطار لإنقاذ البلاد</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/15/10%d8%a3%d9%81%d8%b6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b9%d9%88%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%a5%d9%81%d8%b7%d8%a7%d8%b1/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/15/10%d8%a3%d9%81%d8%b6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b9%d9%88%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%a5%d9%81%d8%b7%d8%a7%d8%b1/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[ali ben mansour]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 15 Jun 2016 10:54:42 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[الاجتهاد]]></category>
		<category><![CDATA[الصوم]]></category>
		<category><![CDATA[النهضة]]></category>
		<category><![CDATA[بورقيبة]]></category>
		<category><![CDATA[رمضان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=14202</guid>

					<description><![CDATA[<p>يكتبها فرحات عثمان  هاهي العشر الأوائل من رمضان تمر وما صمناه حقيقة بل تظاهرنا بذلك وعتونا في نسف أخلاق الإسلام الصحيحة التي هي حسن النية والكف عن الإضرار بالغير وغض النظر عن الإساءة وما نعتقده قبيحا. كما تجاهلنا خطورة حال اقتصاد البلاد فتهاونا في الواجبات وتكسالنا في العمل. فالأنباء تطالعنا من ناحية عن تفقدات أحد...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/15/10%d8%a3%d9%81%d8%b6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b9%d9%88%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%a5%d9%81%d8%b7%d8%a7%d8%b1/">(10)أفضل الإسلام السياسي الدعوة للإفطار لإنقاذ البلاد</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-14206 aligncenter" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2016/06/المساجد.jpg" alt="المساجد" width="725" height="430" /></p>
<p><strong>يكتبها فرحات عثمان </strong><br />
<strong>هاهي العشر الأوائل من رمضان تمر وما صمناه حقيقة بل تظاهرنا بذلك وعتونا في نسف أخلاق الإسلام الصحيحة التي هي حسن النية والكف عن الإضرار بالغير وغض النظر عن الإساءة وما نعتقده قبيحا. كما تجاهلنا خطورة حال اقتصاد البلاد فتهاونا في الواجبات وتكسالنا في العمل.</strong><br />
<span id="more-14202"></span></p>
<p>فالأنباء تطالعنا من ناحية عن تفقدات أحد الولاة ببعض المدن وضبطه نائما لمن واجبه العمل واليقـظة، ومن ناحية أخرى عن عنتريات من نصّب نفسه الحامي للدين، يعتدي على حريات الناس ممن لم يركن للنوم ولكنه لم يصم كما هو من حقّه المشروع في دينه.<br />
كل هذا يحدث رغم التزام الحزب الإسلامي بعد مؤتمره العاشر بمباديء الديمقراطية التي أهمها القبول بحرية الآخر؛ فأي حرية في رمضان غير حرية عدم الصوم العلني؟ وفي بلدنا، أي معنى للديمقراطية إذا لم نفعّل مبدأ الدولة المدنية، أي الفصل القطعي بين الدين، الذي مكانه الحياة الخاصة، والمدني، وميدانها الحياة العامة؟<br />
ثم عندما يصبح الصوم سببا في تخريب اقتصاد البلاد بالتكاسل والانصراف عن العمل والانضباط، ألا يكون أوكد الواجب الديني من وجهة الإسلام السياسي القول بضرورة الإفطار والدعوة له إذا انعدمت القوة على النشاط كالمعتاد وذلك حماية لاقتصاد البلاد وإنقاذا له؟</p>
<p>لقد كان الرئيس بورقيبة سباقا إلى هذه المقولة، وكان محقا في ذلك، فرأينا رمضان في عهده يتم بكل حرية. فمن أراد الصوم له ذلك، ومن لم يصم له ذلك دون التخفي؛ مما مكّن من المحافظة على صحة البلاد. فهلا نعود إلى حكمة المجاهد الأكبر هذه، والذي كان بذلك مجتهدا حقيقة في الإسلام كما يقتضيه الدين وكما نذكّر به هنا، بعد التعرض للالتباس القيمي الذي نعاني منه اليوم في بلادنا كسائر بلاد المسلمين.</p>
<p><strong>الالتباس القيمي عند المسلمين</strong></p>
<p>إن تعاسة أحوالنا الأخلاقية كما تعرضنا لها سابقا تحتم استغلال ما تبقّى من شهر رمضان للتمعن والاستبصار وإصلاح ما فسد فينا. فهل تكون الأيام القادمة فرصة للاعتبار والتعرّف على البعض مما ساء في أنفسنا لتزكيته؟<br />
لقد مرت بداية رمضان ودار لقمان على حالها، فلا مؤتمر النهضة غير شيئا فيها ولا ساستنا تكلموا في حرية الصوم وضرورة العمل لأجل اقتصاد البلاد. بل لا زلنا نسمع اللغو في التصدي لما سمّته وزارة الداخلية مظاهر التفسخ الأخلاقي، بينما هي مجرد حرية شخصية لا دخل للسلط فيها. أليس التفسخ الأخلاقي الحق هو الاعتداء على حريات الناس الشخصية التي ضمنها لهم دينهم ودستورهم بفرض حرمة الحياة الخصوصية؟<br />
فلا معنى للقول أن الحياة الخصوصية تقف عند باب البيت إذ نجعل عندها هذا الدين سجنا، بينما لا حرية للعبد إلا إذا كانت علنية. وقد ضمنها الله بفرض غض النظر لمن لا تعجبه حرية غيره ما دامت لا تخص إلا شخصه ولا تعتدي على حرية الآخر.<br />
