<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>التراث الإسلامي الأرشيف - أنباء تونس</title>
	<atom:link href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/التراث-الإسلامي/</link>
	<description>الأخبار في تونس، وحول العالم</description>
	<lastBuildDate>Thu, 05 Nov 2020 09:07:04 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=6.9.4</generator>

<image>
	<url>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2022/05/cropped-logo-anbaa-tounes-32x32.png</url>
	<title>التراث الإسلامي الأرشيف - أنباء تونس</title>
	<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/التراث-الإسلامي/</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>الحضارة والسلطة في السوسيولوجيا الخلدونية من منظور باحثة إيطالية</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2020/11/05/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b3%d9%8a%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2020/11/05/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b3%d9%8a%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 05 Nov 2020 08:48:32 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[غير مصنف]]></category>
		<category><![CDATA[أنّاليزا فيرزا]]></category>
		<category><![CDATA[ابن خلدون]]></category>
		<category><![CDATA[التراث الإسلامي]]></category>
		<category><![CDATA[الدراسات الاجتماعية]]></category>
		<category><![CDATA[السوسيولوجيا الخلدونية]]></category>
		<category><![CDATA[عز الدين عناية]]></category>
		<category><![CDATA[علم الاجتماع]]></category>
		<category><![CDATA[علم العمران]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=244771</guid>

					<description><![CDATA[<p>وِفق التقليد الغربي، شهدَ النصف الأول من القرن التاسع عشر ميلادَ تخصّص علم الاجتماع. وهي فترة عرفت تحوّلات تاريخية عميقة أيضا، وصادفَ أن رافقتها صياغة الأُطر النظرية لأوغست كونت الذي يُنسَب إليه نشأة هذا العلم في الغرب. بَيْدَ أنّ عبد الرحمن ابن خلدون، ومنذ العام 1377م، قد صاغ مؤلَّفا متفرّدًا بعنوان &#8220;المقدّمة&#8221;، حدّد فيه أصول...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2020/11/05/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b3%d9%8a%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84/">الحضارة والسلطة في السوسيولوجيا الخلدونية من منظور باحثة إيطالية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<figure class="wp-block-image size-large"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2020/11/ابن-خلدون-أناليزا-فيرزا.jpg" alt="" class="wp-image-244773"/></figure>



<p><strong>وِفق التقليد الغربي، شهدَ النصف الأول من القرن التاسع عشر ميلادَ تخصّص علم الاجتماع. وهي فترة عرفت تحوّلات تاريخية عميقة أيضا، وصادفَ أن رافقتها صياغة الأُطر النظرية لأوغست كونت الذي يُنسَب إليه نشأة هذا العلم في الغرب. بَيْدَ أنّ عبد الرحمن ابن خلدون، ومنذ العام 1377م، قد صاغ مؤلَّفا متفرّدًا بعنوان &#8220;المقدّمة&#8221;، حدّد فيه أصول علم جديد، لم يسبق التطرّق إليه من قبل. هَدَف فيه إلى التحليل العلميّ والصارم للماضي، وإلى بناء إطارٍ يستوعب الحاضرَ ويستشرف المستقبلَ.</strong></p>



<p class="has-text-align-left">بقلم <strong>عزالدين عناية </strong>*</p>



<span id="more-244771"></span>



<div class="wp-block-image"><figure class="alignright size-large"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2020/01/عز-الدين-عناية.jpg" alt="" class="wp-image-208015"/></figure></div>



<p>نشير هنا أنّ &#8220;كتاب المقدّمة&#8221; قد جرت ترجمته إلى اللسان الفرنسي إبّان الفترة التي شهدت وَلعًا بهذا العلم في الأوساط الغربية. كما يبقى المفكر الإنجليزي أرنولد توينبي من أوائل الغربيين الذين أشادوا بريادة ابن خلدون في صياغة فلسفة للتاريخ الاجتماعي لم يسبقه فيها أحد في أي مكان وفي أي زمان.</p>



<p>وسوسيولوجيا الحضارة أو &#8220;علم العمران&#8221;، كما هو وارد ضمن الاصطلاح الخلدونيّ، جاء التطرق إليه من منظور صاحب &#8220;المقدّمة&#8221; على أساس الاعتماد على مضامين الثقافة الإسلامية الإغريقية في عهده. وجرى تحليل المقولات والوقائع، في مختلف أوجهها الاجتماعية والفلسفية والتاريخية والعلمية، بهدف الإلمام بالسُّنن والقوانين المتحكِّمة بالتحول التاريخيّ. كان مقصدُ ابن خلدون الرئيس الكشفَ عن القوانين الثابتة في العملية الاجتماعية، على غرار القوانين الثابتة في الطبيعة البشرية في الماضي والحاضر.</p>



<h3 class="wp-block-heading">تنزيل ابن خلدون المنزلة التي يستحقّها في الدراسات الاجتماعية</h3>



