<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>حسن العاصي الأرشيف - أنباء تونس</title>
	<atom:link href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%8A/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/حسن-العاصي/</link>
	<description>الأخبار في تونس، وحول العالم</description>
	<lastBuildDate>Thu, 16 Oct 2025 09:57:33 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=6.9.4</generator>

<image>
	<url>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2022/05/cropped-logo-anbaa-tounes-32x32.png</url>
	<title>حسن العاصي الأرشيف - أنباء تونس</title>
	<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/حسن-العاصي/</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>شرم الشيخ، قمة بلا ضمير : حين يُغسل الدم الفلسطيني بالتصفيق</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/10/16/%d8%b4%d8%b1%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae%d8%8c-%d9%82%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d9%84%d8%a7-%d8%b6%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d9%8a%d9%8f%d8%ba%d8%b3%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%85/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/10/16/%d8%b4%d8%b1%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae%d8%8c-%d9%82%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d9%84%d8%a7-%d8%b6%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d9%8a%d9%8f%d8%ba%d8%b3%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%85/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 16 Oct 2025 09:56:56 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[إسرائيل]]></category>
		<category><![CDATA[الولايات المتًحدة]]></category>
		<category><![CDATA[حسن العاصي]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[قطر]]></category>
		<category><![CDATA[قمة شرم الشيخ]]></category>
		<category><![CDATA[مصر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7318019</guid>

					<description><![CDATA[<p>اجتمع قادة 31 دولة ومنظمة دولية في مصر، ووقّعوا وثيقة إنهاء الحرب في غزة، دون أن يُستشار الطرف الذي يُدفن تحت الركام: الشعب الفلسطيني. </p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/10/16/%d8%b4%d8%b1%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae%d8%8c-%d9%82%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d9%84%d8%a7-%d8%b6%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d9%8a%d9%8f%d8%ba%d8%b3%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%85/">شرم الشيخ، قمة بلا ضمير : حين يُغسل الدم الفلسطيني بالتصفيق</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p><strong>عقدت قمة &#8220;السلام&#8221; وتم توقيع اتفاقية إنهاء الحرب على جثة العدالة، في وقت تتبدّل فيه المفاهيم وتُعاد صياغة القيم وفقاً لموازين القوة لا لمبادئ الحق. هذا ما حصل في قمة شرم الشيخ التي انعقدت تحت عنوان &#8220;السلام في الشرق الأوسط&#8221;، بينما كانت غزة تحترق، والدم الفلسطيني يُسكب بلا توقف. فقد اجتمع قادة 31 دولة ومنظمة دولية، ووقّعوا وثيقة إنهاء الحرب، دون أن يُستشار الطرف الذي يُدفن تحت الركام، ودون أن يُمنح الفلسطينيون حقهم في صياغة مصيرهم. لقد تحوّلت القضية من نضال تحرري إلى ملف يُدار بين العواصم، ومن مأساة إنسانية إلى أزمة سياسية تُحلّ عبر صفقات لا تعترف بالعدالة</strong>. (الصورة : تحولت القضية الفلسطينية إلى بطاقة بريد مصرية). </p>



<p class="has-text-align-left"><strong>الدكتور حسن العاصي *<br></strong></p>



<span id="more-7318019"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img decoding="async" width="200" height="200" src="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg" alt="" class="wp-image-4984545" srcset="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg 200w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-150x150.jpg 150w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-120x120.jpg 120w" sizes="(max-width: 200px) 100vw, 200px" /></figure>
</div>


<p>وعلى الرغم من أن الحرب التي استدعت هذا الحشد كانت تدور رحاها في غزة، وأن الطرف الفلسطيني هو المعني الأول بها، فإن الحضور الفلسطيني جاء خجولاً، هامشياً، لا يتناسب مع حجم المأساة ولا مع مركزية القضية.</p>



<h2 class="wp-block-heading">ويُكتب مصيرك بيد من قتلك</h2>



<p>في مشهدٍ بدا أقرب إلى مسرحية دبلوماسية مكتوبة مسبقاً، وقّع قادة الولايات المتحدة ومصر وتركيا وقطر وثيقة اتفاق إنهاء الحرب، بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي وصف الحدث بأنه &#8220;يوم عظيم للشرق الأوسط&#8221;. لكن هذا &#8220;العظيم&#8221; لم يكن عظيماً في أعين من فُرض عليهم السلام دون أن يُستشاروا، ولا في وجدان من رأى أن توقيع وثيقة مصيرية كهذه تمّ دون تمثيل حقيقي للضحية، ودون اعتراف بجذور الصراع أو حقوق الشعب الفلسطيني.</p>



<p>إن ما جرى في شرم الشيخ لا يمكن قراءته بوصفه مجرد خطوة نحو وقف إطلاق النار، بل هو لحظة كاشفة عن طبيعة التوازنات الجديدة في الإقليم، وعن إعادة تشكيل مفهوم &#8220;السلام&#8221; ليصبح أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، لا لإنهاء الظلم. لقد تم تغييب الفلسطينيين عن طاولة القرار، في مشهد يعيد إلى الأذهان اتفاقات سابقة صيغت في غيابهم، وكأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن هذه المرة تحت غطاء دولي أوسع، وبمباركة عربية أكثر اتساعاً</p>



<p>فهل يمكن حقاً الحديث عن سلام يُصاغ دون حضور الضحية؟ وهل يُمكن اعتبار توقيع اتفاق بين أطراف غير معنية مباشرة بالصراع خطوة نحو العدالة؟ أم أن ما جرى هو تثبيت لواقع سياسي جديد، تُدار فيه القضايا المصيرية عبر وكلاء، وتُهمّش فيه الشعوب لصالح صفقات إقليمية ودولية؟</p>



<p>هذه الأسئلة، وغيرها، تفتح الباب لتحليل معمّق لما جرى في شرم الشيخ، ليس فقط بوصفه حدثاً دبلوماسياً، بل كعلامة فارقة في مسار القضية الفلسطينية، وفي فهمنا لما يُسمّى &#8220;السلام&#8221; في زمن التحالفات المتغيرة والخرائط السياسية المعاد رسمها.</p>



<p>هذه القمة لم تكن لحظة سلام، بل كانت لحظة كشف: كشفٌ لانحياز أميركي مطلق لإسرائيل، كشفٌ لتواطؤ عربي يُغلف الصمت بالمجاملات، وكشفٌ لاختلال المعايير الإنسانية التي تُمنح فيها القيمة فقط لمن يملك النفوذ. لقد غاب الأسرى الفلسطينيون عن النقاش، بينما تصدّر ملف الرهائن الإسرائيليين المشهد، وغابت العدالة عن الوثيقة، بينما حضرت المصالح والتحالفات.</p>



<p>في هذا المقال، نُفكك بنية القمة، ونحلل رمزية تغييب الفلسطينيين، ونكشف الدور الأميركي في هندسة الإقصاء، ونفضح الخطاب الإعلامي الذي زيّف الوعي، ونرصد التحولات العربية التي باتت تُناصر الاحتلال باسم الواقعية. كما نُسلّط الضوء على المفارقة الأخلاقية بين الرهائن والأسرى، ونطرح السؤال الجوهري: هل يمكن للسلام أن يُولد من رحم الإقصاء؟ وهل يُمكن للعدالة أن تُوقّع بيد من تلطخت أصابعه بالدم؟</p>



<h2 class="wp-block-heading">تفكيك بنية القمة: هندسة الإقصاء وتجميل الهيمنة</h2>



<p>قمة شرم الشيخ لم تكن مجرد اجتماع طارئ لوقف إطلاق النار، بل كانت نموذجاً صارخاً لما يمكن تسميته بـ&#8221;هندسة الإقصاء السياسي&#8221;، حيث صيغت بنية القمة على نحو يُقصي الطرف الفلسطيني من موقع الفاعلية، ويُعيد إنتاج الصراع من خلال تمثيل رمزي لا يملك سلطة القرار. فبينما اجتمع قادة 31 دولة ومنظمة دولية، وتصدّر المشهد ممثلو الولايات المتحدة ومصر وتركيا وقطر، بدا الحضور الفلسطيني هامشياً، وكأن القضية التي تُناقش لا تخصه إلا من باب المجاملة البروتوكولية.</p>



<p>البنية التنظيمية للقمة كشفت عن خلل جوهري: الأطراف التي لا تعيش تحت القصف، ولا تُحاصر، ولا تُهجّر، هي من تولّت صياغة وثيقة &#8220;السلام&#8221;، بينما الطرف الذي يُعاني يومياً من الاحتلال والعدوان، لم يُمنح سوى مقعد خلفي في قاعة القرار. هذا ليس مجرد تجاهل، بل هو إعادة تعريف للشرعية السياسية، حيث يُمنح الحق في التوقيع لمن يملك النفوذ، لا لمن يملك الجرح.</p>



<p>الوثيقة التي وُقّعت لم تكن نتيجة مفاوضات متكافئة، بل كانت إعلاناً أحادياً لتوازنات إقليمية جديدة، تُدار فيها الحروب وتُنهى عبر صفقات بين القوى الكبرى، دون اعتبار للعدالة أو للحقوق التاريخية. إن توقيع اتفاق بين أطراف غير معنية مباشرة بالصراع، دون تفويض من الضحية، يُحوّل السلام إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، لا لإنهاء المأساة.</p>



<p>حتى لغة القمة كانت مشبعة بالرمزية المضلّلة: &#8220;يوم عظيم للشرق الأوسط&#8221;، كما وصفه الرئيس الأميركي، هو في الحقيقة يوم يُكرّس فيه تغييب الفلسطينيين عن طاولة القرار، ويُعاد فيه رسم خرائط النفوذ دون استشارة أصحاب الأرض. فالقمة لم تكن منصة للحوار، بل كانت مسرحاً لتثبيت واقع سياسي جديد، تُدار فيه القضايا المصيرية عبر وكلاء، وتُهمّش فيه الشعوب لصالح تحالفات مؤقتة ومصالح استراتيجية.</p>



<p>إن تفكيك بنية هذه القمة يكشف عن منطق جديد في إدارة الصراعات: منطق يُفضّل الاستقرار على العدالة، ويُراهن على الصفقات لا على الحقوق، ويُعيد تعريف &#8220;السلام&#8221; بوصفه اتفاقًا بين الأقوياء، لا اعترافاً بإنسانية الضعفاء.</p>



<h2 class="wp-block-heading">رمزية تغييب الفلسطينيين : حين يُختزل الوجود إلى حضور خجول</h2>



<p>في قمة شرم الشيخ، لم يكن غياب الفلسطينيين عن طاولة القرار مجرد تفصيل بروتوكولي، بل كان فعلاً رمزياً كثيف الدلالة، يُعبّر عن منطق سياسي متجذر في التعامل مع القضية الفلسطينية: منطق يرى الفلسطينيين كعقبة يجب تجاوزها، لا كأصحاب حق يجب الإنصات إليهم. لقد حضر الرئيس محمود عباس، نعم، لكنه حضر كظلٍّ لا كصوت، كإشارة لا كفاعل، في مشهد يُعيد إنتاج الإقصاء تحت غطاء المشاركة الشكلية.</p>



<p>هذا التغييب لم يكن عفوياً، بل كان جزءًا من هندسة سياسية تُعيد رسم خريطة الشرق الأوسط دون الفلسطينيين، وكأن وجودهم بات فائضاً عن الحاجة، أو غير ضروري في معادلة &#8220;السلام&#8221;. إن تغييبهم عن توقيع وثيقة إنهاء الحرب، رغم كونهم الطرف الأكثر تضرراً، يُحوّلهم من أصحاب قضية إلى متفرجين على مصيرهم، ويُكرّس منطق الوصاية الإقليمية والدولية على قرارهم الوطني.</p>



<p>الرمزية هنا قاتلة: أن يُوقّع الآخرون وثيقة باسمك، أن يُحدّد مصيرك دون استشارتك، أن تُستدعى فقط لتُضفي شرعية شكلية على اتفاق لم تُشارك في صياغته. هذا ليس مجرد تجاهل، بل هو نزعٌ ممنهج للوكالة السياسية، وإعادة تعريف للهوية الفلسطينية بوصفها هامشاً في سردية دولية تُفضّل الاستقرار على العدالة، وتُراهن على الصفقات لا على الحقوق.</p>



<p>إن تغييب الفلسطينيين في قمة شرم الشيخ يُعيد إلى الأذهان مشاهد تاريخية مشابهة، من كامب ديفيد إلى أوسلو، حيث كان الحضور الفلسطيني دائماً مشروطاً، محدوداً، ومُداراً من الخارج. لكن الفارق اليوم أن هذا التغييب بات أكثر علانية، وأكثر وقاحة، وكأن العالم لم يعد يشعر بالحاجة حتى إلى التظاهر بالإنصاف.</p>



<p>في الوقت الذي تُدار فيه القضايا عبر تحالفات عابرة للحدود، يصبح تغييب الفلسطينيين ليس فقط علامة على اختلال التوازن، بل مؤشراً على انهيار المعايير الأخلاقية في صناعة القرار الدولي. فالقضية لم تعد تُناقش بوصفها مأساة إنسانية أو صراعاً على الأرض والهوية، بل كملف قابل للتدوير بين العواصم، تُحلّ عقده عبر تفاهمات بين أطراف لا تسكن الجرح.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الخطاب الإعلامي : صناعة الوهم وتجميل الإقصاء</h2>



<p>الخطاب الإعلامي الذي رافق قمة شرم الشيخ لم يكن مجرد تغطية صحفية لحدث دبلوماسي، بل كان جزءًا من عملية سياسية متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي العام حول طبيعة الصراع في غزة، وتجميل مشهد الإقصاء الفلسطيني تحت غطاء &#8220;السلام&#8221;. فقد تصدّرت العناوين كلمات مثل &#8220;اتفاق تاريخي&#8221;، &#8220;يوم عظيم للشرق الأوسط&#8221;، و&#8221;خطوة نحو الاستقرار&#8221;، بينما غابت تماماً مفردات مثل &#8220;العدالة&#8221;، &#8220;الاحتلال&#8221;، و&#8221;الحقوق الفلسطينية&#8221;، &#8220;الدولة الفلسطينية&#8221;، وكأن الحرب كانت مجرد خلل مؤقت بين أطراف متكافئة، لا مأساة مستمرة تُمارَس على شعب أعزل.</p>



<p>هذا الخطاب لم يكتفِ بتجاهل الفلسطينيين، بل أعاد صياغة الرواية بحيث يصبح الطرف المعتدي جزءًا من الحل، والطرف المعتدى عليه مجرد خلفية رمزية. فالإعلام الدولي والعربي الرسمي تعامل مع توقيع الاتفاق وكأنه إنجاز دبلوماسي، دون أن يسأل: من وقّع؟ ومن غاب؟ ومن يملك الحق في تحديد شروط السلام؟ لقد تم التركيز على صور المصافحة، والابتسامات، والبيانات المشتركة، بينما تم تهميش صور الدمار، والضحايا، والمقاومة، في محاولة لإعادة إنتاج سردية تُرضي الممولين وتُخدّر الجماهير.</p>



<p>اللافت أن بعض وسائل الإعلام العربية تبنّت الخطاب الأميركي حرفياً، واحتفت بتصريحات ترمب دون تمحيص، وكأنها تخلّت عن دورها النقدي لصالح دور ترويجي. أما الإعلام الفلسطيني، فقد وجد نفسه بين خيارين: إما الصمت المُرّ، أو الصراخ في فراغ لا يسمعه أحد، في ظل سيطرة الرواية الرسمية على المنصات الكبرى.</p>



<p>إن الخطاب الإعلامي المصاحب للقمة لم يكن بريئاً، بل كان أداة لإعادة تشكيل الإدراك السياسي، وتوجيه الانتباه بعيداً عن جوهر القضية. لقد تم تحويل القمة إلى حدث احتفالي، لا إلى لحظة مساءلة، وتم تسويق الاتفاق كحلّ، لا كصفقة، في تجاهل تام للسياق التاريخي والحقوقي للصراع.</p>



<p>في النهاية، لم يكن الإعلام مجرد ناقل للحدث، بل كان شريكاً في صناعته، وفي تزييف معانيه، وفي ترسيخ منطق يُفضّل الصورة على الحقيقة، والتهدئة على التحرر، والصفقة على الكرامة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الدور الأميركي: هندسة &#8220;السلام&#8221; بيدٍ ملوثة بالدم</h2>



<ul class="wp-block-list"></ul>



<p>لا يمكن فهم قمة شرم الشيخ دون التوقف عند الدور الأميركي الذي لم يكن مجرد راعٍ دبلوماسي، بل كان المهندس الفعلي لاتفاق &#8220;إنهاء الحرب&#8221; في غزة، والمُخرج السياسي لمشهد بدا فيه الفلسطينيون غائبين، والعدالة مغيّبة. لقد تصدّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب واجهة الحدث، لا بوصفه وسيطاً نزيهاً، بل كطرفٍ منحاز بصورة مطلقة لإسرائيل، طرفٍ يده ملوثة بدماء آلاف الأطفال والنساء في غزة، ليس فقط بصمته عن المجازر، بل بدعمه العسكري والسياسي غير المشروط للآلة الحربية الإسرائيلية.</p>



<p>لم يأتِ ترمب إلى شرم الشيخ حاملاً مشروع سلام، بل جاء حاملاً خريطة خيالية لشرق أوسط جديد، يُراد فرضه بالقوة، عبر تسويات لا تعالج جذور الصراع، بل تلتف حولها. في خطابه، بدا وكأنه يتحدث عن واقع لا يراه سواه، واقع تُمحى فيه الذاكرة، وتُختزل فيه القضية الفلسطينية إلى أزمة إنسانية قابلة للإدارة، لا إلى نضال تحرري ضد استعمار طويل الأمد. لقد تجاهل تماماً الاحتلال، والاستيطان، والحصار، وتاريخاً من النكبات، وركّز بدلاً من ذلك على &#8220;تبادل الرهائن&#8221; و&#8221;وقف إطلاق النار&#8221;، وكأن الحرب كانت بين طرفين متكافئين، لا بين قوة نووية مدعومة دولياً وشعب محاصر أعزل.</p>



<p>الولايات المتحدة، في هذه القمة، لم تكن صانعة سلام، بل كانت صانعة مشهد، تُعيد فيه إنتاج الهيمنة تحت لافتة &#8220;الوساطة&#8221;. فهي التي سلّحت، وهي التي وفّرت الغطاء السياسي، وهي التي منعت أي مساءلة دولية لإسرائيل في المحافل الأممية. ثم جاءت لتُشرف على اتفاق يُفترض أنه ينهي الحرب، دون أن تعترف بمسؤوليتها المباشرة عن إشعالها أو تغذيتها. هذا ليس سلاماً، بل إعادة تدوير للدمار، وتجميلٌ للكارثة.</p>



<p>إن ما فعله ترمب في شرم الشيخ ليس جديداً، بل هو امتداد لدور أميركي طويل في إدارة الصراعات العالمية بمنطق الغلبة لا العدالة. من العراق إلى أفغانستان، ومن ليبيا إلى فلسطين، كانت واشنطن دائماً حاضرة كقوة تفرض رؤيتها، لا كقوة تُنصت. لكنها في الحالة الفلسطينية، تجاوزت حتى حدود التظاهر بالحياد، لتصبح شريكاً مباشراً في الجريمة، ثم شريكاً في صياغة &#8220;الحل&#8221;.</p>



<p>إن الدور الأميركي في قمة شرم الشيخ يُجسّد مأزق السياسة الدولية المعاصرة: حين يُمنح الجلاد سلطة كتابة رواية الضحية، وحين يُفرض السلام كصفقة، لا كحق، وحين تُدار العدالة كملف تفاوضي، لا كقيمة إنسانية غير قابلة للمساومة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الزعماء العرب والغسل الرمزي للأيدي</h2>



<p>في قمة شرم الشيخ، لم يكن حضور الزعماء العرب تعبيراً عن دعم نضال الشعب الفلسطيني، بل بدا وكأنه محاولة جماعية لغسل الأيدي من مسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه قضية كانت، ولا تزال، جوهر الصراع في المنطقة. لقد جلس بعضهم في الصفوف الأمامية، وألقى كلمات محمّلة بالأسف، وبعبارات منمّقة عن &#8220;القلق&#8221; و&#8221;الرغبة في التهدئة&#8221;، لكنهم لم يأتوا حاملين مشروعاً، ولا رؤية، ولا حتى موقفاً واضحاً يُعيد الاعتبار للحق الفلسطيني في الأرض والكرامة.</p>