إن الإسلام يعيش اليوم بلبلة فكرية وتشويش في القيم زادته فظاعة ظهور الإسلام الداعشي الذي لا فرق بينه وبين الوهابية إلا ظاهريا. ورغم ذلك، لا نرى حكامنا ينبسون ببنت شفة للتفريق بين الإسلام الصحيح وما خالطه من خزعبلات وكأنهم يجهلون دينهم بغض النظر عن تجاوزات من يخبط في الإسلام خبط عشواء لما فيه من تبليس وتشويشية.<br />
الالتباس كما نعلم ليس فقط اللبس والارتباك والاضطراب في المباديء الأساسية، فمن شأنه أيضا أن يكون في غموض هذه المباديء وبث الفوضى والبلبلة عند الآخذين بها. هذا ما نراه عند السلفية التي هي، في أفضل الحالات، اختلاط ذهني وخبل يجعلها تقلب الأوضاع في الإسلام فتجعل منه دين الكراهية والحقد والنقموت والرهبوت بينما هو دين الغفران والتسامح والرحموت.<br />
إن هم المتزمّت الحرص على دوام بلبلة الأذهان عند المسلمين حتى يتحكم في عقولهم، إذ يخلق قي أذهانهم الحيرة في دينهم فيتوفر له تعاطي تلبيس إبليس بكل سهولة؛ فإذا الإسلام تشويشية confusionnisme وإذا المسلم في تصرفه خبلي مختلط الفكر، لا عقل له.</p>
<p>لقد عرف الإسلام مثل هذه التشويشية منذ بدايته، وقد حذّر منها الرسول الأكرم. فواجب الحكام ببلاد الإسلام اليوم، وبتونس خاصة، التصدي لكل مظاهر الخبل الداعشي هذه، لأنها تقوّض صرح الإسلام ولا تقويه. ولا يكون ذلك إلا بإعادة فتح باب الاجتهاد في الدين ومراجعة كل ما يتضمنه القانون الوضعي من فصول جائرة تدّعى الصفة الإسلامية وهي ليست من الإسلام في شيء، بل تنفي تعاليمه بمخالفة نصه أو مقاصده مخالفة صريحة لا لبس فيها.<br />
وطبعا، يهم هذا بالأخص الصيام والإفطار في رمضان، إذ الصوم ليس بالواجب المطلق، حيث هناك العديد من الحالات التي يمكن للمسلم الإفطار فيها، وذلك حتى بدون أدنى سبب إذا كان له التكفير عن ذلك كإطعام المساكين؛ وقد فعل البعض من أجلاء السلف هذا دون أن يعاب ذلك عليهم.<br />
لا إرغام إذن على الصوم في دين الإسلام، الذي هو أولا وقبل كل شيء دين النية الصافية؛ فمن لم يرد الصوم، لم يصم وأمره بينه وبينه خالقه، يعاقبه إن شاء ويصفح إن بدا له. لذلك، فمن الخبل التعرض لمن يفطر في رمضان بدعوى أنه لا يحترم صيام غيره؛ فمتى كانت المراءاة من الإسلام؟<br />
ثم إن الصوم ليس للركون للراحة والعزوف عن العمل، فإن أصبح كذلك فسدت النية فيه وأصبح لا خير فيه؛ عندها الأفضل عدم الصوم مع المحافظة على النية الصادقة في العمل وحسن النشاط للصالح العام.</p>
<p><strong>الخروج من رمضان النفاق</strong><br />
من يجحد اليوم أن رمضان أصبح زمن النفاق، تماما كما هي حال الدين، بل وكل شيء في حياتنا؟ ومن لا يعترف أن ذلك يشوه الدين في ضرورة الصراحة وصدق السريرة وحسن النية لأجل كلمة السواء؟<br />
لم لا يكون شهر الصوم عندنا المناسبة الحقة وبلا منازع للعبادة والتفرغ لله؛ فهل يكون هذا بدون تجاهل فعل الغير؟ فالعبادة، خاصة في رمضان، ليست بتاتا في التظاهر بالمناسك والتمسك بالشعائر بقدر ما هي في التخفي عن عيون الناس في تعاطيها.<br />
ذلك لأن كل ما ظهر وحرصنا على إظهاره من شأنه المغالطة والمداهنة، يطوله الكذب بسهولة لا محالة. فليس الصدق إلا في ما نتعاطاه عن قناعة وصفاء سريرة؛ لذا يتوجب الحرص ألا تتخلله المراءاة بما أننا لا نقوم به إلا لوجه الله صرفا. وهذا ما لا نفعله سائر اليوم في رمضان؛ فلا سريرة صادقة ونية حسنى وخاصة الحرية في ما نأتيه عن قناعة. فنحن لا نأخذ بكل هذه المباديء الإساسية في الإسلام بينما لا إسلام بانتفائها.<br />
مثال ذلك أن من يدّعي فرض واجب الصيام قهرا على الجميع احتراما للصائم أو للصوم لا يحترم لا هذا ولا ذاك، ولا يخدم خاصة الإسلام، بل يهدم صرحه. وقد علمنا أن صرح الإسلام قائم عماده على حرية العبد التامة في الأخذ بتعاليم دينه عن اقتناع وعقيدة ونية خالصة لا عن رهبوت وخوف من نقموت !<br />
المؤمن الحقيقي هو الذي يصوم دون أن يُري ذلك للناس ودون أن يفرض على غيره التأسي به أو إظهار صيامه؛ فهو يقوم بذلك لله وحده؛ لذا لا يكون في تصرفه أي شيء يدل على أنه صائم. فهل هذا ما فعلنا إلى اليوم؟</p>
<p>لقد أمضينا العشر الأوائل من رمضان هذه السنة نتكاسل بدعوى الصوم، ونطلق العنان لكل ما كان سلبيا في تصرفاتنا، لا لشيء إلا لأجل الصيام، بينما الصوم ليس الامتناع عن الأكل وحده، بل هو أولا وقبل كل شيء الكف عن كل فاحشة، سواء كانت لفظية أو فعلية؛ وأولها سؤء الظن بالآخر والاعتداء عليه حتى وإن لم يكن صائما. فهل نحن صمنا حقا؟<br />
على هذه الوتيرة، سيمر رمضان كله دون بركة لا للصائم المتظاهر بصومه، العزوف عن نشاطه المعتاد، ولا لغير الصائم الذي يريد البعض التشهير بحقه في عدم الصوم. وبهذه الصفة، سيكون الصائم حقا، في آخر رمضان، مباركا بالمعنى اللغوى، أي المرء الذي لا يرى جيدا، تختلط عليه الأمور فإذا هو يخبط غبط عشواء.<br />
نعم، إن الحال كانت إلى اليوم كالسابقات في التملق والتمظهر، لا في صدق النية. بينما الصائم الحق هو الذي لم يصم رمضان علنا، بل كاد يخفي صيامه بتصرف هو أفضل من تصرفاته أيام الافطار في اللباقة واللياقة وحسن الأخلاق، خاصة الابتسامة على الثغر والكلمة الطيبة على اللسان. فإنك تراه وكأنه في غير شهر رمضان، لأن شهر الصيام هو الشهر الذي نعطي فيه من أنفسنا أفضل ما فيها.</p>