<p>تحاول الباحثة الإيطالية أنّاليزا فيرزا العودةَ بنشأة علم الاجتماع إلى ما قبل أوغست كونت، المصنَّف ضمن التقليد الغربي المؤسّس الرائد لعلم الاجتماع، من خلال تنزيل ابن خلدون المنزلة التي يستحقّها في الدراسات الاجتماعية بوجهٍ عامٍّ. فقد سمح الاطّلاع الجيّد للمؤلّفة على المصادر الأولى للثقافة العربية ببناء رؤية موسَّعة تتجاوز المركزية الغربية وأحيانا تنتقدها. فهي في حديثها عن ابن خلدون لا تشكّك، أو تدحض قيمة المنجَزات الأولى في علم الاجتماع للرواد الغربيّين مثل: أوغست كونت وإميل دوركهايم وماكس فيبر وهربرت سبنسر، وإنما تحاول إبراز ريادة ابن خلدون في هذا الحقل. فهناك مسعى من الكاتبة للحثِّ على الانفتاح على الحضارات الأخرى، من خلال الكشف عن الإسهام الرياديّ لعالم الاجتماع العربي ابن خلدون.</p>



<p>نشير أنّ أنّاليزا فيرزا متخصّصة في علم الاجتماع وفي فلسفة القانون، فضلا عن كونها أستاذة جامعية. تمثّل العلاقة بين الليبرالية والتعددية الثقافية حقل البحث العام الذي تصوغ داخله أبحاثها، مع ميل لافت في أعمالها إلى المسائل الاجتماعية والأنثروبولوجية المتأتّية من التراث الإسلامي.</p>



<p>في كتابها الحالي الذي نتولّى عرضَهُ، تخصِّصُ الباحثة البابَ الأوّلَ إلى كلّ ما أحاط باكتشاف العمل الخلدونيّ، يلي ذلك بابٌ ثانٍ تناولت فيه معنى إعادة كتابة التاريخ وشكله، أي السياق السرْديّ للأحداث؛ ثم تخصِّصُ البابَ الثالثَ إلى تماسُكِ الطرح الاجتماعيّ الثقافيّ لابن خلدون وإلى التغيّرات الاجتماعية التي اشتغل عليها؛ في الباب الرابع تتناول عناصر الأزمة الداخلية في البناء الاجتماعي؛ ثم في باب خامسٍ وأخير تتناول الباحثة راهنيةَ فكر ابن خلدون.</p>



<p>لقد حاولت الكاتبةُ وضْعَ المقولات الخلدونية بشأن التحوّلِ الاجتماعيِّ، وبشأن علاقة المجتمع بالسلطة، رهن الاختبار، بما تبيَّن لها أنّ الإسهامَ الخلدونيَّ لا يزال يحافظ على راهنيته، كما لا يزال يتمتّع بجدوى في تحليل الظواهر. وتستعين الكاتبة في سبْرِ غور النص الخلدوني، أو بعبارة أخرى في الغوص في تجاويفه، بالاعتماد على ما دوّنَهُ شرّاح ونقّاد وعارضون لفكر ابن خلدون. فقد مثّلت المراجع المتعدّدة المعتمَدة وسيلةً لفهم ما استغلق عليها من فكر الرجل، وهو منهج صائب اعتمدته الباحثة.</p>



<p>تكشف الباحثة عن قدرات جيّدة في الإلمام بأدوات علم الاجتماع، وعن دراية بالمدوَّنة العالمية بشأن هذا العلم، سيما في مجال فلسفة الحضارة والتحوّل العمرانيّ. كما حاولت صياغة نصّها الإيطالي بلغة أكاديمية راقية استوفت شروط الكتابة العلمية. وقد ساعد الباحثة في ذلك إلمامها المتواضع بالعربية بما دفعها إلى التثبّت من المصطلحات الخلدونية ومقابلاتها في اللغات الغربية. إذ باتت المصطَلَحات الخلدونية، بفعل الترجمات المتعدّدة للنصّ الخلدوني إلى اللغات الغربية، دارجةَ الاستعمال في أوساط علماء الاجتماع والمؤرّخين المنشغلين بفكر الرجل، وهو ما يَسَّرَ للباحثة تقديمَ عرْضٍ واضح المعالم لمقولات ابن خلدون.</p>



<h3 class="wp-block-heading">استعادة الجانب المهمل في القراءات الغربية لابن خلدون</h3>



<p>ضمن هذا الإطار العامّ، اِنشغل كتابُ الباحثةِ الإيطالية أنّاليزا فيرزا بتحليلِ المفهومِ الاجتماعيّ لابن خلدون بأبعاده الفلسفيّة والسياسيّة، الذي استوْحى منه ما يطلق عليه علم العمران. كما تحاوِل الباحثة تفسيرَ الأسباب التي جعلت ابن خلدون خارج سرديّة تأسيس علم الاجتماع وفق المنظور الغربيّ، أو بشكلٍ آخر خارج كوكبة الرواد في هذا العلم. إذ حاولت فيرزا الخروجَ بابن خلدون من حيز التصنيف كمجرّد مساهِم في كتابة التاريخ الاجتماعيّ، كما يُصنَّف لدى بعض الغربيّين عادة، إلى حيز التأسيس لشروط وسُنَن التبدّل الحضاريّ والحراك المجتمعيّ، وهو ما يأتي في صلب قضايا علم الاجتماع. فالرجل بقدرِ ما كان راصدًا للشأن الاجتماعيّ، كان بالمثل منشغلًا بآليات تعاقب الفعل الاجتماعي وسيْرِه، وبقيام العمران وانهياره، وهو ما يُشكِّل جوهرَ انشغال علم الاجتماع.</p>