<p>هذا الحضور العربي، الذي بدا كثيفاً عددياً، كان في جوهره غائباً سياسياً. فبدلاً من أن يكون منصة لتوحيد الموقف العربي حول دعم المقاومة، أو على الأقل المطالبة بوقف العدوان، تحوّل إلى مشهد بروتوكولي يُضفي شرعية على اتفاق صيغ خارج الإرادة الفلسطينية، وبعيداً عن أي مساءلة تاريخية. لقد بدا وكأن بعض الزعماء جاءوا ليقولوا: &#8220;لقد فعلنا ما بوسعنا&#8221;، بينما يعلم الجميع أن ما بوسعهم أكثر بكثير من بيانات الإدانة وتغريدات التضامن.</p>



<p>اللافت أن بعض هؤلاء الزعماء لم يكتفوا بالوقوف متفرجين، بل شاركوا فعلياً في هندسة الإقصاء، وفي تمرير خطاب يُفرّغ القضية من بعدها التحرري، ويُعيد تعريفها كأزمة إنسانية قابلة للإدارة. بل إن بعضهم، في مواقف سابقة، تواطأ مع الاحتلال، ونسّق أمنياً، وساهم في حصار غزة، ثم جاء إلى القمة ليُعلن أسفه، وكأن التاريخ لا يسجل، وكأن الدم لا يصرخ.</p>



<p>إن هذا الحضور العربي يُجسّد مأزقاً أخلاقياً عميقاً: حين يتحوّل الدعم إلى تمنٍّ، والموقف إلى مجاملة، والالتزام إلى حياد. لقد غابت الإرادة السياسية، وغابت الجرأة، وغابت حتى اللغة التي تُسمّي الأشياء بأسمائها. لم نسمع في القمة من يقول &#8220;الاحتلال&#8221;، أو &#8220;العدوان&#8221;، أو &#8220;الحق في المقاومة&#8221;، أو &#8220;الدولة الفلسطينية المستقلة&#8221;، بل سمعنا عن &#8220;التهدئة&#8221;، و&#8221;الاستقرار&#8221;، و&#8221;الحلول الوسط&#8221;، وكأن القضية الفلسطينية باتت عبئاً يجب التخلص منه، لا مسؤولية يجب حملها.</p>



<p>في الوقت الذي تُدار فيه القضايا الكبرى عبر تحالفات مصالح، يصبح الحضور العربي في قمة شرم الشيخ علامة على التحوّل من دعم القضية إلى إدارة غيابها، ومن تبنّي النضال إلى تبرير التراجع. لقد حضروا، نعم، لكنهم لم يُنصتوا للدم، ولم يُنادوا بالحق، ولم يُطالبوا بالعدالة. حضروا ليغسلوا أيديهم، لا ليحملوا القضية.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الرهائن مقابل الأسرى: حين تُقاس الإنسانية بميزان القوة</h2>



<p>في قمة شرم الشيخ، تصدّر ملف &#8220;تبادل الرهائن&#8221; جدول الأعمال، وكأن عشرين جندياً إسرائيلياً لدى المقاومة الفلسطينية هم جوهر المأساة، بينما غاب تماماً عن النقاش وجود أكثر من عشرة آلاف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال، بعضهم قضى أكثر من أربعة عقود خلف القضبان، والمئات منهم حُكم عليهم بالمؤبد، ليس مرة واحدة، بل مرات متعددة، وكأن الزمن نفسه حُكم عليهم أن يُسجنوه.</p>



<p>هذا الاختلال في المعايير الإنسانية ليس مجرد خلل في التوازن السياسي، بل هو فضيحة أخلاقية تُعرّي العالم الذي يصرخ من أجل جنود فقدوا حريتهم، بينما يصمت أمام شعب يُسجن بكامله، يُعذّب، يُحرم من أبسط حقوقه، ويُعامل كأرقام في ملفات أمنية لا تُفتح إلا عند الحاجة إلى صفقة. لقد انقلبت الدنيا على عشرين جندياً، بينما لم تهتز ضمائر القادة أمام آلاف الأمهات الفلسطينيات اللواتي ينتظرن أبناءهن منذ عقود، أمام أطفال كبروا دون أن يروا آباءهم، أمام قصص من الألم لا تُروى إلا في الزنازين.</p>



<p>إن تقديم ملف الرهائن الإسرائيليين بوصفه أولوية إنسانية، وتجاهل ملف الأسرى الفلسطينيين، يكشف عن منطق يُمنح فيه الإنسان قيمة سياسية فقط إذا كان من الطرف الأقوى، من الطرف المدعوم دولياً، من الطرف الذي تُحسب خسائره بالدولار والضغط الدبلوماسي، لا بالدم والوجع. هذا ليس إنصافًا، بل هو إعادة إنتاج للظلم تحت غطاء الإنسانية، وهو تزييف للعدالة يُحوّل الضحية إلى متهم، ويُعيد تعريف الألم ليصبح انتقائياً، يُعترف به فقط إذا كان من الطرف &#8220;المناسب&#8221;.</p>



<p>في سجون الاحتلال، لا يُحتجز فقط الرجال والنساء، بل تُحتجز الذاكرة، والهوية، والحق في الحياة. الأسرى الفلسطينيون ليسوا مجرد ملف تفاوضي، بل هم مرآة للواقع السياسي الذي يُقصي الإنسان إذا لم يكن مدعوماً، ويُهمّش قضيته إذا لم تكن مربحة.</p>



<p>إن تغييبهم عن قمة شرم الشيخ، وعن وثيقة &#8220;السلام&#8221;، وعن الخطاب الإعلامي، هو تغييب للعدالة، وللضمير، وللإنسانية التي لا تُقاس بالقوة، بل بالحق.</p>



<h2 class="wp-block-heading">التحالفات الجديدة: الواقعية كقناع للتواطؤ</h2>



<p>في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التحولات الجيوسياسية في المنطقة، باتت بعض الدول العربية تتبنى خطاباً أقرب إلى الرواية الإسرائيلية، لا من باب القناعة، بل تحت ذريعة &#8220;الواقعية السياسية&#8221; و&#8221;مواجهة التهديدات المشتركة&#8221;. هذا التحول لم يكن مجرد تعديل في اللهجة الدبلوماسية، بل كان انقلاباً في البوصلة الأخلاقية، حيث تحوّلت القضية الفلسطينية من مركزية إلى هامشية، ومن معيار للكرامة إلى عبء يُدار بتكتيك المساومة.</p>



<p>في قمة شرم الشيخ، تجلّت هذه الواقعية المزعومة بأوضح صورها: دول عربية شاركت في توقيع وثيقة سلام لم يُستشر فيها الفلسطينيون، وباركت اتفاقاً لا يعترف بجذور الصراع، بل يُعيد إنتاجه تحت غطاء التهدئة. لقد باتت إسرائيل تُقدَّم في بعض الخطابات الرسمية كـ&#8221;شريك استراتيجي&#8221;، لا كقوة احتلال، وكأن عقوداً من القتل والتهجير والاستيطان يمكن أن تُمحى بلحظة سياسية تُبرّرها المصالح الأمنية أو الاقتصادية.</p>



<p>هذه الواقعية لا تعني سوى شيء واحد: التخلي عن المبادئ لصالح الحسابات. فبدلاً من أن تكون السياسة أداة لتحقيق العدالة، أصبحت وسيلة لتفادي الإحراج، ولتأمين التحالفات، ولتجنّب الاصطدام مع القوى الكبرى. لقد باتت بعض الأنظمة ترى في القضية الفلسطينية عائقاً أمام التطبيع، لا قضية تحرر تستحق الدعم، وبدأت تُعيد صياغة خطابها الداخلي لتُقنع شعوبها بأن &#8220;الاستقرار الإقليمي&#8221; أهم من &#8220;الحق التاريخي&#8221;.</p>



<p>لكن هذه &#8220;الواقعية&#8221; في جوهرها، ليست واقعية على الإطلاق. إنها إنكار للواقع، وتزييف للحقائق، وتواطؤ مع القوة على حساب الضحية. إنها محاولة لتجميل العلاقة مع الاحتلال، لا لإنهائها، ولتحويل الصراع إلى ملف إداري يُدار في غرف مغلقة، لا إلى قضية إنسانية تُحلّ بالاعتراف والعدالة.</p>



<p>إن مناصرة إسرائيل باسم الواقعية ليست سوى إعادة إنتاج للهيمنة، وتكريس لواقع سياسي يُقصي الفلسطينيين من المعادلة، ويُعيد تعريف &#8220;العدو&#8221; وفقاً لمصالح متغيرة، لا وفقاً لمبادئ ثابتة.</p>



<p>&nbsp;وفي هذا السياق، تصبح القمم والمؤتمرات مجرد واجهات، تُدار فيها التحالفات، وتُنسى فيها القضايا، ويُعاد فيها تشكيل الوعي العام ليقبل بما لا يُقبل، ويُبرّر ما لا يُبرّر.</p>



<h2 class="wp-block-heading">قمة بلا ضمير وسلام بلا عدالة</h2>



<p>قمة شرم الشيخ، بكل ما حملته من رمزية سياسية وتغطية إعلامية، لم تكن لحظة سلام حقيقية، بل كانت مشهداً مركّباً ـ على الطريقة الهوليودية ـ من التواطؤ، الإقصاء، وإعادة إنتاج الهيمنة. لقد اجتمع العالم ليصوغ وثيقة إنهاء حرب، دون أن يُنصت لصوت الضحية، ودون أن يعترف بجذور المأساة. فبينما كانت غزة تنزف، وبينما كانت الجثث تُنتشل من تحت الركام، كان الزعماء يتصافحون، ويوقّعون، ويبتسمون أمام الكاميرات، وكأن الدم الفلسطيني لا يستحق أن يُذكر إلا في الهامش.</p>



<p>لم تكن الولايات المتحدة، بقيادة ترمب وسيطاً، بل طرفاً فاعلاً في صناعة الحرب، ثم طرفاً متسلطاً في صياغة &#8220;السلام&#8221;. والزعماء العرب، الذين حضروا القمة، لم يأتوا حاملين إرثاً من التضامن، بل جاءوا وكأنهم يريدون غسل أيديهم من مسؤولية تاريخية تجاه قضية كانت يوماً ما معياراً للكرامة السياسية.</p>



<p>أما الإعلام، فقد تولّى مهمة التجميل، فحوّل القمة إلى احتفال، والاتفاق إلى إنجاز، متجاهلاً أن العدالة لا تُصاغ في غياب أصحابها، وأن السلام لا يُفرض بالقوة.</p>



<p>إن ما جرى في شرم الشيخ ليس مجرد حدث عابر، بل هو لحظة كاشفة عن انهيار المعايير، وعن تحوّل القضية الفلسطينية من نضال تحرري إلى ملف يُدار بين العواصم، ويُحسم دون استشارة أصحاب الأرض.</p>



<p>لقد تم تغييب الفلسطينيين، لا فقط عن طاولة القرار، بل عن سردية العالم، وعن لغة العدالة، وعن حقهم في أن يكونوا هم من يكتبون مصيرهم.</p>



<p>في هذه المرحلة التي تُدار فيها القضايا الكبرى عبر تحالفات المصالح، يصبح السؤال الأهم: هل يمكن للسلام أن يُولد من رحم الإقصاء؟ وهل يمكن للعدالة أن تُصاغ بأقلام من تلطخت أيديهم بالدم؟ إن قمة شرم الشيخ، بكل تناقضاتها، تُجبرنا على إعادة تعريف معنى السلام، لا بوصفه صفقة، بل بوصفه اعترافاً بالحق، وبالكرامة، وبالإنسانية التي لا تُشترى ولا تُوقّع بالنيابة.</p>



<p><em>* باحث أكاديمي وكاتب فلسطيني.</em></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/10/16/%d8%b4%d8%b1%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae%d8%8c-%d9%82%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d9%84%d8%a7-%d8%b6%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d9%8a%d9%8f%d8%ba%d8%b3%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%85/">شرم الشيخ، قمة بلا ضمير : حين يُغسل الدم الفلسطيني بالتصفيق</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/10/16/%d8%b4%d8%b1%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae%d8%8c-%d9%82%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d9%84%d8%a7-%d8%b6%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d9%8a%d9%8f%d8%ba%d8%b3%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الأقليات والدولة في العالم العربي : التداعيات والاعتبارات النظرية والمقارنة</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/08/02/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%82%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/08/02/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%82%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 02 Aug 2025 12:39:12 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[الأقليات]]></category>
		<category><![CDATA[التعددية الثقافية]]></category>
		<category><![CDATA[العالم الإسلامي]]></category>
		<category><![CDATA[العالم العربي]]></category>
		<category><![CDATA[العراق]]></category>
		<category><![CDATA[الميثاق العربي لحقوق الإنسان]]></category>
		<category><![CDATA[حسن العاصي]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[لبنان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7175207</guid>

					<description><![CDATA[<p> العالم العربي يتألف من تعددية من الانتماءات العرقية والقومية والثقافية واللغوية والمذهبية ذات الأصول العريقة والتشابكات المعقدة.</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/08/02/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%82%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa/">الأقليات والدولة في العالم العربي : التداعيات والاعتبارات النظرية والمقارنة</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p><strong>على الرغم من أن العالم العربي موحد بفضل العديد من العوامل الاجتماعية والتاريخية، إلا أنه يتألف من تعددية من الانتماءات العرقية والقومية والثقافية واللغوية والمذهبية ذات الأصول العريقة والتشابكات المعقدة. لقد ثبت أن تحقيق الاعتراف بالتعددية الثقافية بهذه التعددية أمرٌ بالغ الصعوبة والصراع، لا سيما في العراق، ولبنان، وسورية. ومع ذلك، نتطلع إلى حدوث تغيير في التصورات العربية للتعددية الثقافية والأقليات، وهو ما انعكس في المراجعات الأخيرة للميثاق العربي لحقوق الإنسان.</strong></p>



<p class="has-text-align-left"><strong>الدكتور حسن العاصي</strong></p>



<span id="more-7175207"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img decoding="async" width="200" height="200" src="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg" alt="" class="wp-image-4984545" srcset="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg 200w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-150x150.jpg 150w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-120x120.jpg 120w" sizes="(max-width: 200px) 100vw, 200px" /></figure>
</div>


<p>على الرغم من قصوره النظري ونقائصه العملية، قد يُثبت الميثاق العربي لحقوق الإنسان المُنقّح أنه نقطة انطلاق مفيدة لسد هذه الفجوة. يتضمن الميثاق عدة أحكام تتعلق بالتعددية الثقافية وحقوق الأقليات، والتي من شأنها أن تُوجّه نحو اتجاه أكثر مراعاةً للتنوع.</p>



<h2 class="wp-block-heading">العالمان العربي والإسلامي</h2>



<p>يضع الباحث التركي في السياسة المقارنة شينر أكتورك Şener Aktürk الدول العربية في فئة &#8220;معادية للعرق&#8221; في دراسته &#8220;أنظمة العرق: مقارنة بين الشرق والغرب والجنوب&#8221; Racial Systems: Comparing East, West, and South يدرس تحليله الدول بحثاً عن وجود خمس عشرة سياسة مميزة للاعتراف العرقي، بدءًا من استخدام الفئات العرقية في التعداد السكاني، ومرورًا بحقوق الأقليات اللغوية، ووصولًا إلى الحكم الذاتي الإقليمي.</p>



<p>من المهم هنا عدم الخلط بين العالم العربي والعالم الإسلامي. يبدو أن العديد من الدول الإسلامية خارج المنطقة العربية تتبع التوجهات العالمية العامة نحو التعددية الثقافية. لنأخذ إندونيسيا أو ماليزيا، بما لديهما من أنظمة معقدة لحقوق الأقليات والسكان الأصليين. هناك بالفعل أدبيات ثرية حول التعددية الثقافية في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة خارج العالم العربي، وخاصة في تلك الدولتين وشبه القارة الهندية. </p>



<p>يوجد عدة دراسات وجميعها تتناول بعض القضايا النظرية والمعيارية الأساسية المتعلقة بآفاق المواطنة متعددة الثقافات في هذه البلدان. يشير هذا إلى أن مصاعب التعددية الثقافية في العالم العربي لا تتعلق بالإسلام في حد ذاته، بل تتعلق بخصائص الإرث العثماني والاستعماري، وبالجيوسياسية الإقليمية الحالية. وقد أثيرت قضايا مماثلة في الجدل المعروف حول &#8220;الاستثناء الإسلامي&#8221; مقابل &#8220;الاستثناء العربي&#8221; فيما يتعلق بالديمقراطية. </p>



<p>أعتقد أن مصاعب الديمقراطية في العالم العربي لا يمكن تفسيرها من خلال الإسلام، بالنظر إلى النجاح النسبي للديمقراطية في الدول ذات الأغلبية المسلمة خارج نطاق الإسلام. يجب تجنب فكرة أن الشرق الأوسط استثناء من حيث عدد أو معاملة أو حساسية أقلياته.</p>



<p>في الواقع، إذا نظرنا إلى الأمر من خلال عدسة أوسع، فبدلاً من النظر إلى العالم العربي كاستثناء من الاستقبال الإيجابي عموماً والآثار التحويلية لسياسات التعددية الثقافية في معظم مناطق العالم، قد نرى أمريكا اللاتينية كاستثناء من رد الفعل العدائي عموماً والآثار المتناقضة للتعددية الثقافية، والسياسات التقليدية في معظم المناطق. كما أن تبني هذا المنظور الأوسع يُساعد على تجنب الادعاءات الحتمية المفرطة بشأن آفاق التعددية الثقافية. في حين أن مقاومة حقوق الأقليات والسكان الأصليين منتشرة على نطاق واسع في عالم ما بعد الاستعمار، فمن الواضح أن الدول قادرة على التغلب على هذه الموروثات. فالتاريخ ليس قدراً محتوماً، وهناك اختلافات صارخة حتى بين الدول المتجاورة ذات التركيبة السكانية والإرث التاريخي المتشابه. </p>



<p>نحن بعيدون جداً عن معرفة الشروط اللازمة أو الكافية لاعتماد حقوق الأقليات والسكان الأصليين. كما أننا لا نملك نظريات راسخة حول متى ستصبح هذه الحقوق فعّالة عملياً، أو مُحدثة تحولاً في تأثيرها. يرى بعض الباحثين أن صعود سياسات &#8220;السكان الأصليين&#8221; في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى قد عزز سياسات غير ديمقراطية وإقصائية، بل وعنيفة. بدلاً من بناء علاقات مواطنة ديمقراطية أكثر شمولاً وسلمية كما هو الحال في أمريكا اللاتينية. </p>



<p>لذا، يجب أن نرفض رفضاً قاطعاً كلاً من الاستثنائية والقدرية فيما يتعلق بسياسات الأقليات في العالم العربي. بدلاً من محاولة تحديد بعض الاستثنائية العربية المزعومة أو بعض ردود الفعل العربية المحددة مسبقاً لمطالبات الأقليات، من المهم دراسة العالم العربي كسياق مهم لاستكشاف ما هي في الواقع أسئلة عالمية حقيقية حول آفاق التعددية الثقافية. ما هي الظروف التي يمكننا في ظلها تصور جدلية داعمة متبادلة لبناء الأمة وحقوق الأقليات؟ في ظل أي ظروف يمكن أن يكون للنضال من أجل حقوق الأقليات تأثير تحويلي؟ في أي ظروف يمكن للمعايير الدولية أن تلعب دوراً بنّاءً في هذه العملية؟ إذا كانت هذه الأسئلة صعبة وغير محسومة في العالم العربي، للأسباب التي نوقشت سابقاً، فهي أبعد ما تكون عن السهولة أو الحل في أي منطقة أخرى.</p>



<p>لقد عرّف نظام الملل العثماني الأقليات على أسس دينية، وهناك بالفعل أدبيات واسعة حول وضع المسيحيين واليهود كأقليات محمية في العالمين العربي والإسلامي.</p>