<p><strong>أفضل الإسلام السياسي</strong><br />
كل الذي سبق غاب ويغيب عن الأغلبية الساحقة من صائمينا، ولاشك أن إفطار من يفطر خفية أو علنا لهو أكثر موافقة للدين من صيام على هذه الشاكلة. فبما أن الإسلام في النية أولا وفي صدق السريرة وفي الاقتناع، من لم يصم، ولعل له أعذاره، لم ينافق، وكان في هذا أقرب للإسلام ممن صام منافقا. وليس أبعد عن الإسلام من المنافق!<br />
لكن الأخطر أن يغيب المفهوم الصحيح لرمضان عن الساسة وأهل الإسلام السياسي إذ هم بعماهم الديني يعملون، لا فقط على تخريب دينهم، بل بلادهم أيضا بعمارة مصالحهم الشخصية. فكيف يغضون النظر عن حالة اقتصاد البلاد المزرية دون الدعوة إلى ما تجرأ عليه بورقيبة مناديا بالإفطار إذا منع الصوم من النشاط والعمل ؟<br />
إن حال أهل الإسلام السياسي في الإيمان كمن لهوكساء، غير أنه لا يلبسه، فإن ذلك لا يقيه من الحر ولا يصونه من البرد؛ ثم هو يبلى.فدينهم أصبح على حالة تعيسة من الخراب كما هي حال اقتصادنا، لا يسعون لتلافي الأمر سريعا، متهاونين في ذلك، مستمسكين بعرض الدنيا وبقراءة دينية متزمتة.<br />
في هذا، يُروى عن سلمة بن دينار المعروف بأبي حازم الأعرج وقد سأله الخليفة سليمان بن عبد الملك ما لنا نكره الموت، أنه أجاب : لأننا عمّرنا دنيانا وخرّبنا آخرتنا، فنكره الخروج من العمار إلى الخراب.<br />
هذه حال أهل الإسلام السياسي اليوم عندنا الذي أصبح أهله يعمه في دنياه معمّرا باطلها، مخرّبا آخرتها، بمسخه لدينه، مبدّلا إياه من دين التسامح والمحبة إلى دين التزمت والكراهية، وساعيا أيضا في نفس الوقت لخراب البلاد واقتصادها.</p>
<p>لذلك، الواجب الأول للإسلام السياسي في هذا الوطن، إن رغب الاستيطان به، هو تلافي الأمور الراهنة والتذكر أن الإسلام دين اليسر والمغفرة ودين العمل والنشاط للصالح العام. وهذا يقتضي يقظة القلب بتصحيح الضمائر والعودة إلى ما صح من الدين.<br />
وقد صح أنه بتصحيح الضمائر تُغفر الكبائر وأن الدين، كل الدين، في العزم الصادق والنية الحسنة أكثر منه في فعل فيه نفاق ومراءاة. ذلك لأن في العزم مع الخطأ والنية مع الصدق يكون الأجر بينما يسقط الأجر ويثنّى الإثم بالفعل الذي هو ظلم النفس والغير، يسع التكفير ويمنع استحقاق الرحمة الإلاهية رغم أنها مضمونه عند الاستغفار.<br />
ولنذكّر مرة أخرى أهل الإسلام السياسي بما كان يقول الفقيه ابن دينار : إن لكل عضو من أعضائنا حق علينا من الشكر. فشكر العينين هو أن تعلم بهما خيرا، وإن رأيت بهما شرا أن تستره. وشكر الأذنين إن سمعت بهما شرا دفنته. وشكر اليدين أن لا تأخذ بهما ما ليس لك وأن لا تمنع بهما حقا من حقوق الله وما لله من حق مغفرة الذنوب للعبد.<br />
هذا الحق من حقوق الله التي على العبد رعايتها، فليس له أن يمنع ربه من حقه في الغفران متى شاء وأراد في هذا الشهر الفضيل. فالنفوس تصدأ كما تصدأ المعادن إذا لم تجد من يذكرها الفينة بعد الفينة فيجلو عنها صدأها.</p>
<p>وقد تكدس الصدأ على نفوس المسلمين منذ زوال حضارتهم، فهم يعيشون اليوم على الصدأ الذي غطى هذه الحضارة لا على ما بعثها للوجود ألا وهو دين المحبة والغفران الذي يقدّس حرية الإنسان وعبقرية فكره.<br />
لذا علينا تنمية الحسن في أنفسنا وتنقية السيء فيها، فذلك لب لباب تزكية النفس والجهاد الأكبر. والحسن اليوم، في الوضع الراهن للبلاد التونسية، هو خدمتها والكف عن الإضرا بها؛ فإذا كان هذا بالإفطار، فنعما. فإن ذلك مما يفرضه الدين، إذ الوطن والمصلحة العامة يمران قبل المصلحة الخاصة، وحتى قبل الدين، لأنه لا يهم إلا الحياة الخصوصية. فخدمة الوطن لهي أعلى مراتب التقوى.</p>
<p>هذا من المتحتم اليوم لأننا أصبحنا كمن يرمي عن قوس ليس لها وتر، لأن معظم أهل الدين والسياسة اليوم يريد أن ينال شيئا من غرض الدنيا، فتراه يسعى للسلطان على عقول الناس؛ لذا استغنت الناس عنه، فتعست الأخلاق ونُكس الدين وسقط أهله من العيون. ولو أن أهل الدين زهدوا عن الحكم والتسلط على الناس، لرغب الناس في كلامهم، ولكنهم رغبوا في السلطان، فزهد الناس فيهم.<br />
أما سنّة السلف الصالح الصحيحة فهي أن أهل العلم لا يحملون الدين إلى أهل الدنيا، ولا يفرضونه عليهم، بل على أهل الدنيا غشيان أهل العلم حين يهديهم الله إلى محجته، وإلا فهم في دوام امتحان الله. عندها، ليس من حق المؤمن أن يمنع امتحان الله لعبده؛ وهذا أيضا من الدين.</p>
<p>ولعله لو حرص العبد أن يكون معه في الدنيا ما يحب لنفسه في الآخرة لنبذ كل ما يفسد عليه دينه وعلى غيره مغفرة الله. لهذا ينصح أهل التصوف بأن ننزه الله أن يرانا حيث نهانا وأن يفقدنا حيث أمرنا. وتلك لعمري أفضل نصيحة يعمل بها من آمن حقا.</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/15/10%d8%a3%d9%81%d8%b6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b9%d9%88%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%a5%d9%81%d8%b7%d8%a7%d8%b1/">(10)أفضل الإسلام السياسي الدعوة للإفطار لإنقاذ البلاد</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/15/10%d8%a3%d9%81%d8%b6%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b9%d9%88%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%a5%d9%81%d8%b7%d8%a7%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>(6) إحياء الأخلاق الإسلامية بتونس</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/11/6-%d8%a5%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/11/6-%d8%a5%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[ali ben mansour]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 11 Jun 2016 10:24:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[الأخلاق]]></category>