<p>تلك عموما الإشكاليات التي دار حولها كتاب أنّاليزا فيرزا، والتي لم تنحصر عند شخص ابن خلدون، بل حاولت الباحثة وضْعَ الرجل ضمن إطارٍ عامٍّ للحضارات الكونية، بوصف تبدّلاتها، كانت من المحفّزات الأساسيّة للنَّظر الخلدونيّ في البحث عن إيجاد علم أو إطارٍ فهم يستوعب تلك التبدلات.</p>



<p>فقد غلب على مجمل الدارسين الغربيّين لابن خلدون التعامل مع نصّه كأحد النصوص التي تروي تاريخًا اجتماعيًّا، وليس كنصٍّ تأسيسيٍّ علميٍّ للفعل الاجتماعيّ. وكأنّ المقولَ الخلدونيّ يفتقر إلى فلسفة وعمق في النشاط الاجتماعيِّ، فهذا الجانب الأخير المهمل في القراءات الغربية لابن خلدون هو ما حاولت الباحثة إبرازه والتنبيه إليه. لذلك تحاول أنّاليزا فيرزا في كتابِها نقدَ الرؤى الغربيّة التي لا تُدرِج &#8220;مقدّمة ابن خلدون&#8221; ضمن الكتابة السوسيولوجية، وتتتبَّعُ دواعيَ عدم إلحاق صاحب &#8220;المقدّمة&#8221; بكوكبة روّاد علم الاجتماع، مثل ما ذهب إليه بوميان كريزيستوف في كتابه المنشور في دار غاليمار الفرنسية &#8220;ابن خلدون من منظور الغرب&#8221; (2006). وقد اِعتبر فيه كريزيستوف أنّ علمَ الاجتماع هو وليد شرعيّ للعلمانية، فهو نظرٌ في الظواهر الاجتماعية والتبدّلات المجتمعية نابعٌ من السياق السياسيّ الاجتماعيّ للمجتمعات الغربية. لم يستند نفيُ بوميان كريزيستوف عن ابن خلدون الريادة في ذلك المجال إلّا لكونِ الرجل عاش في القرن الرابع عشر الميلادي وفي المغرب الإسلاميّ، وضمن سياق حضاريّ مغاير للحضارة الغربية. والحال أنّ ذلك الشرطَ الذي يضعه كريزيستوف، كما تذهب أنّاليزا فيرزا، هو من باب وضعِ النتيجة قبل تفحّص الواقعة. إذ يصعب على التصوّرِ الغربيِّ القبول بقاضٍ مالكي &#8220;متديّن&#8221; الوقوف وراء إنشاء علم الاجتماع، لعلّ تلك العقدة هي التي حالت دون الاعتراف بابن خلدون مؤسّسًا لعلم الاجتماع، كما تخلُص الباحثة.</p>



<h3 class="wp-block-heading">استدعاء المفاهيم الخلدونيّة لفهم الواقع السياسيّ والاجتماعيّ</h3>



<p>فقد أبان ابن خلدون، بحسب تحليل فيرزا، عن إمكانية القيام بمهنة عالم الاجتماع، دون الالتزام بالضرورة بالمنظور العلماني الغربي أو استبطانه. فهناك إحاطة مغايِرة بالوقائع الاجتماعية وبالقوانين المتحكِّمة فيها، ضمن إقامة علاقة متّزِنة بين النقل والعقل، وهو ما جرى ضمن السياق الإسلاميّ، أي فيما يربط &#8220;ما بين الحكمة والشريعة من اتصال&#8221; كما بيَّنَ فيلسوف آخر سابق ألا وهو ابن رشد. فقد استطاع ابن خلدون –وفق فيرزا- قبل ما يناهز الخمسة قرون من ظهور علم الاجتماع في الغرب، بناءَ سلسلة من المفاهيم حول السلطة والمجتمع، نعدُّها مرتبطةً بثقافتنا العلمية الحديثة، مثل التطرّق إلى التماسك الاجتماعيّ، وإلى المنهج العلميّ للبحث عن العوامل الجماعية، وإلى الظواهر الاقتصادية، وإلى العلاقة بين المجتمع والسلطة، أو بين السلطة وأشكالها الرمزية. حيث تكشف فيرزا أنَّ جلّ الدراسات السوسيولوجية للمجتمعات الإسلامية، المنجَزَة من قِبل عقول غربية، تأتي في معظمها من خارج الوعي بميكانيزمات تلك المجتمعات. وتُرجّح أنّ استيعابَ ابن خلدون مفهوميًّا ومنهجيًّا، من شأنه أن يُصحِّح الوعي الغربيّ بالظواهر الاجتماعية في العالمين العربي والإسلامي، التي تشكو جملة من الأغاليط والإسقاطات. لذلك تلحّ الكاتبة على ضرورة استدعاء المفاهيم الخلدونيّة لفهم الواقع السياسيّ والاجتماعيّ، خصوصا في المجتمعات الإسلامية الراهنة، ومن هذا الباب تَبْرُز راهنية منهج ابن خلدون وعمق طروحاته.</p>



