<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>التصوف الأرشيف - أنباء تونس</title>
	<atom:link href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%81/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/التصوف/</link>
	<description>الأخبار في تونس، وحول العالم</description>
	<lastBuildDate>Wed, 12 Jun 2024 08:03:35 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=6.9.4</generator>

<image>
	<url>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2022/05/cropped-logo-anbaa-tounes-32x32.png</url>
	<title>التصوف الأرشيف - أنباء تونس</title>
	<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/التصوف/</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>حول كتاب &#8220;لاهوت التعدّدية الدّينية&#8221; للكاتب عزالدّين عناية</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2024/06/12/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d9%83%d9%86%d8%a7%d8%a8-%d9%84%d8%a7%d9%87%d9%88%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%af%d9%91%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%91%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 12 Jun 2024 07:50:48 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[الأديان الإبراهيمية]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[التصوف]]></category>
		<category><![CDATA[الغرب]]></category>
		<category><![CDATA[اللاهوت]]></category>
		<category><![CDATA[المسيحية]]></category>
		<category><![CDATA[اليهودية]]></category>
		<category><![CDATA[جامعة روما]]></category>
		<category><![CDATA[عام الأديان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=6035530</guid>

					<description><![CDATA[<p>في هذا الكتاب رصد لقضايا مثل مسارات الفكر اليهودي، وعلاقة الدين بالسياسة في الغرب وفي العالم العربي, </p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2024/06/12/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d9%83%d9%86%d8%a7%d8%a8-%d9%84%d8%a7%d9%87%d9%88%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%af%d9%91%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%91%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84/">حول كتاب &#8220;لاهوت التعدّدية الدّينية&#8221; للكاتب عزالدّين عناية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p><strong>هو مسعى للإحاطة بما يعتمل في الفكر الغربي المعاصر، تجاه الدين والأديان، ولا سيّما منها الأديان الإبراهيمية. إذ ثمة منظور ديني ينظر منه الغرب إلى العالم، لا يخلو من طرافة وعمق. وفي هذا الكتاب رصد لقضايا متشعّبة، مثل النظر لمدينة القدس، ومسارات الفكر اليهودي، وعلاقة الدين بالسياسة في الغرب وفي العالم العربي، وكذلك حضور مؤسسة الكنيسة، والتصوف في<br>الأديان الإبراهيمية، وغيرها من القضايا. كلّ هذه الأفكار نقف معها على بُؤَر دلالات عميقة في الفكر الغربي.</strong></p>



<span id="more-6035530"></span>



<p>فمن منظور حضاري، يلوح البُعد الديني في فهم الغرب والتواصل معه محوريا، وإن تسلّطت قلّة من إنتاجاتنا المعرفية على ذلك الجانب. إذ تظلّ الحاجة ماثلة إلى ضرورة تفادي هذا النقص، لإرساء خطاب سديد بين الطرفين. وإدراكًا منّا إلى ما يعوزنا، حاولنا استحضار آراء كتّاب ومفكرين من الغرب نحونا -أي نحو مخزوننا الروحي العربي بوجهيه الإسلامي والمسيحي- ونحو كيانه الديني الكَنَسي، ونحو الذين هادوا، وتبين مساراتها ومقاصدها.</p>



<p>لذا يأتي هذا المؤلَّف تمعّنًا في ملامح مرحلة تاريخية تطبعها آثار العولمة، ومحاولةً لتلمُّس مؤشّرات في مسارات الدين والتديّن. فمن خلال جملة من القراءات عملنا على تأمّل أحوال وأوضاع ومواقف وسياسات، وتفكيكها ومناقشتها، في مسعى لفهم نَسق الأفكار التي تحوم حولنا وحول أهل الكتاب عموما.</p>



<p>عزالدّين عناية، أستاذ تونسي إيطالي يدرّس في جامعة روما، متخصّص في علم الأديان. نشر مجموعة من الأبحاث في مجال الدّراسات العلمية للأديان منها: &#8220;الدين في الغرب&#8221;، 2024؛ &#8220;المسيحية والإسلام في ظلّ العولمة&#8221;، 2023؛ &#8220;الإمام والكردينال.. ومعارج الإيلاف&#8221;، 2021؛ &#8220;نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم&#8221;، 2010؛ فضلا عن عدد من الترجمات منها: &#8220;علم الأديان.. مساهمة في التأسيس&#8221; لميشال مسلان؛ &#8220;علم الاجتماع الديني&#8221; لسابينو أكوافيفيا وإنزو باتشي؛ &#8220;السوق الدينية في الغرب&#8221;<br>لمجموعة من المؤلفين.</p>



<p><strong>لاهوت التعدّدية الدّينية، للكاتب عزالدين عناية، منشورات الربيع، القاهرة 2024.</strong></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2024/06/12/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d9%83%d9%86%d8%a7%d8%a8-%d9%84%d8%a7%d9%87%d9%88%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%af%d9%91%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%91%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84/">حول كتاب &#8220;لاهوت التعدّدية الدّينية&#8221; للكاتب عزالدّين عناية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>التطرف والغلو والمبالغة والانحياز‏ في ‏كتاب &#8220;أبو الريحان البيروني&#8221; لعلي الشابي</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2024/05/11/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b7%d8%b1%d9%81-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%84%d9%88-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%b2-%d9%81/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2024/05/11/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b7%d8%b1%d9%81-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%84%d9%88-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%b2-%d9%81/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 11 May 2024 11:31:52 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[أبو الريحان البيروني]]></category>
		<category><![CDATA[إبراهيم شبوح]]></category>
		<category><![CDATA[التصوف]]></category>
		<category><![CDATA[المنجي الكعبي]]></category>
		<category><![CDATA[حضارة الأندلس]]></category>
		<category><![CDATA[طه حسين]]></category>
		<category><![CDATA[عبد الرحمان ابن خلدون]]></category>
		<category><![CDATA[عبد الرحمن بدوي]]></category>
		<category><![CDATA[علم الاجتماع]]></category>
		<category><![CDATA[علي الشابي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=5932847</guid>

					<description><![CDATA[<p>هل أخذ ابن خلدون نظرياته في المجتمع و التاريخ عن البيروني كما يزعم علي الشابي ؟ </p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2024/05/11/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b7%d8%b1%d9%81-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%84%d9%88-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%b2-%d9%81/">التطرف والغلو والمبالغة والانحياز‏ في ‏كتاب &#8220;أبو الريحان البيروني&#8221; لعلي الشابي</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p></p>



<p><strong>‏التطرف والغلو والمبالغة والانحياز، ‏هو نسيج وسدى ‏كتاب &#8220;أبو الريحان البيروني&#8221; تأليف علي الشابي الصادر أخيرا في ثوب قشيب وإخراج جميل ولكن بفكر وأسلوب بعيدين قدرا ما عن العلم الخالص والمنهج السليم وقريبين قدرا ما كذلك من الإثارة لتزكية النفس عن طريق قدح الآخرين وقلب الحقائق لخطف الإعجاب وحوز التقدم والصدارة وحسن الذكر دون سائر المتقدمين والمتأخرين.‏</strong></p>



<p class="has-text-align-left"><strong>الدكتور المنجي الكعبي</strong></p>



<span id="more-5932847"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2018/12/منجي-الكعبي.jpg" alt="" class="wp-image-159014"/></figure>
</div>


<p>وهذه نزعة لا تكاد تفارق قلم الدكتور علي الشابي مع تقديرنا لشاعريته الثرة ونثره الفني الرائق، لكن البحث والتحليل والنقد والتعليل والحياد والموضوعية كلها صفات نجدها تعوزه دائما في كتاباته الشابية.</p>



<p>وهذا معذور ‏في حديثه عن صوفية أسلافه ‏التي قامت على حكم مريديهم في القيروان وليس أكثر، وسقطت لأنه حكم قام على الطرقية وليس على الدين، نقصد الدين المجرد عن شطحات الصوفية الملازمة لبعض الأقطاب في جميع أحوالهم، وهو ما لا يناسب لقيادة الجماهير على بصيرة من أمرها ودراية بدينها القويم.وهو معذور كذلك عندما يتحدث عن أبي القاسم الشابي وتأثره في شعره بالتصوف، ‏رغم ما لا يجده أي قارئ لقصائده من أثر صوفي إلا ما يكون من باب الخيال المجنح في بعض صوره، وهو الشاعر المفتون بالرومانسية في عصره وخيالها المجنح في الآداب الأخرى وزعَم كطه حسين في الشعر الجاهلي مزاعم مثيرة للأزهريين ثم تراجع كما هو معلوم لأنه حقق غرضه بالتطرف الذي ذهب اليه في الأول، للإثارة والتفرد بمخالفة السائد والمألوف وكسب عطف الغربيين ومن يحتطبون في حبلهم.</p>



<h2 class="wp-block-heading">هل نقل ابن خلدون عن البيروني ؟</h2>



<p>فهو، في هذا الكتاب عن عالم الهند الشهير في عصر ازدهار الحضارة والعلوم والمعارف شرقا وغربا أبو الريحان البيروني، يريد أن يكسر سمعة عبد الرحمان ابن خلدون ليقال إن الشابي في هذا الكتاب عدل الكفة التي تقول من هو الأول، المؤسس لعلم الاجتماع؟ وأنه دون كل من نوهوا بابن خلدون البيروني هو الأول وابن خلدون إنما نقل منه وأغفل ذكره لماذا؟ يقول الشابي بكل بساطة حسدا وادعاء!</p>



<p>ووصل التطرف والتحامل على الرجل أن نسب له قلة العمل بمنهجه في نقد التاريخ، يقول أهمل في كتابه تطبيق المنهج على نفسه. هذا فيما إذا أقررنا معه أنه غير مبتكر لمنهج، بل أخذه من أسلافه، من أمثال البيروني دون أن يصرح بحقوقهم عليه. فصوّره لنا رجلا في قمة الإدعاء والقصور المنهجي في كتابه. وكنّا بينا في كتابنا «ابن خلون فاتح العقول»، ‏الذي نقدناها فيه النشرة التونسية المجهضة لإبراهيم شبوح بمناسبة مئويته السادسة، قلت بينّا الرد على مزاعم من قال بهذا الرأي الشبيه بالرأي الذي ردده علي الشابي، وهو زعم قديم اختلقه بعض المعاصرين لابن خلدون في مصر لأسباب من منافسة الرجل لهم في الحظوة أكثر منهم لدى عظماء زمانه.</p>



<p>وإذا أدركنا أن ابن خلدون هو في الأصل كما في تعريفه عالم فقه وعالم حديث وجاءته صفة المؤرخ من اشتغاله المبكر بالسياسة، لأن رجل السياسة بالضرورة ملم بالتاريخ والأيام والأخبار والسير، أو لا يكون إلى جانب معارفه الأخرى بمقاليد الحكم والجهاد.‏</p>



<p>وعندما كتب ابن خلدون تاريخه ‏استخلص ما استفاده من أخبار الأمم والأقوام وقيام الدول وسقوطها وازدهار الحضارات وأفولها، وتقدم العلوم والصناعات في أيامه (الى الزايرجة الجد الٍأقدم للحوسبة الإلكترونية حديثا منذ أواخر حضارة الأندلس)، ما ملأ به مقدمته من قوانين اجتماعية وسياسية وغيرها، لتكون كالنبراس لفهم ‏حوادث التاريخ وتقييم شخصياته والتنبئ بالأحوال ومآلاتها. فهو لم يكتب التاريخ بعد المقدمة. فلا تعييب عليه في أنه لم يطبق شروطه أو قوانينه التي بسطها في المقدمة لتنقية الأخبار، وتمييز ما يسقط منها وما يقبل، لأن ذلك هو شأن آخر غير شأن الناقل أو المدون لما تحصل بين يديه من روايات أمانة ‏وتحسبا وترَك مهمة الجرح والتعديل لمن يأخذ بتلك الروايات المختلفة لصياغة التاريخ على وجهه المطلوب.</p>



<p>‏فأن يُروى في الأخبار أن البيروني ‏جاءه قبل وفاته بلحظات مَن يعوده في مرضه الأخير فلا يجده يطلب غير أن يُذكّره بحكم فريضة من فرائض الميراث معقدة جدا، ويقول: أحب أن أموت وأنا أعلم بشيء لم أعلمه خير من أن أموت وأنا على جهل به! أو ما في معنى ذلك من الكلام الذي نقله لنا بكل إعجاب الدكتور الشابي في صدارة كتابه عن البيروني.</p>



<p>نقول لو وقف ابن خلدون على هذه الرواية لما تردد في تطبيق قوانينه الطبيعية عليها، وهو أن الإنسان بطبعه يرغب في حسن الذكر، وما أحسن ما يُذكر عنه بأنه حتى في لحظات النزع يرغب في التعلم. فجاءت هذه الرواية لتصور ذلك دون تشكيك في وقوعها بالصورة نفسها. ومثل ذلك الكثير في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف وفي كلام العرب عامة، ‏وليس من باب الاختلاق أو الكذب ما دام القصد حسنا، فهو من الأدب حتى قالوا إن من الشعر لحكما وإن من البيان لسحرا.</p>



<p>وابن خلدوك لم يغمط حقا لقديم أخذه منه، ولكنه لم يكن ملزما برد كل فكرة في كتابه أو لفظة على لسانه الى زيد أو عمرو من الكتاب والشعراء أو الفلاسفة والعلماء، التي تسقّطت له منهم إلا ما يكون من الاعتراف بالسبق لمن هو أهل له، أما إذا كان اللفظ أو الفكرة من التردد على الألسنة، فالاختصار أولى في مقدمة طويلة بمقدار مجلد ضخم حتى سماها كتابا لوحده في تقسيمه العام للكتاب.</p>



<p>وبين الرجلين عصور وليس عصرا واحدا لنرمي بابن خلدون بجميع ما يقلل من أهميته الى الصفر، تكرمة لغيره، أو لنرفع من ميزان عبقرية أحد لا ينافسه في فقه أو حديث أو تاريخ عام أو علم وسياسة أو يتقدمه وجاهة عند سلطان أو فاتح جبار حتى نصدّق ما يشيعه بعض من يطلبون الشهرة بالعلم والبحث العلمي بتشييد أهرامات من المزاعم والدعاوى، بأن ابن خلدون إنما أغفل ذكر البيروني تحسبا للتهمة به، وهو السني المعروف بما اتهم به البيروني من ميول شيعية في بعض أحواله.</p>



<h2 class="wp-block-heading"> تعميق الخلاف بين المذاهب في بلاد الإسلام</h2>



<p>فهذا الوتر معزوف عليه من قديم عهد الاستعمار والاستشراق، وهما آنيتان مستطرقتان بسياسة واحدة هي تعميق الخلاف بين المذاهب في بلاد الإسلام، تجد أصداءها فيما يسمى الدراسات والبحوث التي تحرك خيوطها بعض الأطراف الموالية لمناهضة سياسة التقريب بين المذاهب في الصف المقابل عن طريق المراكز والجامعات.</p>



<p>ومن ‏أطروحاتهم الجديدة القديمة كما يقولون تصحيح الحقيقة عمن هو الأول في اكتشاف علم كذا أو علم كذا. فنحن نعرف ما تتنازعه الدول المتقدمة من ادعاءات بأسبقيتها في الميدان الفلاني أو الاستكشاف الفلاني، قبل أن تنتصب لذلك المؤسسات المختصة للقول الفصل في المنازعات المتعلقة بحقوق التأليف.</p>



<p>‏فلو فصَلنا كل ما هو من قبيل التطرف في القول ‏والغلو والمبالغة ‏ والانحياز لبقي من الكتاب جزء بسيط هو أكثر ما كتبه السابقون عن أبي الريحان البيروني بكل رصانة وعلم ومنهجية. وكان أحرى بصديقنا الشابي أن يذكر بعضها فهي أحرى بالذكر في مصادره، والقياس عليها لتبين بعض الكتابات المغرضة التي تحطم ما تعتبره أصناما نصبها غيرهم ليقيموا على أنقاضها أصناما أخرى لذوات تتماشى مع مزاجهم أو تستجيب لعواطفهم وشعوبيتهم وعوجهم الفكري.</p>



<p>وكم فنّدنا من دعاوي قبل هذه في ردودنا على طعون على الرجل غير المقبولة في كتابنا المذكور قبل قليل، من أمثال طه حسين وعبد الرحمن بدوي وغير هؤلاء المشهورين ومن شايعهم من التونسيين في أفكارهم أو بعض أفكارهم عن لغة الرجل وأسلوبه (المقدوح في عربيته) وانتقاداته لسلوكيات القضاء الفاسد في مصر وتعريفه بنفسه قبل رحلته شرقا (وليس العكس) ومقابلته المثيرة لتيمورلنك ودعوى مده بخريطة لبلاده المغرب لغزوها، وتسجيله على المصريين إرخاء الحبل للصليبيين ضد تقدم العثمانيين في وفتوحاتهم المتوسعة نحو الشرق.</p>



<p>هذا، وأساليب المخاطبات البشرية فيما بين الناس ليس هو أسلوب المخاطبات الإلهية للبشر، كقضية الفرق بين الشعر والنثر، أو ما يجوز للشاعر دون الناثر من أساليب الكلام والمخاطبات لغة وبلاغة وتقطيعا مفصلا على نظام مخصوص.</p>



<p>والقرآن، فيه المبالغات والعنف وفيه التطرف وفيه الغلو في الصورة والتعجيز، لأنه مبني على مخاطبات الأقوام الضالين والمغضوب عليهم، المشركين والكفار والمكذبين وإبليس وقومه والملائكة وعالمهم النوراني، وليس في القرآن علم أو بحث علمي أو تاريخ مجرد لغاية التاريخ. </p>