		<category><![CDATA[الاجتهاد]]></category>
		<category><![CDATA[الاسلام]]></category>
		<category><![CDATA[العلم]]></category>
		<category><![CDATA[رمضان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=13638</guid>

					<description><![CDATA[<p>يكتبها فرحات عثمان بيّنا في اليومية السابقة معنى  الأخلاق الحميدة  الصحيح في الإسلام بالأمس واليوم والنشاز المتواجد في مجتمعنا بين النظرية الأخلاقية عند الفقهاء والنخب، من ناحية، والواقع المعاش الحالي والآني. نواصل اليوم هذا الطرح لنختمه بالتطرق إلى الثابت الإسلامي في علوية الأخلاق بديننا وذلك من الناحيتين النظرية والفعلية، مع التذكير بما يخفيه الفقهاء أو...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/11/6-%d8%a5%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3/">(6) إحياء الأخلاق الإسلامية بتونس</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-13640 aligncenter" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2016/06/مسجد-القيروان.jpg" alt="مسجد القيروان" width="725" height="430" /></p>
<p><strong>يكتبها فرحات عثمان</strong></p>
<p><strong>بيّنا في اليومية السابقة معنى  الأخلاق الحميدة  الصحيح في الإسلام بالأمس واليوم والنشاز المتواجد في مجتمعنا بين النظرية الأخلاقية عند الفقهاء والنخب، من ناحية، والواقع المعاش الحالي والآني.</strong><br />
<span id="more-13638"></span></p>
<p>نواصل اليوم هذا الطرح لنختمه بالتطرق إلى الثابت الإسلامي في علوية الأخلاق بديننا وذلك من الناحيتين النظرية والفعلية، مع التذكير بما يخفيه الفقهاء أو يخفى عن البعض منهم من واقع الأخلاق الجريء حسب ما عرفناه وثبت من سنة الرسول الأكرم.</p>
<p>ذلك لأنه اعتدنا عموما الكلام في الأمر من منظار شكلي بحت متناسين الأصل، في هذه العادة البليدة فينا من النفاق الاجتماعي الذي وإن كان ضروريا في الحياة الجماعية فبالقدر الأقل كالملح في الطعام، فيه بنة المأكول بالنزر قليل منه وإلا أفسد الأكلة.</p>
<p>لقد استشرى مثل هذا النفاق عند الناس، خاصة أهل التزمت الذين يقفون بمعرفتهم للقرآن في عنوان سورة المنافقين، بما أنهم يجهلون أنه لا حياء في دين الإسلام، إذ لا رياء فيه ولا كذب ! وهذا من سمات الأخلاق الإسلامية.</p>
<p><strong>الثابت</strong> <strong>الأخلاقي</strong> <strong>نظريا</strong></p>
<p>المسلم اليوم ينسى أو يتناسى أن الذات البشرية تطغى أحيانا فتطلب دوما المزيد من كل شيء، حتى وإن كان في ذلك التشويه الفاحش الفظيع لما لا يكمن جماله إلا في الأفئدة. أمّا ما في القلب، ومنه الحب والإيمان، فلا تلحقه معرّة لقوة الإحساس به ورباطة الجأش في التمسك به، لا تزعزعه أعمال الشياطين من بني آدم، التي يسلّطها الله من حين لآخر لامتحان صدق نوايا المخلصين من عباده، غير المرائين ولا المخادعبن.</p>
<p>هذا، ولا تنعدم حقبة من الزمن من مثل هذا الرهط من شياطين الإنس؛ بل إن في وجوده ما يقوّي الدين ويزيد من محبة الناس له، فتؤلف قلوبهم سماحته والحريات التي يضمنها للمسلمين ليأتون إليه طواعية وبكل رحابة صدر. أما غير هؤلاء المسلمين النزهاء، من لا يأخذ إلا بإيمان الجوارح، فتعلّقه بأخلاق حميدة من مجرد النظرية. بل هي كالأصنام المعنوية عندهم، يتعاملون معها كما يتعامل الكافر مع أصنامه، لا يعيرون أهمية للمثال الذي يقدمونه في احترام هذه المباديء بقدر المجهود الذي يأتونه للذب عنها وعما في رأيهم يمس بقداستها.</p>
<p>ذلك أن الإسلام لا يخاف على نبل مبادئه وقدرتها على فرض نفسها بنفسها من باب تعلق المؤمن الحق بالأخلاق الحميدة وتفعيلها بتصرف فعلي لا مجرد احترام نظري. لذا، فبما أن أخلاقه الحميدة هي في قلب المؤمن الحق، فالإسلام لا يُضطر إلى فرضها بشوكة القانون على الناس وإن أمكنه ذلك؛ كما أنه لا يخاف أن تنهار دعائمه المتينة لمجرد تصرف أحمق أو عمل أخرق، فيجرّم مثل تلك الأعمال التي تبقي إما صبيانية وإما هلوسة.</p>
<p>خلافا لما رأيناه عند بني إسرائيل من يهود ونصارى، لا ينزل الإسلام أبدا من عليائه إلى المستوى الدني لمن حاول المساس بقداسته، وهو في ذلك لا يدّنس إلا نفسه؛ فليست دار الإسلام من بلور أو قوارير  حتى نخاف عليها التهشيم بأبسط فعل أو قول.</p>