<p>تلوح الإضافة المهمّة لأنّاليزا فيرزا في كتابها في انتقاد المسارات التي تربط علم الاجتماع بالثقافة الغربية، والإلحاح على إبراز أنّ هذا العلم قد وجَدَ حضورًا ضمن ثقافة مغايِرة. فقد حمل انشغال المؤلّفة بالسياقات الثقافية على إيلاء الثقافة العربية العناية اللازمة في أبحاثها، وإن لم تشكّل هذه الثقافة الإطار الرئيس لأبحاثها ودراساتها.</p>



<p>لكن ممّا يلاحظ في الكتاب، غياب المصادر والمراجع العربية غيابا لافتا، في مجال يصعب التغاضي فيه عن المؤلفات العربية. وتحاول الكاتبة سدّ تلك الثغرة بملاحَقَة ما كُتب عن ابن خلدون في اللغات الأوروبية. فقد جرى تناولُ المتن الخلدونيّ بالتحليل والنقاش والتوضيح لدى جملة من الكتّاب العرب وغير العرب، ممّن دوّنوا نصوصهم بلغات غربية، وهو ما تحاول فيرزا متابعته.</p>



<p>وزّعت المؤلّفة مراجعَ كتابها إلى قسميْن: قسمٌ تعلّقَ بأعمال ابن خلدون المترجَمة إلى الفرنسية والإنجليزية، وتغاضت عن إيراد ما صدر عن ابن خلدون في غيرهما، وهي كتب دارت بالأساس حول كتابيْ &#8220;العبر&#8221; و&#8221;المقدّمة&#8221;، فضلا عن كُتُب حاولت تدوين السيرة الخلدونية؛ وقسمٌ تناول مراجع بحثها، وهي نصوصٌ باللغات الثلاث الإيطالية والإنجليزية والفرنسية. ظهر في هذه القائمة عدد من الكتّاب العرب ممن اهتمّوا بالفكر الخلدونيّ، وممّن دوّنوا نصوصَهم بلغات أجنبية. ولم يحظَ بالاهتمام أيّ كاتب عربيّ كتب عن ابن خلدون بالعربية، ما لم تُتَرجم أعماله إلى اللغات الغربية. فإلمام مؤلّفة الكتاب المحدود باللغة العربية لم يسمح لها بالاطّلاع على الأعمال العربية التي أُنجزت حول الفكر الخلدوني، وإن كشفت في مؤلّفها عن متابعة مهمّة لما كتبه العرب في اللغات الأخرى عن ابن خلدون. ففي مستهلّ تكوينها الجامعيّ تابعت الباحثة سلسلةً من الدروس الجامعية لتعلّم العربية في تونس، ولكن كما يبيّن نصّها لم ترتق إلى الإلمام المعمّق بهذه اللغة، ولم تبلغ مستوى الاطلاع المباشر على النصوص العربية. تبقى أنّاليزا فيرزا دارسةً تنتمي بشكل عام إلى جيل &#8220;المستعرِبين الغربيين الجدد&#8221; ممن يحاولون بناء ملامح مستقلّة عن المستشرقين السابقين، وإن تبقى نقيصة الإلمام الجيد بالعربية سمة بارزة بين العديد من هؤلاء. تحاول صاحبة الكتاب أن تستعيض عن هذا النقص بالاطلاع على الأعمال المترجَمة في الشأن.</p>



<p>ضمّنت الباحثة كتابها فهرسيْن: أحدهما للمواد وآخر للمَراجِع والمصادر، وتغاضت عن أيّ نوع من الفهارس الأخرى، التي نقدّر الحاجة الملحّة إليها في مثل هذه المواضيع. حيث تَبرُز الحاجة واضحة مثَلًا إلى فهرس للمصطلحات الخلدونية، سيما وأنّ الكتاب يحاول أن يعرض النظريةَ الخلدونية في علم الاجتماع وأن يلّمَ بسائر تفرّعاتها ويقدّمها للقارئ الغربي. فلا يفي بالغرض الشرح للنظرية الخلدونية، بل هناك حاجة ملحة أيضا إلى إيراد المصطلح الخلدونيّ وذكر مقابله الإيطالي والتعليق عليه بالشرح والتوضيح.</p>



<p>من جانب آخر، غابت من الكتاب سائر أشكال التوضيح المعتمَدة في الكتابة السوسيولوجية من جداول ورسوم وخرائط، حيث اعتمدت المؤلّفة بشكلٍ رئيسٍ على إدراج توضيحات مكتوبة في الهامش على صلة بالمتن. صحيح اِستوْفت الباحثة الشروط الضرورية للكتابة السوسيولوجية، ولكنّها لم تجعل من كتابها عملا مكتمَلا يسهل على القارئ غير المختصّ، أو المتابع الغربي للفكر الخلدوني، الإلمام بطروحات الرجل، سيما وأنّ الحاجة إلى جداول مقارنة أو رسوم توضيحية يبدو لا غنى عنه لعرْض الطرح الخلدوني. لا ينفي هذا قيمة الكتاب من حيث بنائه المنهجي، ومن حيث مضامينه العلمية والمعرفية. فقد لمستُ لدى مؤلّفته نباهة وقدرة عاليتين في الإحاطة بقضايا علم الاجتماع وأدواته، ناهيك عن وعي الكاتبة بالإسهام الحقيقي لابن خلدون ضمن كوكبة الرواد في علم الاجتماع.</p>