<p>ولذلك وصفنا تأليف الكتاب الذي ظهر لنا به علي الشابي للحط من أولية ابن خلدون على البيروني في اكتشاف علم الانثروبولوجيا (علم الاجتماع كما يترجمه والحال بلسان ابن خلدون علم العمران البشري)، والغمز من شأنه دون البيروني هو من قبيل المهافتات ‏والمناقضات بين القبائل والشعراء والناشئين، ولا يمنع من تلمس الفائدة منه، من كلام منسوب فيه للبيروني ولغيره من العلماء الذين انكبوا على تراثه وأثنوا عليه بما هو أهله دون تجريح في غيره أو قدح في منزلة من جاء بعده من العلماء والمستكشفين. فقد قال المعري: &#8220;فإني وإن كنت الأخير زمانه &#8230; لآت بما لم تستطعه الأوائل&#8221; وقول أبي الطيب وصدق من قائل: &#8220;وإذا ‏أتتك مذمتي من ناقص &#8230; فهي الشهادة لي بأنيَ كامل&#8221;. </p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2024/05/11/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b7%d8%b1%d9%81-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%84%d9%88-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%b2-%d9%81/">التطرف والغلو والمبالغة والانحياز‏ في ‏كتاب &#8220;أبو الريحان البيروني&#8221; لعلي الشابي</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2024/05/11/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b7%d8%b1%d9%81-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%84%d9%88-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%b2-%d9%81/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>تاقت نفسي إلى خلاصك (من مزامير داود) : حول الترقي الروحي في مختلف التجارب الدينية</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2019/06/01/%d8%aa%d8%a7%d9%82%d8%aa-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5%d9%83-%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%b2%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%af%d8%a7%d9%88%d8%af-%d8%ad%d9%88%d9%84/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2019/06/01/%d8%aa%d8%a7%d9%82%d8%aa-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5%d9%83-%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%b2%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%af%d8%a7%d9%88%d8%af-%d8%ad%d9%88%d9%84/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 01 Jun 2019 10:09:34 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[في العالم]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[التصوف]]></category>
		<category><![CDATA[المسيحية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=177798</guid>

					<description><![CDATA[<p>تُطرح في أوساط المهتمّين بالقضايا الدينية تساؤلات بشأن الدور الوظيفي للمخزون الروحي للأديان في بثّ السكينة في مجتمعات تعاني من حالات الثوران، وذلك في ظرف مشوب بالارتباك والاضطراب. فهل بوسع نهج التصوف وسائر التجارب الروحية، الإسهام في تخفيض منسوب القلق والخوف والعنف الذي يجتاح عالمنا؟ بقلم عزالدين عناية * صحيح أن التجارب الدينية متنوعة، ولكن...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2019/06/01/%d8%aa%d8%a7%d9%82%d8%aa-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5%d9%83-%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%b2%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%af%d8%a7%d9%88%d8%af-%d8%ad%d9%88%d9%84/">تاقت نفسي إلى خلاصك (من مزامير داود) : حول الترقي الروحي في مختلف التجارب الدينية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<figure class="wp-block-image"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2019/06/التصوف.jpg" alt="" class="wp-image-177800"/></figure>



<p><b> تُطرح في أوساط المهتمّين بالقضايا الدينية تساؤلات بشأن الدور الوظيفي للمخزون الروحي للأديان في بثّ السكينة في مجتمعات تعاني من حالات الثوران، وذلك في ظرف مشوب بالارتباك والاضطراب. فهل بوسع نهج التصوف وسائر التجارب الروحية، الإسهام في تخفيض منسوب القلق والخوف والعنف الذي يجتاح عالمنا؟ </b><br></p>



<p style="text-align:left">  بقلم<strong> عزالدين عناية </strong>*<br></p>



<span id="more-177798"></span>



<div class="wp-block-image"><figure class="alignright"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2017/12/عز-الدين-عناية.jpg" alt="" class="wp-image-98220"/></figure></div>



<p> صحيح أن التجارب الدينية متنوعة، ولكن يبقى التطلّع الجوهري لمختلف أصنافها متلخّصا في السعي لدحض القلق العميق الذي يكتنف عالم الإنسان، أو بحسب تعبيرة هايدغر لتخفيف وطأة الوجود الذي قُذف فيه وأُسلم للموت.<br> ففي أدبيات الدراسات الدينية المنضوية تحت علم الأديان، صيغت جملة من التفسيرات بشأن طبيعة التجربة الدينية وفحواها، هل هي فطرية أم اجتماعية أم نفسية؟ بلغ فيها الأمر حدّ اعتبار الدين حالة باثولوجية، لكن ما هو ثابت وملازم في هذه الرحلة الوجودية، إلتصاقها بأطوار الكائن البشري، منذ أمد بعيد، وهو ما أوحى بنعت الإنسان بالكائن المتدين (homo religiosus). <br></p>



<h3 class="wp-block-heading"> موسيقى الروح الجامعة<br></h3>



<p> لكن التجربة الروحية، في خضمّ التجارب الطقوسية والتشريعية والإجتماعية، هي ما يعنينا بالأساس، بوصفها تجربة ذوقية تجلى من خلالها الدين، فهل ثمة حاجة فعلية لذلك الخيار في راهننا؟ إذ صحيح أن مجمل الأديان، وحتى التي لا ينطبق عليها مفهوم الدين المتكامل، قد شهدت في أحضانها منشأ ظاهرة التسامي الروحي بين صفوة من أتباعها، ممن يذهبون إلى غور الإيمان، يبتغون وجهه الكريم ولا يقفون عند حدود المرئي الطقوسي أو التقعيد العقدي، وقد رُصد ذلك سواء لدى شامان سيبيريا أو لدى نساك الصحارى، مرورا بتقاليد دينية أخرى.<br></p>



<p> حيث يسود في أوساط تلك الصفوة إنسجام مع الكون، وتغمر حلقاتهم أجواء سكينة وفيض محبة، ما يشي بوحدة نبضات قلب الروحاني وتوهّج روحه وإن تناءت المسافات وتباينت المجتمعات. <br></p>



<p> ويتلخّص عمق التجربة في حضور فاعل في الوجود، عماده المحبة والإجلال للكون وما حواه، وليس حضورا سلبيا باهتا. إذ ثمة إنسجام للأنا مع الكون، يصحبه رضا السالك. <br></p>



<p> ولو تمعّنا الأمر، فمفردة (mystique) في اللغات الغربية، التي عادة ما تترجَم إلى العربية بالتصوف، هي معراج نحو العجيب ومرقى مؤداه إلى الجليل، تطبع سالكه روح شفافة يضنيها العشق، لما يكابده من شجن من شروط عيشنا وضيق تصوراتنا مدفوعا في ذلك بالشوق والوله عبر تطوافه.<br></p>



<h3 class="wp-block-heading"> &#8220;موعظة الجبل&#8221; في التراث الإنجيلي والترقي الروحي الأكبر<br></h3>



<p> في هذا السياق، تمثّل &#8220;موعظة الجبل&#8221; في التراث الإنجيلي مشروعا روحيا خالصا، يتأسس في ضوئه الترقي الروحي الأكبر. فلا يمكن الحديث عن قرب لله تعوزه المحبة. حيث تحدد تطويبات موعظة الجبل: طوبى للمساكين… طوبى للحزانى… طوبى للودعاء… طوبى للجياع والعطاش… طوبى للرحماء… طوبى لأنقياء القلوب… طوبى لصناّع السلام… طوبى للمطرودين، التي صدح بها المسيح، المنطلقَ الجوهري لتطهير الكائن. ولذلك منذ عهد الإمبراطورية الرومانية التي عايشها الناصري إلى لاهوت التحرر الحالي في أمريكا اللاتينية ثمة محورية روحية لموعظة الجبل.<br></p>



<p> من جانب آخر، تبدو صرخة المسيح وهو يُجرّ إلى الصليب آسرة لعديد الصوفيين في التراث المسيحي: &#8220;إيلي إيلي لِم شبقتني&#8221;، أي &#8220;إلهي إلهي لِم تركتني&#8221;، وهي صيحة جزع وفزع تقرع مسمعيْ السالك الرباني في خياره الروحي وفي معراجه الطهري. حيث يتحوّل التسامي إلى تجربة يكابد فيها المرء الفزع الأكبر، وهو عمق الاختبار وِفق جون دي لاكروا. لكن تلك التجربة ترفقها حالة وجْد يعيشها الصوفي، &#8220;نحن في نعمة لو علمها الملوك لجالدونا عليها&#8221; كما لخّص فحواها إبراهيم بن أدهم في قوله المأثور. إذ ثمة كبَدٌ مرفوق بوجْد جارف يستحوذ على الصوفي، &#8220;ركعتان في العشق لا يصح وضوءهما إلا بالدم&#8221; كما قال الحسن بن منصور الحلاج. وهي أوضاع كونية ارتوى أهلها من نبع واحد، حيث نجد تريزا الآفيلية تصف تلك الحالة بقولها: &#8220;الوجْد قضاءٌ لا مردّ له، تُنتزع فيه الروح من الثرى بيدِ الله كما تختطِف الكواسر طريدتها دون أن تدري إلى أين المساق. وبالتالي لا بد من رباطة جأش لمتابعة المسار، إذ غالبا ما حاولتُ دفع الوجْد، مقدّرةً أنه وهْم، ولكني أجدُ نفسي صريعة كأني أغالب ماردا&#8221;.<br></p>



<p> في هذا الترقي الروحي ميّز المفكر الكاثوليكي روبرت شارل زاهنر بين تصوف طبيعي منقوص، وتصوف ما فوق طبيعي مكتمَل. حيث الأول وإن لازمه تسامي الروح التي تعانق الحرية والانفتاح على المعرفة، فهو ينتهي إلى حدود الخلط بين ذات الكائن المحدودة وذات الألوهية المطلقة؛ في حين الثاني فهو تصوّف يخرق حجب الأسرار في علاقة المحبة الواصلة بين الباري وعبده، بما يشبه الصحراء الساكنة التي لا مكان فيها للاختلاف، كما تجلى الأمر للمعلم إيكهارت.<br></p>



<h3 class="wp-block-heading"> بحثا عن الغنى الأكبر<br></h3>



<p> من هذا الباب أغوى الزهد طائفة الصوفيين، ليس إعراضا عن عرض الحياة الدنيا، وهو في متناول أيدي كثيرين، بل احتجاجا على عالم يدنّسه الحيف ويستنزفه الجشع. القديس الكاثوليكي فرانسيس الأسيزي، سليل الأثرياء، تركزت دعوته في مستهل تجربته الروحية في الزهد بوصفه نمط حياة المسيح. سعى جاهدا في تقليد الناصري والسير على منواله أملا في الإمساك بروح المسيحية. هكذا توهّم الأسيزي، أو سمع، أو أوحي له: &#8220;قم يا فرانسيس ورمّم بيتيَ المتداعي للسقوط&#8221;، ناداه المسيح بتلك العبارات في كنيسة سان داميان، فانقلبت حياته رأسا على عقب وهجر حياة الفرسان مختارا أن يكون في كوكبة &#8220;فرسان الودعاء&#8221; ليفوز بالملكوت، وهو ما دفعه إلى هجران زينة الحياة والعيش في فاقة. ولعل ما فاقم أزمة فرانسيس حينها عودته الخائبة من بلاد &#8220;الميرامولينو&#8221;(أمير المؤمنين) في المغرب، التي طلب فيها الشهادة على أيدي &#8220;المحمّديين&#8221; فلم يفز بمراده، فارتد عنفا وقمعا على هيكل جسده لإنهاكه. لكن الأسيزي، وِفق فرويد، ليس ضحية جنون بل ضحية وهْم، فالاعتقاد الآسر في المسيح ليس مثبَتا ولا مدعما بل يستجيب ويتلازم مع رغبة باطنية، ولا أحد منا قادر على أن يعيش بدون أوهام.<br></p>



<p> بَيْد أن ذلك الشجن الآسر المستحكم بذات الصوفي جعل ثلّة من علماء النفس يصنفون الأمر ضمن الباثولوجيات المرضية؛ ولكن التصوف مرضٌ جميلٌ في عالم نحسبه معافى، وفي واقع يطبعه خواء روحي ينفتح على هوة غائرة لا يراها إلا أصحاب الأرواح الشفافة ممن يسعون بنور الحقّ.<br></p>



<p> والجلي أن الصوفي خلال رحلته تلك غالبا ما يغرق في هاجس إنهاك الجسد بالرياضات الروحية، بدعوى التطهر والتسامي، وهو بالأساس احتجاج عميق على انحصار الإنسان في الظاهر وغفلته عن جوانيته وعلوه. لذلك مثّل التصوف من منظور سوسيولوجي زفرة احتجاج للروح في عالم مضطرب يبحث عن تماسكه. فأثناء تفاقم أزمة الإمبراطورية الرومانية انتشرت ظواهر الزهد والنسك والاعتكاف. وفي الشرق، مهْد التصوف المسيحي، نشأت أكثر الأشكال غرابة في ترويض الجسد وكبح جماح النفس. يروي لنا المؤرخ الإيطالي جورج رافينياني صفحات جميلة عن ذلك الفوران في كتابه &#8220;الحياة اليومية في نهاية العالم القديم&#8221;. فقد كان يعقوب السوري يقف تحت الثلج المتساقط أياما حتى يغمره؛ وكان أحد مجايليه يقيم الليل حاملا على كاهله جذوع الشجر. أما ماكاريوس الإسكندري، فكان يطلّق النوم بقصد تعزيز قدرات التزهد لديه. وصادف أن لسعته بعوضة وهو قابع في صومعته، فسحقها بيده: لكنه أدرك للتوّ أنه مذنب فأدان نفسه بالوقوف ساكناً عارياً في مستنقع، فريسة للبعوض. أما القدّيس سمعان العمودي، ففي بداية موسم الصوم الكبير، عزل نفسه داخل صومعته بجدار ومعه عشرة أرغفة خبز وإبريق ماء، وبعد أربعين يوماً، وجدوه على وشك الهلاك، ولم يكن مسّ طعامه طيلة الوقت.كانت الغاية من تلك المعاناة تهدف إلى التحكم بالعواطف.<br> الرياضات الروحية فنون<br></p>



<p> كما يعود الفضل إلى الشرق في نشوء مختلف أشكال الترويض للجسد على غرار الرهبان &#8220;آكلو النباتات&#8221; (boskoi)، الذين يهيمون في الصحارى كالأنعام، و&#8221;الشجريون&#8221; الذين يتخذون من الأشجار سكناً، و&#8221;العموديون&#8221; الذين تنحدر تسميتهم من العبارة اليونانية (stylos)، أي العمود. فقد اختار هؤلاء الخلوة فوق الأعمدة على علو شاهق طلبا للتزهد. كانت الممارسة قد نشأت في سوريا بمبادرة من القدّيس سمعان الكبير، الذي اعتلى عمودا قرب أنطاكية عام 422 ومكث هناك حتى وافاه الأجل عام 459م. وكما كان العهد بالكثير من معاصريه، صُعق يوماً بفقرة من الإنجيل فقرر الانعزال. بعد قضاء ثلاثة أعوام في صومعة، تحول سمعان إلى تلة قريبة (تدعى اليوم قلعة سمعان) فشيّد جداراً دائرياً تموضع بداخله مكبِّلاً قدمه بسلسلة طويلة مثبتة بحجارة ضخمة من طرفها الآخر: هكذا حبس نفسه ليكرّس وقته للتأمل، وما فتئ أن خطر بباله يوما تسلّق عمود، فكانت هذه البداية العرضية لشكل من التزهد صار تقليدا يحتذيه كثيرون في بيزنطة، حتى استحوذت العمودية على الرهبان البيزنطيين. فالقدّيس سمعان العجوز قارب السبعين عاماً، أمضى منها تسعة وثلاثين على العمود، وكذلك القدّيس دانيال الذي عاش أربعة وثمانين عاماً، في ثلاثة وثلاثين منها مسكنه العمود، والقدّيس سمعان الشاب الذي وافته المنية عام 597م بعمرٍ يناهز الستة والسبعين عاماً، قضى منها ثمانية وستين عاماً فوق أحد الأعمدة.<br></p>



<p> ولفرط وعورة ذلك الدرب أحيطت حياة المتصوفة بالخوارق والمعاجز شرقا وغربا، فبوذا الذي يقتات بحبة أرز يقابله الروحاني المسيحي القانع ببرشام (خبز القداس)، وهو ما لا يسدّ رمق حشرة. ولكن هذه الغرائبية في السلوك الصوفي ووفرة الكرامات المذهلة إلى حد الريبة، ينبغي ألا تحول دون البحث عن جوهر التصوف وسط ركام العجائبي بوصفها ظواهر تتفسر ضمن أدوات الأنثروبولوجيا والسيكولوجيا. فالقديسة تريزا الآفيلية المولودة سنة 1515، عقب ثلاثة قرون من وفاتها وُجد قلبها معافى، والراهبة مارت روبين، المولودة 1906، عاشت خمسين سنة دون أن يغازل جفنها النوم كما يروى.<br></p>



<p> يلوح دربُ الروح الواصل بين شتى التجارب الدينية الأوفرَ حظا في التقريب بين مختلف المؤمنين. وفي الغرب المعاصر تهفو قلوب كثيرة للتصوف الإسلامي، وللروحانيات البوذية والطاوية والهندوسية، برغم الاضطرابات الجارية في فضاءات تلك التقاليد والمتشظية في العالم رعبا وهولا. ما يعني أن هناك وردا مورود يطلبه الجميع وإن حجبته الأضاليل وسدته العراقيل، إنه درب المحبّة والتطلع إلى سنا وجهه الكريم.</p>



<ul class="wp-block-list"><li><em>أستاذ بجامعة روما &#8211; إيطاليا.</em></li></ul>