<p>هكذا كان السلف الصالح يرى دينه، لا يسرف فيه ولا يغلو عملا وقولا، فإذا امتحنه الله بوقوعه مثلا بين قوم جاهلين، صبر واصطبر ، وغض النظر عن الفسق حتى وإن أمكنه اللجوء للقوة لفرض الحق، لأن الحق يفرض نفسه في الإسلام. لذا كنا نراه يعمل ويجتهد حتى يعطي المثل على الأخلاق الحميدة، فيكون ذلك منه حقيقة الجهاد الأكبر في سبيل الدين الإسلامي السمح. لننصت مثلا إلى ما يقول الامام الشافعي في سفهاء قومه:</p>
<p>يخاطبني السفيه بكل حمق     ***                فاكره ان اكون له مجيبا</p>
<p>يزيد سفاهة فازيد حلما  ***           كعود زاده الاحراق طيبا</p>
<p>ولنصغ إلى عالم اللغة أبي عمرو بن العلاء وهو يحدد نوعية الأخلاق الحميدة الحقة التي تزين كل مسلم عرف حقا قدر دينه :</p>
<p>شاتمني عبد بني مسمع  ***     فصنت عنه النفس والعرضا</p>
<p>ولم أجبه لاحتقاري له  ***       ومن يعض الكلب إن عضا؟</p>
<p>لقد رأينا السلفية الحقة من أهل الأثر اتبعت الكتاب وسنة الرسول وأقوال الصحابة بذكاء وفطنة لا بجهالة؛ فلم تقتف الآثار كآثار، كأصنام وأنصاب لا تُمس ولا تُغيّر، بل اتبعتها كتشخيص لفكر وعلو مقاصد. لذا قبلت، إذا تغيرت الظروف واقتضت تعديل الأثر للحفاظ على روحه السنية، أن يكون ذلك جائزا حتى لا يصبح الأثر صنما لا نورا يُهتدى به.</p>
<p>لقد قيل، وصدق القول، أنه لا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها؛ ولا شك أن الذي أصلح أولها هو مباديء إسلامية كانت ثورية، متقدّمة على زمانها، فأخرجت العالم من الجهالة إلى النور. ولم يكن الإصلاح الذي جاء به الإسلام إلا الثورة على الجمود وجحود آلاء الله في نعمته على عباده بالعقل لأجل الاستنارة به في شؤون هذه الحياة الدنيا على هدي روح الدين ومقاصده لا على التقيد بنصوص أرادها الله فضلى لكونها تقدمية على الدوام، متدرجة في البيان وفي الأخذ بعلوم الآن.</p>
<p><strong>الثابت</strong> <strong>الأخلاقي</strong> <strong>عمليّا</strong></p>
<p>إن الإسلام لعلو كعبه ونبل رسالته لا يسطر أي خط أحمر لاحترام الناس له، لأنه لا يكتفي بعلوية أحكامه نظريا كما جرى العمل به في الأديان الأخرى؛ بل هو يرى، وحُق له ذلك، أن علوية الأخلاق الصحيحة هي في قلوب المؤمنين.</p>
<p>فواجب الإحترام لدين مثله، كوني التعاليم وعلميها، لهو واجب يفرضه العقل والتصرف الرصين ولا يتأتى فحسب من أمر الحاكم أو بأي سلطة قهرية أخرى. ذلك لأن الإسلام يضمن الحرية كاملة للإنسان بما أنه لا يدين بالعبودية إلا لله، والحرية التامة كما أرادها ديننا في جميع الميادين هي التي ترفع من قدر الإنسان الحامل للأمانة الإلاهية.</p>
<p>لذا، فإن أعظم الأخلاق الحميدة وأعلاها قدرا ليست تلك التي تفرضها شوكة الحاكم وشرطه، فليست هي شكلية لا تعبأ بحال البشرية اليومية، بل هي التي تجد في نفوس الناس الصدى والقبول الحسن بالعمل على الأخذ بها واحترامها بحذافيرها في حياتها اليومية بكل حسن نية ورغبة وحرية.</p>
<p>إن مصدر الإلزام في الأخلاق الإسلامية هو شعور الإنسان بأن الله يراقبه ويراه، وحتى إن لم يكن هو يراه، فخالقه دوما يراه. ولا شك أن الأخلاق إذا كان مصدرها أولا الضمير أو الإحساس بالواجب قبل أن يكون ذلك بالقوانين الملزمة أو بتجبّر الحاكم، فهي بحق المسلمة، المجتهدة في الأخذ بمبادئه.</p>
<p>لقد نادى الإسلام بمثل هذا الجهاد الجاعل تعاليمه تأخذ بمجامع القلوب أخذا فترى الناس من جراء ذلك تأتي إليه زرافات ووحدانا من كل حدب وصوب بطواعية دون عنف أو إكراه، في محيط كله حرية، لأن تمام الحرية من تمام الأخلاق، وكمال الأخلاق في حرية التصرف؛ فلا أخلاق حميدة ولا تصرفات صادقة إذا كان الخوف مصدرها والسيف حارسها، لا الوازع الأخلاقي فحسب، ولا شيء آخر!</p>
<p>هذ، ولم يكن المسلم الحق يزدري ما حسن عند قوم من غير ملته، فينتقي منها الأحسن يضيفه إلى مكارم أخلاقه فتكون صالحة لكل زمان ومكان لتطورها الدائم وشديد تعلقها بالواقع المعاش. ذلك أن الله يهدي من يشاء؛ ثم لأنه من سماحة الإسلام وتأسيسه للحرية الإنسانية أن لا مفر لغير المسلم أن يصبح مسلما طال الزمن أو قصر، ولكن ليس ذلك عسفا وقهرا، بل بمحض اختياره وتمام حريته حبا وتقديرا لدين يحمي كامل الحريات الذاتية للإنسان ببقائه المثل الأعلى لكل الأديان وتكريسه لأعلى وأفضل منظومة أخلاقية أخذ بها كل من تحضر من بني آدم.</p>
<p>أما إذا غيّرنا ما يميّز هذا الدين وتأسّينا بما كان من هوج المتزمتين وهلوستهم فحاولنا &#8211; تماما مثل ما كان يفعل الرهبان والقساوسة وما يفعله اليوم أهل السلف والوهابية والداعشية &#8211; فرض تعاليم الإسلام على الناس بقوة، فضيّقنا من حرية المعتقد والرأي والإبداع وقيّدنا الحرية الشخصية، لعملنا ولا شك على انفضاض الناس عن ديننا آجلا، إن لم يكن عاجلا، عوض التشجيع للدخول فيه، وقد كان ولا يزال عزيزا بالتوافد المستمر عليه من المهتدين للحنيفية المسلمة.</p>
<p>لذا فالمسلم الذي يتجاهل ذلك لفي غي، لا همّ له إلا تتبع غي غيره؛ ولعل في ذلك منه مراوغة حتى لا يُحاسب نفسه على هناتها بالانشغال بمحاسبة هناة غيره؛ ولربما يداري كفره بكفر غيره ! لذلك، فالتحلي بالأخلاق الحميدة فعليا والابتعاد عن الأفعال الرذيلة مدارها أولا وقل كل شيء النفس الانسانية التي لا يسهر على كبح جماحها إلا صاحبها بوازعه الأخلاقي حتى وإن كان في تصرفه ما يُعاب.</p>