<p>* <em>أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا</em>.</p>



<p> ** <strong>&#8220;الحضارة والسلطة في السوسيولوجيا الخلدونية&#8221;- تأليف: أنّاليزا فيرزا &#8211; منشورات فرانكو أنجيلي (ميلانو-إيطاليا)-&#8216;باللغة الإيطالية- 2020- 280 ص.</strong></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2020/11/05/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b3%d9%8a%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84/">الحضارة والسلطة في السوسيولوجيا الخلدونية من منظور باحثة إيطالية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2020/11/05/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b3%d9%8a%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>دراسة جديدة في علاقة دانتي بالإسلام</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2020/08/04/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%af%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2020/08/04/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%af%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 04 Aug 2020 09:52:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[غير مصنف]]></category>
		<category><![CDATA[ابن رشد]]></category>
		<category><![CDATA[التراث الإسلامي]]></category>
		<category><![CDATA[الحملات الصليبية]]></category>
		<category><![CDATA[الفارابي]]></category>
		<category><![CDATA[الكوميديا الإلهية]]></category>
		<category><![CDATA[دانتي أليغييري]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=233630</guid>

					<description><![CDATA[<p>تلوح علاقة متينة بين العمل الإبداعي للشّاعر الإيطالي دانتي أليغييري (1265-1321م) في &#8220;الكوميديا الإلهية&#8221; والتراث الإسلامي لا تخفى عن عين الدارس الموضوعي، ولا سيما في التشرّب لفلسفة التصوّر الإسلامي من حيث بناء الكوسمولوجيا الدانتية. بقلم عزالدين عناية * لا شكّ أنّ ثمّة هاجسًا في الفلسفة الغربية بمحاولة &#8220;التّناسي&#8221; للبُعد الإسلامي من الجذور التكوينية للفكر الغربي...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2020/08/04/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%af%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/">دراسة جديدة في علاقة دانتي بالإسلام</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<figure class="wp-block-image size-large"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2020/08/دانتي-والإسلام.jpg" alt="" class="wp-image-233631"/></figure>



<p><strong>تلوح علاقة متينة بين العمل الإبداعي للشّاعر الإيطالي دانتي أليغييري (1265-1321م) في &#8220;الكوميديا الإلهية&#8221; والتراث الإسلامي لا تخفى عن عين الدارس الموضوعي، ولا سيما في التشرّب لفلسفة التصوّر الإسلامي من حيث بناء الكوسمولوجيا الدانتية.</strong></p>



<p class="has-text-align-left">بقلم <strong>عزالدين عناية *</strong></p>



<span id="more-233630"></span>



<div class="wp-block-image"><figure class="alignright size-large"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2020/04/عز-الدين-عناية.jpg" alt="" class="wp-image-221199"/></figure></div>



<p>لا شكّ أنّ ثمّة هاجسًا في الفلسفة الغربية بمحاولة &#8220;التّناسي&#8221; للبُعد الإسلامي من الجذور التكوينية للفكر الغربي الحديث، كما يسمّيه المفكر الإيطالي المعاصر ماسيمو كامبانيني. وهو نكرانٌ لطالما مُورس وحاولت العديد من الأطراف الدينية والسياسية ترسيخه، منذ انطلاق الحملات الصليبية وتأثيرها القوي في انبناء جدار نفسي بين الحضارتين. عمل العديد من الكتّاب على تعميق هوّة الفصل بين كلّ ما يمتّ للحضارة العربية الإسلامية بما له صلة بالحضارة الغربية.</p>



<p>ويبرز التمايز جليّا بين الشرق والغرب مع ذلك الموقف الجائر لِفرانشيسكو بيتراركا في قولته الشهيرة: &#8220;أمقت ذلك النّسب إلى العرب&#8221; في &#8220;الرسالة الثانية إلى دوندي&#8221; التي ظهرت خلال القرن السادس عشر في كِتاب الرسائل &#8220;سينيلي&#8221;، وهو محاولةٌ للتملّص من الروابط التاريخية بين الحضارتين، أكان ذلك مع التجربة الأندلسية أو مع التجربة الصقلّية.</p>



<h3 class="wp-block-heading">ظهر دانتي أليغييري في مناخ محكوم بالتمايز بين الحضارتين الإسلامية والغربية</h3>



<p>في ذلك المناخ المحكوم بالتمايز بين الحضارتين ظهر دانتي أليغييري، مع أنّه تربّى في وسط ثقافي يعبق بالحضور الفلسفي والعلمي للحضارة الإسلامية، والذي لم يقرّ به بشكل صريح دائما. فهو كما نعرف قد أصدر حكما قاسيا في مؤلّف &#8220;الكوميديا الإلهية&#8221; ضدّ الإسلام. فليس خفيّا أن تعلو في مدينة الآثام الموصوفة في نصّه ما يطلق عليه &#8220;المسكيتي&#8221; بلغة ذلك العصر، أي &#8220;الجوامع&#8221; (الجحيم: الثامن، 70-72). يتقاسم دانتي مع مجايِليه الرأيَ الشائعَ أنّ الإسلام لا يزيد عن كونه هرطقة مسيحية، ولذلك اِتّخذ موقفا جاحدا من المصطفى (عليه الصلاة والسلام) ومن الإمام علي (كرّم الله وجهه) على وجه التحديد، وهي الفقرات التي تحاشاها المترجم العربي وتغافل عن إيرادها، مع أنّها نصوص تكشف عن موقف الرجل الصريح من حضارة بأسرها والواردة في (الجحيم/ الثامن والعشرون، 30-33).</p>