<p></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2019/06/01/%d8%aa%d8%a7%d9%82%d8%aa-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5%d9%83-%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%b2%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%af%d8%a7%d9%88%d8%af-%d8%ad%d9%88%d9%84/">تاقت نفسي إلى خلاصك (من مزامير داود) : حول الترقي الروحي في مختلف التجارب الدينية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2019/06/01/%d8%aa%d8%a7%d9%82%d8%aa-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%ae%d9%84%d8%a7%d8%b5%d9%83-%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%b2%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%af%d8%a7%d9%88%d8%af-%d8%ad%d9%88%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حديث الجمعة : حزب النهضة، براقش الإسلام التونسي</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/09/28/%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%ad%d8%b2%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9%d8%8c-%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%82%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/09/28/%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%ad%d8%b2%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9%d8%8c-%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%82%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 28 Sep 2018 06:45:09 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[التصوف]]></category>
		<category><![CDATA[الحريات]]></category>
		<category><![CDATA[النهضة]]></category>
		<category><![CDATA[الولايات المتحدة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=148249</guid>

					<description><![CDATA[<p>يقول المثل العربي : «جنت على أهلها براقش»، وهي كلبة الحي التي تحمي الحمى من العدوّ، إلا أنها نبحت يوما حين أحست بمرور قطّاع للطرق جهلوا تواجد الحي بالمكان نظرا للظلمة. بذلك، تفطّنوا له، فكان أن أوقع نباح براقش القوم في قبضة المجرمين مما أدّى إلى هلاكهم. بقلم فرحات عثمان * هذا ما يفعله حزب...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/09/28/%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%ad%d8%b2%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9%d8%8c-%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%82%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/">حديث الجمعة : حزب النهضة، براقش الإسلام التونسي</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: center;"><img fetchpriority="high" decoding="async" class="alignnone wp-image-106097 size-full" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2018/01/النهضة4.jpg" alt="" width="725" height="430" /></p>
<p><strong>يقول المثل العربي : «جنت على أهلها براقش»، وهي كلبة الحي التي تحمي الحمى من العدوّ، إلا أنها نبحت يوما حين أحست بمرور قطّاع للطرق جهلوا تواجد الحي بالمكان نظرا للظلمة. بذلك، تفطّنوا له، فكان أن أوقع نباح براقش القوم في قبضة المجرمين مما أدّى إلى هلاكهم.</strong></p>
<p style="text-align: left;">بقلم<strong> فرحات عثمان</strong> *</p>
<p><span id="more-148249"></span></p>
<p><img decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-148250 alignleft" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2018/09/فرحات-عثمان.jpg" alt="" width="200" height="200" />هذا ما يفعله حزب النهضة اليوم بالإسلام التونسي بعد تحالفه المشين مع رأس المال الغربي والسياسة الأمريكية بالمشرق الذي أوصله إلى الحكم باسم الوسطية، بينما ليس له إلا التزمت في فهم الدين. فالكل يعلم قدم تحالف الإسلام المتزمت مع الإمبريالية العالمية، البريطانية ثم الأمريكية؛ وها هو اليوم زمن تحالف الإسلام المتسربل كذبا بعباءة الدين الوسطي مع رأس المال المتوحش، فهو الذي مهد الطريق إلى الحكم للإسلاميين بتونس.</p>
<p><strong>حتمية</strong> <strong>انتهاء</strong> <strong>المساندة</strong> <strong>الأمريكية</strong> <strong>للنهضة</strong><strong>:    </strong></p>
<p>إن فشل المخطط الغربي، في غايته الأساسية، بصمود سوريا وتغيّر الأوضاع بتنامي الإرهاب يؤشر دون شك على ضرورة إعادة النظر من طرف الغرب في صفقته مع الإسلام الدعي. ذلك أن الغرب الرأسمالي همّه الربح، ولا ربح في عالمٍ كثرت فيه الحروب فانفلت زمام السلام فيه من بين يدي من يحتاج للمزيد من الأرباح وحليفه الذي بيده أفيون الدين لتخدير الشعوب.</p>
<p>الإدارة الأمريكية والغربية عموما تسعى حاليا للبحث عن ورقة جديدة رابحة في بلاد الإسلام، ألا وهي ورقة التصوف لما فيه من تواجد كبير في الشعوب العربية ولنزعته المسالمة دون عداوة لأحد، خاصة لرأس المال إذا عرف كيف يلجم هوسه المتوحش للمزيد من المال على حساب الأخلاق. وهذا هو الإسلام المغربي، بل المغاربي عموما.</p>
<p>لذا، سنرى حتما الإدارة الأمريكية تكف، عن قريب، عن مساندتها التي لا حد لها للحزب الإسلامي بتونس. ولقد بدأ ذلك بعد مع الدعم المتنامي لرئيس الحكومة الذي لا يمكن حشره ضرورة، رغم كل ما يُقال، في خانة دمى النهضة؛ بل إنه، دون ريب، لأقل مطاوعة لتطلعاتها على المدى الطويل مما كان عليه، ولا يزال، رئيس الجمهورية!</p>
<p>لذا، نعتقد أن ما عرفناه عن حزب النهضة طوال هذه السنين العجاف من محاولاتٍ للتدليل، بل والتضليل، على فهمٍ وسطي للإسلام، سيتم الحد منه. فالظروف ستحتّم الاعتراف بأن لا مجال لمواصلة ما دأب عليه من المغالطة، دغمائيا ومتزمتا دوما  في فعله وتصرفاته، ماسخا أفضل ما في الإسلام، أي الحقوق فيه والحريات. فهمّه المهوس للتحكّم في البلاد لن يتمتّع بعد بتعلة خدمة مصالح رأس المال الغربي الذي هو في نفس الوقت خدمة مصالحه المركنتيلية؛ فكم من ثروة نمت وترعرعت بتونس بعد ثورة غدت بحق فرصة للثروة للعديد من الإسلاميين!</p>
<p>علاوة على اضطرراها، ولو قسرا، لرعاية تلك الحقوق والحريات، لا شك أن النهضة ستجد نفسها عن قريب تقطع مع رفضها الحالي لقول الحقيقة بخصوص الجهاد الأصغر الذي انتهى في الإسلام مع قيام دولته. فلا مناص من التكفير عن جريمتها، التي انتفع بها، ولا شك، المخطط الفاشل الأمريكي بسوريا، أي تشجيع الشبيبة التونسية على الانخراط الفاحش في الإرهاب بدعوى جهادٍ باطلة إلى حد أن أهل الإرهاب الأعم غدوا من تونس. فلكل مقام مقال!</p>
<p><strong>وجوب</strong> <strong>تغيّر</strong> <strong>حزب</strong> <strong>النهضة</strong><strong>:        </strong></p>
<p>عاجلا أم آجلا، لا مناص للحزب الإسلامي التونسي من طرح القناع الذي على وجهه للإصداع بالحقائق وإثبات المسؤولية السياسية والأخلاقية لما حدث ويحدث بتونس من تصدّعٍ للحس الوطني والإسلامي عند الشباب التونسي جرّاء المسخ لسماحة دينهم الذي هو أولا وآخرا العدل والسلام وكلمة السواء.</p>
<p>إن مسؤولية حزب النهضة هي اليوم في تقمّص الدور الذي كان عليه أن يلعبه منذ صعوده لسدة الحكم، ألا وهو أن يكون الدرع الحامي لحقوق الشعب وحرياته كاملة لا منقوصة بفهم دغمائي للإسلام لا مكان له بمغربٍ سمحٍ متسامحٍ. فهذا هو الدور الذي يدّعي القيام به قرب حليفه الغربي؛ إلا أنه يناور، فلا نسمع منه إلا الجعجعة ولا نرى الطحن. فأين إبطال تجريم المثلية وتجريم الزطلة؟ وأين تحرير الخمر شربا وتجارة؟ وأين رفع كل القيود المجحفة المدّعية الأخلاق بخصوص الحياة الخاصة، كهذه القبلة البريئة التي لا زالت تؤدّي بالأبرياء إلى السجن، ومنهم خاصة التلاميذ؟</p>
<p>على النهضة اليوم الوعي بأن الإسلام حقوقٌ وحرياتٌ في تعاليمه، خاصة من خلال مقاصده؛ فلا إسلام بلا حريات ولا تقوى بلا حقوق وحرية تصرّف، وفي الميدان الشخصي بالأخص؛ ذلك أن التقوى الإسلامية الصحيحة هي أولا في القلب، ثم في النية السليمة للمؤمن الذي هو، إسلاميا، العبد الحر، تامّ الحرية، ما يمكّنه من التسليم بكل مسؤولية أمره لخالقه العادل الرحمان الرحيم، ولا لأحد غيره. ثم إنه لا مراءاة في الدين الصحيح، فلا تظاهر بالتقوى، وبالجوارح خاصة؛ كما أنه لا واسطة بين المؤمن وخالقه، فيصوم ويصلّي له وحده، لا للعباد؛ وهو الذي يجزي أو يعاقب كسبه، صالحا كان أم طالحا. لذلك لا يتبجّح المؤمن أبدا بتقواه، بل يخفي معالمها ولا يسعى لإظهارها للناس، لأن الله يراه ولا يخفى عليه أي شيء.</p>
<p>الأيام التي ستأتي، خاصة في السنة المقبلة، ستكون حتما حاسمة لمستقبل حزب النهضة والإسلام السياسي بتونس؛ فأمّا أن يتغيّر حقيقة أو يندثر بقيام حزب إسلامي حقيقي، ديدنه الإسلام الصحيح لا المخادع الذي نراه. ذلك أنه لا إسلام بتونس إلا للإيمان الذي ينتهج سبيل العقل والمنطق والحكمة والسلامة، محجّة الحنيفية المتسامحة، الإناسية التعاليم. فيها يحبّ المسلم أخاه وأخته كما هما، بما في ذلك اختلافهما، أيا كانت طباعهما وتصرفاتهما ومشاربهما، لأن الإسلام يتلخص في إمساك اليد واللسان عن الإفساد في الأرض. فلئن لم يكن هذا من حزب النهضة ، فسيتحمّل أيضا خزي مسؤولية انهيار ما بقي من حسٍّ ديني إسلامي، حيث سنرى أتعس ممّا يجرى الآن بالعالم من مآسي نظرا للفهم الظلامي للإسلام الذي شجّع ويشجّع عليه، بينما هو الملة التنويرية بلا منازع.</p>
<p><strong>حماية</strong> <strong>الحريات</strong> <strong>من</strong> <strong>طرف</strong> <strong>النهضة</strong><strong>:</strong></p>
<p>إن واجب حزب النهضة للتدليل على أحقيته في إحياء علوم وفنون الإسلام بتونس والحفاظ على كيانه السياسي لهو في حماية دولة القانون بهذا البلد بدءًا بالعمل على التناغم السريع للقوانين المعمول بها مع ما جاء به الدستور من حقوقٍ وحرياتٍ فردية. وهذا لا يتم بالكلام فقط، بل بالفعل الذي يتمثّل في إبطال جميع القوانين المخزية التي بقيت بالترسانة القانونية للبلاد، وفيها العديد من النصوص التي هي بقايا الاحتلال، علاوة على أخرى من بقايا الدكتاتورية، أصبحت فاحشة، كمنع الإفطار العلني في رمضان، إذا أردنا ذكر أتعسها في اقتصاد ليبيرالي.</p>
<p>قطعا، بعد موقفها المخزي في موضوع المساواة في الإرث الذي عليها مراجعته، لا بد على حزب النهضة من أن ينشر سريعا رسالته إلى رئيس الجمهورية الذي اعترف فيه، لأجل تمرير موقفه الرجعي في الميراث، بحرياتٍ هامة من تلك التي ذكرنا بعد والتي لا بد من السعي فعليا لتحقيقها.</p>
<p>بهذا، من شأن النهضة ألا تكون براقش الإسلام التونسي، فلا تجنى عليه ولا على أهله، بل تجعل منه مثال الإسلام السمح المتسامح في تونسٍ تعود من جديد بلاد الإمتاع والمؤانسة كما عُرفت به منذ غابر الأزمن.</p>
<p><em>*دبلوماسي سابق و كاتب.</em></p>
<p><strong>مقالات لنفس الكاتب بأنباء تونس</strong></p>
<blockquote class="wp-embedded-content" data-secret="SOQwiCAbrV"><p><a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/06/15/%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d9%85%d9%82%d8%aa%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d9%8a%d9%81%d8%a9-%d8%b9%d8%ab%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%8c-%d8%ac%d9%86%d8%a7%d9%8a%d8%a9/">حديث الجمعة: مقتل الخليفة عثمان، جناية الإسلام السياسي الأولى</a></p></blockquote>
<p><iframe class="wp-embedded-content" sandbox="allow-scripts" security="restricted"  title="&#8220;حديث الجمعة: مقتل الخليفة عثمان، جناية الإسلام السياسي الأولى&#8221; &#8212; أنباء تونس" src="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/06/15/%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d9%85%d9%82%d8%aa%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d9%8a%d9%81%d8%a9-%d8%b9%d8%ab%d9%85%d8%a7%d9%86%d8%8c-%d8%ac%d9%86%d8%a7%d9%8a%d8%a9/embed/#?secret=XdEAlCUPvk#?secret=SOQwiCAbrV" data-secret="SOQwiCAbrV" width="600" height="338" frameborder="0" marginwidth="0" marginheight="0" scrolling="no"></iframe></p>
<blockquote class="wp-embedded-content" data-secret="xsmdTdGEcY"><p><a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/09/14/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d9%88%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9/">حديث الجمعة : الإسلام السياسي و إسلام السياسة</a></p></blockquote>
<p><iframe loading="lazy" class="wp-embedded-content" sandbox="allow-scripts" security="restricted"  title="&#8220;حديث الجمعة : الإسلام السياسي و إسلام السياسة&#8221; &#8212; أنباء تونس" src="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/09/14/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d9%88%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9/embed/#?secret=wPy3LWqpQT#?secret=xsmdTdGEcY" data-secret="xsmdTdGEcY" width="600" height="338" frameborder="0" marginwidth="0" marginheight="0" scrolling="no"></iframe></p>
<blockquote class="wp-embedded-content" data-secret="wr526FtSxF"><p><a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/09/07/%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%8a-%d8%a3%d9%88-%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%b6%d9%8a/">الوهم الديني ..أو إسلام اليوم الافتراضي</a></p></blockquote>
<p><iframe loading="lazy" class="wp-embedded-content" sandbox="allow-scripts" security="restricted"  title="&#8220;الوهم الديني ..أو إسلام اليوم الافتراضي&#8221; &#8212; أنباء تونس" src="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/09/07/%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86%d9%8a-%d8%a3%d9%88-%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%b6%d9%8a/embed/#?secret=SIJnrAwsjH#?secret=wr526FtSxF" data-secret="wr526FtSxF" width="600" height="338" frameborder="0" marginwidth="0" marginheight="0" scrolling="no"></iframe></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/09/28/%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%ad%d8%b2%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9%d8%8c-%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%82%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/">حديث الجمعة : حزب النهضة، براقش الإسلام التونسي</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/09/28/%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%ad%d8%b2%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9%d8%8c-%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%82%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حديث الجمعة: شرعية الخمرة في رمضان، تجارةً وشربًا</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/05/18/%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%85%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86%d8%8c-%d8%aa%d8%ac%d8%a7/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/05/18/%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%85%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86%d8%8c-%d8%aa%d8%ac%d8%a7/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[wafa galai]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 18 May 2018 07:40:25 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[التصوف]]></category>
		<category><![CDATA[الخمر]]></category>
		<category><![CDATA[رمضان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=130842</guid>