<p>ولا شك أن لنا في كل هذا من السلف والرسول الأكرم أعلى المثل وأفضل القدوة. فلقد جاء ليتمم مكارم الأخلاق لمكانها الحقيقي في نفوس الناس أجمعين، إذ غاية الإسلام أن تتعامل البشرية جمعاء بقانون حسن الخلق الحر المتحرّر، لأنه نابع من النفس والنية الصافية، فليس فوقه قانون.</p>
<p><strong>الجرأة</strong> <strong>الأخلاقية</strong> <strong>عند</strong> <strong>الرسول</strong> <strong>والسلف</strong></p>
<p>الأخلاق الصحيحة، علاوة على صدق السريرة، هي إذن في القبول بالأمور كما هي، دون حياء مصطنع أو تملّق ظاهري أو بهتان. لتبيان ذلك، نأخذ نماذج حية من السنة السنيّة تبيّن مدى انفصام شخصيتنا اليوم، إذ أننا نجرّم عند البعض منا وفي المجتمع ما لم يكن مرفوضا عند سلفنا الصالح وعلى رأسه الرسول الكريم.</p>
<p>مثال ذلك الفعل العربي القح «ناك»، والمصدر منه «النيك»، مما نرميه بالبذاءة اليوم بينما استعمله السلف دون أي حرج، ومنهم حبر الأمة عبد الله ابن عباس الذي تزخر كتب الفقه والأدب بذكر البيت الذي كان يردده في حجاته إلى البيت العتيق:</p>
<p>وهن يمشين بنا هميسا *** ان تصدق الطير ننك لميسا</p>
<p>هذا وقد كتب العديد من الفقهاء الأجلاء في مواضيع الجنس وما يتعلق به بدون أي حرج، كما عنون الإمام السيوطي إحد مصنفاته هكذا : «نواضر الأيك في فوائد النيك».</p>
<p>إن ذكر العورة والكلام المتعلق بالجنس، وهو ما يكثر في شوارعنا فيُعد من أفحش الفاحشة والتدنّي للأخلاق، ليس مما يمنعه دين الإسلام بما أنه دين ودنيا؛ بل حتى العراء لم يكن ممنوعا قبل تغلغل الإسرائيليات في دين الإسلام. فالحج الإسلامي الأول تم على الطريقة العربية المعهودة، أي مع حجيج عراة، نسوة ورجالا.</p>
<p>لشرح فلسفة عدم التحرّج في مثل هذه المواضيع، بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ما يلي: « من العلماء من قال: إنَّ هذا يدل على جواز التصريح باسم العورة للحاجة والمصلحة، وليس من الفحش المنهى عنه».</p>
<p>ومما يّذكر عن الرسول الأكرم أنه استعمل بنفسه مثل هذه العبارات التي نندّد بها اليوم ويندى منا الجبين؛ كما أنه لم يمنع أصحابه من استعمالها، حتى من لم يكن يفعل ذلك لأخلاقه اليهودية التي كانت متزمتة في المسائل الدينية، هذا الذي بقي عند البعض من متزمتينا اليوم، يهود الإسلام.</p>
<p>فقد رُوي عن أبي بن كعب، الصحابي الجليل، أنه سُمع، على غير عادته قبل أن يسلم، يتلفظ بشتائم من هذا القبيل : « أعضض بأير أبيك» أو «أعضك الله بأير أبيك» «وأعضض بـظر أمك». وهذا يحاكي ما نسمعه اليوم من شتائم بشوارعنا، إذ الأير هو العضو الذكري للرجل والبظر هوالعضو الجنسي للمرأة.</p>
<p>ولما أنحى البعض باللوم على أبي، أجاب ما يلي حسب ما ذكرته الرواة : «عن أبيّ رضي الله عنه أن رجلا اعتزى فأعضه أبي بهن أبيه فقالوا : ما كنت فاحشا قال : إنا أُمرنا بذلك. والهن بمعنى الفرج.».</p>
<p>ولا غرابة في ذلك إذ مما رُوي عن النبي الكريم ما يلي : « لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم قال له : لعلك قبّلت، أو غمزت، أو نظرت. قال : لا، يا رسول الله، قال : أنكتها. لا يكني، قال : فعند ذلك أمر برجمه» (أخرجه البخاري وأحمد والألباني، عن عبدالله بن عباس).</p>
<p>ولنذكر أيضا ما يُروى عن أكبر الصحابة قدرا، الخليفة الأول، إذ كان استعمل مثل الكلام الشعبي الذي نعتبره اليوم من البذاءة ونجرّمه : «امصص بـبـظـر اللات» (ذكره البخاري). والحال نفسها عند الخليفة الثاني عمر الفاروق : «أعضك الله بـبـظـر أمك» (ذُكر في كنز العمال).</p>
<p>وليس هذا مما يُذكر عن السنة فحسب، بل كان متفشيا أيضا عند أهل البيت؛ من ذلك ما يُروى عن الحسين بن علي بن أبي طالب في حديث له يخص أحد بني أمية : «أكلت بـظـر أمك إن لم تبلغه عني ما أقول له » (المطالب العالية للعسقلاني).</p>
<p>كل هذا لبيان أن الفقه الإسلامي لا يعرف التزمت؛ ألم نقل أنه لا حياء في دين الإسلام؟ فلا شك أن كتب الفقه لهي أكثر جرأة من العديد مما نرميه اليوم بالفحش في ما يُكتب ويُنشر. فإلى متى نقبل من قلة ضالة، متزمتة، داعشية إفساد إسلامنا المتسامح الجريء بتسلطها على حريات الناس؟ إنها حقا فئة قليلة ضالة ببلدنا، لا يجب بتاتا أن نغتر بادعائها تمثيل الإسلام، لأنها غوت، وهي لا تبدو كثيرة إلا بالعنف الذي تمارسه ماديا ومعنويا مع السكوت المخزي لمن واجبه قول الحق ولو على نفسه.</p>
<p><strong>التسامح</strong> <strong>لب</strong> <strong>الأخلاق</strong> <strong>الإسلامية</strong></p>
<p>لو أردنا اختزال الأخلاق الإسلامية، لا بد إذن من تلخيصها بالمبدأ الهام الذي هو التسامح. أما من يجهل ما لدينه من قدسية لما فيه من هذا التسامح الذي لا حد له والدعم الأكبر للحريات العامة، فلا يفتأ يحاول تزويق ذاك الجمال بالإفراط في حمايته بينما هو في الحقيقة يشينه.</p>
<p>إنه في هذا، في أفضل الحالات، كالأم الحنون التي تبتغي ولا شك حماية طفلها مبالغة إلى حد خنق نموه الطبيعي، تحرمه من نشأة سليمة تجعل منه ذلك القاصر الذي لا قدرة له ولا قوة لأجل ما بالغت فيه من الإحاطة والرعاية التي كان منها الغلو والشطط؛ ومن الحب الجارف ما قتل!</p>