<p>مع أن إرث الملل العثمانية ذو أهمية حاسمة لموضوعنا، إلا أنني لا أريد التكرار، فقد تناولت موضوع الملة في مقالة سابقة عن الأقليات. بل أريد التركيز على كيفية تصور التنوع العرقي والقومي ومناقشته في العالم العربي، وكيفية ارتباط ذلك بالخطابات العالمية الناشئة حول حقوق الأقليات والسكان الأصليين. تركز هذه الخطابات العالمية الجديدة بشكل أقل على الجماعات الدينية، وأكثر على جماعات مثل الأكراد في العراق أو سوريا، والأمازيغ في الجزائر، والجنوبيين في السودان. كما لا يرغب الفلسطينيون في إسرائيل أو العرب في إيران في أن يُنظر إليهم كأقلية دينية فحسب، بل كجماعة وطنية متميزة أو شعب أصلي (مع ما يرتبط بذلك من مطالبات بالأرض والحكم الذاتي وحقوق لغوية، وما إلى ذلك)، فكذلك تطالب مجموعات مختلفة داخل الدول العربية ليس فقط بالتوافق الديني، بل أيضاً بوضع الأقلية الوطنية أو السكان الأصليين. وتواجه مجموعات عرقية أخرى تمييزاً طبقياً (مثل الأخدام في اليمن) أو إقصاءً (مثل العمال المهاجرين في الخليج). تُمثل هذه الأنواع من المجموعات العرقية والوطنية المحور الرئيسي للخطابات الدولية الحديثة حول حقوق الأقليات والسكان الأصليين، إلا أن أهمية هذه المعايير الدولية أو ملاءمتها للعالم العربي لا تزال غير مدروسة إلى حد كبير.</p>



<h2 class="wp-block-heading">مصطلح العالم العربي</h2>



<p>يجب علينا أيضًا توضيح مصطلح &#8220;العالم العربي&#8221;. في المقام الأول، نستخدم هذا المصطلح بمعناه الجغرافي التقليدي للإشارة إلى الدول ذات الأغلبية العربية، وجميعها أعضاء في جامعة الدول العربية. (تضم الجامعة أيضاً بعض الدول مثل جزر القمر وجيبوتي وموريتانيا والصومال حيث اللغة العربية لغة رسمية وليست لغة أغلبية، ولكن تركيزنا ينصب على الدول ذات الأغلبية العربية). ومع ذلك، فإن هذه الحالة تشمل الأقليات العربية في الدول المجاورة، مثل إسرائيل. فلهذه الأقليات العربية طرقها المميزة في ربط تقاليدها العربية/الإسلامية وواقعها المحلي بخطابات ومؤسسات أكثر عالمية. كما نُجري مقارنات ذات صلة مع الدول المجاورة: على سبيل المثال، مقارنة طريقة النظر إلى الأكراد في الدول ذات الأغلبية العربية (مثل سوريا والعراق) بمعاملتهم في إيران أو تركيا. تساعد هذه المقارنات في تسليط الضوء على ما يميز قضايا الأقليات في الدول ذات الأغلبية العربية (إن وُجد). نظام الملل تركً إرثًا باقٍ لا يزال قائماً حتى يومنا هذا يؤثر على الوحدة الوطنية.</p>



<p>عند تناول قضية حقوق الأقليات اليوم، من الضروري فهم هذه الخلفية لتجنب الاستراتيجيات &#8211; بما في ذلك الاستراتيجيات الدولية حسنة النية &#8211; التي ستُعزز ببساطة مكانتهم كمواطنين مُميزين. علينا أن نعلم كيف تُعقّد أعباء التاريخ جهود معالجة قضية الأقليات، والتأكيد على المساهمات الإيجابية المُحتملة التي يُمكن أن يُقدّمها إرث نظام المِلّ. وأنّ هذا الإرث ّ يحمل دروساً مهمة ليس فقط لحماية الأقليات، ولكن أيضاً لبناء هوية وطنية أكثر شمولاً، ومؤسسات عامة أكثر تمثيلاً. إنّ المعايير الدولية للأقليات وحقوق الإنسان، إذا فُسّر تفسيراً مناسباً، يُمكن أن تلعب دوراً بنّاءً في بناء جدلية إيجابية لبناء الأمة وحقوق الأقليات.</p>



<p>نؤكد على أهمية التعددية الثقافية الليبرالية للأقليات في العالم العربي. إذا أُريد للتعددية الثقافية الليبرالية أن تكون ذات صلة ومفيدة، فيجب إعادة صياغة العلاقة بين الليبرالية والتعددية الثقافية لتوضيح أن الليبرالية تسبق التعددية الثقافية، وأن ترسيخ البنية الأساسية للديمقراطية الليبرالية يسبق السعي إلى نسخة متعددة الثقافات منها تحديداً. إن الحفاظ على هذه الأولوية أمرٌ أساسي، ليس فقط للعالم العربي، بل أيضاً في الغرب. فإذا لم تتمكن التعددية الثقافية في العالم العربي من ترسيخ جذورها إلا بعد إرساء حد أدنى من الديمقراطية الليبرالية، فمن الصحيح أيضاً أن التعددية الثقافية في الغرب تواجه ردود فعل عنيفة وتراجعاً عندما يُنظر إليها على أنها تبتعد عن المبادئ الليبرالية الأساسية. وبشكل أعم، تُعدّ الديمقراطية الليبرالية شرطاً أساسياً لتعددية ثقافية مستدامة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">تغير مناهج دراسة العرقية</h2>



<p>تتطلب دراسة أي أقلية تحليل بنية مجتمع بأكمله: إما أن تُعرّف الأقلية على هذا النحو في علاقتها بالأغلبية، أو أن المجتمع ككل يتكون من مجموعة من الأقليات. وتتنوع الأقليات بقدر ما تتنوع الانقسامات في أي مجتمع، على سبيل المثال، الرجال والنساء، كبار السن والشباب، المتعلمون والمتعلمات، العاملون والعاطلون عن العمل، وهكذا. ومع ذلك، فإن المحور الأكثر أهمية الذي يفصل الأقليات عن غيرها في المجتمع الحديث هو المحور الإثني، وبالتالي فإن الأداة الأساسية لدراسة الأقليات هي تاريخ الإثنية وعلم اجتماعها السياسي. وهناك أدبيات وافرة حول هذه القضية، مقسمة إلى عدة مدارس ومناهج رئيسية متنافسة.</p>



<p>هناك ثلاثة مناهج رئيسية لدراسة العرقية: القومية العرقية، والإقليمية العرقية، والدين العرقي. تتناول القومية العرقية محاولات الجماعات العرقية لإيجاد تعبير إقليمي على مستوى الدولة بأكملها، يُفترض أنه يتوافق مع احتياجات الأمة وحقوقها. تتحدى الإقليمية العرقية سلطات الدولة القومية من خلال المطالبة باستقلالية محلية-إقليمية أكبر للجماعات العرقية، أو حتى التطلع إلى شكل من أشكال الاستقلال في المستقبل البعيد. وتفترض الإثنية الدينية تداخل الوعي الديني مع بعض الخصائص الأخرى للعرقية &#8211; الأصل المشترك، أو الثقافة، أو اللغة &#8211; مما ينتج عنه شكل من أشكال النشاط العرقي الذي قد يكون أو لا يكون ذو توجه إقليمي، ولكنه ذو أهمية سياسية.</p>



<p>من الواضح أن بعض هذه الأشكال العرقية قد تتداخل وتعزز بعضها البعض. ومع ذلك، ينبغي إدراك أن أسس الوعي السياسي والنشاط في العلاقات العرقية لا تخضع فقط لتفسيرات مختلفة من مختلف المشاركين في العملية السياسية، بل تتغير أيضاً بمرور الوقت. بعبارة أخرى، تُعدّ هيكلة العرقية عملية بالغة التعقيد، ديناميكية وذاتية.</p>



<p>لذا، فإن السؤال الحاسم هو كيف ولماذا تصبح العرقية حقيقة سياسية من حقائق الحياة؟&nbsp; تُقدّم ثلاث مدارس فكرية رئيسية إجابات مختلفة على هذا السؤال.</p>



<p><strong>أولاً: النهجان الاقتصادي والعقلاني</strong></p>



<p>&nbsp;ينبع هذان النهجان من عصور سابقة عبر النظريات الماركسية، التي عُدّلت لاحقاً بنهج إ&#8221;ميل دوركهايم&#8221; الاجتماعي. الفكرة الأساسية هي أن عملية التنمية الاقتصادية تُنشئ مجتمعات أكبر على حساب المجتمعات الأصغر، وأن دمج الوحدات الأصغر والأكثر تميزاً في إطار مجتمعي أوسع وأشمل أمر لا مفر منه مع تحول الاقتصاد الرأسمالي الحديث إلى حقيقة سائدة في المجتمعين الوطني والدولي. ويمكن إيجاد تنويعة جديدة على هذه المواضيع في نهج الاختيار العقلاني السائد في السنوات الأخيرة.</p>



<p><strong>ثانياً: نهج التحديث</strong></p>



<p>&nbsp;يفترض هؤلاء أن عملية التحديث، كما عُرِّفت عادةً في ستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي، تُنشئ فعلياً كيانات جديدة من خلال توسيع نطاق الاتصالات، وانتشار محو الأمية والتعليم، وإدخال التكنولوجيا الحديثة، وتداخل فكرة المشاركة الجماهيرية في العملية السياسية. افترضت الأشكال المبكرة لنظرية التحديث أن إنشاء مثل هذه الكيانات الجديدة من شأنه أيضاً أن يخلق دولاً جديدة يمكنها التغلب على هوياتها ما قبل الحديثة، تماماً كما افترض &#8220;كارل ماركس&#8221; و&#8221;دوركهايم&#8221;.</p>



<p>ومع ذلك، فإن الأشكال اللاحقة والأكثر تطوراً لنظرية التحديث &#8211; ما يمكن أن نسميه نهج التحديث-الصراعي &#8211; أشارت إلى احتمالات معاكسة، تُعتبر أكثر ترجيحاً. حيث جادل هؤلاء الباحثون بأن عملية التحديث ولّدت الصراع العرقي وفاقمت منه من خلال تغيير أسس المجتمع الأكثر تقليدية، وخلط قضايا الشرعية، وإدخال موارد جديدة إلى ساحة المنافسة السياسية. وفقاً لهذه الطريقة في التفكير، فإن شكوك عملية التغيير الهائلة والمتعددة تُثير هروباً نحو العرقية كشكل من أشكال الاطمئنان والأمان من مخاطر الحداثة وخطرها. إضافةً إلى ذلك، فإن النخب المهددة بفقدان الوصول إلى الموارد في ساحة تهيمن عليها أشكال من المنافسة تجدها غير مألوفة، وبالتالي يصعب السيطرة عليها أو التلاعب بها، تميل إلى إحياء المشاعر العرقية والتضامن بهدف تحويلها إلى موارد سياسية حيوية.</p>



<p>وهكذا، قد يحاول القادة السياسيون الذين يجدون صعوبة في التكيف مع أسلوب أيديولوجي للسياسة الحزبية إنشاء أحزاب قبلية وعرقية لمواجهة التأثير الأيديولوجي وشرعية منافسيهم. فهم يزرعون حتماً مشاعر الفخر والتضامن والهوية في الجماعة العرقية التي يستخدمونها، حتى لو كانت هذه المشاعر كامنة منذ زمن طويل. وعندما تشعر مجموعات أوسع بالحرمان بسبب إعادة توزيع الموارد الاقتصادية وغيرها في ظل التحديث، فقد يلجأون أيضاً إلى الهوية العرقية كمصدر قوة.</p>



<p><strong>ثالثاً: المناهج العرقية البدائية أو الأصيلة</strong></p>



<p>&nbsp;تفترض هذه المناهج أن للجماعات العرقية وجوداً أصيلاً خاصاً بها، وليست مجرد خيالات يستغلها القادة والسياسيون أو يستغلونها. هذا التلاعب ممكن بالفعل، ولكن فقط عندما يكون هناك أساس موضوعي قوي لوجود هذه الجماعة، والذي يمكن إحياؤه أو استخدامه في العملية السياسية.</p>



<p>تؤكد التنويعات الأحدث في هذا الموضوع على ديناميكيات التطور المتضمنة في السياسة العرقية. على الرغم من احتمال وجود أساس موضوعي للعرقية، إلا أن الجماعات العرقية نفسها تتشكل وتُعاد صياغتها باستمرار. عند تحديد الحدود السياسية لآسيا وأفريقيا، على سبيل المثال، أعادت القوى الاستعمارية تعريف حجم الجماعات العرقية ونطاقها. أدى توسيع الحدود السياسية إلى استيعاب الجماعات العرقية وتمايزها: فمع اختفاء الجماعات القديمة، ظهرت جماعات جديدة، بينما اندمجت جماعات أخرى وانفصلت ببساطة.</p>



<p>لا بد أن يتناول النهج العرقي الأصيل علاقة الإثنية بالبنية الطبقية، وهو سؤالٌ مثيرٌ للاهتمام يعود إلى أيام المدرسة الماركسية. يرى أستاذ العلوم السياسية الأمريكي دونالد هورويتز Donald  Horowitz أن للهوية العرقية سمةً فريدة. &#8220;بينما يستطيع الأفراد تجاوز طبقتهم الاجتماعية، وبينما يُمكن الحراك الاجتماعي من جيل إلى جيل، فإن الروابط العرقية نسبية. فإذا وُلد المرء في جماعة عرقية، فليكن؛ فلا يمكنه الخروج من هويته العرقية.&#8221;</p>



<p>من أهمّ حجج هذا النهج أن الإثنية مفهومٌ مقارنٌ بالفعل. أي أن الجماعات العرقية تُعرّف حتماً بعلاقتها بالآخرين بقدر ما تُعرّف بإدراكها لأيّ خصائص موضوعية. هناك جدلٌ كبيرٌ حول تداعيات هذه الأطروحة، ومع ذلك، لا يوجد جدلٌ يُذكر حول ضرورة إشراك فهم الإثنية في العلاقة النفسية بين الجماعات بشكلٍ بارز. وكما ذُكر سابقًا، فإن دراسة الأقليات والإثنية هي بالضرورة دراسةٌ للعلاقات بين الأغلبية والأقلية، وبين الأقلية والأقلية.</p>



<h2 class="wp-block-heading">التداعيات والاعتبارات النظرية والمقارنة</h2>



<p>في محاولةٍ لتقييم التداعيات النظرية للتحليل المقارن الأولي، يبدو من الآمن القول إن هناك نموذجاً للأقليات المدمجة، وأن لهذا النموذج خصائصه التي تجعله الأكثر وضوحاً. ثم هناك نموذج الأقليات شبه المدمجة، مثل الأكراد، حيث كان الوضع مختلفاً، على الرغم من وجود قدرٍ كبيرٍ من الإمكانات نفسها. النموذج المعاكس للأقليات غير المدمجة أو المشتتة والمنتشرة، مثل المسيحيين الأرثوذكس (أو اليهود في العصور السابقة)، يقع في الطرف الآخر من الطيف، وهناك حالة الأقباط بينهما، قريبة من النموذج المنتشر، ولكنها ليست مطابقة له، نظراً لأعدادهم الأكبر وتركزاتهم الديموغرافية الجزئية. لذا، لدينا طرفان مختلفان من الاستمرارية النظرية &#8211; المدمجة من جهة والمنتشرة من جهة أخرى &#8211; وبينهما شيء مثل شبه المدمجة وشبه المنتشرة. قد تكون هذه طريقة مناسبة لتصنيفها لأغراض التحليل والمقارنة. يجب أيضاً مراعاة متغيرات أخرى، بما في ذلك تعريف الأغلبية، لفهم ماهية الأقلية بشكل أفضل. فإن تعريف الأغلبية ليس دائمًا ثابتاً، بل يعتمد على الهوية الذاتية للمجتمع السياسي في لحظة معينة من التاريخ.</p>



<p>لقد لاحظ عدد من الباحثين أن الهوية العرقية قابلة للتغيير والتلاعب. في تحليله للسياسة العراقية قبل سنوات عديدة، صاغ الحاكم العسكري البريطاني للعراق في ثلاثينيات القرن الماضي ستيفن هيمسلي لونغريغ Stephen Hemsley Longrigg في كتابه &#8220;أربعة قرون من العراق الحديث&#8221; Four Centuries of Modern Iraq العبارة التالية: &#8220;أكراد لأغراض وزارية&#8221;. يمكن لأي شخص أن يكتشف هويته كأقلية تحت ضغط العمليات السياسية، ويمكن لشخص آخر أن ينكر هذه الهوية لأسباب عديدة. إضافةً إلى ذلك، يمكن للمرء أن ينتمي، بل وينتمي بالفعل، إلى عدد من الكيانات العرقية وغيرها من الكيانات &#8220;الأصلية&#8221; في الوقت نفسه، مما يُظهر ما يُطلق عليه علماء الاجتماع السياسي &#8220;الانقسامات المتقاطعة&#8221;. يمكن للمرء أن يكون عضواً في الأغلبية والأقلية في الوقت نفسه، أو عضواً في عدة أقليات. يمكن أن تكون نتائج هذا الانتماء المتعدد ذات أشكال مختلفة. كانت النظرية الكلاسيكية في الغرب ترى أن الانقسامات المتقاطعة مفيدة للمجتمع أساساً لأنها تُحسّن من بعضها البعض، وبالتالي تُرسي أسس مجتمع أكثر تعددية تتعايش فيه عناصر ومبادئ تنافسية مختلفة.</p>



<p>وقد تعرضت هذه النظرية للطعن مؤخراً في الغرب، وبالتأكيد لا يوجد دليل يُذكر يدعمها في الشرق الأوسط. سيُسارع المحللون إلى إضافة مُتغير آخر، يُشار إليه عادةً بمستوى المأسسة. تُجادل هذه النظرية بأن أسلوب بناء المؤسسات (الأحزاب، والنقابات، والأندية، والعمليات الانتخابية، ومجموعة مُتنوعة من المنظمات الرسمية) يُحدث فرقاً بالغ الأهمية في الحظوظ السياسية لأي بلد، لأن المأسسة وحدها هي التي تُمكّن النظام السياسي المُستقر من العمل بطريقة مُنظمة، بمعزل عن تقلبات التنافس النسبي على الموارد. عند ولادة هذا النهج النظري، في أواخر ستينيات القرن الماضي، كرر كبار كهنته مراراً وتكراراً أن الشرق الأوسط يتميز عموماً بانخفاض مستوى المأسسة، مما يعني أن هناك عدداً قليلاً من الكيانات السياسية التي صمدت بفضل قوتها الذاتية بدلاً من انغماسها في الانتماءات والولاءات العرقية والقبلية.</p>



<p>لا تزال هذه النظرية قوية، وإن كانت أقل شيوعاً اليوم، ولها تأثير مُباشر على مسألة الأقليات في الشرق الأوسط. أولاً: تكتسب هوية الأقلية أهمية أكبر في المُجتمعات التي تقل فيها المؤسسات المُعقدة والمستقرة، وذلك ببساطة لأن أساس الحياة السياسية والمُنافسة يكون أكثر محدودية. يساعد هذا أيضاً على تفسير سبب ميل القضايا العرقية في مثل هذه المجتمعات إلى أن تكون أكثر حساسية وتؤدي إلى مزيد من العنف. ثانياً: تقلّ الموارد والقدرات التي يمتلكها المجتمع المعني في محاولة معالجة علاقات الأغلبية بالأقلية عندما تكون المؤسسات السياسية ضعيفة، وذلك بسبب نقص الآليات التكاملية وحتى الساحات المحايدة التي يمكن أن تلتقي فيها الهويات والكيانات العرقية المختلفة على أسس مقبولة بشكل متبادل. يؤدي هذا النقص بدوره إلى الشك وعدم الثقة في المؤسسات القائمة، التي يُنظر إليها على أنها أسيرة مصالح عرقية متنافسة، مما يقلل من قدرتها على صياغة السياسات. وعلاقات تشمل مجموعة متنوعة من المصالح والولاءات.</p>



<p>ثالثاً: ستشعر الأقليات بأنها لا تستطيع حماية مصالحها إلا بإنشاء مؤسسات خاصة بها أو الاستيلاء على المؤسسات القائمة، مما يجعلها موضع شك في نظر الأغلبية.</p>



<p>كل هذه العوامل تؤدي إلى حياة سياسية شديدة التقلب، حيث يغيب التأثير المستقر للمؤسسات السياسية الدائمة، مما يؤدي إلى نتائج مُنهكة للبلاد. المؤسسة القوية الوحيدة القائمة هي الدولة، فتصبح محوراً للمنافسة العنيفة باعتبارها الكائن المؤسسي الوحيد الذي يستحق الاستيلاء عليه.</p>



<p>بتحليل بعض هذه الملاحظات النظرية في السياق الملموس لسياسة الشرق الأوسط، يبدو أنه نظراً لقلة المؤسسات وبؤر الولاء البديلة في المنطقة، فقد استمر الصراع العرقي بين الأغلبية والأقليات لفترة أطول، مع احتمالية أكبر للتقلب من أي مكان آخر، ويمكن، بل ينبغي، فهم هذا الأمر بشكل صحيح في ضوء الإسلام والسياسة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">اهتمامات نظرية إضافية</h2>