					<description><![CDATA[<p>&#160;  بقلم فرحات عثمان بيّنا في الحديث السابق أنه لا تحريم في الإسلام لحق الإفطار في رمضان الذي يقرّه الإسلام، بل ويضمنه لكل مسلم، لأنه العبد الحر في دين القيّمة، لا يُسلم أمره إلا لخالقه ولا ينافق في دينه. &#160; فالصوم لله وليس للعباد؛ لذلك لا تظاهر فيه، خاصة في رمضان الذي أصبح للأسف شهر...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/05/18/%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%85%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86%d8%8c-%d8%aa%d8%ac%d8%a7/">حديث الجمعة: شرعية الخمرة في رمضان، تجارةً وشربًا</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-13097 aligncenter" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2016/06/رمضانيات-1.jpg" alt="" width="725" height="430" /></p>
<p style="text-align: left;"><strong> بقلم فرحات عثمان</strong></p>
<p><strong>بيّنا في الحديث السابق أنه لا تحريم في الإسلام لحق الإفطار في رمضان الذي يقرّه الإسلام، بل ويضمنه لكل مسلم، لأنه العبد الحر في دين القيّمة، لا يُسلم أمره إلا لخالقه ولا ينافق في دينه.</strong><span id="more-130842"></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>فالصوم لله وليس للعباد؛ لذلك لا تظاهر فيه، خاصة في رمضان الذي أصبح للأسف شهر النفاق وفرض الصوم على من لا يريده. الأفضل عندها الإفطار، لأن الصوم لا يكون صحيحا إلا إذا توفّرت فيه النية الحسنة وسلمت التقوى في القلب قبل الجوارح.</p>
<p>أما من يدّعي فرض الصوم على الناس، فهو ممن جهل دينه أو تظاهر به للمتاجرة والرياسة، يعتقد نفسه في دينٍ فيه كنيسة ومعبد، يتقمص دور الحبر اليهودي والقس المسيحي، بينما لا إكليروس في الإسلام بين الله وخلقه. فله وحده حق الثواب والعقاب لمن صام ولمن لم يصم. ثم إننا نعلم جيّد العلم أن الإسلام السمح المتسامح يمنح حق الكفارة ويأذن بالعديد من الاستثناءات التي ليس الحق في تقدير حقيقتها إلا لرب العالمين، بما أنه منع التنقيب في أفئدة الناس.</p>
<p>قولنا هذا في شهر الصيام يخص أيضا الخمرة، تجارةً في رمضان، وخصوصا شربها الذي بيّنا عديد المرات أن لا تحريم له في الإسلام الصحيح؛ فالتحريم لا يخص إلا الإسراف في الشرب والصلاة في حالة اختمار. ذلك أن الإسلام دين عقلاني لا يظلم الناس، وقد منع الإسراف في كل شيء من طيّبات ما خلق الله، بما في ذلك العنب ومشتقاته. ورغم اجتهاد فقهاء السلف الذي ذهب إلى المنع، فليس فقههم إلا من التأويل للقرآن الذي صلح لزمن ولا يصلح لكل زمن، وإلا أصبح من القرآن المنزّل؛ فهل يبقي عندها من الإسلام؟</p>
<p><strong>فهم الفقهاء الخاطىء لشرب الخمر:</strong><br />
لئن غلب فهم التحريم للخمرة عند الفقهاء، فما كان ذلك إلا من باب استسهال المنع على المجاهدة رغم أن مجاهدة النفس في كل شيء هي مناط الدين؛ ولقد سهّل هذا المنزع تطويع الدين من طرف السلط العمومية التي تجد في ذلك ما تتحكّم به في رقاب الناس. وقد علمنا مدى توطئة الدين للسياسة منذ بداية الإسلام.</p>
<p>منع شرب الخمرة ليس إلا اجتهاد فقهاء بلاطات الحكم، أي الإسلام السياسي، وهو اجتهاد في صالح أصحاب الشوكة والسلطان الذين لا رقيب ولا مانع لما يفعلون، إلا أنهم بحاجة إلى التمويه لأجل النفاق في الدين وادعاء احترامه بينما هم ينسفون صرحه القائم على الأخذ الحر والنية الصادقة والحقوق والحريات .</p>
<p>لعل أبلغ دليل على حلّية الخمر عند أهل الدين الصحيح ما نراه عند أهل التصوف القدامى الذين قاسوا حليته بوجوده بالجنة، إذ من يسهر على الشرب دون بلوغ حد السكر يجعل شرابه كشراب الجنة، لا اختمار منه ولا فيه، بل ليس فيه إلا الحق. أما من لا يقدر، فيجد في ذلك المحنة الضرورية للنجاح في امتحان كبح جماح رغباته للامتناع عن الشرب طالما لا يقدر عن الامتناع عن السكر؛ والامتحان واجب في الدين.</p>
<p>وما يزيد خطأ الفقهاء بخصوص الخمر فداحة ابتداعهم لأحاديث انتحلوها على الرسول الأكرم، منها الادّعاء بأن مسكه حرام. وقد ذكّرنا في الحديث السابق بأن الروح القدس جبريل نفسه مسك به، بل وقدّم منه كأسا للرسول ليلة إسرائه؛ فهل يُعقل هذا فيما نعتبره من الفواحش؟</p>
<p><strong>نفاق الدولة في تجارة وشرب الخمرة:</strong><br />
إن فساد فهم الفقهاء للدين اليوم لهو أيضا من فساد تعاطي الدولة معه، إذ مسؤوليتها كبرى في إصلاح المفاهيم الخاطئة، لا التشجيع عليها؛ فليس ذلك من حماية الدين ورعاية حقوقه، بل هو الإضرار بمقاصده والمتاجرة به عمدا. ونحن نعاين مدى فحش هذه المتاجرة كل سنة مع شهر رمضان، إذ تنقلب مصالح الدولة إلى هذا التاجر الذي يسعى جاهدا يحث الناس على الإسراف في الأكل والتخمة بالسهر جادا على توفير السوق بكل ما يجب ولا يجب. ثم إن سلطاتها تمعن في منع الناس من الأكل والشرب علانية بينما هذا من حقّهم المضمون دستوريا ودينيا.</p>
<p>فهلا سعت السلط بتونس، بداية من هذه السنة، في الكف عن تجارتها الرخيصة بالدين فصححّت فهمها له بأن سعت لتحرير النوايا الحسنة في احترام رمضان؛ فمن شاء الصيام فله ذلك على ألا يفرضه على غيره، إذ في صومه مع غير الصائمين أفضل الدليل على حسن نيته وسلامة فهمه لدينه واحترامه لحرية غيره! كما للمحلات التجارية عرض الخمر كما هي الحال سائر الأيام، إذ منع البيع في رمضان وأيام الجمعة يخالف، لا الدستور وحده، بل والدين أيضا، إذ في كليهما التقديس لحريات الناس الخاصة!</p>
<p><strong>وجوب رفع العراقيل عن شرب الخمر والمتجارة بها:</strong><br />
نأمل من الآن أن تثوب السلط إلى رشدها وتحترم واجباتها الدستورية في الحرص على تطبيق الدين القيّم الصحيح، لا ما رسب فيه من مفاهيم مغلوطة أفرزتها الإسرائيليات التي طبّقت مفاهيم غربية عن الأسلام، بما أنه ليس مجرّد شعائر، إنما هو دين ودنيا؛ وللدنيا مقتضياتها.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>إن احترام الدولة لواجباتها لهو في المنافحة عن الدين الحقيقي ورفض كل فهم غير صحيح له، يجعل من إسلام الحقوق والحريات دين التزمّت ورفض الآخر باسم نظرة لاهوتية مستوردة لا تمت بصلة لا لروح الإسلام ولا لعقلية العربي المتعلّق بحريتة في دينه.<br />
لذا، من الواجب إبطال كل ما يمنع في رمضان هذه السنة حرية التجارة، بما فيها تجارة الخمرة، وتبيان أن الإسلام يضمن للمسلم حق مسكه وشربه شريطة ألا يبالغ في ذلك إلى حد فقدان عقله.</p>
<p>فشرب الخمرة بلا إسراف لمن باب مجاهدة النفس، وهي هذا الجهاد الصحيح الذي حث عليه الإسلام، فنسيه من يتاجر بدينه من الفقهاء المحرّمين للخمرة. ولتعطي أيضا البلديات المستقلّة إشارة العودة للدين السمح المتسامح بأن تسعى، دون تأخير، لأن تطبّق في مجالها هذا الفهم االصحيح للدين؛ إذ بلغ السيل الزبى في الإفحاش في فهمه من طرف من قلب ما فيه من درر إلى بعرات أفرزها إسلام دعي لا يمت بصلة لدين محمّد، إيمان الحقوق والحريات، كل الحقوق وكل الحريات بلا استثناء.</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/05/18/%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%85%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86%d8%8c-%d8%aa%d8%ac%d8%a7/">حديث الجمعة: شرعية الخمرة في رمضان، تجارةً وشربًا</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2018/05/18/%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d8%a9-%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%85%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86%d8%8c-%d8%aa%d8%ac%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>التصوّف الحرّ أو الإيمان بلا حدود</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/10/25/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%91%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%91-%d8%a3%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d9%84%d8%a7-%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/10/25/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%91%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%91-%d8%a3%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d9%84%d8%a7-%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[ali ben mansour]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 25 Oct 2016 11:19:34 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[التدين]]></category>
		<category><![CDATA[التصوف]]></category>
		<category><![CDATA[الدين]]></category>
		<category><![CDATA[العلم]]></category>
		<category><![CDATA[الفلسفة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=31037</guid>

					<description><![CDATA[<p>&#160; بقلم الدكتور فتحي المسكيني حين تشير اللغات الغربية إلى معنى &#8220;التصوّف&#8221; هي لا تعوّل على أيّ ذكر للباس أو لزيّ بعينه، بل هي تعود إلى لفظ يوناني هو μυστικός, mystikos، الذي يعني &#8220;السرّ&#8221;، والمشتقّ من جذر بعيد هو μύστης، mústês، الذي يعني &#8220;المطّلع على سرّ&#8221; ديانة قديمة، والمشتقّ هو نفسه من جذر أقدم هو...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/10/25/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%91%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%91-%d8%a3%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d9%84%d8%a7-%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af/">التصوّف الحرّ أو الإيمان بلا حدود</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-31038 aligncenter" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2016/10/التصوّف.jpg" alt="%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%91%d9%81" width="725" height="430" /></p>
<p><strong>بقلم الدكتور فتحي المسكيني</strong></p>
<p><strong>حين تشير اللغات الغربية إلى معنى &#8220;التصوّف&#8221; هي لا تعوّل على أيّ ذكر للباس أو لزيّ بعينه، بل هي تعود إلى لفظ يوناني هو μυστικός, mystikos، الذي يعني &#8220;السرّ&#8221;، والمشتقّ من جذر بعيد هو μύστης، mústês، الذي يعني &#8220;المطّلع على سرّ&#8221; ديانة قديمة، والمشتقّ هو نفسه من جذر أقدم هو μύω، múô، الذي يعني &#8220;أغلق&#8221; (بصره أو فمه..).</strong><span id="more-31037"></span></p>
<p>ما هو &#8220;مسطيقي&#8221; في لغات الغرب هو ما هو &#8220;متعلق بالأسرار&#8221;، &#8220;مرتبط بالألغاز&#8221;، &#8220;ملقّن بشكل سرّي&#8221;، &#8220;مستغلق&#8221; ومضنون به على &#8220;غير أهله&#8221;. يشير إلى &#8220;معنى خفيّ&#8221;، &#8220;مبهم&#8221;، لا يمكن الإحاطة به، وبالتالي إلى &#8220;لغز&#8221; لا يمكن حلّه، ومن ثمّ، ربّما، إلى أمر لا يخلو من &#8220;شبهة&#8221; أو &#8220;ريبة&#8221; ما.</p>
<p>وعلى عكس نشأة مصطلح &#8220;التصوّف&#8221; بالعربية، والذي يبدو أنّه لا يخلو من ضرب من &#8220;سياسة المرئي&#8221;، نجد أنّ &#8220;mysticism&#8221; (وتنويعاتها في الألسن الغربية) نزعة روحانية تشتغل على &#8220;اللاّمرئي&#8221;، باعتباره ميداناً &#8220;سرّيّا&#8221; لنوع من &#8220;الانتماء&#8221; أو &#8220;الجماعة&#8221; يمتلك صلاحية أخلاقية فريدة من نوعها. لا ينحصر الأمر إذن في ما هو خفي أو مخفي عن حاسة النظر البشرية، بل ما هو خفيّ عن &#8220;أرواحنا&#8221; أو &#8220;عقولنا&#8221; نفسها؛ لأنّه يشير من مكان لا يمكن لبشريّ أن ينظر منه. إنّ المشكل &#8220;طوبيقي&#8221; هنا وليس &#8220;بصريّا&#8221; فقط. وفي الردهات المتأخرة من العصر القديم تمّ تكريس معنى فلسفي للتصوّف يشير إلى تيّار ديني-متفلسف يعتمد المواجيد (Ekstase) و&#8221;التمارين النسكيّة&#8221; و&#8221;الرؤية ما وراء العقل&#8221; وكلّها أمارات على نوع من &#8220;الاتصال المباشر&#8221; بين النفس الإنسانية وبين مساحة الألوهية. وهكذا كان مجال التصوّف مختلطا منذ بدايته بنوع من الحرية الروحية التي لا تخلو من اصطدام مع الوضع اللاهوتي القائم. حرية تكمن أصالتها في مزج جريء وبعيد الغور بين مخالفة السائد الديني، باعتباره مجرّد &#8220;دين للعوام&#8221; وبين مباشرة تجربة التألّه، باعتبارها نمط الدخول الوحيد في ميدان الله فيما أبعد من كلّ ما هو بشري إلى حدّ الآن.</p>