<p>التسامح الإسلامي ليس فقط من أركان الأخلاق الحميدة وبه تكتمل شخصية المسلم، بل هو قمة تلك الأخلاق ! فبالتسامح يكون المؤمن متصالحا مع نفسه ومع غيره، لا حرب عشواء قائمة بينه وبين ذاته وبينه وبين غيره. فالله يقول: «ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» (فصلت 34)، ويقول أيضا «وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم» (النور 22)، وأيضا «ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور»(الشورى 43).</p>
<p>إن التسامح في سماحته مطلب حضاري وإنساني، فلابد منه في كل أمر نقوم به، خاصة في الأخلاق الحميدة التي نتشبث بها ونعيش على هديها. فإذا كانت الشدة في أخذ الحق وفي الأمر بالدين أو في الدعوة إلى الله أو الغيرة على شريعته هو من المطلوب والمستحب والمندوب، فلا شك أن نتيجة كل ذلك تنقلب إلى عكس ما نبتغي فندين بتصرفنا ما كنا ندعو إليه من خير إذ نقلبه شرا بتشددنا في طلبه واستخدامنا الأسلوب القمعي من أمر ونهي وغلظة وعنف. ألم يقل تعالى : «ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» (النحل 125)؟</p>
<p>هذا، والحكمة هي ضالة المؤمن في عصرنا الحاضر، تُطلب بكل رفق ولين وسماحة وتسامح من كل مكان، خاصة عند من كان في ركب الحضارة حتى لا يتخلف الإسلام عنه. هذه أخلاق نبينا الكريم في الدفاع عن مباديء دينه، إذ قال الله فيه: «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك» (آل عمران 159)!</p>
<p>إن الإسلام يقدّس النفس البشرية التي تميل دائماً إلى الرفق واللين والحب والعطف ولا تميل إلى العنف بكافة أشكاله وأنواعه، وهذا يتأتّى للناس في أخذهم بمعالم الحضارة البشرية والمعايير الديمقراطية العالمية، فإذا هم كما قال الشاعر :</p>
<p>ولقد وجدتك بالسماحة والندى  ***  بحرا وبالاداب روضا مزهرا</p>
<p>لقد كان الإسلام من الحرية بمكان في زمن أظلمت الدنيا فيه في سائر بلدان العالم، فما كانت في البلاد الإسلامية محاكم تفتيش ولا قوانين كنسية لتكبيل المسلمين في حرياتهم، مما جعل ديننا ينمو وينتشر بأخذه أولا وقبل كل شيء بمجامع القلوب مما انعدم في الأديان الأخرى فهرب الناس منها لقسوتها ورعونة أحكامها وتسلط الحكام عليها باسم الدين يكبّل به الحريات.</p>
<p>لذا، علوية الأخلاق الحميدة التي يكرسها الإسلام ليست إلا تلك العالقة أبد الدهر بالقلوب قبل أن تكون بالسيف. ولعل المبدأ الثابت في ديننا أن كل مسلم راع وكل مسلم مسؤول عن رعيته يؤكد هذا التوجه، بمعنى أن الرعاية لحقوق الله هي مسألة الجميع، فلا تُفرض قسرا، إذ هي تنبع أساسا من مكنون صدور المسلمين، فليست هي إلا بتعاطي المثل الأفضل والدعوى للحسنى بالتي هي أفضل مع نبذ العنف وكل مظاهر الخوف من تتبعات زجرية لما فيها من إنقاص لحرية الإنسان في اختيار الأفضل. هذا أس من أسس الإسلام الحق كما جاء به سيد الآنام.</p>
<p>ولنسق كمثال هنا حرية المعتقد، إذ أكد الإسلام على أن لا إكراه في الدين، وذلك في زمن كان الإكراه هو القاعدة. فحدّث ولا حرج عن تسامح الإسلام على تصرفات الفاسقين حتى في مُهاجر الرسول الأكرم، حيث حث على مكارم الأخلاق في غض النظر عن فسق الفاسقين، لأن قداسة الإسلام في عليين.</p>
<p>هذا يؤكد أن تسامح الأخلاق الحميدة الإسلامية في كونيتها لأنها رسالة ربانية من الله لكل البشرية تجد آثارها عند كل خلقه، لا تحتكرها أمة حتى وإن كانت خير تلك التي أخرجت للناس. فكما تحلّى الرسول الكريم بالأخلاق الكريمة، تحلّى بها جميع الأنبياء الذين سبقوه.</p>
<p>ولا مجال للانفراد في مجال الأخلاق الحميدة الحقة بتميز خاص أو تصور معين يقصينا عما وصلت إليه الإنسانية من تطور وتحضر في مجال الإنسانيات. فلا بد، عندما نتحدث عن أخلاقنا الحميدة أو نكتب فيها، أن نراعي ما وصل إليه العالم في مجال الأخلاق من تقدم في شؤون دنياه للاعتبار بتجاربه والأخذ بالطيب منها حتى يكون تصرفنا دوما في الطليعة، فلا نفسح لغيرنا المجال للاستخفاف بنا ورمي ديننا بالجمود والتحجر وأخلاقنا بالإنحطاط وانعدامها من الواقعية، إذ بدأت وتبقى ثورية أبد الدهر.</p>
<p>هذا هو التسامح الحق الذي يجعل من الأخلاق الإسلامية تلك التي من شأنها أن تختزل الأخلاق الإنسانية والأعمال البشرية برمتها حتى تكون خير داعية للمقبل على الإسلام كما أقبل عليه الكثير في بداية انتشاره في حقبة من التاريخ كان الإسلام فيها بأحكامه الثورية منارة لسائر الأمم، أي حداثة قبل الحداثة الغربية.</p>
<p><strong>من</strong> <strong>أجل</strong> <strong>أخلاق</strong> <strong>إسلامية</strong> <strong>صحيحة</strong></p>
<p>رأينا أن الإسلام دين الحريات، والحرية فيه هي حرية مسؤولة؛ وهي لا تكون كذلك إذا انعدمت إمكانية تعاطيها دون خوف أو وجل من تتبعات عدلية لادعاء اعتداء على المقدسات أو مس بمحرمات. فلم يستعبد الإسلام الناس لرأي مخالف أو مذهب جديد وقد أرادهم الله أحرارا لا عبودية لهم إلا لربهم ولا سلطة لأحد عليهم في ما يخص دينهم إلا له، ربهم الأوحد.</p>