<p>تُعد العلاقة بين الأقليات والدولة من السمات المهمة لدراسة العرق في الشرق الأوسط. ونظراً للتأخر النسبي في نشوء الدول في المنطقة وصعوبة مأسستها في مواجهة تحديات داخلية متعددة، فإن الواقع العرقي للحياة يُصبح أكثر إلحاحاً في دولة الشرق الأوسط الحديثة. فعندما تتداخل السياسات العرقية للأقليات مع الهويات الطائفية والدينية (أحياناً داخل إقليم معين داخل الدولة)، يمكن أن تُصبح الجماعات العرقية والأقليات مصدر إزعاج بالغ. ويصدق هذا بشكل خاص في</p>



<p>الدول التي لا يترك فيها التنوع الجديد نسبياً في القومية مجالاً كافياً للاعتراف بوجود الأقليات، التي يُنظر إليها على أنها تُشكل تحدياً لسلطة الدولة ليس فقط من خلال ما تفعله، بل أيضاً بحكم ماهيتها.</p>



<p>على الرغم من أن دولة الشرق الأوسط قد نجت بشكل مثير للإعجاب، إلا أنها في بيئة قاسية وغير مضيافة، إلا أنها بعيدة كل البعد عن الأمان. يُشكّل الظهور الأخير للنشاط الإسلامي المتطرف، إلى جانب تنامي الوعي العرقي، تهديداً جديداً وقوياً لشرعية الدولة واستمراريتها. ومع ذلك، فقد أظهرت هذه الدول، حتى الآن، درجة عالية من العزيمة والمهارة في احتواء هذا التهديد القوي. بل إن ردود الفعل على التحديات الأخيرة تُشير مجدداً إلى مأسسة الدولة الشرق أوسطية كحقيقة مؤثرة للغاية في التاريخ السياسي المعاصر للمنطقة.</p>



<p>تُشكّل المواجهة بين الدولة والتحديات العرقية الجديدة أحد أكثر مجالات الدراسة إثارة للاهتمام في سياسات الشرق الأوسط المعاصرة. ويسعى الباحثون إلى التأكيد على مفهوم الاستراتيجيات التي طورتها واعتمدتها سلطات الدولة تجاه الأقليات، والاستراتيجيات التي تستخدمها الأقليات تجاه الأنظمة والدول. ورغم أنه لا يزال من السابق لأوانه محاولة تصنيف هذه الاستراتيجيات تصنيفاً منهجياً، فإن مساهمات هؤلاء الباحثين تُسهم في إرساء أسس هذه المحاولة النظرية.</p>



<p>بشكل عام، لا توجد سوى دراسات حالة قليلة في الشرق الأوسط تُشكّل جوهراً معرفياً مقبولاً، استناداً إلى مادة تاريخية مُفصّلة وأسس علمية اجتماعية سليمة. إن الدراسات التاريخية تعاني من ثغرات خطيرة. مهما كانت قيمة هذه الدراسات كتاريخ سياسي، فإنها نادراً ما تتناول مسألة الهويات الوطنية والإقليمية باعتبارها متوافقة لا متعارضة. علاوة على ذلك، لا يتناول أي من هذه الأعمال نظريات القومية أو الموضوعات ذات الصلة بتكوين الدولة والأدبيات التاريخية والاجتماعية المتعلقة بها، إلا ما ندر.</p>



<p>ومع ذلك، ربما يُخطئ علماء الاجتماع أيضاً فيما يتعلق بالعلوم الاجتماعية، يبدو أن المتخصصين في هذه القضايا يشيرون إلى الأدبيات النظرية في مجلات تخصصاتهم بشكل أكثر تواتراً مقارنةً بدراساتهم لمواضيع مماثلة في مقالات أو كتب مخصصة لمواضيع الشرق الأوسط تحديداً. بعبارة أخرى، لا يستخدم المؤرخون مفاهيم العلوم الاجتماعية بشكل كافٍ، ولا يستخدم علماء الاجتماع ما يكفي من المعرفة الملموسة المكتسبة من تاريخ الشرق الأوسط.</p>



<p>ليس من الممكن ولا المرغوب فيه إجبار المؤرخين على كتابة علوم اجتماعية مشكوك فيها، أو إجبار علماء الاجتماع على كتابة تاريخ مشكوك فيه بنفس القدر. بدلاً من ذلك يجب إنتاج هذه الدراسات على مراحل تشمل ورشات عمل يقدم فيها متخصصون في تاريخ البلدان أوراقاً بحثية حول الحالات المختلفة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">مركزية الدولة والعلاقات بين الدولة والأقليات</h2>



<p>العدد الهائل من الاستراتيجيات التي يتبعها كلا الجانبين استجابةً للقيود. الافتراض الأساسي بأنه في حين أن التلاعب بالهويات أمرٌ واقع، إلا أن هناك أيضاً شكلاً من أشكال العرقية الأصيلة، وهو تنويع على النهج الثالث لدراسة العرقية الموصوف سابقاً. &nbsp;أهمية تداخل (أو انعدام) الخصائص العرقية للأقلية: السمات القومية، والوعي الديني، والثقافة المشتركة. وحساسية الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط للتحديات الإقليمية المحتملة، ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين الأقليات المدمجة مقابل الأقليات المنتشرة. أهمية التوقيت. لا نعرف سوى القليل نسبياً عن النقطة في الديناميكيات السياسية لكل بلد التي تشهد ارتفاعاً هائلاً في الوعي والميل إلى النشاط الجماعي.</p>



<h2 class="wp-block-heading">سياسات البدائية</h2>



<p>يُركز النهج العرقي الأصيل لدراسة السياسات العرقية على كل من ديناميكيات التغيير في الهوية والوعي العرقيين، والمتغيرات الموضوعية إلى حد ما التي تُحدد الأغلبية والأقليات، والتي تميل إلى الاستمرار مع مرور الوقت. يتعلق الأمر أيضاً بطبيعة السياسة في المجتمع المعني. ليس كل انقسام محتمل في المجتمع يُسيّس، ولكن في بعض الأحيان يحدث هذا التحول بسرعة هائلة. إحدى الطرق المؤثرة لمعالجة هذه القضية هي من خلال الصيغة الكلاسيكية للبدائية، التي كانت موجودة منذ ستينيات القرن الماضي وتشهد الآن انتعاشاً، بسبب الابتعاد عن كل من نظريات التحديث البسيطة والتعقيدات التي تنطوي عليها المناهج الاقتصادية.</p>



<p>النهج النظري للبدائية غني وعميق؛ وهو يستحق بجدارة مكانة مركزية في دراسة الأقليات والعرق. اقترح عالم الأنثروبولوجيا السياسية البارز &#8220;كليفورد غيرتز&#8221;&nbsp;Clifford Geertz&nbsp;الصيغة الأصلية في مقال نُشر عام 1963. جادل &#8220;غيرتز&#8221; بأهمية الروابط البدائية، تلك الروابط التي يولد بها المرء. في ذلك الوقت، كان التصرف وفقاً لهذه الهوية الموروثة يُعتبر أقل حداثة من المعايير العقلانية والعلمانية والنسبية للمجتمع المتقدم. لقد تم التخلي إلى حد كبير عن هذا النهج العرقي المركزي والتبسيطي؛ فقد أثبتت البدائية أهميتها البالغة في جميع المجتمعات، ولا يوجد دليل على قوتها بشكل خاص في أي جزء من العالم. أصبحت عالمية البدائية مقبولة بشكل عام الآن. ويبدو أنها في أوج قوتها في أوروبا الشرقية مع الفراغ الاجتماعي والسياسي الذي نتج عن انهيار المؤسسات القديمة والمجتمعات السياسية بسبب الموجة الثورية في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات.</p>



<p>قدم &#8220;غيرتز&#8221; أمثلة مختلفة على معنى الروابط البدائية: روابط قائمة على الدم، والقرابة، والدين، والعشائر، والتقارب التاريخي المفترض، وما إلى ذلك. على الرغم من أن بعضها يبدو متداخلاً، ويبدو الكثير منها خيالياً فحسب، فإن هذا لا يعني أنها أقل واقعية، لأن الأفكار في أذهان جماعات الناس هي حقائق سياسية من حقائق الحياة، وهي بنفس قوة أي عوامل موضوعية. ومع ذلك، يصعب التعامل مع الهويات البدائية لأنها قابلة للتغير بسرعة كبيرة وقد تظهر بأشكال مفاجئة. وقد حدثت هذه التحولات في مجتمعات تشهد تغيراً سريعاً، مما أدى إلى انعدام الأمن، وبالتالي تشجيع الناس على العودة إلى قوقعتهم الآمنة نسبياً على حساب المجتمعات السياسية الأكبر. الروابط البدائية سهلة الفهم، وتبدو دائمة وجديرة بالثقة. على النقيض من ذلك، يصعب التعايش مع المجتمعات السياسية الأكبر، لأنها تتطلب بعض التكيف مع الأفكار والخصائص المشتركة التي تبدو مصطنعة. التباين في الصعوبة مفهوم بسهولة.</p>



<p>تختلف الروابط البدائية في شدتها. وبالتالي، قد تهدد بتفتيت الدولة إما بمحاولة إجبارها على الانخراط في مجتمعات سياسية أكبر أو بتفتيتها إلى مجتمعات أصغر. في كلتا الحالتين، تهدد شرعية هياكل الدولة القائمة، وهذه هي أهميتها الجوهرية للسياسة المعاصرة. في ضوء القيود السياسية، نادراً ما تُنشئ الحركات القائمة على الروابط الأصيلة دولاً خاصة بها، وعندما تفعل ذلك، لا يُمكنها النجاح لأنها عملياً لا تخلو أبداً من الأقليات التابعة لها. لذلك، لا توجد أمثلة حقيقية على دول عرقية في الشرق الأوسط، ومن غير المرجح أن يكون لدينا أي منها في المستقبل أيضًا. ومن المثير للاهتمام أن حتى تلك الجماعات العرقية التي يُشار إليها في الأدبيات باسم &#8220;الأقليات المدمجة&#8221; لا تدّعي تأسيس دول خاصة بها. بل على العكس، تبدو هذه الأقليات الأكثر ولاءً للدول الوطنية القائمة التي ترغب في النجاح فيها، بل وتمتلك حصة كبيرة من السلطة الكامنة في آلية الدولة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">ماذا نستخلص؟</h2>



<p>من الواضح أن هناك أنواعاً مختلفة من أوضاع الأقليات. هناك بلد لا توجد فيه أغلبية، بل أقليات فقط هو لبنان. توجد أغلبية كبيرة، ذات وضع أقليات واضح، في مصر. في سوريا، توجد أقلية إلى جانب أغلبية واضحة، على الرغم من أن الأغلبية لا تسيطر على المركز السياسي. تهيمن أقلية على الأغلبية، وأقلية كبيرة أخرى في العراق. في شبه الجزيرة العربية، تهيمن أغلبية واضحة، ولكن هناك أيضاً وجود كبير للعمال الأجانب إلى جانب أقليات إسلامية داخلية قوية. لدينا حالة السودان، حيث يوجد انقسام حاد بين شمال عربي مسلم وجنوب غير مسلم وغير عربي. في جميع أنحاء الشرق الأوسط، تندرج الحالات تقريباً ضمن أحد هذين النمطين. لا يمكننا حالياً التعميم بشأن جميع هذه الحالات. على سبيل المثال، لا يمكننا تحديد ما إذا كان أحد الأنماط أكثر ملاءمةً للتوافق بين الجماعات من نمط آخر، أو ما إذا كان أحد الأنماط أكثر عرضة للتنافس العنيف. ولكن يمكننا القول إن هذه الأنماط ليست خاصة بالشرق الأوسط بحد ذاته، إذ يمكن العثور عليها في أماكن أخرى من العالم.</p>



<p>من المنطقي افتراض أن أغلبية كبيرة واحدة قادرة على التمتع بحكم أكثر استقراراً من أغلبيات أصغر، ومن المنطقي أيضاً افتراض أن الأقليات المتعددة أصعب على الأغلبية في التعامل معها من أقلية واحدة. تُشكل الأقليات المنتشرة، كقاعدة عامة، تهديداً سياسياً أقل للأغلبية من الأقليات المدمجة ذات القاعدة الإقليمية؛ في الواقع، تُعد هذه الملاحظة إحدى النقاط التي تستحق التوسع فيها لاحقاً. يبدو أن الأرض والإقليم يُحدثان فرقًا كبيراً في تأثير الجماعات العرقية في الشرق الأوسط، ويبقى أن نرى مدى صحة هذا الأمر. وقد لوحظت مؤخراً أهمية القاعدة الإقليمية في الكيانات الجديدة الناشئة من أنقاض الاتحادين السابقين ليوغوسلافيا والاتحاد السوفيتي. وتوجد أمثلة أخرى في حالات معروفة للصراعات العرقية في أفريقيا وآسيا، من زائير إلى كمبوديا. ويبدو أن أحد القاسم المشترك بين هذه الحالات هو البعد الإقليمي الذي يُحوّل الأقلية المفترضة إلى قوة عرقية ملموسة.</p>



<p>يجب دراسة الأنماط السياسية الوطنية في مقابل أنماط وضع الأقليات. لقد رأينا أن الشرق الأوسط يضم أقليات متماسكة ونقيضها، الأقليات المنتشرة (العلويون على عكس المسيحيين الأرثوذكس اليونانيين، على سبيل المثال)، كما يُظهر تمييزات عرقية مقابل تمييزات دينية: ونعني بالتمييز الديني التمييز بين الإسلام وسائر الأديان. ومع ذلك، هناك بُعد آخر، وهو الفرق بين أصناف الإسلام التي تُعدّ مهمة بما يكفي لجعل الجماعات المعنية تُعادل الأغلبية والأقليات. هنا أيضاً يصعب وضع النظريات. على سبيل المثال، يمكننا النظر في فرضية مفادها أن الأقليات الإسلامية الداخلية من المرجح أن تكتسب أهمية أكبر في المستقبل المنظور نظراً لشرعيتها التي ستكون أعلى من شرعية الجماعات الأخرى. قد يتحسن وضع الأكراد في العراق، كما لو كان ذلك تشبيهاً للوضع الاستعماري السابق في دول أخرى، حيث كانت القوى الاستعمارية تفضل الأقليات المدمجة. قد يكون الدعم الدولي للحكم الذاتي الكردي في الشمال في أعقاب حرب الخليج عام 1991 نزوة تاريخية متأخرة، تؤدي وظيفياً نفس دور التفضيلات الاستعمارية القديمة للأقليات المدمجة في سوريا. من الواضح أن هذا الدعم أقل استقراراً بكثير من الدعم الاستعماري القديم، لكن تأثيره على المستقبل قد يكون حاسماً.</p>



<p>هناك العديد من العناصر والمتغيرات الأخرى التي تُحدث فرقًا في مصير الأقليات في العالم العربي. ومع ذلك، فإن التفاعل بين المواضيع الرئيسية المشار إليها في هذا التحليل الأولي &#8211; الأقليات المدمجة مقابل الأقليات المنتشرة، وطبيعة الروابط الأصلية، والتطرف، والإرث الاستعماري &#8211; يُهيئ المسرح الذي تتكشف فيه إشكالية الأقليات في الشرق الأوسط.</p>



<p><em>أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا.</em></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/08/02/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%82%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa/">الأقليات والدولة في العالم العربي : التداعيات والاعتبارات النظرية والمقارنة</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/08/02/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%82%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>غزة : اختبارٌ لتسامح الرأي العام مع مستويات القتل والدمار</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/29/%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d8%a7%d8%ae%d8%aa%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%8c-%d9%84%d8%aa%d8%b3%d8%a7%d9%85%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85-%d9%85%d8%b9-%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%88/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/29/%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d8%a7%d8%ae%d8%aa%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%8c-%d9%84%d8%aa%d8%b3%d8%a7%d9%85%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85-%d9%85%d8%b9-%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%88/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 29 Jul 2025 12:28:36 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[إبادة الإنسانية]]></category>
		<category><![CDATA[الجيش الإسرائيلي]]></category>
		<category><![CDATA[الصهيونية]]></category>
		<category><![CDATA[المجاعة الجماعية]]></category>
		<category><![CDATA[الولايات المتحدة]]></category>
		<category><![CDATA[اليهود]]></category>
		<category><![CDATA[حركة حماس]]></category>
		<category><![CDATA[حسن العاصي]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7138284</guid>

					<description><![CDATA[<p>لماذا لا يزال معظم القادة السياسيين في العالم الغربي مترددين في إدانة جرائم إسرائيل أو اتخاذ إجراءات فعّالة ضدها ؟</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/29/%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d8%a7%d8%ae%d8%aa%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%8c-%d9%84%d8%aa%d8%b3%d8%a7%d9%85%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85-%d9%85%d8%b9-%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%88/">غزة : اختبارٌ لتسامح الرأي العام مع مستويات القتل والدمار</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p><strong>يُظهر الهجوم العسكري الإسرائيلي العنيف على غزة، وحشية جماعية مُدبّرة على نطاق هائل. لقد أسفر هذا العدوان عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وتدمير البنية التحتية لغزة، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، بينما لا يزال معظم القادة السياسيين في العالم مترددين في إدانة هذا السلوك أو اتخاذ إجراءات فعّالة. إن صمتهم، المُشكّل بدافع المصلحة الذاتية، والشعور بالذنب التاريخي، والخوف من رد الفعل العنيف، يُثير تساؤلات مُلحّة حول المسؤولية الأخلاقية والمساءلة العالمية.</strong></p>



<p class="has-text-align-left"><strong>الدكتور حسن العاصي</strong></p>



<span id="more-7138284"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img decoding="async" width="200" height="200" src="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg" alt="" class="wp-image-4984545" srcset="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg 200w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-150x150.jpg 150w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-120x120.jpg 120w" sizes="(max-width: 200px) 100vw, 200px" /></figure>
</div>


<p>لطالما جادل الكثيرون بأن الصمت على ما يُسمّى شراً وتوحش أو انتهاكات لحقوق الإنسان، بل إبادة الإنسانية نفسها، يُعدّ تواطؤاً في هذا الشر. ومن بين هؤلاء بعضٌ من أعظم العلماء والفلاسفة الأخلاقيين ونشطاء حقوق الإنسان، مثل ـ على سبيل المثال ـ ألبرت أينشتاين: والمهاتما غاندي، والدكتور مارتن لوثر كينغ، الذين قيل إنهم قالوا: &#8220;إن المأساة الحقيقية ليست في ظلم وقسوة الأشرار، بل في صمت الأخيار على ذلك&#8221;.</p>



<p>هناك الآن اعتراف واسع النطاق بأن الصمت، وخاصةً من قِبل من هم في مواقع السلطة الرسمية والقادرون على التصرف، يعني ضمنياً الموافقة على الأفعال الشريرة، إن لم يكن الموافقة الصريحة عليها. ومع ذلك، فإن الرفض المُبرر المعاصر من قِبل قطاعات واسعة ممن يُفترض أنهم &#8220;أخيار&#8221; في مواقع المسؤولية لإدانة السلوك الفظيع علناً، ناهيك عن اتخاذ إجراءات لوقفه، يُشير إلى وجود دوافع مضادة قوية تعمل.</p>



<h2 class="wp-block-heading">هل يهتم أحد بالمذبحة الجماعية في غزة؟</h2>



<p>قُتل للآن ما لا يقل عن 59,680 شخصاً ووفقاً للأمم المتحدة (حوالي 70% منهم نساء وأطفال) من سكان غزة البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة على يد الجيش الإسرائيلي، وذلك وفقاً لشهادات الميلاد والوفاة، بالإضافة إلى ما يُقدر بنحو 13,000 شخص آخرين في عداد المفقودين ويُفترض أنهم دُفنوا تحت الأنقاض. كما جُرح ما لا يقل عن 125,000 آخرين.</p>



<p>ووفقاً للأمم المتحدة، دمر القصف الجوي أو الأرضي الإسرائيلي معظم المباني والمرافق السكنية والتجارية والحكومية والتعليمية والطبية ومنشآت الإمدادات الغذائية في جميع أنحاء غزة. وقد شرد قسرًا 90% من سكان غزة، عادةً ثلاث أو أربع مرات أو أكثر، إما بسبب تعرض منازلهم للتدمير أو لأن أوامر الإخلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي البغيض بإشعارات قصيرة وجهتهم إلى ما يسمى &#8220;المناطق الآمنة&#8221; بعيداً عن هجوم وشيك للجيش.</p>