<p>لكنّ التصوّف ليس معطى روحيا جاهزا، بل له تاريخ سرّي ومعقّد وطويل الأمد. فالأمارات الصوفية لا تخلو منها حضارة من آسيا إلى اليونان. ومن اليونان إلى الإبراهيميين. لكنّ الشكل الأوروبي من التصوّف لم يظهر قبل الأفلاطونية المحدثة. ويُعد أفلوطين (205-270 بعد المسيح) هو من أعطى البنى والمقولات والأطر الإشكالية التي ألهمت تجربة التصوّف في العصور الوسطى قاطبة، دون أيّ تمييز بين الملل. قال أفلوطين في إحدى التسوعيات (IV، 8): &#8220;كثيرا ما أصحو إلى لنفسي، وقد تخلّصت من جسمي، غريبا عن أيّ شيء آخر، في باطنيّة نفسي، فإذا بي أرى إلى جمال كأقصى ما يكون روعةً. وإذا بي مقتنع تماما بأنّ لي مصيرا أعلى من وجودي؛ وأنّ فعلي هو أعلى درجة من الحياة؛ وأنّني متّحد مع ما هو إلهيّ..&#8221;. الجديد مع أفلوطين هو الإشارة نوع من &#8220;الصحو&#8221; يوجد على مستوى &#8220;النفس&#8221; ولا علاقة له بيقظة الجسم. ومن أجل بيان هذا النوع الإلهيّ من &#8220;الصحو&#8221; يميّز أفلوطين بين ثلاث أنواع من &#8220;النفوس&#8221;: نفس دنيا موصولة بالجسم ذات طبع نباتي؛ ونفس متوسطة تجد طبعها في الحركة بين الأعلى والأدنى، وهي &#8220;ما نحن أنفسنا&#8221;؛ وأخيرا نفس عليا، تتطبّع كأقصى ما يكون بالفكر المحض أو العقل، وهي وحدها مؤهّلة للتأمّل. وتجربة الصحو هي تبدأ من انتباه النفس الوسطى إلى ما هو باطنيّ فيها، فإذا هي مدعوّ إلى نوع من &#8220;الانقلاب&#8221; أو التلفّت إلى نفسها بمجرّدها، واكتشاف &#8220;وحدتها&#8221; العميقة بعيدا عن تشتّت الجسد. هذا الاكتشاف للنفس هو أوّل خطوة نحو الانتقال إلى مجال التجربة الصوفية. إنّ &#8220;النفس&#8221; هي عضو فقط في جماعة روحية أوسع نطاقا هي تضمّ حسب أفلوطين النفس والعقل والواحد. وهي ما سمّاها فورفريوس &#8220;الأقانيم&#8221; الثلاثة. وهنا يتمّ تحديد التجربة الصوفية في أوّل صياغة لها بأنّها عبارة عن معراج متدرّج نحو الاتحاد مع الله.</p>
<p>يقول فوفريوس الصوري (234-305 ب. م.): &#8220;إنّه بفضل هذا الإشراق، كما تحت تأثير مارد ما، الذي يصعد غالبا عبر العقل إلى حدّ الواحد وما وراء ذلك، متّبعا في ذلك سبيل أفلاطون التي أشار إليها في محاورة المأدبة، هو [أي أفلوطين] قد رأى الله الذي ليس له لا شكل ولا جوهر، لأنّه يقع ما وراء العقل والمعقول..كان أفلوطين أقرب ما يكون إلى رؤية الهدف. كانت الغاية والهدف عنده هي الاتحاد الحميم مع الإله الذي هو فوق كل شيء. وأثناء الفترة التي كنت معه فيها، هو قد بلغ إلى هذا الهدف أرب مرات.&#8221;</p>
<p>ما تمّ، ربما منذ القديس أغسطينوس (354-430 ب. م.) هو عملية &#8220;تنصير&#8221; لأفكار أفلوطين، ثمّ لاحقا تهويده و&#8221;أسلمته&#8221;&#8230;كان الأمر يتعلق منذ أفلوطين بنوع من &#8220;اكتشاف الألوهية&#8221;، وبتعبير أفلوطين اكتشاف &#8220;الواحد&#8221; والدخول في اتحاد معه. حوالي سنة 500 ب.م. ظهر كتاب يكرّس كلّ تلك المعاني تحت عنوان &#8220;اللاهوت الصوفي&#8221; (mystica theologia) يُنسب إلى راهب سوري.</p>
<p>بيد أنّه في كلّ التلوينات التي عرفها تاريخ التصوّف عندما انتقلت تجربة اكتشاف الألوهية والاتحاد معها من الأفق الوثني (أفلوطين) إلى الأفق التوحيدي من أغسطينوس إلى مَيستر إيكهرت (1260-1328 ب. م.) أمكن للدارسين أن يميّزا بين جناحين متباينين للتصوّف: بين تصوّف &#8220;أرثوذوكسي&#8221; مرتبط بالكنيسة الإقطاعية (من نوع تجارب برنار فون كليرفو، ألكسندر فون هاليس، بونافنتورا..)؛ وتصوّف &#8220;هيترودوكسي&#8221;، مخالف للعقائد السائدة، يؤسّس تجربة على مذهب الحلول أو وحدة الوجود بين البشر والإله. وأهمّ أركان هذا التصوّف &#8220;البانثيوسي&#8221; هو إقرار المساواة الأنطولوجية بين الناس أمام تجربة التألّه: لا يحتاج البشر إلى أيّ وساطة كهنوتية أو كنسية بينهم وبين الألوهية، بل إنّ كلّ المراسم اللاهوتية المتبعة لنيل الغفران أو تحقيق الخلاص هي زائدة عن اللزوم الروحي. وهذا النوع من التمرّد الصوفي كان مصدر إلهام عتيد وعميق بالنسبة إلى كلّ الحركات المعارضة والثورية والطوباوية والهرطقية في فجر الأزمنة الحديثة الأوروبية. وإلى هذا الفصيل تنتمي أسماء من قبيل ألماريش فون بينا، ر. بيكون، دافيد فون دينانت، ميسر إكهرت.</p>
<p>بيد أنّه منذ أن تمّ في القرن السابع عشر توطيد دعائم الفيزياء الرياضية (غاليلي، نيوتن..) والعقلانيات الفلسفية الكبرى الحديثة (ديكارت، هوبز، سبينوزا، ليبنتز، كانط..) تغيّرت منزلة المقولات الصوفية، وتمّ طرح مشاكل صوفية جديدة لم تعد تعوّل على حلول &#8220;النفس&#8221; في &#8220;الألوهية&#8221;، بل صارت مرتبطة بمدى قدرة الفلاسفة (خاصة سبينوزا، هيغل، شيلنغ، شوبنهاور، كيركغارد..)، على الاستلهام الصوفي من أجل تأسيس أو تملّك أو تحرير نمط الحقيقة الذي تفرضه التصوّرات الحديثة للطبيعة وللإنسان والمجتمع والتاريخ&#8230;أمّا المتصوّفة أنفسهم فقد صاروا منبوذين من اللاهوت الكنسي. وتمّ الانتقال من &#8220;التصوّف اللاهوتي&#8221; إلى &#8220;التصوّف العلماني&#8221; الذي اخترق تجارب المعنى لدى أخطر الفلاسفة منذ الرومانيين الألمان (شيلنغ) إلى شوبنهاور ونيتشه وفتغنشتاين وهيدغر وربما دريدا (اللاهوت السالب) وفاتّيمو.</p>
<p>دافع باسكال عن &#8220;نزعة تقوية راديكالية&#8221;، وظهرت نزعة إلى المماهاة بين &#8220;حدس الله&#8221; و&#8221;حدس الطبيعة&#8221; (جيوردانو برونو/ سبينوزا). لقد تمّ تحرير الله من الدين السائد وإعادته إلى حقيقته الصوفية. إنّ قولة سبينوزا الشهيرة &#8220;Deus sive Natura&#8221; (الله أو الطبيعة) هي أكبر مكسب ميتافيزيقي في نطاق سياسة الحقيقة في أفق الإنسانية أمكن استلهامه من تجارب التصوّف إلى حدود القرن السادس عشر (حيث إنّ جيوردانو برونو &#8220;الأخ الدومينكي قد أُحرق حيّا في ساحة روما سنة 1600، متّهماً بـــ&#8221;الإلحاد /القول بالحلول&#8221;، لكونه قد دافع عن فكرة صوفيّة، &#8220;بانثيوسيّة&#8221;، تتمثّل في الاعتقاد الفلسفي في أنّ &#8220;الكون لامتناه، لا مركز له، مأهول بعدد لا يُحصى من العوالم التي من جنس عالمنا&#8221;). ما فعله سبينوزا، انطلاقا من &#8220;حلولية&#8221; برونو، هو إخراج الله أصلا من نطاق المعتقد الديني، وتنزيله في أفق تجربة صوفية بانثيوسية للطبيعة، الميدان الجديد الذي اكتشفته الفيزياء الغاليلية وقرأته كــ &#8220;كتاب مكتوب بأحرف رياضية&#8221;. كلّ معتقد ديني هو حسب سبينوزا &#8220;تشبيهي&#8221;: أي يقيس الله على مقياس التخيّل البشري لكل ما هو &#8220;جسم&#8221;. والإنسان هو بالتحديد &#8220;كائن متخيّل&#8221; وليس له من مدخل إلى تصوّر &#8220;اللامتناهي&#8221;، إلاّ أن يرى الأشياء من وجهة نظر &#8220;نوع ما من الأبدية&#8221;: أي أن يقتبس من القدرة الإلهية التي تعبّر عن نفسها في &#8220;الطبيعة الطابعة&#8221; في كل شيء ما يمكّنه من معرفة الله حقّا. على الإنسان أن يفهم أنّه &#8220;جزء من القدرة الإلهية&#8221;، وأنّه جزء من &#8220;ماهيته. وذلك يعني أن يكفّ عن تصوّر الإله بشكل &#8220;ديني&#8221; أي وكأنّه كائن أو جسم &#8220;يتعالى&#8221; على العالم ويوجد &#8220;خارجه&#8221;، بل أن يقبل بأنّ الله هو في كل شيء وأنّ كلّ شيء هو في الله. وبالتالي أنّ الإنسان قطعة لا تتجزّأ منه. ومن ثمّ، أنّه حرّ حرية إلهية لا ينبغي لأيّة سلطة أن تسرقها منه عقله. قال سبينوزا: &#8220;كلّ ما يوجد، يوجد في الله، ولاشيء يمكن تصوّره من دون الله&#8221;. هذا يفترض أنّ الله ليس حاكما يجلس خارج العالم من أجل محاسبتنا. إنّه ليس &#8220;شبها&#8221; لنا نعطيه صفتنا من قبيل الوجه واليد والإرادة، إلخ. كلّ الأديان التوحيدية انتهت إلى نزعة تشبيهية لا تدرك من الله إلاّ ما يدركه التخيل البشري. وأخطر مظهر تشبيهي هو فهم الألوهة على قياس البشر أي بشكل &#8220;غائي&#8221;&#8221; أو &#8220;نفعي&#8221;. والحال أنّ الله طبيعة أبدية حرّة على الإنسان أن يدركها على مقاسها، وليس على مقاس تخيّله. الله غير محتاج للبشر حتى يوجد كما هو. قال: &#8220;هذا الموجود الأبدي واللامتناهي الذي نسميه الله أو الطبيعة يفعل بنفس الضرورة التي يوجد بها&#8230;لكونه لا يوجد من لأيّ غرض بعينه، فهو لا يفعل لأيّ غرض بعينه؛ ومثل وجوده، فإنّ فعله لا مبدأ له ولا غرض&#8221;. وهكذا، فإنّ كل ما &#8220;يوجد&#8221; أو كل ما هو &#8220;واقع&#8221; هو كامل. وذلك لأنّه متأت من الجوهر الإلهي أي من الطبيعة.</p>
<p>بقي أنّه علينا أن تساءل: ما هو نوع الحرية التي يعدنا بها التصوّف الأوروبي؟ تلك التي لا يمكن لأيّ دين نظاميّ أن يفي بها؟ وإلى أيّ مدى نجحت أشكال التصوّف عبر التاريخ الروحي للإنسانية في مساعدتها على مقاومة التعصّب الرسمي للدول الدينية أكانت موجودة أم منشودة؟</p>
<p>ربما علينا أيضا أن نميّز يشكل حاسم بين تصوّف الأديان العالمية / أديان الإله الشخصي، مثل المسيحية أو اليهودية، وبين تصوّف الثقافات الروحية التي لم تعرف مذهب الإله الشخصي وظلّت تكمل مسيرتها الخاصة خارج أفق الأديان التوحيدية، وهو تمييز يقودنا قهراً إلى هذا التساؤل: ما الفرق بين تصوّف يدور حول مركزية تجربة الإله، وبين تصوّف لا يعرف هذا النوع من المركزية اللاهوتية؟ بين تصوّف لاهوتي وتصوّف روحاني؟</p>
<p>هذا النوع من الأسئلة تكمن أهمّيته المزعجة في كون التصوّف الأوروبي قد عاد إلى واجهة الانشغال الحاد في كتابات &#8220;ما بعد الحداثة&#8221;، ولكن هذه المرة في أتون غزل واضح ومتنوّع جدّا مع التقاليد والتقليعات الروحانية الآتية من الشعوب الآسيوية، وخاصة البوذية والزان والطاوية. هل هذا أمارة أخيرة على الجفاف الميتافيزيقي في الغرب؟ أم هو أخطر من ذلك: دليل على انحسار غير مسبوق في الطاقة الإلهامية للتراث الصوفي الداخلي للأديان الإبراهيمية؟ أليس في ذلك إشارة ما إلى أنّ وجهة البحث عن مخرج من عودة &#8220;الإرهاب&#8221; الديني إلى الواجهة قد تغيّرت وانتقلت إلى الحضارات التي لم يلعب فيها الإله التوحيدي أيّ مركزيّة روحية؟ &#8211; إنّ التصوّف الآسيوي قد أخذ يفرض نفسه باعتباره وجهة الحلّ الوحيدة لمقاومة المصادر اللاهوتية التوحيدية لكارثة الإرهاب. ولكن هل يمكن للتصوّف أن يحرّر المقدّس من تاريخه اللاهوتي؟ هل يمكن للمتصوّفة أن يصلحوا ما أفسده الدعاة أو الكهنة ما بعد المحدثين؟</p>
<p>&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;.</p>
<p>*الدكتور فتحي المسكيني ، جامعي ومفكر تونسي ، أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية</p>
<p>&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;</p>
<div class="post_content">
<p>** <strong><span lang="AR-SA">المواقف والأفكار التي تنشر في قسم “أفكار” لا تلزم إلا أصحابها ولا يعني نشرها من قبلنا تبنينا لها بأي صفة من الصفات .</span></strong></p>
<p>&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;..</p>
<p>نشر المقال في موقع <a href="http://www.mominoun.com/articles/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D9%88%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1-%D8%A3%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%AD%D8%AF%D9%88%D8%AF-4428#.WAupPIhplp0.facebook" target="_blank">&#8220;<strong>مؤمنون بلاحدود&#8221;</strong></a> بتاريخ 21 أكتوبر 2016</p>
</div>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/10/25/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%91%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%91-%d8%a3%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d9%84%d8%a7-%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af/">التصوّف الحرّ أو الإيمان بلا حدود</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/10/25/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%91%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%91-%d8%a3%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d9%84%d8%a7-%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>(19) التصوف إسلام تونس الشعبي</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/24/19-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%81-%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a8%d9%8a/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/24/19-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%81-%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a8%d9%8a/#comments</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[ali ben mansour]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 24 Jun 2016 11:17:19 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[الأولياء]]></category>
		<category><![CDATA[الاسلام]]></category>
		<category><![CDATA[التصوف]]></category>
		<category><![CDATA[القرآن]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=15580</guid>