<p>وبما أن لب الأخلاق الإسلامية التسامح، مما يجعلها صالحة لكل إنسان في كل زمان ومكان، فهي ولا شك، بوساطة حرية العبد، في هذا التوازن المنشود بين مطالب الروح والجسد، إذ لا رهبنة في الإسلام ولا غلو في التدين، بل المطمح هو ابن آدم الحر في جسمه السليم وعقله الأسلم الذي يجعله يعتنق دين القيمة لأنه دين الحرية والتسامح.</p>
<p>إن المسلم المتّسم بأخلاق إسلامية صحيحة هو الذي يستنبط دوما الطريق السوي لأنه وسط بين من يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا، كما نرى ذلك في المجتمعات التي ذهبت أخلاقها، ومن يعمل لآخرته كأن يموت غدا، كما نراه عند المتبتّلين من النساك والزهاد.</p>
<p>فلا تمانع أن الإسلام لا يعارض حاجات الجسد من شهوات ورغبات؛ وكيف له أن يفعل ذلك وقد وضعها الله فيه؟ كل ما في الأمر أن الإسلام يحدّدها بإطار شرعي هو من الذكاء بمكان، إذ هو يتأقلم مع الوضع الراهن من زاوية نصه، وفي الوقت نفسه يتماهى تمام التماهي مع مستجدات العصر من ناحية روحه؛ تلك ولا شك أزليته.</p>
<p>أما كيف السبيل إلى هذا، فبأن تتصف الأخلاق الحميدة الإسلامية بالسهولة والسيولة واليسر ورفع الحرج. ألم يقل الله «وما جعل عليكم في الدين من حرج» ؟ (الحج 78) وأيضا «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» (البقرة 286)؟</p>
<p>نعم، هناك من يقول أن الأخلاق الإسلامية هي في ما جاء به الوحي وهو كلام الله، واحترام كلام الله احترام لقداسته؛ وهذا صحيح. ولكن ليس كلام الله مجرد حرف انعدمت منه روحه الزكية؛ فهو أولا وقبل كل شيء روح ومقصد ومغزى. فليس بالإمكان الأخذ بحرف نحترم شكله ونحن في نفس الآن نرمي بأهم ما فيه عرض الحائط، أي مقصده الشريف الذي تعبر عنه روحه الأزلية.</p>
<p>إننا إذا فعلنا ذلك لا نحترم لا ديننا ولا عمل السلف الصالح! أما رأينا أمير المؤمني عمر الفاروق لا يتردد لحظة في مخالفة سنة الرسول في المؤلفة قلوبهم رغم قرب العهد بها؟ لذا، لا يحق لنا، باسم قدسية الوحي، التمسك بنص كلام الله والتنصل من روحه. فقد علّمنا الإسلام أن الروح، وهي من أمر الله، أعلى شأنا من كل شيء في مخلوقاته؛ فلا مجال لأن نتجاهل روح الإسلام بدعوى احترام نصه.</p>
<p>إن احترام الوحي ليس في احترام النص فقط، بل هو أساسا في احترام روح النص؛ أما إذا اختلف ظاهر النص مع روحه، فالروح أولى أن تحترم! ويكفي الرد على من يقول غير ذلك بما يلي : أليست روح النص كلام الله تماما كالنص؟ أليست الروح أعلى من الشكل؟</p>
<p>هذا مع العلم أنه ولا شك ما ساعد الإسلام على أن يصل إلى ما وصل إليه من اطراد النمو، بينما عزف عن الأديان الأخرى أهلها، خصال المؤمن التي ذكرنا. فالمسلم، بصريح عبارة الرسول، لا يضره من خالفه ولا من خذله، لأنه يصبر على الحق ويداوم العمل على إعلاء كلمته بالتي هي أحسن دون إفساد في الأرض.</p>
<p>إن الصبر على المصائب، مع التسامح، من أوكد وأسمى صفات المسلم الحق، لا مسلم اليوم الذي، وكأن دينه من قوارير، يفتخر بلمعان الزجاج ولا يأبه بما يحتويه مما فسد بداخله ولا بهشاشته، إذ يتصدع أو ينكسر لأدنى هزة.</p>
<p>أما ونحن في زمن ما بعد الحداثة الذي أظلنا، وهو زمن رجوع الوعي إلى عظمة خالق هذا الكون، وعصر عودة الروحانيات، لا يمكن للمسلم أن يكتفي بطبيعة من قوارير في هشاشتها، بل عليه السمو بها إلى أعلى المصاف التي تليق بقدر دينه السمح. وله ذاك ولا شك بأخلاق التسامح الي لا بد أن تميز إسلامه.</p>
<p>في الختام، لنقل كلمة عمن يعتقد جازما ضرورة العودة بالإسلام إلى ما كان عليه سلفنا الصالح من مثال وقدوة. إن تطلّعهم هذا يكون من الحكمة وحصافة الرأي بمكان لو كان ينتهج في ذلك السبيل القويم والمحجة السوية. فإن السلفية الحقيقية هي تلك التي تعود إلى روح الإسلام، وهي روح التسامح والمحبة، لا روح الكراهية والبغض.</p>
<p>أما سلفية شوارعنا، فقد زاغت عن الحق حين دعت، شكلا، إلى العودة إلى مثال السلف الصالح في حين هي تعمل فعلا على تقويضه؛ فليس مثلها الأعلى في ذلك إلا سلف اليهودية والمسيحية اللتان كان فيهما فرض الدين بحد السيف والتخيير بين الإيمان والقتل حتى بعد استقرار الملة وقيام دولتها. وليس هذا إيمان المسلم المؤمن بالله الرحمان الرحيم؛ ولا هو إسلام محمد، خاتم الإنبياء، الذي جاء متمما مكارم الأخلاق!</p>
<p>لقد عمل أعداء الإسلام منذ الفتنة الكبرى الأولى، وحتى قبلها، في الخفاء، وها هم اليوم يعملون جهرة تحت قناع الدفاع عن الإسلام، جاهلين أو متجاهلين أنه دين التسامح ونظام المحبة، أحب من أحب وكره من كره!</p>
<p>ذلك لأنه ليس في الإسلام من ذنب لا يحتمل الصفح والمغفرة من الله سوى الإشراك به؛ أما كل ما عدا ذلك فيطاله تسامح الله وغفرانه؛ ألا تكون أخلاق العبد في تسامح ربّه؟ هذه الأخلاق الإسلامية التي ندعو إليها بتونس المؤنسة لتكون من جديد أرض الإمتاع والمؤانسة.</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/11/6-%d8%a5%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3/">(6) إحياء الأخلاق الإسلامية بتونس</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/11/6-%d8%a5%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