<p>تبدو المسألة التي حكمت الموقف الغربي من دين الإسلام كآخر ومغاير حاسمة، فهو ممّا ينبغي مواجهته إلى حدّ السعي لاجتثاثه، وهو ما ساد على مدى القرون الوسطى ومطلع العصر الحديث. تجلّى ذلك بقوّة في الحملات الصليبية المتلاحقة، وفي محاولات الغرب المسيحي نسج علاقات مع القوى الآسياوية، مثل المغول لحشدِ القوى ضدّ العدو المشترك المفتَرض ألا وهو حضارة الإسلام، ذلك ما يوضّحه بشكل جليّ وموثق الكاتب والمفكر ماسيمو كامبانيني منذ مطلع كتابه (ص: 8-9). تعمّق العداء للحضارة الإسلامية أثناء الحملات الصليبية، وبدا جليّا في التبريرات الدينية للقتل التي حاول القدّيس برنارد من كليرفو (Bernardo di Clairvaux) الداعي إلى الحملة الصليبية الثانية ترويجها، حين يكون ذلك الفعل باسم المسيح: &#8220;لا مندوحة في أنّ جندَ المسيح حين يخوضون حروبَ الربّ يخوضونها مرتاحي البال، لا يخشون في ذلك اقتراف الخطيئة حين يقتلون أعداءهم أو يزهقون أرواحهم. فليس القتل في سبيل المسيح جرما أو جنحة بل مدعاة للمجد. وبالفعل في كلتا الحالتين إمّا يفوز المرء برضى المسيح الذي يقبل طوعًا بموت العدوّ، أو بالمسيح الذي بذل حياته عزاء للمقاتل. أشدِّدُ على أنّ مقاتِل المسيح يقتل مرتاح البال وإن قضى نحبه فبراحة أكبر&#8221; ليست تلك الفتوى الدينية الوحيدة، فقد تعدّدت المواقف الشبيهة على مدى قرون حتى خلَقت نوعا من المشاحَنة المزمنة والمتجذّرة.</p>



<h3 class="wp-block-heading">تواصل فكري بين الحضارتين الإسلامية والغربية رغم التوتّر الديني</h3>



<p>بعد توضيحه لتلك الأجواء التي تحكّمت بالمخيال الغربي تجاه حضارة الإسلام، يحاول ماسيمو كامبانيني من جانب آخر إبراز نوعية التواصل الفكري الحاصل بين الحضارتين رغم التوتّر الديني المخيّم على الجانبين. تحت عنوان &#8220;الترجمات والمترجمون… انتقال المعارف&#8221; يسلّط الضوء على حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية، وهي حلقة محورية في توارث المعرفة الكونية. فقد كان العرب في الفترة الوسيطة القائمين على حفظ الذاكرة الإنسانية، سواء عبْر ما أنتجوه من معارف أو عبْر ما نقلوه من إنتاجات الإغريق.</p>



<p>لقد كانت العصور الوسطى، المغرَقة في الانغلاق في الغرب، هي عصور التطوّر والانفتاح المعرفيين بالنسبة إلى العرب، ما جعل الحواضر العلمية الإسلامية قِبلة لطلاّب العلم من شتّى الأقوام والأديان. جربرت دي أوريللاك، الذي غدا بابا الكنيسة الكاثوليكية خلال الفترة (999-1003م) واتّخذ اسم سلفستر الثاني، تردّد قبل اعتلاء سدّة بطرس على مجالس العلماء في الأندلس، وتلقّى المعارف على يد علماء وفلاسفة مسلمين.</p>



<p>ما كان المسلمون في ذلك العهد يضيقون ذرعا بأتباع الديانات الأخرى إن ارتادوا حلقات العلم، بل محلّ ترحيب. فقد كان العرب يفخرون بالتسامح الذي يغمرون به أهل الكتاب وغيرهم. كان الكاتب بيار ريشيه قد ألّف كتابا مهمّا حول البابا المذكور بعنوان &#8220;جربرت دي أوريللاك.. بابا العام الألف&#8221; نُشر في دار فايار في باريس (1987)، توقّف فيه عند رحلة البابا لتلقّي المعارف في الأندلس بالتفصيل.</p>