<p>غالباً ما يهاجم الجيش الإسرائيلي هذه &#8220;المناطق الآمنة&#8221; &#8211; المدارس الفارغة التي تُستخدم كملاجئ للنازحين ومناطق إيواء مؤقتة من الخيام &#8211; مما يتسبب في المزيد من الضحايا المدنيين. تعرضت جميع مستشفيات وعيادات غزة تقريباً لقصف جيش الدفاع الإسرائيلي وإطلاق النار و/أو توغلات جيش الدفاع الإسرائيلي، وأحياناً عدة مرات، وأكثر من نصفها مغلق أو يعمل جزئياً فقط.</p>



<p>بالإضافة إلى ذلك، منع الجيش الإسرائيلي جميع شحنات المواد الغذائية الأساسية والأدوية والوقود والمياه إلى غزة من 2 مارس إلى 19 مايو 2025، مما تسبب في كارثة إنسانية. حتى بعد رفع الحصار جزئياً، سُمح بدخول أقل من 20% من الشاحنات الـ 600 المطلوبة يومياً، وبمجرد دخولها، أعاقت القيود الإضافية التي فرضها الجيش الإسرائيلي وانعدام الأمن في المستودعات توزيع المساعدات. بحلول نهاية مايو، ومع المجاعة الجماعية وارتفاع عدد القتلى، تجاهلت إسرائيل &#8211; بدعم من الولايات المتحدة &#8211; شبكة المساعدات التابعة للأمم المتحدة الموجودة في غزة وفرضت منظمة مساعدات جديدة تسمى مؤسسة غزة الإنسانية (GHF). ومع ذلك، أدى قلة خبرتها المحلية إلى حالة من الفوضى، حيث أُطلق النار على عشرات من طالبي الإغاثة، ولم يُوزع سوى الحد الأدنى من المساعدات.</p>



<p>رفضت منظمات الإغاثة الدولية، ذات الخبرة الطويلة في غزة، الخطة الجديدة رفضاً قاطعاً، واعتبرتها ساذجة وغير عملية. يحيط الجدل بالمشروع برمته، لا سيما بعد أن تم الترويج على نطاق واسع بأن المؤسسة لا تسمح طواعيةً للحكومة الإسرائيلية بتوجيه أنشطتها والتدقيق فيها فحسب، بل أيضاً لأن مالكها الجديد، بحسب التقارير، يشغل منصب ضابط كبير سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ويمتلك شركة أمن خاصة، تُدعى سيف ريتش سوليوشنز Safe Reach Solutions، والتي ستعمل مع المؤسسة.</p>



<p>كما قامت إسرائيل بتسليح عصابات فلسطينية إجرامية &#8211; بعضها مرتبط بإرهابيي داعش &#8211; لحماية عمليات مؤسسة الإغاثة العالمية في غزة. ومع ذلك، تُمارس هذه العصابات أيضاً عمليات ابتزاز لحماية منظمات الإغاثة الأخرى.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الموقف الإسرائيلي</h2>



<p>إن استراتيجية &#8220;حرب التضاريس المدمرة&#8221; التي ينتهجها جيش التدمير الإسرائيلي، كما هو متوقع، كانت لها عواقب وخيمة على المدنيين. فالمذبحة الجماعية المتواصلة التي ارتكبتها إسرائيل بحق المدنيين في غزة &#8211; والتي أسفرت عن مقتل 70 ضعفاً وإصابة 57 ضعفاً مقارنةً بالخسائر الإسرائيلية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 &#8211; بالإضافة إلى التدمير شبه الكامل لجميع المباني والمرافق والإمدادات الأساسية ووسائل العيش، إلى جانب الحصار الكامل على الغذاء والمساعدات الإنسانية لمدة ثلاث أشهر، تشير إلى دوافع إسرائيلية غير الضرورة العسكرية. مع ذلك، لا تزال الحكومة الإسرائيلية مُصِرّة على أن القضاء التام على حماس وحده كافٍ، بغض النظر عن الموت والدمار &#8220;الجانبي&#8221;. وأخيراً، في مايو/أيار 2025، رفضت العديد من الحكومات المؤيدة لإسرائيل تقليدياً (باستثناء الولايات المتحدة) علناً مبررات إسرائيل. ورغم أن غالبية سكان غزة، البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة، لم يُقتلوا، إلا أن الأعداد في ازدياد، والنية المحددة للحكومة الإسرائيلية وجيشها تُطابق معايير اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948. ويبدو مسار الأحداث إبادة جماعية، أو بالأحرى إبادة جماعية أولية، وليست إبادة مُنجزة. ومع ذلك يقول البروفيسور آفي شلايم Avi Shlaim المؤرخ الإسرائيلي البريطاني، بأنها بالفعل إبادة جماعية بحكم الأمر الواقع. وبغض النظر عن كيفية تصنيفها، فهي بلا شك فظاعة هائلة وبطيئة الحركة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">رواية أكثر منطقية</h2>



<p>إذن، ما هي الرواية المنطقية التي يُمكن أن تُفسر هذه الوحشية الجماعية المُدبّرة؟ هنا، نواجه تبنياً غريباً ومتناقضاً من نتنياهو، وقادة إسرائيليين آخرين، ومتحدثين رسميين، وسياسيين، والجيش الإسرائيلي. فمن جهة، يؤكدون باستمرار أن إسرائيل لا تزال في خطر واضح ومباشر من تدمير حماس لها، لدرجة تستدعي مواصلة حرب غزة بلا هوادة وقسوة. ويستمر هذا الادعاء رغم أن جيش الدفاع الإسرائيلي يمتلك 169 ألف جندي بري مسلح، بالإضافة إلى 465 ألف جندي احتياطي، مقارنةً بحماس التي كان لديها ما يُقدر بنحو 30 ألف مقاتل (انخفض الآن إلى حوالي 12 ألفاً).</p>



<p>كما يمتلك الجيش الإسرائيلي أسلحة أكبر، تشمل 40 ألف مركبة مدرعة، و350 قطعة مدفعية ذاتية الحركة، و171 نظام مدفعية مقطور، و50 طائرة هليكوبتر حربية، و600 طائرة &#8211; منها 272 طائرة حربية &#8211; والعديد من الطائرات المسيرة. لا تمتلك حماس أي أسلحة من هذا القبيل سوى الطائرات المسيرة والصواريخ الصغيرة والأسلحة النارية وقذائف آر بي جي، ولا تشكل سوى 7% من تعداد القوات البرية الإسرائيلية المسلحة، أو 1.9% إذا أُضيف جنود الاحتياط. لذلك فمن غير المرجح أن تُشكل تهديداً وجودياً لدولة إسرائيل.</p>



<p>من ناحية أخرى، يُصرّ نتنياهو، إلى جانب قادة الجيش الإسرائيلي والمتحدثين باسم الحكومة، على أن إسرائيل في إدارتها لحرب غزة تُمثّل نموذجاً أخلاقياً. ويزعمون أن البلاد تبذل جهوداً كبيرة للالتزام بلغة وهدف قوانين الحرب، وخاصةً في حماية المدنيين. وينكرون جميع الادعاءات المتزايدة، على الرغم من إحصاء الضحايا المدنيين، وأدلة الفيديو، وروايات شهود العيان، والأدلة الجنائية، والتقارير الطبية.</p>



<p>وقد اتهمت المحاكم الدولية إسرائيل بارتكاب جرائم حرب مختلفة، بما في ذلك الإبادة الجماعية. لا تقبل إسرائيل ولا الولايات المتحدة هذه الاتهامات ولا تعترفان بهذه المحاكم. ومع ذلك، وكما لاحظ مراقبون مستقلون مرموقون، فإن رد فعل الحكومات الأجنبية على وحشية إسرائيل الجامحة قد يطاردها لسنوات قادمة.</p>



<p>مع فقدان مبرر الضرورة العسكرية مصداقيته عالمياً، لماذا إذن ترغب إسرائيل في ارتكاب مثل هذه المذبحة الجماعية العبثية والدمار في غزة ؟ يكمن الجواب القاطع على هذا السؤال في تفاعل معقد، وغالباً ما يكون ساماً، بين عوامل متعددة. ويشمل ذلك العقاب الجماعي الانتقامي والمعاناة التي لحقت بالسكان المدنيين رداً على الإهانات التي وُجهت لجنود الجيش الإسرائيلي في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وخدشت صورة الجيش الذي لا يهزم. تُسهم المعتقدات الدينية الراسخة ومفهوم أرض إسرائيل، إلى جانب التفسيرات الصهيونية المتطرفة للتفوق اليهودي وحقوقهم، في هذه الديناميكية. بالإضافة إلى ذلك، هناك عناصر من التطهير العرقي الانتهازي والاستيلاء على الأراضي، بالإضافة إلى الإجراءات اليائسة التي اتخذها رئيس الوزراء اليميني نتنياهو منذ عام 2004 للحفاظ على قبضته على السلطة.</p>



<p>لقد سمح جنون العظمة الذي يتسم به نتنياهو للجماعات الصهيونية القومية المتطرفة المتعصبة بالحصول على المزيد من النفوذ، بمنحهم مناصب في حكومته مقابل ولائهم. وهم الآن يسيطرون على نتنياهو ويُملون سياسة الحكومة. وقد شكّل هذا النفوذ خطةً شاملةً بشأن غزة والفلسطينيين، بمن فيهم أولئك في الضفة الغربية المحتلة. تهدف هذه الخطة إلى التنفيذ الكامل لقانون الدولة القومية الإسرائيلي لعام 2018، وخاصةً المادة 7 منه. تشجع هذه المادة صراحةً على مصادرة المستوطنين الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية وطرد أصحابها.</p>



<p>أصبح واضحاً أن الهدف النهائي هو التهجير الكامل أو الترهيب أو الخروج القسري بالعنف لجميع الفلسطينيين من إسرائيل وغزة والضفة الغربية. لا تتضمن هذه الخطة المتطرفة تحديد وجهة حوالي 5.5 مليون فلسطيني مطرود، وقد أوضح الوزراء الإسرائيليون أن هذه ليست مشكلتهم وأنهم لا يكترثون طالما هم في عداد المفقودين!</p>



<h2 class="wp-block-heading">إسرائيل الكبرى</h2>



<p>إن أيديولوجية أرض إسرائيل ومهمة التوسع الإقليمي لإسرائيل الكبرى التي يتبناها القوميون المتطرفون والصهاينة المتطرفون، الذين يسيطرون على نتنياهو واستراتيجية جيش الدفاع الإسرائيلي، لها نطاقٌ هائل. لا يقتصر الأمر على غزة والضفة الغربية فحسب، بل يشمل أيضاً لبنان وسوريا والأردن ومناطق واسعة من العراق والمملكة العربية السعودية، بل يمتد إلى مناطق بعيدة كالكويت. ويُعد ضم غزة والضفة الغربية وطرد جميع الفلسطينيين خطوتهم الأولى.</p>



<p>ويُؤكد مراراً وتكراراً على مبررات هذه المطالبات الإقليمية الجريئة، مع التركيز على الاعتقاد بأن الله أبلغ إبراهيم قبل نحو 4000 عام أنه وجميع نسله سيرثون &#8220;أرض إسرائيل بأكملها&#8221;. إلا أن عددًا قليلاً من اليهود المتعصبين فكرياً سياسياً عن &#8220;أرض إسرائيل&#8221; لم يستمدوا أيديولوجية &#8220;أرض إسرائيل&#8221; السياسية إلا في أواخر القرن التاسع عشر، كجزء من نشأة الحركة الصهيونية. وظهرت خرائط تُظهر امتداد &#8220;أرض إسرائيل&#8221; من مصر غرباً إلى الكويت شرقاً، وصولاً إلى الأناضول شمالًا في تركيا الحديثة.</p>



<p>اليوم، يُروّج المُستبدون والقادة والنشطاء القوميين الإثنيين-الدينيين الإسرائيليون بشكل مُتزمّت لتاريخ مُعدّل للوجود الفلسطيني واليهودي، ويُصرون على أن الفلسطينيين ليسوا سوى مُستوطنين حديثين لم يكن لهم أي حقوق في الأرض، وليس لهم الحق في التواجد في أرض إسرائيل.</p>



<p>وفقاً للتعداد البريطاني لعام 1922 لم يُمثل اليهود سوى 11٪ من السكان، بينما بلغت نسبة المسلمين الفلسطينيين 78٪. وبحلول عام 1948، وبفضل معدل المواليد الطبيعي والهجرة، ظلت هذه النسبة 32٪ فقط، مقابل 60٪ للمسلمين الفلسطينيين. وكما صرحت رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة، غولدا مائير، بشكل قاطع عام 1970وقالت: &#8220;أنا فلسطينية. ومن عام 1921 إلى عام 1948، كنت أحمل جواز سفر فلسطينياً&#8221;.</p>



<p>يقول بتسلئيل سموتريش وزير المالية الإسرائيلي: &#8220;لا وجود لشعب فلسطيني. لا يوجد تاريخ فلسطيني&#8221; (19 مارس 2023). وقال: &#8220;سيُحصر سكان غزة، البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة، في &#8220;منطقة إنسانية&#8221; ضيقة، بينما يُدمر باقي غزة بالكامل&#8230; سيشعرون باليأس التام، مُدركين أنه لا أمل ولا شيء يبحثون عنه في غزة، وسيبحثون عن توطين لبدء حياة جديدة في أماكن أخرى&#8221;(6 مايو 2025).</p>



<p>إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي الإسرائيلي: حرب غزة تُتيح &#8220;فرصة للتركيز على تشجيع هجرة سكان غزة&#8230; لا أستبعد الاستيطان اليهودي هناك&#8230; إنه أمرٌ مهم&#8221;. (1 يناير 2024). وقال: &#8220;لا حاجة لجلب المساعدات. لديهم ما يكفي. يجب قصف مخازن حماس الغذائية&#8221; (6 مايو 2025).</p>



<p>عميحاي إلياهو وزير التراث الإسرائيلي: &#8220;بإمكان الشعب الفلسطيني الذهاب إلى أيرلندا أو الصحاري. على الوحوش في غزة إيجاد حل بأنفسهم&#8221;. عندما سُئل عما إذا كان ينبغي على إسرائيل إلقاء قنبلة نووية على غزة وقتل جميع سكانها، أجاب: &#8220;هذا خيار&#8221;. 5 نوفمبر 2023. وأضاف على إسرائيل &#8220;إيجاد طرقٍ لسكان غزة أشد إيلاماً من الموت&#8221; لهزيمتهم وكسر معنوياتهم. 6 يناير 2024. كما قال: &#8220;يجب أن نوقف المساعدات الإنسانية. لا مشكلة في قصف مخزوناتهم من الغذاء والوقود. يجب أن يموتوا جوعاً&#8221;. 6 مايو 2025.</p>



<p>&#8220;إسرائيل كاتس&#8221; وزير الدفاع الإسرائيلي: &#8220;سياسة إسرائيل واضحة. لن تدخل أي مساعدات إنسانية إلى غزة، ومنع هذه المساعدات هو أحد أدوات الضغط الرئيسية&#8230; لا أحد يخطط حالياً للسماح بدخول أي مساعدات إنسانية إلى غزة، ولا توجد أي استعدادات.&#8221;(17 أبريل 2025).</p>



<p>ماي جولان وزيرة المساواة الاجتماعية الإسرائيلية: &#8220;أنا فخورة شخصياً بخراب غزة.&#8221; (21 فبراير 2024). وقالت: &#8220;الاستيلاء على الأراضي هو أكثر ما يؤلمهم.&#8221; إعادة بناء المستوطنات اليهودية في غزة ستكون &#8220;درساً لن ينساه العرب أبداً.&#8221; (21 أكتوبر 2024).</p>



<p>نيسيم فاتوري عضو الكنيست الإسرائيلي قال: &#8220;يجب حرق غزة وشعبها.&#8221; (10 يناير 2024). &#8220;من البريء في غزة؟ خرج المدنيون وذبحوا الناس بدم بارد.&#8221; على إسرائيل &#8220;فصل الأطفال عن النساء وقتل البالغين في غزة، نحن نبالغ في مراعاة مشاعرهم.&#8221; (24 فبراير 2025).</p>



<h2 class="wp-block-heading">الصهيونية المناهضة للتطرف ليست معاداة للسامية</h2>



<p>من المرجح أن يُتهم أي شخص ينتقد الإجراءات الإسرائيلية المعاصرة ضد الفلسطينيين بأنه معادٍ للسامية من قِبل الصهاينة المتعصبين الذين يحاولون صرف الانتباه عن وحشيتهم في غزة. يُسلط الإعلامي الأمريكي/الفرنسي بيتر إيزاكسون Peter Isackson الضوء على عبثية هذا &#8220;التلاعب النفسي&#8221; الدفاعي، وقد أيدت محاكم مختلفة، مثلاً في الدنمارك وأستراليا هذا التمييز. في حين أن بعض منتقدي الإجراءات الإسرائيلية قد يكونون معادين للسامية، فإن الغالبية العظمى ليسوا كذلك. إنهم ببساطة ينتقدون الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للمعايير الحضارية التي المستمرة في غزة. هذه الإدانة ليست موجهة ضد جميع الإسرائيليين، أو جميع اليهود، أو حتى ضد جميع الصهاينة منهم. بل هي ضد الأقلية الصهيونية المتطرفة المتعصبة وداعميها السياسيين الذين يُدبّرون حالياً المذبحة والتطهير العرقي للفلسطينيين في غزة (والضفة الغربية المحتلة). كل ذلك بينما يستمتعون بالإرهاب والقتل وتجويع الفلسطينيين.</p>



<p>إنه نقدٌ للاضطراب النفسي السادي الشامل الذي سيُصنّف إسرائيل والإسرائيليين، بجانب المذنبين كمجرمين في قائمة كوارث الإبادة الجماعية الأخرى، مثل تلك التي واجهها الأرمن في عهد العثمانيين (1915-1923)، والتوتسي والهوتو المعتدلون في رواندا (1994)، والكمبوديون على يد بول بوت والخمير الحمر (1975-1979)، والروهينجا المسلمين في ميانمار (2016-2022)، ونعم، ومن المفارقات، اليهود والأقليات الأخرى في جميع أنحاء أوروبا في المحرقة النازية (1933-1945).</p>



<p>كان النموذج الصهيوني الحميد الأصلي، الذي أسسه ثيودور هرتزل وحاييم وايزمان، يدور حول إقامة وطن دائم وآمن للشتات اليهودي إلى جانب العرب الفلسطينيين. وقد نصّ هذا النموذج، كما لُخّص في وعد بلفور عام 1917، على أن الفلسطينيين ستُصان حقوقهم القائمة وحمايتها كاملةً. وعلى وجه الخصوص، &#8220;لن يُؤتى بأي عمل من شأنه أن يُمسّ بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين&#8221;. منذ عام 1948، حطّت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من قدر الفلسطينيين إلى مستوىً لا يُطاق، مع انتقاصٍ من حقوقهم. في القرن الحادي والعشرين، تراجع نظام نتنياهو تماماً عن منحهم أي حقوق. وبحلول مايو 2025، تحولت حرب غزة وقمعه في الضفة الغربية إلى تطهير عرقي شامل ومصادرة للأراضي.</p>



<h2 class="wp-block-heading">لماذا هذا الصمت المتواطئ؟ وهل هو كامل؟</h2>



<p>مع هذه الصورة المروعة لقطاع غزة، ليس من المستغرب أن تبدأ تقارير الأمم المتحدة بإدانة الهجمات الإسرائيلية الصارخة. علاوة على ذلك، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2024 أن على إسرائيل تفكيك احتلالها لجميع الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك غزة والضفة الغربية، بحلول 15 سبتمبر 202. وقد فشلت محاولات عديدة لتقديم قرارات أخرى ذات صلة ضد إسرائيل في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى استخدام الولايات المتحدة لحق النقض (الفيتو).</p>



<p>منذ أوائل عام 2024 كان من المتوقع أيضاً أن يكون هناك تصعيد سريع وواسع النطاق إدانة إسرائيل، إن لم يكن اتخاذ إجراءات، من العديد من الحكومات والقادة الأجانب الذين يدّعون الدفاع عن حقوق الإنسان العالمية ومعارضة الاستبداد المهيمن. ومع ذلك، وبغض النظر عن الشكاوى العرضية، فقد استغرق الأمر أكثر من عام قبل أن يبدأ القادة الأفراد، غالباً ببطء وعلى مضض وبطريقة شبه اعتذارية، في انتقاد إسرائيل. ولم تبدأ الدعوات الكبيرة لفرض عقوبات واتخاذ تدابير من قِبل الحكومات الأجنبية، التي عادةً ما تكون صديقة لإسرائيل، فعلياً إلا في ربيع عام 2025.</p>