					<description><![CDATA[<p>يكتبها فرحات عثمان إننا في هذه اليوميات ننطلق من مبدإ ثابت، لا محيص عنه، ألا وهو أزلية الإسلام وعلميته وكونيته، مما يجعله خاتم الأديان. فنحن لا نفتأ نذكّر بذلك من باب واجب المسلم على قول الحق ولو على نفسه في زمن أصبح فيه الدين تجارة تُشترى بها الذمم ويُهدر فيه دم الأبرياء؛ وديننا الحنيف براء...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/24/19-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%81-%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a8%d9%8a/">(19) التصوف إسلام تونس الشعبي</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-15582 aligncenter" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2016/06/سيدي-محرز.jpg" alt="سيدي محرز" width="725" height="430" /></p>
<p><strong>يكتبها فرحات عثمان</strong></p>
<p><strong>إننا في هذه اليوميات ننطلق من مبدإ ثابت، لا محيص عنه، ألا وهو أزلية الإسلام وعلميته وكونيته، مما يجعله خاتم الأديان. </strong><span id="more-15580"></span></p>
<p>فنحن لا نفتأ نذكّر بذلك من باب واجب المسلم على قول الحق ولو على نفسه في زمن أصبح فيه الدين تجارة تُشترى بها الذمم ويُهدر فيه دم الأبرياء؛ وديننا الحنيف براء من كل ذلك.</p>
<p>إننا نسعى للتذكير بما في الإسلام من سمو وعلو لا تطاله النوايا المغرضة لمن في نفوسهم مرض، هاجسنا الأوحد أن تكون مآذن جوامعنا منارات التسامح الذي أتى به ديننا والأنسية التي كان سبّاقا للتأسيس لها في حداثية غير مسبوقة هي حداثيته التراجعية.</p>
<p>نبيّن إذن اليوم أن الإسلام التونسي الصحيح، بل المغاربي عموما، هو إسلام الحقائق، كما سماه ابن تيمية، أي إسلام التصوف؛ فمنه الإسلام الزيتوني وليس كله منه للأسف. أما من يدّعي الحقيقة للسلفية الهوجاء، فليعلم أنها ليست إلا سلفية الأكاذيب أو إسلام الإسرائيليات، إذ السلفية الحقة بمعنى العودة للدين الصحيح لهي الصوفية.</p>
<p><strong>في الإسلام الرسمي </strong></p>
<p>الإسلام الصحيح التونسي، أي الإسلام الشعبي، ليس الإسلام  الرسمي، سواء كان ذلك الذي ينعت نفسه بالمتوسط أو ما تزّمت منه عند البعض ممن يخبط خبط عشواء في دين القيمة. فدين الإسلام لا يكون إلا ثوريا على كل ما تحنط ولا يفتأ يتحنط في البشر، بداية بذهنه عندما يهرم قبل أوانه.</p>
<p>للأسف، نجد مثل هذا الإسلام المحنّط عند العديد من الفقهاء، وليس هو إلا مطية لأغراض ساسة وذبان بلاطات يسعون لمصالحهم الذاتية، لا يمثلون الإسلام الحق الذي لا يتجلى إلا في ما تعيشه الشعوب الإسلامية وتحياه في حياتها اليومية وفي متخيلها الشعبي.</p>
<p>إن الإسلام الرسمي بتونس يأخذ بالحرف في الدين وينسى الروح الإلاهية التي فيه؛ بهذا يمرّ بأزلية الدين من روحه السنية كما نراها في مقاصد الشريعة إلى نص تاريخي بالضرورة لما في ملتنا من تناسب مع زمنها وما فيها من تدرج في أحكامها.</p>
<p>أما الإسلام الشعبي، وقد قدّمت له صوفية الحقائق أفضل صورة، فهو يأخذ بالإسلام في أزلية تعاليمه وسمو مقاصده لا بما في رسمه، فيتر ك جانبا ما ظهر فخالف ما يتغير ضرورة في طباع البشر، ويعود إلى الباطن منه مما تتجلى فيه روح الشريعة الحقة في تأقلمها مع التطور المستدام لحياة البشر.</p>
<p>لقد كانت الصوفية، وهي من خير ما استنبط الفكر الإسلامي الأصيل، أصدق من فهم الإسلام على حقيقته بعيدا عن كل تأويلات هؤلاء الذين يعتقدون الكلام في الإسلام بينما هو لا يرددون إلا مقولات دخيلة عنه.</p>
<p>فالعادات اليهودية والمسيحية سرعان ما تغلغلت في أذهان العديد من المسلمين لما هناك من وثيق الاتصال بين الإسلام وما سبقه من رسائل سماوية؛ أفليس الإسلام خاتم الأديان؟ إلا أنه جاء ليصحح ما سبقه مما لحقه من تحريف، فإذا بنا نرى من يدّعي الأخذ بما سبق من السلف من حسنى يسيء إلى دينه فيشينه.</p>
<p>نعم، تجليات الإسلام عديدة متنوعة اليوم، ولا شك أن الإسلام في نسخته الرسمية، أيا كان البلد المعني، يختلف تماما عن الإسلام الشعبي، وذلك بالسواء بين ما هو من هذه التجليات الغالبة، أي الإسلام السني، و ما اصطلح على تسميته بالإسلام المخالف وحتى بالهرطقة، وعلى رأسه الإسلام الشيعي.</p>
<p>رغم كل هذا، يبقى الإسلام واحدا أحدا، وهو التوحيد بالله وحرية الإنسان في عقيدته، لا يتوسط بينه وبين خالقه أحد، لأن تسليمه هو لله وحده كبشر حر، مجّد الإسلام حريته ورفع منها إلى حد قبوله بأن يتحمل أمانة إعمار الأرض وخلافة الله فيها.</p>
<p>ولكن، ماذا نرى في أنحاء المعمورة؟ البلاد التي تدّعي الإسلام تنتهك أخلاقيته والمباديء السامية التي فيه، حتى أننا لنراها أكثر احتراما في البلاد غير المسلمة والتي لا تأخذ بتعاليم الإسلام؛ فلكأنها هي المسلمة حقا وحقيقة، دون البلاد التي هي إسلامية بالرسم دون االفعل والنية.</p>
<p>فالإسلام مثلا يدعو للديمقراطية وقد بيّن ذلك في العديد من أحكامه ومنها حكم الشورى والمشورة؛ والإسلام جاء بالتسامح وبضرورة احترام الآخر المختلف، سواء كان ذلك في الملة أو المشارب أو الهوى؛ والإسلام جاء بالعفو والعدل والانصاف؛ فأين كل ذلك؟</p>
<p>كل هذه الأخلاقيات لا تعرفها أنظمتنا السياسية المقامة على مبدأ الرأي الواحد وحكم المنفرد ونبذ الرأي المخالف مع التسلط والقهر على كل مخالف، بل والتشفي منه. وبما أن كل هذا لا ينتمي بأي صفة للإسلام، فحكام البلاد الإسلامية لا يقومون إلا بتوظيف الدين لأغراضهم، فيصرفون آياته وأحكامه كما بدا لهم لما للدين من مكانة عتيدة في النفوس. بذلك هم يستحوذون على عقول البعض ويدعمون تسلطهم على الشعب باسم دين هو منهم براء. وفي تصرفهم ذلك، يأخذون بحرف الدين ونصه كما ثبت في فترة من فترات نزوله ويجهلون أو يتجاهلون روحه كما تبينها مقاصده، وهي كل الشريعة ولب لبابها.</p>
<p>إن الإسلام في حكمته جاء منجّما فكانت أحكامه متدرجة نظرا لما في الطبيعة البشرية من نقص. فمن نقصنا ننتقص من حكمة ديننا بأن نأخذ بحرف لنجعله أزليا بينما تاريخيته تفرض نفسها، كما هو الحال في مثالي قطع اليد و الرق.  فأزلية نص القرآن في مقاصده وفي روحه لا في نصه. وكما     الحرف من كلام الله، روحه هي أيضا من هذا الكلام، بل هي     فيه أعلى وأبلغ! وهذا ما سمّته الصوفية بالباطن، داعية بتغليبه على الرسم وعدم الحكم بمجرد ما ظهر من نص القرآن إذا خالف روحه ومقاصد الشريعة.</p>
<p>لا شك أن في العديد من مظاهر الإسلام الرسمي ما يمكن تسميته بالمسكوت عنه أو المضنون به على غير أهله، وهي تلك الأمور التي لا يجب الكلام فيها من باب عقلية نخبوية أو تخصيصٍ لصفوة. إلا أن مثل هذا التوجه ولّى وانقضى.</p>
<p>الإسلام الرسمي اليوم، ومنه خاصة ما عُرف بالإسلام السلفي أو المتزمت، لهو حقا نتاج ما رسب في عاداتنا وتقاليدنا من إسرائيليات، وقد أثّرت كثيرا على الآخذين بالعلم من المسلمين. ونحن نعلم، كما بيّن ذلك لنا ابن خلدون، أن حملة العلم في حضارة الإسلام كانوا من غير العرب.</p>
<p>ودون التقليل البتة من حماسة هؤلاء الموالي لدينهم، فقد جاؤوا بعقلية غريبة عن الإسلام، وهو الدين العربي أساسا؛ وكانت تلك العقلية متأثرة بالعادات اليهودية والمسيحية الشائعة آنذاك، الفاعلة في المتخيل الشعبي. من ذلك كل ما رسب في الإسلام من نظرة متزمته للجنس وللعري؛ أو من تقليص لحرية الاعتقاد وتوسيع لمعنى المقدس حتى فقد صبغته التي هي بالأساس معنوية عند العرب.</p>
<p>لهذا، نحن لا نستغرب هذه الردة الفعلية الشعبية المتمثلة في تنامي ظاهرة ما اختزله التزمت عند بعض الشباب، والذي مردّه أساسا إنكار هؤلاء للمؤسسات الرسمية أية صفة في تمثيل الإسلام الحقيقي. إلا أن ذلك لا يتم باسم هذا الإسلام كما عاشه ويعيشه المسلم البسيط، بل نراه ينحو منحى أهل الإسلام الرسمي، فيحاكيهم في تشويه صورة الدين ومسخها. ذلك لأن التشوية يأتي بتشويه معاكس.</p>
<p>لنأخذ على ذلك مثال العلاقات الجنسية بين الشباب المسلم وقد     حرّمها الدين الرسمي بينما قبلها في سماحته دين الإسلام الأصلي مع تقنينها بما كان يتلاءهم مع مقتضيات العصر، فكان زواج المتعة. ولا شك أن عصرنا الحالي يقتضي ألا نتجاهل مقصد الشريعة بما جاءت به في الموضوع، فنجتهد مجددا لنلائم بينه ومقتضيات العصر حتي لا نخالف طبيعة البشر وقد عمل ديننا على تبيين المنهج الأفضل.</p>
<p>لنا أيضا أن نأخذ مثال المولد النبوي الشريف الذي يرى أهل السلفية أنه من الدخيل على الإسلام، وهم في هذا على حق، بينما يرى أهل السنة والجماعة غير ذلك، وهو غلط، إذ ما كان الاحتفال بمولد الرسول من العادات الشعبية في الإسلام الأول، ولم تصبح كما هي اليوم إلا في نطاق الإسلام الرسمي.</p>
<p>أما حان الأوان إذن لأن تترك السلط السياسية الرسمية الدين لأهله، أي للشعب، فلا تتحامل عليه بأن تعطيه صبغة رسمية هي بعيدة كل البعد عن كنهه وروحه مما يحمل العديد على محاربتها بأن يتجنى أكثر على ديننا فيذهب أكثر بعدا في الغلو والتزمت؟</p>
<p>إن الإسلام في القلوب أولا وقبل كل شيء، وليس هو بما يُوظف للأغراض السياسية والمصالح الدنيوية؛ لذا وجب إعادته إلى مقامه السامي في أنفس الشعب وترك هذا الشعب يحيا دينه كما دأب عليه قرونا وقرونا، أي بكل حرية ومباشرة في علاقته بربه بدون وساطة أئمة ولا وعاظ ولا دعاة ولا فقهاء، إذ لا كنيسة ولا كهانة في دين القيّمة. فتلك هي الروح الديمقراطية، وذاك هو بحق الإسلام !</p>
<p><strong>في الإسلام الشعبي </strong></p>
<p>لقد عرف الإسلام الشعبي كيف يصل إلى هذه الروح إذ كانت مما استنبطه الفقهاء على مر الأزمنة، وبخاصة فقهاء الصوفية؛ ولعل أفضل من ثمّن اجتهادهم هو صاحب النظرية المقاصدية الإمام الجليل الشاطبي الذي نذكره في آخر هذه المقالة.</p>
<p>لا شك أن فقهاء الإسلام اجتهدوا فأصابوا في عصرهم بأن تأولوا نصوص القرآن حسب مقتضيات زمانهم. إلا أنهم    &#8211; عملا بتناغم الدين مع عصره، لأنه ليس بالدين فقط، إذ هو دنيا أيضا &#8211; صرفوا حكم بعض الآيات حسب ما تعارفوا عليه وأخذت به أمم البشرية. لذلك أيضا، حكّموا السنة في ما لم يكن فيه أي حكم أو قاسوا على بعض الأحكام حتى يكون الدين بحق دستور البلاد في ما يخص علاقة البشر ببعضهم.</p>
<p>كان الأمر كذلك في عدة مواضيع منها اللواط، وقد أفردنا له يومية، ومنها الردة وسنتعرض لها في يومية قادمة. ففي هذين الأمرين، ذهب الفقهاء إلى أبعد ما جاء به الدين في تأويلهم له حسب ما اعتقدوا أنه يمثّل روحه ومقاصده. فالمرء نتاج عصره، يفكّر حسب متخيل هو من إفرازات كل ما يحيط به من عوامل وتيارات. ومن هنا جاء القول الخاطيء بأن الإسلام يجرّم الردة ويحرّم اللواط، وليس ذلك بالصحيح كما بيناه ونبيّنه بوافر الأدلة الشرعية.</p>
<p>هذا، و إن     أخطأ     الإسلام الرسمي  بتجاهله روح الدين وأخذه بإيديولوجية الحاكم ونظرته للأشياء، فقد تنكّر أيضا لمعتقدات الشعب وموقفه الحقيقي من تلك المواضيع، حيث ما اعتقد العربي المسلم أبدا في انعدام حرية العقيدة في ملته والحرية الملازمة لذلك، أي حرية الارتداد؛ كما أنه ما اعتقد البتة في كون العلاقات الجنسية الشاذة مما يحرمه الدين، إذ كان يتعاطاها ولا يزال كصنف من أصناف الجنس هو من الفطرة البشرية ومما في الطبيعة، حتى وإن شذ أي قل. خاصة وأن الجنس العربي تمامي، لا يفرّق بين الجنسين.</p>
<p>بذلك كان الإسلام الشعبي دوما أصح إسلاما مما عرفناه ونعرفه عند الحكّام، إذ نجد فيه عفوية الدين وبساطته وطلاقته دون تزييف ولا تحريف لأسباب عقدية أو مصالح نخبوية أو أغراض شخصية. لهذا، رغم ما شابه من التحريفات في بعض التصرفات الغريبة، فقد بقي الإسلام في جوهره وأصوله سليما، مكينا في النفوس. بهذه الصفة    مكّن الدين من الدوام في الأفئدة شامخا في السرائر على مر الأزمن؛ حتى أصبح بذلك من ركائز الشخصية وعلامات التحرر للمسلم.</p>
<p>من ذلك أن المؤمن لا يعترف إلا بوحدانية الله في علوه وقداسته، فلا يتوسط بينه وبين خالقه. فالمسلم الشعبي لا يسمح لأحد بأن يتصدى ليبيّن له مراسم دينه، لأنه أولى بذلك وأقدر لفهمها بما أنه العبد الحر، لا حكم عليه في أمور الدين إلا من خالقه وهو الرحمان الرحيم، لا يعاقب إلا من يشاء ويرحم لمن شاء وأراد.</p>
<p>لقد ظهرت في التاريخ الإسلامي فرقة مثّلت خير تمثيل هذا الفكر الشعبي، هي فرقة المرجئة. ورغم أنها اندثرت كمكوّن من أهم التيارات الفكرية في المجتمع لتمكّن الكنيسة الإسلامية المستحدثة من فرض نفسها في شخص الأئمة والفقهاء والشيوخ، فقد بقيت معالم الفرقة في المتخيل الشعبي إلى اليوم، حيث لا نزال نقرأ فيه حقا أزلية الإسلام كما هي في روحه ومقاصده.</p>
<p>فالإسلام هو بلا منازع خاتم الأديان، وهو لا يكون كذلك إلا لأزلية أحكامه. ولكن لا أزلية لنص الأحكام التي جاءت تنظم الحياة البشرية. ذلك لأن الإسلام في جانبه الخاص بالمعاملات جاء متناغما مع الطبيعة البشرية، يتطور معها كما من المفروض أن تتطور هي حسب طبيعتها على ما أرادها لها الله. فالأزلية ليست في الحرف والنص في أمور الدنيا، بل هي في روح هذه النصوص الخاصة بالمعاملات وحياة العباد الدنياوية.</p>
<p>أما أمور الدين، فهي كما حددها الإسلام، لا رأي للمسلم فيها، يأخذ بها ويعمل بها كما هي وكما جاء بها النص الديني الذي هو في ذلك بدون أدنى شك متفقا تمام الاتفاق مع روحه. أما إن شاء المسلم أن لا يأخذ بتلك النصوص، فله الحرية في ذلك، إذ الإسلام يضمن حرية العبد في الإيمان وعدم الإيمان ، فلا إكراه في الدين القيّم. قس على ذلك حرية العبد التامة في أن يكون مؤمنا دون أن يكون مسلما؛ فلعل الله يهديه إلى الإسلام بعد ما آمن؛ ولكن لا يكون ذلك إلا بحرية تامة وعن قناعة وسلامة اعتقاد.</p>
<p>هذا هو الإسلام الحنيف أو الثقافي أو الشعبي، الذي يعلو على الإسلام الشعائري، لأن الإسلام كختام الرسالة السماوية صالح لكل البشرية، متفتح لكل الطباع لعلمية تعاليمه؛ وهذا االذي يُعلي من قيمة الإيمان في الحنيفية المسلمة.</p>
<p>ومن المعلوم أن فترة ما بعد الحداثة تمتاز بالعودة إلى الروحانيات والنهل من الأديان مجددا. فلا شك أن البعد الروحاني الكبير في الإسلام مما يرفع من شأنه لا محالة ليجعل منه بحق دين هذا الزمن. ولا شك أن    من أوكد طموحات الزمن الحالي السلامُ، والإسلام سلام قبل كل شيء؛ فهو سلام روحي أولا وآخرا، وهو سلامة العبد من يد المسلم ولسانه؛ كما هو سلامة النفس من كل ما يشوبها في نطاق الجهاد الأكبر.</p>
<p>وهذا الجهاد هو الوحيد الذي بقى في الإسلام، لأن الجهاد الأصغر ولّى وانقضى كما يبق أن بيّنا؛ فكما منع الرسول وصحابته الهجرة بعد استقرار الدين في دولته، انقرض عهد الجهاء الأصغر لتمام قيام الإسلام في أفضل دار له، ألا هي قلوب العباد.</p>
<p>فلا اعتناق اليوم للإسلام قهرا، ولا دخول في رحاب ديننا السمح عنوة أو البقاء به قسرا؛ ذلك لأنه دين الحرية التامة للإنسان، ودين مجاهدة النفس، وهي مما يشترك فيه العباد قاطبة. فلا رهبوت ولا نقموت في دين السلام، بل الجهاد النفسي على الدوام     لتمام تزكية السريرة !</p>
<p>كل هذا يميّز الإسلام عند المؤمن البسيط. فنجده في المخيال الشعبي حتى وإن بدا لنا يتقلص بعض الشيء لما للمؤسسات الرسمية لساسة البلاد الإسلامية من عمل دؤوب لاحتلال العقول وتوجيه الألباب لأجل نظرة معينة للدين. فهي متزمتة تارة، مدّعية التوسط طورا، بينما هي تضرب دوما عرض الحائط بأخلاقية التسامح في الإسلام، وهو ذلك التسامح الكبار، دون أي قيد أو شرط. فلا إسلام بدون سلام.</p>
<p><strong>في دعدشة الإسلام السني </strong></p>