<p>في تقييمه لحركة الترجمة الغربية إبّان الفترة الوسيطة يقول كامبانيني: &#8220;كانت معرفة الإسلام كدين وكثقافة، وبعيدا عن الأحكام المسبَقة، تفتقر إلى العمق، كما كانت محصورة بنخبة قليلة.&#8221; يذكر حادثةً معبّرة في الشأن حول مدى الإلمام بالعربية في الأوساط العلمية الغربية قائلا: إلى حدود منتصف القرن الثاني عشر الميلادي كان ملك فرنسا لويس التاسع، الذي قاد الحملة الصليبية السابعة وهلك في تونس، ثم رفعته الكنيسة لاحقا إلى مقام القدّيس، وكذلك البابا كليمنت الرابع، يجدان صعوبة في العثور على مترجم قدير بوسعه القراءة والترجمة من العربية والفارسية. فما كانت الدراسة للموروث العربي بشكل عام بدافع الشغف المعرفي دائما. حين ترجم روبرت دي كيتون القرآن بإيعاز من الراهب بطرس المبجّل (توفّي سنة 1156م)، ما كان الهدف معرفة مضامين القرآن الكريم بل دحض &#8220;هرطقات السّراسِنة&#8221; على حدّ زعمه. فقد كان الموقف من دين الإسلام بالغ التشدّد والتعصّب في الأوساط الواقعة تحت سلطان الكنيسة، مع ذلك لم تخلُ الساحة من عناصر جريئة حاولت تخطّي تلك الأحكام المغالية والإقرار بعبقرية حضارة الإسلام، مع احتفاظهم بموقف عدائي تجاه الدين، لا سيما في الأوساط السياسية في صقلية فترة روجر الأول، كونت صقلية، إبان حكم النورمان؛ وكذلك مع الإمبراطور فريدريك الثاني. نذكر أن الجغرافي الإدريسي قد شغل سنوات في بلاط روجر الثاني مستشارا.</p>



<p>ولا شكّ أنّ دانتي أليغييري كان على دراية بالحركة الثقافية إبّان حكم الإمبراطور فريدريك الثاني، حتى وإن لم تطأ قدماه أرض صقلية. فقد حاز فريدريك الثاني تقديرا في كتاب &#8220;المأدبة&#8221; لدانتي، لكنّ ذلك التقدير شهد تراجعا في &#8220;الكوميديا الإلهية&#8221;، حيث حُشِر فريدريك الثاني في الجحيم مع الهراطقة.</p>



<h3 class="wp-block-heading">لا يستطيع دانتي أن يكون له موقف إيجابي من الإسلام كدين</h3>



<p>وفي تقييمه لشخص دانتي بشأن موقفه من الإسلام كدين يقول كامبانيني: كرجل ينتمي إلى عصره، لا يستطيع دانتي أن يكون له موقف إيجابي من الإسلام كدين، وعلى غرار ذلك من اليهودية. فقد ظهر دانتي في عصر خيّم فيه عداء الكنيسة. وأمّا علاقة دانتي بالفلسفة الإسلامية، وبالثقافة العربية بوجه عام، فهي مدعاة إلى طرح عديد الأسئلة. إذ لا ينفي كامبانيني أنّ دانتي كان على دراية مهمّة بالفلسفة الإسلامية، وبالعلوم الإسلامية الصحيحة، كما يتجلّى ذلك من خلال مؤلّفاته الثلاثة الأساسية: &#8220;المأدبة&#8221; و&#8221;الكوميديا الإلهية&#8221; و&#8221;المملكة&#8221;. تأتّت له تلك الحصيلة المعرفية بفعل التردّد على الأوساط الجامعية في مدينتيْ بولونيا وفلورنسا، ويُرجَّح كذلك أثناء رحلته إلى باريس. لكنّ التعمّق البارز لدانتي في الفلسفة الإسلامية جاء بالأساس جرّاء الاطّلاع على ابن سينا والفارابي وابن رشد وعلى جملة من علماء الفلك المسلمين. يذهب ماسيمو كامبانيني إلى أنّ الإلمام بالقرآن الكريم وبالعلوم الدينية الإسلامية، مثل الفقه والسيرة وعلوم القرآن، كان محدودا مع دانتي، وهو ما خلّف خلطًا في ذهنه ورسّخ أحكاما مسبَقة. تلك الحصيلة الهزيلة من ناحية دينية هي نتاج نفور عام ميّزَ الكتّاب المسيحيين في العصر الوسيط، وإن انبهروا بالمعارف العلمية المتأتّية من الحضارة الإسلامية سيما في مجالات الطبّ والفلك والحساب والكيمياء، خصوصا مع ابن سينا والزركلي والخوارزمي وجابر. فهناك حكمٌ رائج في الأوساط الدينية، كما يخلص كامبانيني، أنّ دين الإسلام زائف، وبالتالي غير جدير بالدراسة.</p>



<p>ولعلّ المسألة أعمق من ذلك، فقد كانت الرقابة الكَنَسية على مراكز التدريس في الغرب لا تبيح عرض العلوم الإسلامية أو التعرّف عليها. كان كلّ من تحدّثه نفسه بتناول تلك المعارف الدينية عرضةً لتهمة الهرطقة، من هنا كان الاقتصار في الجامعات الأوروبية على تدريس العلوم الإسلامية الصحيحة واستبعاد كلّ ما يمتّ بصلة للإسلام كدين.</p>



<h3 class="wp-block-heading">حفاوةً معتبَرة نالها ابن رشد في &#8220;الكوميديا الإلهية&#8221;</h3>



<p>ومن البيّن أنّ الشذرات الواردة في &#8220;الكوميديا الإلهية&#8221; المتعلّقة بالدين الإسلامي، والتي تقف موقفا سلبيّا من رجالات الإسلام المبكّر دون تبرير مقنع في ذلك، هي نتاج اعتبار الإسلام دينا منشقّا عن المسيحية، وهو ما يكشف عن عمق الرقابة الإيديولوجية الشائعة في الأوساط المسيحية. بخلاف ذلك نال ابن رشد في &#8220;الكوميديا الإلهية&#8221; حفاوةً معتبَرة ضمنت له موضعا في &#8220;البرزخ&#8221; بين عظماء البشرية. انبنى ذلك لدى دانتي على تمييز بين ما هو ديني بحت وما هو علمي وعقلي حسب نظرته.</p>