<p>على سبيل المثال، ألغت إسبانيا في مايو 2025 عقوداً تزيد قيمتها عن 290 مليون يورو (330 مليون دولار) لتوريد منتجات دفاعية إلى إسرائيل، واقترحت عقوبات أوسع نطاقاً على حلفائها الأوروبيين. في عام 2024، بدأت إسبانيا في منع وصول أي سفينة تحمل أسلحة إلى إسرائيل إلى موانئها، كما حدث في مايو ونوفمبر من ذلك العام.</p>



<p>فرضت المملكة المتحدة، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، والنرويج عقوبات على وزيري الحكومة الإسرائيليين &#8220;بتسلئيل سموتريتش&#8221; وإ&#8221;يتامار بن غفير&#8221; في 10 يونيو 2025، بتهمة التحريض على &#8220;العنف المتطرف والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الفلسطيني&#8221;. تشمل العقوبات حظر السفر وتجميد الأصول. ومن المرجح أن تفرض إسبانيا وفرنسا عقوبات مماثلة.</p>



<p>في فبراير 2024، منعت أيرلندا مرور أي أسلحة لإسرائيل عبر أراضيها. وفي مايو 2025، حظرت أيرلندا استيراد أي سلع قادمة من الأراضي الفلسطينية المحتلة.</p>



<p>قبل يونيو 2025، لم يتخذ سوى عدد قليل من القادة السياسيين الأجانب موقفاً علنياً ضد إسرائيل. علق وزير الخارجية الأسترالي السابق &#8220;بوب كار&#8221;&nbsp;Bob Carr&nbsp;في 26 مايو/أيار 2025، على حرب إسرائيل على غزة، قائلاً: &#8220;نعم، إنها إبادة جماعية. نعم، إنهم يُجوّعون المدنيين. نعم، هؤلاء السياسيون المتعصبون للمستوطنين هم قتلة أطفال. لا يمكن إنكار أيٍّ من هذا بعد الآن&#8221;.</p>



<p>في 26 مايو/أيار 2025، أدان أنتوني ألبانيز Anthony Albanese رئيس الوزراء الأسترالي، الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة، مُضيفاً أنه &#8220;من غير المقبول بتاتاً&#8221; أن تُجوّع حكومة نتنياهو سكان غزة.</p>



<p>في مايو/أيار 2025، وجّه عضو مجلس النواب البريطاني المحافظ، مارك بريتشارد Mark Pritchard نداءً مؤثراً إلى مجلس النواب البريطاني لحماية المدنيين في غزة من الحصار الإسرائيلي المفروض على الغذاء والمساعدات.</p>



<p>كما برز زعيم حزب العمال البريطاني السابق &#8220;جيريمي كوربين&#8221;&nbsp;Jeremy Corbyn&nbsp;ووزيرة الداخلية في حكومة الظل &#8220;ديان أبوت&#8221;&nbsp;Diane Abbott&nbsp;في تعليقاتهما الحازمة على سلوك إسرائيل في غزة عقب هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.</p>



<p><strong>ماذا عن السلطة الرابعة؟</strong></p>



<p>في 12 مايو/أيار 2025، نشر كاتب عمود في صحيفة التايمز وعضو مجلس النواب المحافظ السابق &#8220;ماثيو باريس&#8221;&nbsp;Matthew Parris&nbsp;أحد أكثر الانتقادات جرأة لسياسة بريطانيا تجاه إسرائيل. كتب: &#8220;لقد وصلنا إلى حدٍّ يضطر فيه حلفاء إسرائيل الغربيون إلى قول &#8216;كفى&#8217; &#8211; ويعنون ذلك فعلاً&#8221;. اتهم باريس بريطانيا بالاختباء وراء القوة الأمريكية، بينما يرددون عبارات فارغة عن &#8220;ضبط النفس&#8221; و&#8221;القانون الدولي&#8221;، في الوقت الذي يزودون فيه إسرائيل بأقوى سلاح لديها &#8211; الصمت. وتحدى كلاً من اليسار البريطاني والمعارضة المحافظة لتخليهما عن التزاماتهما الأخلاقية. وتساءل: &#8220;لماذا، من خلال الصمت والدعم الصامت، غطينا هذه الفظاعة؟&#8221;. ثم قدم إجابة صريحة. لقد شكّل الشعور بالذنب تعاطف الغرب مع نضال إسرائيل من أجل البقاء. شكّل عار ماضي أوروبا وندم الغرب المتواصل مصدر رزق سياسي عميق لدولة صغيرة مُحاصرة تنهل منه. وجادل بأن إسرائيل حوّلت الضحية إلى رصيد استراتيجي.</p>



<p>لكن هذا المصدر آخذ في الجفاف. لا يبدو أن هناك ما يوقف مساعي إسرائيل نحو الضم &#8211; غزة أولاً، ثم الضفة الغربية &#8211; حيث يواصل المستوطنون الاستيلاء على الأراضي بموافقة حكومية هادئة. ينتشر الآن انحلال أخلاقي بطيء ومُفسد عبر السياسات المدنية والعسكرية. وحذر باريس من أن الإسرائيليين قد يستيقظون يوماً ما ليجدوا أن العالم لا ينظر إليهم كمنارة للديمقراطية، بل مجرد نظام قمعي آخر في المنطقة.</p>



<p>وقد عكس تقييم باريس الصارخ التوتر الأخلاقي الذي عبر عنه محافظ بريطاني آخر، وهو كاتب عمود في صحيفة التايمز، اللورد دانيال فينكلشتاين Daniel Finkelstein الحاصل على وسام الإمبراطورية البريطانية. في مقاله &#8220;ما هو شعوري تجاه غزة؟&#8221;، عبّر فينكلشتاين عن ألم مشاهدة الحرب تتكشف، سواءً كيهودي ملتزم &#8211; عانت عائلته من محرقة النازية &#8211; أو كإنسان روعته معاناة غزة. كتب: &#8220;أشعر بالضيق والرعب واليأس. أشعر بالاكتئاب، واليأس، والاشمئزاز، والتحدي. وفوق كل شيء، أشعر بالهزيمة&#8221;.</p>



<p>أدان فينكلشتاين فكرة تهجير الفلسطينيين بشكل دائم أو الاستيطان في الضفة الغربية، محذراً من أنه إذا تحولت حرب إسرائيل الدفاعية إلى حملة تهجير، فإنها ستتجاوز الحدود الأخلاقية. وكتب: &#8220;ستكون جميع العبارات التي استُخدمت للسخرية من قبل معارضي إسرائيل قابلة للتطبيق&#8221;. ورفض أسلوب العقاب الجماعي، مشيراً إلى أنه إذا سعت إسرائيل إلى تدمير غزة بدلاً من حماس، فإن الخط الفاصل بين سقوط ضحايا مدنيين والإيذاء المتعمد سيتلاشى. وجادل بأن تجويع المدنيين ليس استراتيجية &#8211; بل هو ببساطة أمر غير مقبول. ويضيف أن إقامة إسرائيل الكبرى بالقوة أمرٌ لطالما اعتبره &#8220;خطأً أخلاقياً وخطأً استراتيجياً&#8221;، وأن الكثير من اليهود يتفقون معه.</p>



<h2 class="wp-block-heading">أصواتٌ معارضة في إسرائيل</h2>



<p>على الرغم من التنافر الهائل في دعاية الحكومة الإسرائيلية، وداعميها الإعلاميين، وشرائح واسعة من سكانها، وحملة ترهيب وإسكات المعارضة لحرب نتنياهو على غزة، لا تزال هناك أصواتٌ واضحةٌ داخل المجتمع الإسرائيلي لن تُسكت أو تُجبر على الامتثال.</p>



<p>على سبيل المثال، يندد مقال &#8220;عوديد نعمان&#8221;&nbsp;Oded Na’aman&nbsp;&#8220;الصمت المُهدد&#8221;&nbsp;Menacing Silence&nbsp;ببلاغةٍ بالإنكار المُستمر والإخفاء والرقابة الذاتية من قِبل وسائل الإعلام الإسرائيلية بشأن واقع غزة. ويشير إلى أن الجمهور الإسرائيلي مُشوَّشٌ للغاية ومليءٌ بالشك الذاتي لدرجة أنه يُصبح أهدافاً سهلةً للمتعصبين والسياسيين المُتلاعبين الذين يُقدمون مستقبلاً خيالياً. في الوقت نفسه، &#8220;لا توجد ببساطة رؤيةٌ متاحةٌ لمستقبلٍ مُحتمل&#8221;. إنهم &#8220;يرفضون النظر مباشرةً إلى كارثة غزة&#8230; لأن معرفة دمار غزة هي معرفة حقيقية بدمار إسرائيل. وتصريحاتهم بالصلاح لا تقل شراسةً عن خوفهم من فسادهم&#8221;.</p>



<p>وكما يشير البروفيسور الإسرائيلي &#8220;حاييم غانس&#8221;&nbsp;Chaim Gans&nbsp;فإن طبيعة حجج الصهاينة المتطرفين، التي تُعرّف نفسها بنفسها وتخدم مصالحها الذاتية، &#8220;لا تصلح إلا لإسرائيل&#8221;</p>



<p>أولئك الذين يصدقونهم&#8221;، وأنهم &#8220;لا يبذلون أدنى محاولة لتقديم حجج أخلاقية أو مقبولة عالمياً، بل يعززون تحيزات من اقتنعوا بها بالفعل&#8221;. ويلاحظ أن سعي دولة متطرفة لتقرير المصير قد يطمس سعي دولة أخرى المشروع، وقد ينطوي على استيلاء إجرامي على الأراضي.</p>



<p>لطالما عارض رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق &#8220;إيهود أولمرت&#8221;&nbsp;Ehud Olmert&nbsp;استراتيجية نتنياهو وسلوكه في حرب غزة، وبحلول ربيع عام 2025، كان يزداد خيبة أمله وقلقه. ومع تزايد مذبحة المدنيين الفلسطينيين وتكثيف قصف جيش الدفاع الإسرائيلي وإطلاق النار والنزوح الجماعي، انفجر أولمرت الغاضب أخيراً في مقابلات مع &#8220;هآرتس&#8221;Haaretz&nbsp;و&#8221;سي إن إن&#8221;&nbsp;CNN&nbsp;ووسائل إعلام أخرى: &#8220;ما هذا إن لم يكن جريمة حرب؟&#8221;، متهماً نتنياهو وأعضاء الحكومة اليمينيين المتطرفين &#8220;بارتكاب أفعال لا يمكن تفسيرها بأي شكل آخر&#8230; ما نفعله في غزة الآن هو حرب دمار: قتل عشوائي، بلا حدود، وحشي، وإجرامي للمدنيين&#8221;. وصرح بأن &#8220;ضرراً جسيماً&#8221; قد لحق &#8220;بالنزاهة الأخلاقية لدولة إسرائيل وشعب إسرائيل&#8221;. في أوائل يوليو/تموز 2025، اتهم أولمرت خطة الحكومة الإسرائيلية لإجبار الفلسطينيين الناجين في غزة على ما يُسمى &#8220;منطقة إنسانية&#8221; ضيقة، بأنها تُنشئ &#8220;معسكر اعتقال&#8221; ضخماً كجزء من عملية تطهير عرقي.</p>



<p>ومع ذلك، ومنذ يوليو/تموز 2024، ظهرت تقارير في إسرائيل تُفيد بتصوير جنود من جيش الدفاع الإسرائيلي وهم يعترفون بإطلاق النار على مدنيين فلسطينيين للتسلية أو بدافع الملل. ومؤخراً، نشرت صحيفة &#8220;هآرتس&#8221; اعترافات دامغة لجنود من الجيش الإسرائيلي بأن قائدهم أمرهم بإطلاق النار على فلسطينيين عُزّل يحاولون يائسين الانضمام إلى طوابير الطعام الضخمة في عدد محدود من مواقع المساعدات الغذائية التابعة لمؤسسة الغذاء العالمية، مضيفةً أن هذه الأعمال تُعتبر إبادة جماعية لا يمكن إنكارها.</p>



<h2 class="wp-block-heading">لماذا التزم القادة الغربيين الصمت كل هذه المدة؟</h2>



<p>لقد التزمت الحكومات والسياسيون الغربيون الصمت المتواطئ إزاء أفعال إسرائيل في غزة لأسباب متشابكة. بعضهم يتصرف بدافع المصلحة الذاتية، والنزاهة السطحية، والنفاق السياسي. بينما يظل آخرون مُثقلين بالذنب التاريخي والعار والندم. مُدركين أن أسلافهم خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي غضّوا الطرف عن تكشّف &#8220;الحل النهائي&#8221; لهتلر، ولم يُقرّوا بفظاعته الكاملة إلا بعد أن أصبحت الأدلة قاطعة عام 1945. يخشى الكثيرون الظهور بمظهر الجريئين أو المثيرين للجدل، غير راغبين في المخاطرة بوصمهم بمعاداة السامية لانتقادهم الانتهاكات الصهيونية المتطرفة. وبالنسبة للبعض، ينبع صمتهم من نظرة أعمق وأكثر تحيزاً ترى في الفلسطينيين تهديداً عرقياً-دينياً متأصلاً للقيم والمصالح الغربية.</p>



<p>فقط بعد هزيمة النازيين وانتهاء الحرب العالمية الثانية، ادّعت الحكومات والسياسيون الغربيون فجأةً أنهم مُحبّون للسامية ومناصرون لدولة يهودية جديدة. عندما تتحرر فلسطين والفلسطينيون أخيراً من الهيمنة الإسرائيلية، هل ستُصرّ نفس الطبقة من القادة والسياسيين الغربيين على موقفها وتُعلن فجأةً أنها كانت مؤيدة للفلسطينيين طوال الوقت؟</p>



<p>قطعت بعض الدول علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل أو خفّضت مستوى تمثيلها. وتعترف الآن دولٌ أخرى كثيرة (147 من أصل 193 دولة في الأمم المتحدة) رسمياً بفلسطين كدولة. عزلت إسرائيل نفسها ورسخت مكانتها كدولة منبوذة. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يتطلب الوضع ضغوطاً دبلوماسية واقتصادية ومالية وتجارية وتسليحية وثقافية مستمرة، لا سيما بعد أن أدت الهجمات العسكرية الاستباقية التي شنتها إسرائيل على إيران بدءًا من 13 يونيو/حزيران 2025 إلى صرف الانتباه عن جرائمها في غزة.</p>



<p><em>أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا.</em></p>



<p></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/29/%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d8%a7%d8%ae%d8%aa%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%8c-%d9%84%d8%aa%d8%b3%d8%a7%d9%85%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85-%d9%85%d8%b9-%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%88/">غزة : اختبارٌ لتسامح الرأي العام مع مستويات القتل والدمار</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/29/%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d8%a7%d8%ae%d8%aa%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%8c-%d9%84%d8%aa%d8%b3%d8%a7%d9%85%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a3%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85-%d9%85%d8%b9-%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%88/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مآلات التوحش الإسرائيلي وعجز السلطة الفلسطينية</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/27/%d9%85%d8%a2%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d9%88%d8%b9%d8%ac%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d8%a7/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/27/%d9%85%d8%a2%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d9%88%d8%b9%d8%ac%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d8%a7/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 27 Jul 2025 11:16:22 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[إسرائيل]]></category>
		<category><![CDATA[الأردن]]></category>
		<category><![CDATA[السلطة الفلسطينية]]></category>
		<category><![CDATA[الضفة الغربية]]></category>
		<category><![CDATA[الفساد السياسي]]></category>
		<category><![CDATA[القضية الفلسطينية]]></category>
		<category><![CDATA[حركة حماس]]></category>
		<category><![CDATA[حسن العاصي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7136514</guid>

					<description><![CDATA[<p>السلطة الفلسطينية المتخمة بالفساد السياسي متهمة ومدانة بهزيمة شعبها وقضيته الوطنية. </p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/27/%d9%85%d8%a2%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d9%88%d8%b9%d8%ac%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d8%a7/">مآلات التوحش الإسرائيلي وعجز السلطة الفلسطينية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p><strong> السلطة الفلسطينية المتخمة بالفساد السياسي والأمني والسلوكي والأخلاقي، التي حولت القضية الفلسطينية إلى ممسحة لبعض الأنظمة العربية وسياساتهم وصفقاتهم، سوف يذكرها التاريخ على أنها سلطة متهمة ومدانة بهزيمة شعبها وقضيته الوطنية، في عالم لم تعد تعنيه كثيراً قضايا الضمير والحق والعدل، بل يلتفت إلى من يملك قوة الفعل والتأثير في مجريات التاريخ.</strong></p>



<p class="has-text-align-left"><strong>الدكتور حسن العاصي</strong> *</p>



<span id="more-7136514"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img loading="lazy" decoding="async" width="200" height="200" src="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg" alt="" class="wp-image-4984545" srcset="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg 200w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-150x150.jpg 150w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-120x120.jpg 120w" sizes="auto, (max-width: 200px) 100vw, 200px" /></figure>
</div>


<p>أثبت الأحداث والتطورات المتعلقة بالقضية الفلسطينية هشاشة القيادة الفلسطينية، التي تعاني من ضعف&nbsp;وعجز شديدَين. حيث لم تتمكن هذه القيادة طوال فترة حرب الإبادة التي تقوم بها إسرائيل على غزة، إلا من إطلاق التصريحات التي تدعو حركة حماس إلى الاستجابة لمقترحات تسليم سلاحها إلى السلطة الفلسطينية. فيما سوى ذلك فهي غائبة عن المشهد تماماً. حتى أنها لم تستطيع حماية الفلسطينيين في مدن وقرى الضفة الغربية التي تتوغل فيهما الآليات العسكرية الإسرائيلية قتلاً وتدميراً. حيث حول جنود الاحتلال الضفة الغربية إلى غزة ثانية. وأصبحت المعاناة واقعاً مريراً لحياة الفلسطينيين اليومية في كل منطقة في فلسطين، وخاصة في الضفة الغربية حيث تشتد قبضة الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين، مع استمرار الاعتقالات التعسفية والمضايقات، بالإضافة إلى سياسة الاستيطان والتهويد التي تهدف إلى تفريغ الأراضي الفلسطينية من سكانها.</p>



<h2 class="wp-block-heading">احتلال الضفة الغربية</h2>



<p>تحتل إسرائيل الضفة الغربية، وهي جزء من فلسطين، بشكل غير قانوني منذ يونيو/حزيران 1967. ورغم الدعاية الإسرائيلية التي تحاول إعادة تعريف هذه المنطقة على أنها مجرد قطعة أرض &#8220;متنازع عليها&#8221;، فإن حقائق القانون الدولي واضحة في هذا الصدد. إن النظام الذي تُديره إسرائيل في الضفة الغربية، والذي يُسيطر على حياة أكثر من 2.9 مليون فلسطيني، هو في الواقع ديكتاتورية عسكرية. والسلطة الفلسطينية مجرد نظام صوري؛ نظام دمية بلا سلطة حقيقية، وهو في نهاية المطاف تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي. الكيان السياسي الوحيد الذي يملك أي سيطرة حقيقية في الضفة الغربية هو الحكومة الإسرائيلية.</p>



<p>يجب على الفلسطينيين الحصول على إذن إسرائيلي للقيام حتى بأبسط الأمور الحياتية التي يعتبرها الناس في الديمقراطيات الحقيقية أمراً مسلماً به، بما في ذلك السفر بين البلدات والمدن، والطيران من مطار بن غوريون، أو عبور الحدود إلى الأردن المجاور. غالباً ما يكون السماح بهذه الأمور من عدمه رهناً بأهواء الجنود الإسرائيليين وأجهزة المخابرات.</p>



<p>علاوة على ذلك، يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية في ظل نظام فصل عنصري. هذا ليس مجرد تشبيه بجنوب إفريقيا في الماضي؛ بل هو حقيقة موضوعية في قوانين إسرائيل. هناك بالفعل العديد من أوجه التشابه مع ذلك النظام العنصري الأبيض السابق (بالإضافة إلى بعض الاختلافات المهمة)، حتى أن قدامى المحاربين في نضال جنوب إفريقيا ضد الفصل العنصري، بمن فيهم رئيس الأساقفة السابق ديزموند توتو Desmond Tutu&nbsp;قالوا إن الوضع بالنسبة للفلسطينيين أسوأ في بعض النواحي مما كان عليه بالنسبة لهم.</p>