<p>إن التسامح في الإسلام تسامح دين بحق أزلي في تعاليمه العلمية وأحكامه الكونية التي تُختزل فيها كل الثوابت التي وصل ويصل إليها الذهن البشري في تطورة المستديم كما تأخذ بها كل المجتمعات المتقدمة حضاريا. وهذا ما أضعناه في ديننا؛ ولعل أفضل الدليل اللخبطة التي نعيشها.</p>
<p>إن ظاهرة داعش لا تتجلى فقط في ما يُدعى باطلا بالدولة الإسلامية في العراق والشام، إذ داعش متغلغلة في عقول العديد من المسلمين الذين لا يظهرون داعشيتهم تقية رغم أنهم يتدعشون كل يوم؛ زيد باسم قومية باطلة، وعمرو باسم إسلام متزمت ليس فيه إلا الإسرائيليات التي قتلت في دين القيمة الروح السمحة والمقاصد السنية.</p>
<p>هذا ما أسميه الدعدشة وهي التدعدش، أي الداعشية الزاحفة مقنّعة؛ وهو التدعّش، حسب قواعد اللغة، إلا أنه تعبير مستنبط باسم اتساع العربية، مأخوذ من الدردشة التي معناها، كما نعلم، اختلاط الكلام وكثرته؛ وهو في أحسن الحالات الحديث الخفيف في أمور شتى.</p>
<p>فمنه إذن الدعدشة والتدعدش، أي التدعش والداعشية، بمعنى اختلاط إسلام الناس وكثرة الكلام الباطل فيه. وهذا الاختلاط هو أيضا بالمعنى النفساني للكلمة، أي المرض العقلي المعروف.</p>
<p>إن دعدشة المسلمين وتدعدشهم يتمثل في خبطهم خبط عشواء في دينهم وحسب أهواء أعداء الإسلام السمح، لا يفرّقون فيه بين ما هو منه وما داخله نكاية به وبأهله ليبدو ملة المتخلفين، دين التزمت المقيت.</p>
<p>لقد بلغ هذا التدعدش اليوم حده الأقصى الذي يقتضي عودة الوعي وإلا ضاع ديننا مع هذه الداعشية المقيتة من جراء استفحال الدعدشة. فلا إسلام بعد اليوم إلا إسلام السماحة كما عرّفت به وعاشته الصوفية، إذ هي الجُنّة الوحيدة التي من شأنها الحفاظ على لب لبابه من الخطر الداهم في شخص هاته الفئة المارقة عن الإسلام، التي لا تريد له إلا الويل والثبور.</p>
<p>لم يعد بإمكان الإسلام السني اليوم التبرء من التزمت الذي تمكّن منه فدعدشه، إذ الوهابية والحنبلية وغيرها من التصنيفات التمامية المستوردة من ديانات سبقت الإسلام داخلته لهتك عرضه واستباحة كل ما فيه من نفاسة وتقانة مكناته من أن يكون حداثة قبل أوانها ومن ثورية لا تزال في روح تعاليمه ومقاصده.</p>
<p>لقد أصبح من المتحتم اليوم البيان والتبيين أنه لا إسلام إلا الإسلام الصوفي الآخذ حقا بالقرآن في صفائه دون تأويل حسب الإسرائيليات     ويتقيد بالسنة الصحيحة غيرالمشبوهة وقد تعددت الأحاديث المنحولة وتنوعت فغيرت وبدلت أحكام الفرقان وجعلتها تفقد صفتها الكبار وهي الرحموت لتغدو أمقت الرهبوت.</p>
<p>إن التصوف اليوم هو الوحيد القادر على حفظ الإسلام الحنيفي، دين القيمة من الفساد الداعشي، إذ في ذلك الخطر كل الخطر في انقراض الإسلام لا قدر الله؛ فلا يحميه الله من الخطر الداهم إلا التصوف الصحيح، تصوف الجنيد السالك.</p>
<p><strong>في إسلام التصوف</strong></p>
<p>إسلام التصّوف هو هذا الإسلام القائل إنما سمّي المسلم مسلما بخضوع جوارحه لطاعة الله؛ فمعنى الإسلام هو إسلام الوجه لله، أي التذلل لطاعته والإذعان لأمره. ذلك لأن أصل الإسلام هو الإستسلام، لأن من استسلمتَ لأمره هو من خضعتَ لأمره. فالإسلام هو إسلام الإنسان نفسه كلها إلى خالقه، وفي هذا الإسلام تسليم من العبد لمشيئة الله وإيمان بأن مصيره لا يحتمه إلا ماشاءت المقادير. وهذا لب التصوف إذ السالك الصوفي يسهر على ترك نفسه في قيادة المقادير وتوجيه ربّاني.</p>
<p>وهو يفعل ذلك لأنه يعتقد أن العبد، إذ هو هكذا في استسلامه لله وخضوعه لمشيئته، فلأنه حر في هذا الإستسلام، لا يقر به لغير الله، ولكن يقر به بكل حرية وتمام الإرادة وإلا لم يكن استسلاما لأنه كان عن كره أو تحت ضغط أو قوة. لذا، فالإسلام أولا وقبل كل شيء سلام روحي ومعنوي ومادي، فلا إسلام اليوم غير الإسلام الصوفي، إسلام الروحانيات.</p>
<p>ذلك لأن قوة الإسلام في هذا السلام الروحي الذي يؤتيه للمؤمن، فلا يهاب شيئا لمعرفته أنه على السبيل السوي. وهذا السلام الروحي يجده المؤمن في مناجاته لله وفي تصرفه مع أخيه المسلم وغير المسلم حسب الأخلاق الإسلامية السنية، فلا ترى منه إلا المثل الطيب والخلق الحسن.</p>
<p>وطبعا، لا مكان لأي سلام روحي لمن أخذ بالمظاهر فتظاهر في إيمانه وأظهره مرائيا لا محتسبا لله أعماله؛ أو لمن ساءته أخلاق غيره فصرفته عن أخلاقه ودفعت به، بدعوى الدفاع عن الأخلاق الحميدة، إلى تجاهل ما وجب منه من تصرف مثالي وحرص على عدم تجاوز دوره في تقديم المثل الطيب وابتغاء الحسنى. فالله يؤكد على المؤمن الحق أن يتجاهل ما يصدر من تصرفات خرقاء عمن ساء خلقه، سواء أكان ذلك منه لامتحان هؤلاء أو لامتحان المؤمن نفسه في مدى صبره على السيئة ومداراته لها بالحسنى، ولا شيء غير الحسنى.</p>
<p>والسلام الروحي في تونس اليوم وجب أن تضمنه قوانين البلاد  ليصير القدوة المثلى للأجيال المسلمة الحالية وكل الأجيال القادمة، تونسية كانت أو عربية مسلمة أو حتى غير عربية وغير مسلمة. ويكون بالتنصيص في تلك القوانين على كل ما من شأنه أن يضمن للمخلوق الطمأنينة في قدرته على الحصول على رحمة الله الواسعة أيا كان ذنبه ما دام يصدق في توبته ويعود إلى محجة الإسلام، وذلك عندما تحصل له القناعة بعلوية الأخلاق الإسلامية وصدق رسالة الإسلام السماوية.</p>
<p>هذا لا يكون بداية إلا بإبطال كل القوانين الحالية المخزية المخلة بالحقوق والحريات،  بداية بعقوبة الإعدام لما فيها من رمزية تدلّل على الجرأة اللازمة لرفع كل ما تراكم على الدين مما يشينه. وذلك لأن قبض الأرواح هو من خاصيات الله وحده؛ ثم لأن هذا يضمن للعبد إمكانية التوبة والتكفير عن ذنبه قبل موته الطبيعي، إذا قدر له الله ذلك؛ كما يضمن توفر الفرصة، في حالة خطأ حصل في الحكم على مظلوم، في إمكانية تفادي الخطأ أو إصلاحه. وكم يزخر التاريخ الإنساني بمثل تلك الأخطاء القضائية التي تودي أحيانا بأرواح الأبرياء!</p>
<p>إن السلام المعنوي في الإسلام الصوفي لهو الحرص في الحياة اليومية للمؤمن على حرية العبد التامة في اختيار معتقداته وحريته في الرأي والفكر، وفي التعبير عنهما بطلاقة، إضافة إلى ضمان حريته الكاملة في تعاطي جميع الحريات الشخصية بدون مس بحرية الأخذ بها، بما فيها حرية الجنس بالنسبة للبالغين؛ فلا دخل للإسلام في ضمائر الناس ولا حد منه لحرياتهم الذاتية !</p>
<p>وطالما كان كل ذلك بالنصوص القانونية مضمونا، يكون تعاطي هذه الحريات بكل حرية دون خوف أو وجل من تكفير أو تجريم لتدنيس قداسة أو لعدم احترام مفهوم معين للدين. فاحترام الدين في احترام مبادئه، وهذه هي حرية المعتقد وحرية الرأي والفكر والتصرف الشخصي الذاتي دون رقيب؛ فلا إسلام دون سلام عقائدي وفكري!</p>
<p>وإسلام التصوف أخيرا هو سلام مادي لكل مؤمن، فلا يخاف على نفسه وروحه وأمواله وأهله في مجتمع حريات يحترم كل أفراده حرية غيره، فلا تبتدأ حرية الواحد إلا عند نهاية حرية الآخر، ولا تمتد حرية الواحد إلى ما يضر بحرية الآخر.</p>
<p>فالإسلام سلام في إقرار مجتمع مسالم، لا يُفرض الإسلام فيه على أحد، إنما تفرضه بدون عنف أو تعنيف أخلاق المؤمنين به وقدوتهم الحسنة وأعمالهم الطيبة التي هي أولا وقبل كل شيء في احترام كل خلق الله بما فيها الظالمة نفسها، وذلك بالدعوة لها بالهداية، ولا شيء آخر سوى إعطاء المثل الحسن والقدوة المثلى.</p>
<p>هذا هو الإسلام الذي يميز السجية الشعبية التونسية وإن اندثرت معالمه ظاهريا، وهو الذي يتوجب إحياءه من جديد بتونس حتى تكون بلادنا محجة الطريق الصادق إلى الله، طريق السلام السمحاء. ولا شك أن الفرصة متاحة اليوم للساسة التونسيين، في خضم ما يقع بالبلاد، حتى يبرهنوا على مدى رهافة حسهم في الأخذ بروح الإسلام السنية والتدليل على سماحته ورحابة صدره وذلك بإبطال كل ما فسد في الدين  والأخذ بكل ما حصل من تطور في المجتمعات البشرية مع تطعيمه بكل ما أتى به ديننا من حسنات تجعل منه بحق خاتم الأديان لا في عدل تعاليمه فحسب، بل وأيضا في علميتها وكونيتها.</p>
<p><strong>إحياء إسلام التصوف بتونس  </strong></p>
<p>إن ضرورة إحياء التصوف الإسلامي التونسي لمتحتّمة للتصدي الفاعل والفعال للتغريب الذي يعاني منه  الشعب دون أن يكون ذلك مطية لأسلمة أو تعريب يكون تغريبا جديد ! فلا شك أن في تقيييم العديد من أهل الإسلام الرسمي لوضع التغريب بتونس تحامل فظيع، خاصة حول التوجهات الحداثية التي ميّزت عهد الإستقلال.</p>
<p>ذلك لأن ضرورة التعريب لا تنفي البتة الحتمية الانفتاحية بالبلاد التونسية. وقد تنبه بعضهم إلى ذلك واعترف به، ولكن كان ذلك في زوايا وحيثيات من تبسطهم في الصورة القاتمة التي يرسمونها للبلاد وتوسعهم في نقدها دون موضوعية كاملة، بلا استثناءات فيها.</p>
<p>نعم، لا مراء في أن التونسي اليوم غريب في لغته وفي دينه، ولكن لا يخص ذلك التونسي المتغرب وحده، المتناسي لمقومات ذاته، بل يشمل حتى التونسي المستعرب، الآخذ بمباديء شخصيته وحضارته العربية الإسلامية، إذ هو يأخذ بها اليوم مع نزعة استبداية في التعريف بحقيقتها ورفض لكل ما للحقيقة من روافد هامة.</p>
<p>فالحق يبقى هذا التمشي والسلوك نحو أفقه؛ فانتفاء الوصول إليه دائم؛ والخطأ، إن حصل وكان صادقا ونابعا من الرغبة الأمينة للوصول إلى أفق الحقيقة، يقرّب منه ولا يبعّد عنه، لأنه يمكّن من استكشاف الغلط والاقتراب من الصحة. ولا شك أن ذلك هو كالأفق تماما حين تغطّيه السحب ثم تنقشع؛ فليست الحقيقة تلك السحب العابرة، بل ما وراءها الذي هو دوما مقصد الساعي الحقيقي إليه، الراغب في البقاء على الاتجاه الصحيح.</p>
<p>لا مجال عندها إلى تكفير توجه أو تلبيس رأي، كما جرت العادة به عندما تداعى الفكر الإسلامي نحو الأسفل وانغلق كالمريض المنكمش على نفسه، يخاف أي جديد فينبذه كبدعة حتى وإن كان ذاك الجديد نفس المريض ذاتها التي تتوق إلى شيء حديث في حناياها لتصحّ وتحيا مجدّدا، لأن ذلك من سنة الله في خلقه، برأه خالقه لكي يموت فيحيا ويموت ليحيا!</p>
<p>نعم، قد ضحى العهد البورقيبي بشيء عزيز على التونسي ألا وهو ذاتيته العربية الإسلامية، لكن كان ذلك لأجل شيء عزيز آخر رآه أعز، ألا وهو الانفتاح على الغير؛ هذا، وقد فعل ذلك غيره قبله، إذ فعل الرئيس التونسي الأول ما فعل احتذاء بالمثل التركي. فالخطأ كل الخطأ اليوم يكون في الردة إلى الوراء النابع من التمشي الضروري والمنطقي لاستعادة الذات بالتضحية بما هو امتداد طبيعي ومصيري لهذه الذات التونسية، أعني انفتاحها على الآخر.</p>
<p>لذا، أرى لزاما على الحزب الإسلامي &#8211; وقد رفعه القدر إلى المستوى الفاعل في الحكم &#8211;  وعلى زعيمه المتميز بقدر كبير من الذكاء والفطنة، التفطن إلى التحديات الكبّار التي تجابه الإسلام بتونس، والانتباه إلى مثل هذا الخطر المحدق ببلدنا وعقليته الموغلة في القدم والعمل على تفادي هذا الذي أراه في صفوف حركة النهضة النابع من الغلوّ في ذاك الحق الذي ليس هو إلا مما يراد به باطلا.</p>
<p>فلا شك أن أهم عقبة اليوم تكمن في تحصين المسار الإسلامي بتونس من مثل هذا الانزلاق وتمنيعه من آفاتها. فكيف يكون ذلك؟ أية حصانة يمكن لها أن تحمي التوجه العادل لتعريب ذهنية التونسي دون المساس بأس ّهام فيها وذلك بتغريبها عن الواقع المحيط بها؟ أي مناعة تمكّن من العودة إلى معرفة القرآن ودراسته كركن لا محيد عنه لاسترجاع مقومات ذاتيتنا دون أن تكون نبذا لركن آخر أساسي من هذه الذاتية؟ وهي بدون أدنى شك في امتداد جذورها إلى ما قبل الإسلام وقبل بزوغ فجر العربية بربوعها وانفتاحها على كل الحضارات والتيارات الفكرية دون استثناء.</p>
<p>رأيي أن الفقه الصوفي هو خير البديل للسلفية، والعالم الصوفي في صفائه الأول أقرب للإسلام الحق من الفقيه السلفي؟ قناعتي هي أنه لا مناص للإسلام المابعد الحداثي من الأخذ من منبع إسلامي بحت، ثري وغزير، كالمنبع الصوفي لاستعادة روح الإسلام الزكية التي قضت عليها أو كادت عقلية التحجر السلفية.</p>
<p>ولعله مما يؤكد القابلية بتونس لهذا التوجه مركزية التصوف في التدين الشعبي التونسي؛ أفلم يؤكد على ذلك عبد الواحد ابن عاشر الأندلسي الفاسي، أبرز علماء الفقه المالكي، في « المرشد المعين على الضروري من علوم الدين »، منظومته التي تعتبر درة من درر مذهب إمام دار الهجرة إذ جمعت الفقه المالكي ورتبته أحسن ترتيب وقربته إلى المبتدئين أبدع تقريب.</p>
<p>ففي هذا المتن القيّم والمرجع الهام في الفقه المالكي، يذكّر ابن عاشر بمركزية السلوك الصوفي بالإضافة إلى الفقه المالكي والخصوصية الأشعرية، ويؤكد ذلك بمقطع شهير، إذ يقول في مقدمته :</p>
<p>يقول عبد الواحد ابن عاشر | مبتدأ باسم الإله القادر</p>
<p>الحمد لله الذي علّمنا | من العلوم ما به كلفنا</p>
<p>صلى الله وسلم على محمد | وآله وصحبه والمقتدي</p>
<p>وبعد فالعون من الله المجيد | في نظم أبيات للأمي تفيد</p>
<p>في عقد الأشعري وفقه مالك | وفي طريقة الجنيد السالك</p>
<p>ومن المهم الإشارة هنا لورود باب كامل في هذا المتن عنوانه : كتاب مباديء التصوّف وهوادي التعرّف، إضافة للأبواب الفقهية المعهودة ككتاب أم القواعد وما انطوت عليه من العقائد، وفصل في قواعد الإسلام، ومقدمة من الأصول معينة في فروعها على الوصول.</p>
<p>ولعله من المفيد التذكير ببعض من أبيات هذا الباب المخصص للمباديء الصوفية التي يختم الإمام متنه بها، فيقول مثلا:</p>
<p>وحاصل التقوى اجتناب وامتثال | في ظاهر وباطن بذا تنال</p>
<p>فجاءت الأقسام حقا أربعة | وهي للسالك سبل المنفعة</p>
<p>يغض عينيه عن المحارم | يكف سمعه عن المآثم</p>
<p>كغيبة نميمة زور كذب | لسانه أحرى بترك ما جُلب</p>
<p>يحفـظ بطنه من الحرام | يترك ما شبّه باهتمام</p>
<p>يحفظ فرجه ويتقي الشهيد | في البطش والسعي لممنوع يريد</p>
<p>ويوقف الأمور حتي يعلما | مالله فيهن به قد حكما</p>
<p>يطهر القلب من الرياء | وحسد عُجب وكل داء</p>
<p>واعلم بأن أصل ذي الآفات | حب الرياسة وطرح الآتي</p>
<p>رأس الخطايا هو حب العاجلة | ليس الدواء إلا في الإضطرار له</p>
<p>لعل للنهضة ولزعيمها، نظرا لما يكنّهم الدعم الغربي اليوم، من الصلف والاعتداد بالنفس الكثير، مما يجعلهم يردّون على الدعوة لإحياء علوم الدين بتونس بإثارة مسألة العقبة الكأداء التي تبقى قائمة في نظرهم والمتمثلة في العلاقة المشكلة بين الرسم والمقصد أو كيفية التوفيق بين المقصد والنص أو علاقة العقل بالوحي. فهي التي كرّست إلى اليوم إجهاض كل عملية تحديث للإسلام باسم الاحترام لقدسية النص القرآني ومرجعية السنة!</p>
<p>إنهم يعرضون لهذه المسألة، ولكن حديثهم دوما ليس فيه شفاء للغليل إذ يترك الموضوع في حلقة مفرغة كأن التفكير فيه أساسا عقيم والحل فيه من رابع المستحيلات. فنحن إن سلمنا بذلك، أي صرف مفهوم قدسية الوحي بالمعنى المتعارف عليه، والذي لا صحة علمية له، إلى جمود النص في حرفه وانتفاء كل روح فيه، كأن الروح في الإسلام غير أزلية، فأين تكمن عندها علوية العقل البشري كما أشاد بها القرآن، وأين قيمة هذا العقل البشري الذي إذا تعلقت به همة قوية ذهبت به حتما إلى ماوراء العرش؟</p>
<p>من ينكر أن التفكير بهذا الشيء ليس بمستغرب وليس ببدعة إذ رأينا المتصوفة الأوائل قد عملوا به فحصلوا على الكشف وتحرروا من باطل الظاهر لصادق الباطن وقد كانوا من أفقه الناس وأحسن الفقهاء دينا وعلما وعملا بالدين الإسلامي على أفضل وجه وخير سنة.</p>
<p>فمنهم من كبار الفقهاء من مختلف المذاهب ما لا يعد ولا يستهان به أمثال الجنيد الذي كان يدرس الفقه على مذهب الإمام أبي ثور، وعبد القادر الجيلاني الذي درس الفقه على المذهب الحنبلي، والغزالي الذي درس الفقه على مذهب الإمام الشافعي.</p>