<p>لا نوافق ماسيمو كامبانيني في رأيه أنّ اطّلاع دانتي على القرآن الكريم كان محدودا، أو شبه منعدم، والبناء الكوسمولوجي للكوميديا الإلهية يُفصِح عن أنّ دانتي كان على دراية بيّنة بقصة الإسراء والمعراج، أكان كما وردت في النصّ القرآني أو كما رُوِيت في الأحاديث النبوية وفي المدوّنات التاريخية. فقد شهدت الفترة رواج ترجمة &#8220;كتاب المعراج&#8221; للقشيري في الغرب المسيحي بترجمة لاتينية (يُنسَب إلى ألفونس العاشر ملك قشتالة أمره بترجمة الكتاب سنة 1264م)، وأَثَر &#8220;كتاب المعراج&#8221; في كوميديا دانتي مما لا يمكن نكرانه، فهناك شبهٌ بيّن على مستوى الشكل والصياغة. إذ لا ينبغي أن نغفل عن الضغوطات الكَنَسية الهائلة عبر الرقابة والتفتيش مع أيّ كاتب عمومي في ذلك العصر.</p>



<p>وكان دانتي حذرا عند إيراد ما يمتّ للدين الإسلامي بصلة. في هذا الصدد، يمكن الاطّلاع على البحث القيّم حول عمق ترصّد الكنيسة لكلّ من تحدّثه نفسه بنشر فكر مغاير يخالف وجهة نظرها في الكتاب الصادر عن &#8220;مشروع كلمة&#8221; بالإمارات العربية بعنوان &#8220;الكتب الممنوعة&#8221; وهو من تأليف المؤرّخ الإيطالي ماريو إنفليزي.</p>



<p>السؤال الذي يُلخّص مضامين كتاب كامبانيني وهو ما معنى إسقاط المصدر التاريخي الذي استقى منه دانتي نص الكوميديا، أو لنقل البناء الكوسمولوجي للكوميديا بشكل أدقّ؟ ثمة نزوع في القراءة الإيطالية لإضفاء طابع الفرادة على نصّ دانتي، سيما وقد غدا الرجل العمدة والأساس الذي انبنت عليه الهوية اللّغوية الإيطالية. تفكيك الأسطورة الدانتية هو مسٌّ وانتهاك لتلك القداسة بحسب الموقف المحافظ. وقلّة من الكتّاب الإيطاليين ممّن تجرأوا، مثل ماسيمو كامبانيني، على إعادة اكتشاف دانتي، أي من حيث الإحاطة بمصادره وروافده في بناء نصّه. نشير أنّ مقاربة كامبانيني لدانتي لا تعني مسًّا من قيمة الرجل أو حطّا من إبداعه، بل بخلاف ذلك ثمّة إجلالٌ وتقديرٌ، وإنّما الشيء الذي أراد أن يصل إليه الرجل وهو ما يتلخّص في التساؤل التالي: ماذا سيتبقّى من دانتي بعد نزع الأسْطَرَة عنه؟ وذلك بعد كشف الأبعاد المستوحاة من فلسفة الفارابي وآراء ابن سينا وابن رشد بالخصوص. ففي نكران الأبعاد العميقة والجوهرية لنصّ دانتي، وهو ما يعني &#8220;التغافل&#8221; عن المخزون الفلسفي القوي الحاضر في نصّه، هو نزوع لفصل الارتباط الوثيق بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية سيما إبّان فترة الانتقال من القرون الوسطى إلى العصور الحديثة.</p>



<p>هناك نقطة مهمّة يحوصل بها المؤلّف كتابه، وهي نابعة من إلمام كامبانيني المهمّ بالفلسفة الإسلامية جعلته يتنبّه إلى مصادر دانتي وإلى المسكوت عنه في مؤلفاته. في حديثه عن الروح العَقَدية الثالوثية لدى دانتي يقول: ليس الأمر مبنيّا على إثباتات &#8220;منطقية&#8221;، كما حاول أن يفعل ذلك القديس توما الأكويني، بل يقوم على أساس إيمانيّ أو على أساس الحقيقة المملاة من قِبل الكنيسة، وهو ما يتجلّى في نصّ الكوميديا في الكانتو الرابع والعشرين بخصوص الجنة. من جانب آخر يقول كامبانيني: جرى الاهتمام بالعلاقة الرابطة بين &#8220;الكوميديا الإلهية&#8221; والتراث الإسلامي، والواقع أنّ مختلف مؤلّفات دانتي، مثل &#8220;المملكة&#8221; و&#8221;المأدبة&#8221;، ترشح بهذا التأثّر الواضح.</p>



<p><em>* أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا.</em></p>



<p><strong><em>&#8220;دانتي والإسلام… سماوات الأنوار&#8221; &#8211; تأليف ماسيمو كامبانيني &#8211; باللغة الإيطالية &#8211; منشورات ستوديوم (روما) – 2020 &#8211; 176 ص.</em></strong></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2020/08/04/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%af%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/">دراسة جديدة في علاقة دانتي بالإسلام</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2020/08/04/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%af%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