<p>عندما يكون القانون المدني الإسرائيلي سارياً في الضفة الغربية، فإنه ينطبق فقط على المستوطنين اليهود غير الشرعيين الذين سرقوا واستعمروا منازل وأراضي الفلسطينيين لعقود من الزمن بازدراء القانون الدولي. في هذه الأثناء، يخضع جميع الفلسطينيين في الضفة الغربية للمحاكم العسكرية الإسرائيلية، التي نادراً ما يخضع لها اليهود الإسرائيليون.</p>



<p>إن &#8220;العدالة&#8221; العسكرية التي تُطبقها هذه المحاكم الصورية ليست عدالة على الإطلاق. فمعدل الإدانة في هذه المحاكم يبلغ 99.7%، مما يعني أن فرص الفلسطينيين في البراءة تكاد تكون معدومة. من ناحية أخرى، يفلت الجنود والمستوطنون الإسرائيليون، حرفياً ودون عقاب، من جرائم القتل التي يقتلون بها المدنيين الفلسطينيين.</p>



<p>في مئات الحالات الراهنة، يمارس النظام الإسرائيلي أيضاً ما يسمى &#8220;الاعتقال الإداري&#8221; ضد الفلسطينيين، ويحتجزهم في السجن لأجل غير مسمى دون تهمة أو محاكمة بناءً على &#8220;أدلة&#8221; سرية تُقدم إلى &#8220;قاضٍ&#8221; عسكري من قِبل وكالة أمنية إسرائيلية. حتى في حالات قتل الفلسطينيين التي تُنشر على نطاق واسع أمام الكاميرات، يفلت القتلة الإسرائيليون من العدالة. في كما حصل ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ حين حُكم على الجندي الإسرائيلي إيلور عزريا&nbsp;Elor Azarya&nbsp;بعقوبة رمزية بتهمة القتل غير العمد، ما يعني أنه سيقضي أقل من عام في السجن، وقد أصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عفواً عنه نظراً للدعم الشعبي الواسع الذي يحظى به القاتل في إسرائيل.</p>



<p>قتل عزريا فلسطينياً جريحاً بإطلاق النار عليه بهدوء في رأسه بينما كان الشاب مُلقىً على الأرض. ورغم أن هذه الجريمة نموذجية للطريقة المتعطشة للدماء والقاسية التي يتصرف بها الجيش الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، إلا أن هذه الجريمة تصدرت عناوين الصحف العالمية نظراً لتصويرها من قِبل متطوع فلسطيني في منظمة &#8220;بتسيلم لحقوق الإنسان&#8221;B’Tselem human rights group. وقد قُتل فلسطينيون آخرون بوحشية على يد إسرائيل بطريقة مماثلة، ولم يحظوا باهتمام يُذكر من وسائل الإعلام الدولية لأن العالم لم يشاهد. ولهذا السبب فقط، حُكم على عزريا بهذا الحكم المُخفف بشكل مثير للشفقة.</p>



<p>كان الاستعمار التدريجي للأراضي المحتلة على مر السنين جزءاً أساسياً من الديكتاتورية العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية. يتسارع هذا الوضع باطراد تحت قيادة أكثر حكومات إسرائيل يمينية تطرفاً على الإطلاق.</p>



<p>أحد الأحزاب اليمينية المتطرفة في الحكومة الائتلافية هو حزب البيت اليهودي، بقيادة وزير التعليم نفتالي بينيت&nbsp;Naftali Bennett. وهو مستوطن متعصب صرّح لقناة الجزيرة بأن القانون الدولي لا يُهم لأن كتابه المقدس يمنح إسرائيل حقاً إلهياً في كامل أرض فلسطين. لطالما اقترح حزبه أن تقوم إسرائيل رسمياً بضم المنطقة &#8220;ج&#8221; من الضفة الغربية، والتي تُشكل حوالي 60% من أراضيها. حجته هي أن المنطقة &#8220;ج&#8221; أكثر ريفية، وبالتالي أقل كثافة سكانية من الفلسطينيين. وبالتالي، يمكن منح الفلسطينيين صفة &#8220;المقيمين&#8221; دون تعريض &#8220;الأغلبية اليهودية&#8221; الثمينة التي تتوق إليها إسرائيل للخطر؛ فشعار &#8220;أقصى مساحة من الأرض، وأقل عدد من العرب&#8221; لطالما كان شعار الحركة الصهيونية.</p>



<p>وتعكس تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير Itamar Ben-Gvir&nbsp;التي تدعو إلى تسليح المستوطنين، وإلى للقتل العمد للفلسطينيين، وتصريحات وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش Bezalel Smotrich&nbsp;الذي دعا إلى تجويع أهل غزة، وإلى ضم الضفة الغربية، الفكر الإيديولوجي لحكومة بنيامين نتنياهو الذي يكرس مشروع الدولة اليهودية على كل أرض فلسطين التاريخية، ويعطي الضوء الأخضر لعصابات المستوطنين لتصعيد الاعتداءات الإرهابية على الفلسطينيين</p>



<p>كان الضم الرسمي للضفة الغربية أمراً تتحفظ عليه القيادة الإسرائيلية سابقاً. ولكن من المؤكد الآن أن الحكومة الإسرائيلية تريد ضم الأرض الفلسطينية في كل شيء إلا الإسم، ولكن لا يريد الإسرائيليون الضغط الدولي الحتمي لمنح حقوق متساوية لملايين الفلسطينيين الذين يعيشون هناك، وهو ما يتطلبه الضم الرسمي. سيكون ذلك بمثابة كارثة للمشروع الصهيوني.</p>



<p>لكن الآن، أصبح الضم الرسمي للمنطقة &#8220;ج&#8221; أكثر احتمالية. في وقت سابق، تحرك الكنيست رسمياً للاعتراف بالعديد من المستوطنات التي كان قد اعتبرها سابقاً مشاريع عشوائية. حتى أن بعض النخبة الليبرالية في إسرائيل تتفق مع برنامج اليمين المتطرف.</p>



<p>وقد صرّح الكاتب الإسرائيلي أ. ب. يهوشوا لإذاعة الجيش الإسرائيلي بأنه ينبغي على إسرائيل منح &#8220;مواطنة كاملة أو جزئية&#8221; للفلسطينيين الذين يعيشون في المنطقة &#8220;ج&#8221;. وقال: &#8220;لا معنى للحديث عن دولتين&#8221;.</p>



<p>وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر الإسرائيلي، المعروف اختصارا باسم &#8220;الكابينت&#8221; قد صادق الشهر الماضي على استئناف تسجيل ملكية الأراضي بالمنطقة &#8220;ج&#8221; من الضفة المحتلة، والتي تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة وتشكل نحو 61% من مساحتها.</p>



<p>وقسمت&nbsp;اتفاقية أوسلو&nbsp;-2&nbsp;عام 1995 أراضي الضفة إلى &#8220;أ&#8221; وتشكل 18% وتخضع للسيطرة الفلسطينية بالكامل، و&#8221;ب&#8221; وتشكل 21% وهي تخضع لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية، والنسبة الباقية منطقة &#8220;ج&#8221; وتقع تحت سيطرة إسرائيلية.</p>



<p>يكشف كل هذا عن حقيقةٍ متزايدة، وهي وجود دولة واحدة في فلسطين المحتلة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، وهي دولة فصل عنصري تحكمها إسرائيل وحدها. لقد انتهى &#8220;حل الدولتين&#8221;، وحان الوقت للبدء بالحديث عن كيفية القضاء على الفصل العنصري، وكيف يمكن لواقع الدولة الواحدة في فلسطين المحتلة أن يتحول إلى ديمقراطية حقيقية.</p>



<h2 class="wp-block-heading">سياسة واقعية أم انهزامية؟</h2>



<p>سياسي حول قضايا مصيرية مثل الاعتراف بالقرارين الدوليين242 و 338 ومحاولة البحث عن حلول مباشرة للقضية الوطنية الفلسطينية، تكون حلولاً مرحلية ،بديلاً عن ما هو تاريخي واستراتيجي في الأجندة الوطنية لكفاح الشعب الفلسطيني. فبرز في البيت الفلسطيني تيار تبنى ما أطلق عليه الواقعية في تحقيق أهداف الحركة الوطنية الفلسطينية، ونادى بإقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة يجري دحر الاحتلال الإسرائيلي عنها&nbsp;.</p>



<p>وبعد نقاش فكري وسياسي عميق تحول إلى صراع بين مختلف قادة منظمة التحرير الفلسطينية(م ت ف) وفصائلها امتد قرابة عام، تمكن التيار الواقعي من تعزيز مواقعه في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية وداخل أطر م ت ف، وتحول من تيار كان يمثل الأقلية إلى تيار الأغلبية.</p>



<p>ولاحقا نجح في تحويل أفكاره من الحيز النظري داخل غرف الاجتماعات وتحويلها إلى سياسة عامة لمنظمة التحرير، حين أقر المجلس الوطني الفلسطيني في العام 1974 برنامج “النقاط العشر”، والذي عرف في حينها “ببرنامج السلطة الوطنية الفلسطينية المستقلة”</p>



<p>منذ ذلك الوقت رفعت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية هذا البرنامج في مواجهة الاتهامات التي كانت توجهه لهم بأنهم متطرفين وغير واقعيين. واستخدموه في التدليل على مرونتهم وواقعيتهم، وعلى استعدادهم المساهمة في المساعي الهادفة إلى إيجاد حلول سياسية عادلة وواقعية للصراع مع إسرائيل.</p>



<p>وفي حينها اعتقدت قيادة م ت ف ومعظم القيادة الفلسطينية أن الظروف والأوضاع الدولية مهيأة لانبعاث الكيان الفلسطيني الجديد، وقيام السلطة الوطنية على جزء من الأرض الفلسطينية&nbsp;.</p>



<p>لقد أكدت الأحداث اللاحقة ومسار الأحداث في المنطقة والعالم ،أن القوى الدولية المقررة، وبخاصة قطبي الحرب الباردة حينها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية لم يكونا جادين في ايجاد حلول واقعية وعادلة لقضايا المنطقة وصراعاتها المستفحلة.</p>



<p>وإن كل منهما كان يسعى في تلك الفترة لتوظيف الصراع العربي الإسرائيلي لتعزيز نفوذه ومواقعه في المنطقة. كما أكدت أيضا أن ظروف وأوضاع أهل المنطقة أنفسهم لم تكن ناضجة للتوصل إلى أية حلول جدية لصراعاتهم العميقة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">ولادة اتفاق أوسلو</h2>



<p>في ربيع العام 1991 أطلق الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب مبادرة يدعو فيها أطراف الصراع الفلسطينيون والعرب وإسرائيل ، إلى مغادرة ميادين القتال والحروب، واعتماد طريق السلام من خلال التفاوض المباشر لحل النزاعات المزمنة في المنطقة.</p>



<p>وهذا ما حصل، فقد التقى العرب في مدريد، ولاحقاً التقى وفد يمثل منظمة التحرير الفلسطينية سراً مع ممثلين عن الحكومة الإسرائيلية، وتوصلوا بعد مفاوضات عسيرة إلى اتفاق &#8221; إعلان مبادئ&#8221; حول ترتيبات حكومة ذاتية فلسطينية انتقالية، عرف هذا الاتفاق فيما بعد باتفاق أوسلو،<br>جوهر هذا الاتفاق بشكل أساسي هو إقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة خمس سنوات، تؤدي إلى تسوية دائمة على اساس قراري مجلس الأمن رقم 242 ورقم 338.<br>وهكذا في أجواء احتفالية غير مسبوقة، تم التوقيع في أيلول العام 1993 على هذا الاتفاق الشهير بين الفلسطينيين وإسرائيل في العاصمة الأمريكية واشنطن برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، على أن تتم مناقشة قضايا الحل النهائي بعد ثلاث سنوات وهي القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والمياه&nbsp;.<br>غير أن هذا الاتفاق أغفل وضع جداول زمنية محددة للانسحاب الإسرائيلي من الضفة وقطاع غزة، كذلك سقط من الاتفاق أية آلية دولية تلزم إسرائيل لتنفيذ استحقاقاتها من الاتفاق، أنتج هذا الأمر وضعاً غريباً، فقد أغرق الجانب الفلسطيني في ما يسمى معالجة التفاصيل قبل معالجة جوهر المشكلة، وكان الاتفاق ملزماً للفلسطينيين بينما تنصلت إسرائيل من التزاماتها، الأمر الذي كرس الاحتلال بدلاً عن إزالته&nbsp;.<br>طوال الأعوام الماضية ظل رجال السلطة الفلسطينية يلهثون بسعار خلف جزرة الحل النهائي الذي لم يتحقق من بنوده شيء، بل على العكس تماماً، تنصلت إسرائيل من كافة التزاماتها من اتفاق أوسلو وكأنه لم يكن.</p>



<p>إن جزء من الشعب الفلسطيني الذي اعتقد أن تشكيل السلطة أنجاز لابد من حمايته والدفع به لتحقيق إنجازات أخرى، اكتشف أن هذا الاتفاق الذي أبرم مع إسرائيل لا يعبر عن أمنه ومصالحه ولا عن أهدافه الوطنية ، بل على العكس، وجد المواطن الفلسطيني نفسه أنه يعاني من سلطتين، سلطة الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية التي ألزمتها إسرائيل بالتنسيق الأمني معها ضد كافة النشطاء والمناضلين الفلسطينيين الأمر الذي أدى إلى اغتيال عشرات من خيرة أبناء شعبنا الفلسطيني ، واعتقال الآلاف منهم&nbsp;.</p>



<h2 class="wp-block-heading">إعادة إنتاج الفساد</h2>



<p>لقد أعادت السلطة الفلسطينية إنتاج نظام التنفيع الذي ورثته من منظمة التحرير الفلسطينية، وبدلاً عن المضي في بناء مؤسسات لمختلف القطاعات واعتماد مبدأ الكفاءة والجدارة، أصبحت علاقات المنفعة والمصالح الشخصية والولاءات هي السياسة المعتمدة لهيكل السلطة، وأصبحت هذه الطريقة أداة قوية وفاعلة في الاستيعاب للمنتفعين والمتسلقين والانتهازيين، ووسيلة أيضاً لإقصاء الشرفاء والمناضلين وأصحاب الكفاءة&nbsp;.<br><br>إن السلطة الفلسطينية أخذت تعمل على كسب ولاء الناس من خلال الحصول على مورد اقتصادي، الأمر الذي أدى إلى تضخم شديد في القطاع الحكومي العام للسلطة حيث وصل عدد موظفي السلطة حوالي 170,000 موظف تعتمد رواتبهم بشكل أساسي على المعونات الدولية. المصيبة أن 44%&nbsp;منهم يتبعون الأجهزة الأمنية وبالتالي يستحوذون على حوالي نصف الميزانية، بينما يا للسخرية لا يتم صرف سوى واحد في المئة على قطاع الزراعة على سبيل المثال. </p>



<p>ساهمت هذه السياسة في مأسسة الفساد وانتشاره، وهو ما كانت إسرائيل تريده من خلال إنشاء سلطة بعد أوسلو تكون منتفعة وضعيفة تتحكم فيها إسرائيل من خلال الموارد من الموارد المالية.</p>



<p>تم توزيع المناصب في هيئات وإدارات السلطة على المحسوبيات والمقربين، حتى المعارضة السياسية من مستقلين ويساريين وإسلاميين لم تستثنى من هذه الامتيازات، فتم دمج الآلاف منهم في مؤسسات السلطة الفلسطينية، ومنحوا مناصب في القطاع الحكومي مقابل ولائهم السياسي&nbsp;.</p>



<p>من جهة أخرى برزت في النظام السياسي الفلسطيني في الداخل ظاهرة زواج المصلحة بين رجال الأعمال ورجال السلطة وهذا هو الشكل الأكثر انتشاراً للفساد، يستمد قوته من تمتع النخب بالحصانة السياسية والاجتماعية والقانونية ،فامتلأت الحسابات المصرفية لآلاف الفاسدين بالمال الفاسد&nbsp;.</p>



<p>كما أن استغلال المناصب لتحقيق مكاسب شخصية وعشائرية يشكل ظاهرة واضحة في مؤسسات السلطة، إبرام صفقات مشبوهة، استخدام موارد السلطة والوزارات للأغراض الشخصية، سرقة الممتلكات الوظيفية وإهدار المال العام ، حتى أن إحدى عمليات التدقيق والرقابة أثبتت أن حوالي 40%&nbsp;من ميزانية السلطة قد أسيء استخدامها.</p>



<p>إسرائيل ليست بعيدة عن هذا الفساد، بل على العكس هي تساهم في تعزيز هذا الفساد في السلطة الفلسطينية وتحسن استغلاله فيما بعد ،وتحاول إشغال الرأي العام بهذا الفساد كي تصرف أنظار العالم عن الآثار المدمرة التي تلحقها سياساتها العدوانية بالبنية الاقتصادية والتنمية الفلسطينية، وما تقوم به إسرائيل من تدمير ممنهج للاقتصاد الفلسطيني.</p>



<h2 class="wp-block-heading">من أهداف عظيمة إلى حائط مبكى</h2>



<p>لقد أدى هذا الوضع الشاذ إلى جملة من التغيرات في بنية الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها التي انحدرت إلى مستويات غير مسبوقة من الضعف والهشاشة، وتراجع الشعارات والأهداف الثورية التي طالما تغنى بها الشعب الفلسطيني وميزته عن باقي شعوب الأرض التي استحق احترامها وتقديرها ومساندتها نتيجة لكفاحه والتضحيات التي قدمها عموم الشعب الفلسطيني في طافة أماكن تواجده وجعلته يحظى بكل تلك الهالة المقدسة التي كان يعتز بها&nbsp;.</p>



<p>لكن الفلسطيني ذاته أخذ يشعر بالغضب والحزن والإحباط الشديدين بسبب ما وصلت إليه قضيته الوطنية التي أصبحت تهمة للمناضلين، ومطية للمتسلقين الانتهازيين من الفلسطينيين أنفسهم قبل غيرهم، كما تحولت القضية إلى ميدان للمزايدات لدى البعض، وفرصة لشتم وتحقير الشعب الفلسطيني وقيادته، وتعداد محاسن إسرائيل لدى البعض الآخر&nbsp;.</p>



<p>ثمة مفارقات عجيبة تحصل في خلفية المشهد السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية، ففي الوقت الذي يزداد حجم ومستوى التضامن الأوروبي والعالمي مع الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، نشهد تراجعاً عربياً ملحوظاً على المستويين الرسمي والشعبي في التضامن مع نضال الشعب الفلسطيني ودعم قضيته الوطنية ، التي هي بالأساس قضية العرب الأولى وقضية عموم المسلمين&nbsp;.</p>



<p>فما الذي أوصل أهم قضية تحرر وطني في التاريخ إلى هذا المستوى الذي لا يسر أحداً ولا يدلل على عافية، ولماذا جنح بعض العرب إلى مستوى غير مسبوق من الحقد على الفلسطينيين، وهل نحن أمام واقع جديد في التعامل مع القضية الفلسطينية ، أم أنه برزت أولويات جديدة أمام الشعوب العربية، أم أنه انعكاس طبيعي لواقع الحال الفلسطيني والعربي الذي يشهد حالة متعاظمة من التردي والسقوط والانحدار على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية، الأمر الذي جعل وزير العدل الإسرائيلي أن يطلب سراً من إحدى عشرة دولة عربية عدم تقديم أية تبرعات مالية إضافية للسلطة الفلسطينية، يبدو خبراً طبيعياً حين تم تسريبه، وتعاملت الدول العربية معه بصمت وتجاهل بعد أن انصاعت الحكومات العربية إلى المطالب الإسرائيلية دون خجل، وهكذا وضع الأشقاء العرب قرارهم بدعم القدس العربية بمبلغ مليار دولار في سلة النفايات العربية، ولم يكلف الأمين العام للجامعة العربية نفسه عناء تكذيب هذا الخبر حفاظاً على ماء وجه العرب&nbsp;.</p>