<p>نعم، لئن مدح ابن تيمية صوفية الحقائق، فقد كان رأيه أكثر تحفظا في بقية المتصوفة، صوفية الأرزاق وصوفية الرسم، كما يقول، فعد البعض من الصنف الأخير من المتفلسفة الذين يصوغون مباديء ومذاهب فلسفية غريبة عن الإسلام سبق وجودها في أديان ومذاهب قديمة يونانية وبراهمية فاعتبرهم من الخارجين بالتصوف إلى مزالق الكفر والإلحاد.</p>
<p>لكن هذا هو رأيه واجتهاده، وهناك من يجتهد ولا يصيب؛ فقد رأينا غيره من الفقهاء الأجلاء لا ينحون منحاه فلا يكفّرون مثلا ابن عربي ونظرته التجديدية للإسلام التي تجعل منه بحق دين كوني علمي. ومن هؤلاء العالم الفقيه السيوطي والفقيه ابن حجر الهيثمي، وطبعا الشاطبي،</p>
<p><strong>التصوف هو الإسلام الأصيل </strong></p>
<p>إن تجذر التصوف في الروح الإسلامية الأصيلة لا شك منه؛ أما ما نراه من مظاهر شعبية مزرية آلت إليها الصوفية عند البعض، فليست هي ميزة التصوف، بل ما يجابه الشعب به الدجل الحاصل عند أهل التزمت؛ وطبعا يأتي الغلو بالغلو، لا محالة. لذا، فإن حالة الرفض التي نراها عند البعض تجاه الزوايا الصوفية غير منصفة البتة للتصوف وأهله، إذ هي تنكر كل ما أتى به من خير للإسلام وما له من أيادي بيضاء على دين القيمة.</p>
<p>فلئن غالى البعض من متصوفة هذا الزمن في عديد من المظاهر التي لا تشرّفهم بل تسيء إلى ماضيهم، إذ هي إلى الدجل أقرب، فذلك لا يعني أن هذه حال التصوف عموما؛ أليست الشعوذة والتطرف والفساد عند السلفية أيضا رغم أنها تدّعي صحة الإسلام؟</p>
<p>الحقيقة أن كل ذلك يتنزّل في خانة ما يميّز العصر الحالي ومجتمعاتنا اليوم، متخلّفة كانت أو متقدّمة، أي شيوع التدجيل والكذب والمخاتلة. فكيف يسلم عندها الصوفي من صفات عامة ونحن نعلم القاعدة المعروفة بعلم الاجتماع القائلة بقوة قانون المحاكاة؛ وليس ذلك إلا ما يُعبّر عنه مثلنا الشعبي بمقولة : اعمل كجارك أو نقّل دارك !</p>
<p>أما الثابت التاريخي فهو في أن الإسلام الصوفي من إسلام أهل الصفة؛ فمن هؤلاء جاء المصطلح الأصح رغم أن البعض يعزوه للصوف، وليس هذا إلا بسبب كثرة ذلك اللباس عند أهل الصفة الذين كانوا كلهم من الفقراء.</p>
<p>وطبعا لا علاقة للتصوف بما يراه البعض، ممن يريد له أصولا غريبة عن الإسلام،  بتعبير الحكمة الإغريقي، إذ هو يسعى جزافا لابتداع منبت خارج عن الإسلام للصوفية، بينما صحة تجذرها في الحضارة العربية الأمازيغية الإسلامية لا ينتطح فيها عنزان؛ فهي الثابت ثبوت الشمس في ربيعة النهار.</p>
<p>كما نعلم، أهل الصفة هم أوائل المسلمين من أهل الفاقة الذين هاجروا إلى المدينة، فكانوا يعيشون تحت صفة مسجد النبي؛ من هنا أصل التصوف، أي أنه الإسلام الأصيل، قبل الإسلام السلفي الذي ظهر كردة فعل على الهجمات الإمبريالة التي عرفها ديننا لاحقا عندما أهمل أصوله وأفل نجم عزه.</p>
<p>الإسلام الصحيح إذن هو الإسلام الصوفي، وهو  أيضا إسلام الحضارة، بينما السلفية ليست إلا إسلام بداية الانحطاط ثم فحشه. هذا هو الذي يفسّر كيف كان فهم التصوف للإسلام فهما عقلانيا متفتحا حضاريا، بينما لم يميّز السلفية إلا التعلّق بحرفية النص وظاهره في رسمه، لا لشيء إلا لأن الخطر المحدق بمصير الإسلام كان يفرض مثل ذلك التعلق ويحتّم ردة الفعل تلك بالتمسّك، ولو شكليا، بحرف الدين لا باطنه ومقاصده الذي أصبح من الثانويات في حالة الخطر.</p>
<p>لذا، إن كان تاريخيا للسلفية الدور الهام في المحافظة على الإسلام زمن انحطاطه، فذلك لا ينفعه اليوم بتاتا إذ توطد الدين في قلوب المؤمنين الطامحين لبناء حضارته من جديد؛ ولا يكون هذا اليوم بدون اجتهاد متجدد، أي بإسلام التصوّف.</p>
<p>لقد سهر على ذلك أفاضل من أهل الإسلام، حرصوا على الأخذ بالتصوف أو الاغتراف من ينبوعه السخي، كما فعل الإمام الشاطبي في الجهاد الفكري والأمير عبد القادر في الجهاد الأكبر. وبما أننا ذكرنا الصوفي الأمير في اليومية السابقة، لنقل كلمات في الإمام الشاطبي الذي ساهم بقسط وفير في إحياء الفقه السني بفقه التصوّف<strong>.</strong></p>
<p>هناك من لا يزال يعتقد في دوام التناقض بين الفقه الصوفي والفقه السنّي إذ كانت العلاقة بينهما لمدة طويلة متنافرة. إلا أن هذا أصبح اليوم خرافة، إذ حصل الاتفاق، وهو اليوم من المسلّمات. فقد رفع الاختلاف من العقول فقهاء أجلاء صالحوا بين الفقهين، كالقشيري أولا برسالته(توفي في 465 هجرية|1073 مسيحية)،  ثم الغزالي خاصة بإحيائه(توفي في 505 هجرية|1111 مسيحية)، وهو المصنّف الذي أكسب التصوّف شرعية سنّية كما جسّدها الشاطبي بعد ذلك  في كتابيه الجليلين الاعتصام والموافقات (توفي في 790 هجرية|1388 مسيحية).</p>
<p>لا شك أن أهل السنة النزهاء لا يقولون اليوم إلا بنبوغ الفقه الصوفي خاصة بعد أعمال هذا الإمام الجليل الذي أحدث ثورة في القرن الثامن هجري في ميدان الفقه الإسلامي بمقولة مقاصد الشريعة. لنسق هنا فيه ما يقوله أحد أبرز المفكرين المغاربة، محمد الفاضل ابن عاشور، متحدّثا عن كتابه الاعتصام إذ يعدّه : «باعثا من أقوى بواعث النهضة الإسلامية الحاضرة استندت إليه الحركة السلفية في المشرق والمغرب منذ أخرجه للناس العلاّمة المرحوم السيد محمد رشيد رضا من مطبعة المنار سنة 1332 هجرية » .</p>
<p>ويقول أيضا الشيخ التونسي عن كتاب الشاطبي الثاني المهم، أي الموافقات : «وظهرت مزيّة كاتبه ظهورا عجيبا في قرننا الحاضر والقرن قبله لمّا أشكلت على العالم الإسلامي عند نهضته من كبوته أوجه الجمع بين أحكام الدين ومستجدّات الحياة العصرية، فكان كتاب الموافقات هو المفزع وإليه المرجع لتصوير ما يقتضيه الدين من استجلاب المصالح وتفصيل طرق الملاءمة بين حقيقة الدين الخالدة وصورة الحياة المختلفة المتعاقبة».</p>
<p>الحقيقة التي لا مراء فيها هي أنه لا أحد ينكر اليوم تأثير الشاطبي في روّاد الحركة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، وقد تحدّث في ذلك بإطناب العديد ممن يريد الخير للإسلام، نكتفي هنا بالإحالة على أحدهم، حمادي العبيدي في مؤلفه : الشاطبي ومقاصد الشريعة. فليس من الضروري الكلام باستفاضة في تصوف فقه الإمام الشاطبي وتأثره لا بروح الصوفية فقط بل وأيضا وخاصة بنص فقههم.</p>
<p>لقد اعتبر الشاطبي الصوفية في الموافقات، «صفوة الله من الخليقة»، وهي كذلك لما تميّز به ويتميّز أهل التصوّف من تمسّك بالدين الصحيح والتزامهم بالسنة واجتنابهم البدعة وعملهم بمقتضى الأصول؛ فهم بالسلف الصالحون مقتدون، وبمكارم الأخلاق ومحاسن الشيّم متحلّون. لذلك فهم يمثّلون السلوك الإسلامي المثالي الذي ينبغي أن يُعمّم، حتى يُستعاد ذلك العصر الذهبي الذي كان وازع الفرد فيه من ذاته لا من خارج؛ ولذلك استحب االشاطبي العمل بمقتضى الأصول المكية وامتدح المتصوّفة لعملهم بها.</p>
<p>ولعل من أبلغ الأمثلة لهذه المزايا مثال الأمير عبد القادر الجزائري الذي كان مناضلا ضد الاحتلال الغاشم لبلاده، مجاهدا أكبر للنفس الأمّارة بالسوء كما سبق أن قلنا في طرحنا حول الجهاد،؛ ولعله أفضل الممثل لضرورة المرور من اهاد الأصغر المنتهي صلوحيته إلى الجهاد الأكبر المستدام.</p>
<p>إن الزوايا الصوفية تبقى اليوم منارات مضيئة في سماء الإسلام النيّر، وهي كذلك خاصة وقد ادلهّمت بأفاعيل المتزمّتين من أهله ممن ينحو باللائّمة على الصوفية بينما هي الفهم الإناسي الوحيد لرسالة التوحيد، والذي من شأنه إنقاذ هذا الدين من الزوال الذي تسعى إليه هرطقات مثل الوهابية والداعشية.</p>
<p>إن الزاوية الصوفية اليوم بتواجدها بكل مكان من شأنها أن تكون الضابط والحارس على ألا يحيد المسجد الجامع    عن واجبه في خدمة الدين، فلا ينزلق إلى بتصرفات هوجاء ودعوات مقيتة لا تمت بصلة للإسلام.    فالزواية لها أن تكون الرقيب الحريص على العناية بواجب المسجد في رعاية حقوق الله. لذا، من الضروري ضمان استقلالها وحمايته حتى تكون السد المنيع ضد من يتاجر بالدين مستغلا المساجد لفعله الشنيع، فتكون الزاوية عندها كما كانت دوما، الرباط المنافح عن الدين والبديل الرادع لمثل ذلك الانحراف بمساجد الإسلام عن مقاصدها.</p>
<p><strong>الصوفية إسلام زمن الثورة           </strong></p>
<p>كما بيناه أعلاه،  ليس لأحد أن ينكر اليوم ما في الإسلام التونسي من ثوابت صوفية، بما أن المالكية والأشعرية لا يستقيمان في إسلام ربوعنا التونسية بدون فكر الجنيد السالك وعمله الصوفي.</p>
<p>إلا أن المؤسف حقا هو أن ما رسب من الفكر البورقيبي في التجديف على الصوفية ما زال قائما في النفوس، بل وزاد الطين بلة ما تقوم به من هجمة شرسة السلفية لطمس ما ثبت زمنا طويلا كقلعة من قلاع الإسلام النير بالبلاد التونسية التي أرضها إمتاع ومؤانسة كما دعا إليه أهل التصوف ومثلوه خير تمثيل.</p>
<p>لقد عمل بورقيبة بدعواه تطوير    الإسلام من الداخل باعتماد الصدمة النفسية والاستفزاز مع رمي أهل التصوف بالشعوذة والتهريج، عمل موضوعيا لصالح ردة الإسلام المتزمت التي نراها اليوم في بلادنا. فبورقيبة بفعله اللامنهجي، رغم ادعائه المنهجية، حفر بنفسه قبر مشروعه التنويري وهو يظن أنه يدق مسامير نعش الإسلام الظلامي.</p>
<p>فها نحن نكابد اليوم بشاعة ما تقوّل به المجاهد الأكبر عن الصوفية، فنعاني من هجمة أعراب الإسلام على تونس وكأنها لم تقاسي منها سابقا إذ أتلفت حضارتها وأدخلت بالبلاد نعرات الجاهلية التي كان لها االتصوف أمنع الحصون.</p>
<p>ولعله من الضروري أن نبين هنا أنه لا استهجان من طرفنا في استعمال لفظة الأعراب، بل مجرد إشارة قرآنية، لا تلميح لخاصية أو تمييز إجتماعي أيا كان، إذ هو مجرد إلماع لما يقول الإسلام في الموضوع، بما أنه يندد بإيمان الأعرابي الذي ليس فيه أي شيء من الدين القيم، الإسلام العربي القح.</p>
<p>إن إسلام الأعراب اليوم لهو الإسلام السلفي كما نراه في شوارعنا، إسلام البغض والكراهية والحنق والعنف؛ ولا عجب في ذلك بما أنه إسلام ظهر في زمن الانحطاط فتميز بما تتميز به كل فترة منحطة في تاريخ الشعوب من انزواء وانغلاق ورفض للآخر، لا من باب المعاداة ضرورة، بل من باب ما هو أهم، أي الخوف منه وعلى النفس وحفظ الذات من خطر الزوال والذوبان.</p>
<p>فهذا هو الإسلام السلفي، وقد كان فعالا وضروريا في مدة انحطاط الإسلام. لذا، لم نره في فترات عزة الإسلام ومناعته، أي في فجر وضحى وصدر الإسلام، وقد مثلها خير تمثيل أهل التصوف، أبناء وحفدة وسلالة أهل الصفة، أي أفضل ما كان من أسد الغابة، صحابة الرسول الأكرم.</p>
<p>إن انبعاث الثورة في تونس له من العروق الصوفية الكثير؛ ولا فائدة هنا من التذكير بما ثبت عن المقربين للرئيس المخلوع اعتقاده الراسخ بأن عهده ما ولى وانقضى إلا نتيجة لما اقترف في حق ولي سيدي الظريف الذي دعا ربه للانتقام له بمحو حكم المخلوع.</p>
<p>فالتاريخ يثبت لنا على مر الأزمن أن إسلام البداية، الإسلام الثوري الأصيل، كان دوما إسلام الصوفية الذي نجده في كل الفترات الثورية الإسلامية. فأهل التصوف كانوا من أبرز وأعظم الصحابة قدرا ومن أجل أتباعهم، فخلدوا نظرتهم الصحيحة والحصيفة للإسلام السرمدي.</p>
<p>إسلام الصوفية الحقيقي، إسلام الجنيد مثلا، كان متزامنا مع انبعاث ديننا الحنيف الذي جاء كثورة عقلية، فهو إسلام الثورة. لذا، ففي تونس الثورة، لا إسلام إلا إسلام الصوفية، صوفية الحقائق كما أقر بذلك منظر السلفية وزعيمها الأول ابن تيمية بنفسه.</p>
<p>وإن الإسلام في تونس اليوم، تماما كثورتها، أمام هذا التحدي الكبار الذي يقتضي العمل على إعلاء مباديء المحبة والتآخي والتسامح، فهي الرعاية الحقيقة لحقوق الله في الإسلام وفي هذه الربوع المسالمة. فلا مكان للخنوع السلفي والتقديس لأصنام مادية ومعنوية لم يعد لها مكان في عقلية شعب تونس الثائر.</p>
<p>إن الصوفية اليوم هي جهاد أكبر ضد كل معالم الخضوع للفكر الأجنبي عن هذه البلاد، أيا كان مأتاه؛ وهي أيضا التأكيد الأبلغ لمطمح الشعب التونسي المسلم، ألا وهو التحرر من ربقة كل تسليم لغير الله والكرامة بمباديء دين شديد التسامح في إنسانيته. ولا يكون ذلك إلا بإسلام هو أولا وقبل كل شيء سلام مع النفس ومع الآخر، كل آخر. وهذا يأتي بالجهاد الوحيد الممكن اليوم في الإسلام، ألا وهو الجهاد الأكبر، جهاد النفس لشوائبها.</p>
<p>لذا، أحسن من مثّل ويمثّل هذا الجهاد الأكبر وطبّقه ويطبّقه لهو الفكر الصوفي وسلوك أهل التصوف الذين لا يعتقدون في صحة     الإصلاح إلا بالصلاح، والصلاح لا يكون إلا بإعطاء المثل الأعلى وتقمص مكارم الأخلاق التي جاء الرسول لإتمامها. وهذا هو الإحسان الصوفي.</p>
<p>إن الثابت اليوم لهو حاجة البلاد الإسلامية لأن تتعاطى مع ثوابتها ومعتقداتها بكل موضوعية وعلمية، ولا يكون ذلك كما فعله الرئيس بورقيبة بهلوسة نرجسية حتى وإن كانت باسم العقل. فلا عقل اليوم يكون علمويا، إذ العقل الحق هو هذا العقل الحسي الذي يأخذ بأهم مقومات الذاتية البشرية، وهي في يومنا هذا شديدة التعلق لا محالة بما يميز الحداثة الغربية من تكنولوجيا، ولكن أيضا شديدة الأخذ بالروحانيات وهي أخص خاصيات ما يُعتبر من التقاليد مما رفضه العلم كما عهدناه سالفا.</p>
<p>ولا شك أن تونس، كما هو الحال في العالم أجمع، تعيش فترة ما بعد الحداثة، فلا مناص من التنبه إلى ذلك والعمل عل تغيير أسس تفكيرنا ومرجعياتنا النظرية بما يتناسب مع مقتضيات الزمن الراهن. وهذا يكون، على المستوى الديني، باعتماد قراءة جديدة للإسلام، خاصة وأننا لا نعدم من تجربة رائدة مثّلها التصوف الذي أعطى ولا زال يُعطي للإسلام أشرق صورة وأفضل قراءة على الإطلاق تؤكد نزعته العلمية والعالمية في نفس الآن مع رسوخها في روحه ومقاصده السنية التي هي أساسا أنسانية وروحانية.</p>
<p>إن القراءة الصوفية للإسلام هي التي جعلته في الواقع الدين القيم الكوني، خاتم الأديان، فلا غناء للبشر عن الدين في هذا الزمن، زمن ما بعد الحداثة. وما من شك أن دين الإسلام بروحانياته وأخلاقيته الإنسانة لأحسن من يمثل هذا الدين ما بعد الحداثي لاعترافه بكل الأديان التي سبقته بما أنه خاتمها.</p>
<p>خاتمة القول أن السلفية الحقة، أي تلك التي تأخذ بأفضل ما أتى به السلف الصلاح، لهي الصوفية، تلك التي صرّح أحد أعلام السلفية، تقي الدين ابن تيمية في فتاواه، بشديد احترامه لها، ناعتا إياها بصوفية الحقاق، كما سبق أن قلنا. لا جرم، إن التصوف هو بلا كذب سلفية الحقائق مع تفشي سلفية الأكاذيب اليوم الآخذة بالإسرائيليات، ناقضة ما جاء به الإسلام من إصلاحات للإبراهيمية. هذا ما نبيّنه في اليومية الموالية.</p>
<p>&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;&#8230;</p>
<p><strong>للمزيد </strong></p>
<ul>
<li>الدكتور محمد بن الطيّب : فقه التصوف، بحث في المقاربة بين الأصولية الفقهية عند أبي إسحاق الشاطبي، دار الطليعة، بيروت، ط 1، 2010</li>
<li>حمادي العبيدي: الشاطبي ومقاصد الشريعة (دار قتيبة، بيروت، ط 1، 1992</li>
<li>محمد الفاضل ابن عاشور : أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي، مكتبة النجاح، تونس، د. ت.</li>
</ul>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/24/19-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%81-%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a8%d9%8a/">(19) التصوف إسلام تونس الشعبي</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2016/06/24/19-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%81-%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a8%d9%8a/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>1</slash:comments>
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