<p>مما لا شك فيه أن هناك أسباب ومسببات عديدة ومختلفة وراء إيصال قضية سامية وعادلة كالقضية الفلسطينية إلى ما وصلت إليه، إلا أنه أيضاً كل تلك الأسباب والعوامل ما كانت لتكون مؤثرة وفاعلة لولا الدور السلبي للقيادة الفلسطينية ومواقفها المتخاذلة وسعيها وراء السلطة وامتيازاتها بدلاً من تعزيز ودعم فكرة النضال والكفاح ضد المغتصب، وبالرغم من أننا لسنا في وارد تقييم تجربة الثورة الفلسطينية ، إلا أن ما نشهده اليوم من إحباطات وانهيارات وانسدادات أمام القضية الوطنية الفلسطينية لم يكن وليد المتغيرات الأخيرة التي تشهدها المنطقة، إنما هو نتيجة طبيعية وكارثية لكل السياسات التي انتهجتها القيادة الفلسطينية والخيارات التي اقدمت عليها منذ انطلاق العمل الفلسطيني المسلح في منتصف ستينيات القرن الماضي.</p>



<p>إن مجمل هذه السياسات أدت فيما أدت إلى تقزيم منظمة التحرير الفلسطينية، وإضعاف العامل الفلسطيني برمته، وتحويل قضية فلسطين الوطنية إلى حائط مبكى، وظهور قيادات فلسطينية ضعيفة ومخترقة من قبل العديد من أجهزة المخابرات وخاصة الأمريكية والإسرائيلية. أنيطت بهذه القيادات مسؤولية الحل والربط فيما يتعلق بمستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته، وهم المسؤولين مسؤولية مباشرة عن تقليص الحقوق الفلسطينية وضياعها، من خلال حجم التنازلات المرعب الذي قدمته هذه القيادة الفلسطينية للجانب الإسرائيلي بدءًا من التنازلات التي قدمت للوصول إلى اتفاقية أوسلو الملعونة ، وصولا إلى كافة التنازلات التي مازالت تقدمها القيادة الفلسطينية في سبيل محافظتها على مناصبها وامتيازاتها على حساب مصالح شعبنا الفلسطيني وتضحياته، هذه التنازلات جعلت إسرائيل تتنمرد على السلطة الفلسطينية بل وتتجرأ وتطلب من القيادة الفلسطينية الضعيفة الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل</p>



<h2 class="wp-block-heading">استقواء السلطة بأنظمة الخنوع</h2>



<p>هذه القيادة التي تستقوي على شعبها وعلى الفصائل الأخرى بالأنظمة العربية التي كانت داعم رئيسي لنضال الشعب الفلسطيني ولقضيته الوطنية مالياً وسياسياً، فأصبحت الثوابت الفلسطينية والعربية تجاه الصراع مع إسرائيل تُنتهك وتحذف بمباركة عربية استعاضت بها القيادة الفلسطينية لغبائها عن الغطاء الشعبي الفلسطيني لتمرير سياسات التنازل والاستسلام، تلك الأنظمة العربية مغلولة اليد أمام النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، ولا تريد سوى السلامة حتى لو كانت على حساب القضية الفلسطينية، لكنها تصبح شرطي بعصا حين تستقوي بها السلطة الفلسطينية لكسر إرادة قوى المعارضة الفلسطينية الرافضة لكل سياسات السلطة التنازلية، هذا الاستقواء في الحقيقة -إضافة إلى عوامل أخرى- هو ما جعل الأنظمة العربية نفسها تستقوي على القضية الفلسطينية وعلى الفلسطينيين أنفسهم، وإلى إخضاعهم إلى التجاذبات المتنافرة في السياسة العربية.</p>



<p>لقد سقطت السلطة الفلسطينية في مستنقع الفساد والاستنفاع، وانكشفت عورتها أمام الجميع، وكل أوراق التوت والتين لا تستطيع ستر عورات سلطة هجينة، وليدة اتفاقيات مذلة، حولت جميع الحقوق الثابتة التاريخية للشعب الفلسطيني إلى&#8221; مشاكل قابلة للتفاوض&#8221; وحولت قضية وطن محتل ومغتصب إلى خلاف على تقاسم نفوذ فيما بينها، وتتبنى سياسة التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الإسرائيلية، هي العقلية ذاتها التي تطاولت بالكلام بداية على المناضلين والأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية عام 1988 أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى تحت شعار &#8220;هجوم السلام الفلسطيني&#8221; وتحول هذا الهجوم فيما بعد إلى تآمر لضرب الحركة الوطنية الفلسطينية، وقامت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية المحترمة باعتقال قيادة وكوادر ونشطاء المقاومة الفلسطينية، وتعاونت مع قوات الاحتلال الإسرائيلي لاغتيال مناضلين.</p>



<h2 class="wp-block-heading">السلطة حاجة إسرائيلية</h2>



<p>إن السلطة الفلسطينية التي لا سلطة لها على نفسها اساساً، هي ليست أكثر من أداة وظيفية لدى الاحتلال الإسرائيلي، وقد أصبحت حاجة إسرائيلية لضرب المشروع الوطني. فاتفاقيات أوسلو التي أنجبت السلطة أنهت الحكم العسكري الإسرائيلي، لكنها لم تُنه الاحتلال نفسه، وبينما انشغلت السلطة بإدارة الحياة اليومية، تحول الاحتلال إلى استعمار نظيف قليل التكلفة حيث تتولى أجهزة السلطة الفلسطينية كافة الملفات القذرة، تتابع إسرائيل مصادرة الأراضي وفرض الحقائق على الأرض&nbsp;.</p>



<p>لذلك لا بد من إسقاط هذه السلطة لإنهاء عبثية مسار التفاوض مع إسرائيل الذي اثبت عقمه، ولوضع إسرائيل أمام مسؤولياتها كاملة كسلطات احتلال تجاه الشعب الفلسطيني، وحتى تكف السلطة عن كونها غطاء لهذا الاحتلال.</p>



<p>ومن جهة أخرى لوضع المجتمع الدولي والأطراف الراعية لعملية السلام أمام استحقاقاتهم الموضوعية في فشل مسار التسوية السياسية، وهذا يجب أن يؤدي إلى اعتبار أن شعبنا الفلسطيني يرزح تحت الاحتلال ومن حقه مقاومة هذا الاحتلال وفق المواثيق الأممية.<br>إسقاط السلطة سوف يعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية التي قزمها رجال السلطة وجعلوها ظل عديم الفعالية تابع لهم بعد أن قاموا بإفراغ المنظمة ومؤسساتها من دورها الوطني باعتبارها حاضنة المشروع الوطني الفلسطيني.</p>



<p>وهذا من شأنه أن يساهم في تقوية الموقف الفلسطيني الذي أضعفه زج السلطة بالرقم الفلسطيني في مفارقات العرب السياسية، فانتقلت القضية الفلسطينية بقدسيتها من حالتها في الضمير والوجدان العربي والأممي إلى رقم ضعيف في الجامعة العربية&nbsp;.</p>



<p>إن هذه السلطة المتخمة بالفساد السياسي والأمني والسلوكي والأخلاقي، التي حولت القضية الفلسطينية إلى ممسحة لبعض الأنظمة العربية وسياساتهم وصفقاتهم، سوف يذكرها التاريخ على أنها سلطة متهمة ومدانة بهزيمة شعبها وقضيته الوطنية، في عالم لم تعد تعنيه كثيراً قضايا الضمير والحق والعدل، بل يلتفت إلى من يملك قوة الفعل والتأثير في مجريات التاريخ.</p>



<p><strong><em>* أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا.</em></strong></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/27/%d9%85%d8%a2%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d9%88%d8%b9%d8%ac%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d8%a7/">مآلات التوحش الإسرائيلي وعجز السلطة الفلسطينية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/27/%d9%85%d8%a2%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d9%88%d8%b9%d8%ac%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>موت الصحفيين في غزة جوعاً و انهيار قواعد القانون الدولي</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/26/%d9%85%d9%88%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%81%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d8%ac%d9%88%d8%b9%d8%a7%d9%8b-%d9%88-%d8%a7%d9%86%d9%87%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/26/%d9%85%d9%88%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%81%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d8%ac%d9%88%d8%b9%d8%a7%d9%8b-%d9%88-%d8%a7%d9%86%d9%87%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 26 Jul 2025 11:34:26 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[إعلام]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[أنس الشريف]]></category>
		<category><![CDATA[إسرائيل]]></category>
		<category><![CDATA[الصحفيون الفلسطينيون]]></category>
		<category><![CDATA[المجاعة]]></category>
		<category><![CDATA[الولايات المتحدة]]></category>
		<category><![CDATA[حسن العاصي]]></category>
		<category><![CDATA[خان يونس]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[قناة الجزيرة]]></category>
		<category><![CDATA[مصطفى سواق]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7135522</guid>

					<description><![CDATA[<p>بعد منع إسرائيل للصحفيين الدوليين من دخول غزة، أصبح الصحفيون الفلسطينيون هم الوحيدون الذين يقدمون التقارير من الميدان.  </p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/26/%d9%85%d9%88%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%81%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d8%ac%d9%88%d8%b9%d8%a7%d9%8b-%d9%88-%d8%a7%d9%86%d9%87%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9/">موت الصحفيين في غزة جوعاً و انهيار قواعد القانون الدولي</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p><strong>توجد مقولةٌ شائعةٌ في أوساط العاملين بوسائل الإعلام حول عدم رغبة الصحفيين في أن يكونوا هم محور القصة. ولكن في هذه الحالة، يرتبط الصحفي بالقصة ارتباطاً وثيقاً في معركته للبقاء. وقد يؤثر ذلك بشكل خطير على كيفية سرد القصة الأوسع لمحرقة غزة. </strong></p>



<p class="has-text-align-left"><strong>الدكتور حسن العاصي</strong></p>



<span id="more-7135522"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img loading="lazy" decoding="async" width="200" height="200" src="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg" alt="" class="wp-image-4984545" srcset="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg 200w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-150x150.jpg 150w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-120x120.jpg 120w" sizes="auto, (max-width: 200px) 100vw, 200px" /></figure>
</div>


<p>لقد أعربت شركات الإعلام الكبرى، ووكالات الأنباء العالمية التي لها مراسلون في غزة عن قلقها البالغ بشأن موظفيها المحليين العاملين هناك. وحذّرت من رؤية &#8220;زملاء يموتون جوعًا&#8221;. ونظراً لمنع إسرائيل للصحفيين الدوليين من دخول القطاع، أصبح الصحفيون الفلسطينيون هم الوحيدون القادرون على تقديم التقارير من الميدان في منطقة الحرب. لأشهر عديدة، كان هؤلاء الصحفيون الفلسطينيون المستقلون بمثابة عيون وآذان العالم على أرض غزة. وهم يواجهون الآن نفس الظروف القاسية التي يواجهها أولئك الذين يغطونهم. حيث يعاني الصحفيون من الحرمان والمصاعب في مناطق العدوان. والآن أصبح خطر المجاعة أحد هذه المخاطر.</p>



<p>تم إغلاق المطابخ المجتمعية في غزة بشهر مايو/نيسان 2025 نتيجة نقص الموارد بسبب منع إسرائيل دخول الطعام. وكانت فكرة المطابخ المشتركة قد نشأت نتيجة&nbsp;شح الغذاء وارتفاع الأسعار ارتفاعاً كبيراً. ويكاد يكون من المستحيل العثور على غاز الطهي، وحتى حطب الوقود باهظ الثمن. وفقدت العديد من الأسر إمكانية الحصول على الغذاء، بل وفقدت أيضاً الوسائل اللازمة لإعداده.&nbsp;هذه المطابخ لا تقتصر على كونها مصدراً لتوفير الغذاء، بل تُعدّ أيضاً شريان حياة يضمن بقاء الناس على قيد الحياة. لكن هذه المطابخ أُجبرت على إغلاق أبوابها بعد نفاد الإمدادات الغذائية، مما وجّه ضربة قاصمة لجهود مكافحة الجوع المتفاقم في القطاع المحاصر، الذي يعاني من أزمة إنسانية غير مسبوقة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">جوع الصحفيين</h2>



<p>ذكرت هيئة الإذاعة الأمريكية&nbsp;ABC&nbsp;وهي شبكة تلفزيونية وإذاعية، أن أحد مصوريها في غزة &#8220;لم يعد يملك القوة لحمل كاميرا&#8221;. &#8220;لقد فقد 34 كيلوغراماً بالفعل&#8221;. وهو &#8220;بالكاد يستطيع التحدث عبر الهاتف.&#8221;</p>



<p>لقد&nbsp;نقلت وسائل الإعلام لأشهر طويلة معاناة الفلسطينيين نتيجة النقص الحاد في الغذاء والإمدادات الأخرى في غزة التي دمرها ومزقها العدوان الإسرائيلي عليها، وقيام الاحتلال الإسرائيلي بفرض قيودًا على إيصالها. وعرضت شاشات التلفزة مشاهد أطفال رضّع يرقدون بصمت على أسرّة المستشفيات، ضعفاء جداً لا يطيقون البكاء بينما تحوم أمهاتهم حولهم، ويشعرون بالعجز لعدم قدرتهم على الرضاعة الطبيعية. كما نقلت تلك الوسائل الإعلامية تقارير عن طالبي إغاثة، يسارعون للحصول على أي طعام يمكنهم الحصول عليه لعائلاتهم ومجتمعاتهم. وبثت بصورة مباشرة عبر الأقمار الصناعية صور قتل الأطفال والنساء، وتدمير الأبنية والمدارس والمشافي فوق رؤوس النازحين الفلسطينيين المدنيين بسبب القصف المدفعي أو بالطيران الحربي الإسرائيلي.</p>



<p>أصبحت هذه القصص ممكنة النشر، ووصلت إلى ملايين المشاهدين في أنحاء مختلفة من العالم بفضل عمل شبكة من الصحفيين ومصوري الفيديو الموهوبين والشجعان الذين يقومون بالعمل الميداني على الأرض داخل حدود غزة نيابة عن الصحفيين الغربيين، نظراً للحظر الإسرائيلي الذي منع دخول وسائل الإعلام الأجنبية إلى قطاع غزة، وهو أمر غير مسبوق في تغطية الحروب.</p>



<p>والآن يُكافح هؤلاء الصحفيون المتفانين للقيام بعملهم لاستمرار نقل صورة المحرقة التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في غزة..</p>



<p>وقصة مصور هيئة الإذاعة الأمريكية ليست قصةً منفردة، فقد تحدث أعضاء آخرون في نفس فريق، ومن وكالات أخرى عن جوعهم أيضاً. هؤلاء الصحفيون جميعهم غزّاويون، يُغطون أخبارهم، ويعانون ما يتعرض له أهل غزة مع استمرار الإبادة في القطاع.</p>



<p>ناشدت وكالة فرانس برس (AFP)، إحدى أكبر وكالات الأنباء في العالم، الحكومة الفرنسية المساعدة في إجلاء موظفيها. وقال اتحاد صحفيي الوكالة في بيان: &#8220;منذ تأسيسها عام 1944، فقدنا صحفيين في صراعات، بعضهم جُرح، وآخرون أسرى&#8221;. وأضاف: &#8220;لكن لا أحد منا يتذكر رؤية زملاء يموتون جوعًا&#8221;.</p>



<p>وأعربت قناة الجزيرة، المحظورة من العمل في إسرائيل، عن هذه المشاعر في اليوم التالي: &#8220;يتحمل المجتمع الصحفي والعالم مسؤولية جسيمة؛ من واجبنا أن نرفع أصواتنا ونحشد كل الوسائل المتاحة لدعم زملائنا في هذه المهنة النبيلة&#8221;، هذا ما صرّح به المدير العام للشبكة، مصطفى سواق، في بيان. وأضاف: &#8220;إذا لم نتحرك الآن، فإننا نخاطر بمستقبل قد لا يبقى فيه أحد ليروي قصصنا&#8221;.</p>



<p>لقد انهار أحد صحفيي الجزيرة واسمه أنس الشريف على الهواء مباشرة عندما انهارت امرأة خارج مستشفى خلفه. في الفيديو، يُسمع فلسطينيون آخرون يقولون له: &#8220;استمر يا أنس. واصل التغطية&#8221;. أنتم صوتنا.</p>



<h2 class="wp-block-heading">لماذا تعتمد وسائل الإعلام الأجنبية على الصحفيين داخل غزة؟</h2>



<p> وقّعت أكثر من 100 منظمة إنسانية دولية بتاريخ 23 يوليو/ تموز 2025 من بينها أطباء بلا حدود وأوكسفام وإنقاذ الطفولة، بياناً يُنذر بأن غزة على شفا &#8220;مجاعة جماعية &#8220;.</p>



<p>فيما تنفي إسرائيل باستمرار مزاعم تورطها في تأجيج أزمة الجوع في غزة، بل تُلقي باللوم على حماس في الوضع، وتصف روايات هذه الظروف داخل القطاع بأنها دعاية. ومع ذلك، فإن إسرائيل، برفضها التقارير الواردة من القطاع، لا تسمح لوسائل الإعلام الدولية بدخول غزة لجمع المعلومات والتحقق منها بشكل مستقل.</p>



<p>يمكن العثور في غزة على العديد من الأطفال وبعض البالغين في حالة هزال شديد ومهددين بالموت جوعاً بسبب نقص الطعام، في بعض المراكز الطبية القليلة التي ما زالت تعمل.</p>



<p>تمنع الحكومة الإسرائيلية زيارات ودخول الصحفيين الأجانب والغربيين منذ بداية الحرب. وتدّعي إسرائيل أنها &#8220;تمنعهم من الدخول&#8221; حرصاً على سلامتهم. ولم يُسمح للصحفيين بالدخول إلا تحت الإشراف المباشر للجيش الإسرائيلي &#8211; زيارات مُحكمة المراقبة ومُخطط لها، حيث لا يُسمح لوسائل الإعلام عموماً بالتفاعل مع السكان المحليين. الهدف من هذه الزيارات يكون دعائياً أو لتقديم رواية رسمية حول العمليات العسكرية، وليس لتغطية مستقلة.</p>



<p>ومع أن جدوى هذه الزيارات الصحفية محل شك، إلا أن هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC) تقدمت بعدد من الطلبات للانضمام إلى ما يُسمى &#8220;الزيارات المُلحقة&#8221; &#8211; لكنها لم تُمنح هذه الفرصة، في حين تُمنح هذه الزيارات وسائل الإعلام الأمريكية وبعض الوسائل الأوروبية الكبرى.</p>



<p>أصبحت هذه الزيارات المُلحقة أقل انتظاماً منذ وقف إطلاق النار الأخير &#8211; ويُعتقد أن آخرها كان عندما اصطحب الجيش الإسرائيلي مجموعة من الصحفيين إلى مجمع المستشفى الأوروبي في خان يونس في أوائل يونيو/حزيران 2024. يمكن مقارنة هذا بالوضع في أوروبا الشرقية، حيث يُمكن للصحفيين الدوليين العمل داخل معظم أنحاء أوكرانيا.</p>



<p>تحاول رابطة الصحافة الأجنبية، التي تمثل وسائل الإعلام الدولية العاملة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، الطعن في قيود الجيش الإسرائيلي أمام المحكمة العليا في إسرائيل، وهي عملية تعثرت مراراً وتكراراً بسبب التأخيرات والتأجيلات. مع كل ذلك، تعتمد وسائل الإعلام الأجنبية على الصحفيين الفلسطينيين داخل غزة للمساعدة في نقل أحداث هذه الحرب.</p>



<p>وإذا كانوا الآن يكافحون للنهوض من فراشهم يومياً، غير قادرين على حمل كاميراتهم وميكروفوناتهم &#8211; ناهيك عن مشاكل الاتصال الحادة في القطاع التي تعيقهم عن نقل الصور والفيديو إلى العالم &#8211; فهذه مشكلة بالغة. على الرغم من العدد المرتفع للغاية للقتلى في الغارات الجوية الإسرائيلية خلال العدوان، والذي تقدره لجنة حماية الصحفيين باستشهاد 186 منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. لذلك قد تصبح رواية قصة حرب غزة ونقلها إلى العالم أكثر صعوبة.</p>



<p>لقد فرضت إسرائيل حصاراً شاملاً على القطاع في مارس/آذار 2025، حيث أوقفت جميع الشاحنات المتجهة إلى الأراضي المحتلة لما يقرب من ثلاثة أشهر في محاولتها الضغط على حماس لإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين. مع إصرارها على وجود إمدادات كافية للسكان، اضطرت إلى السماح بتخفيف جزئي لهذا الحصار على المواد الأساسية، بما في ذلك الدقيق وحليب الأطفال.</p>



<p>طورت إسرائيل نموذجاً جديداً لإيصال المساعدات الخاصة، حيث نصبت مؤسسة غزة الإنسانية (GHF) موزعاً للغذاء وغيره من المواد، وأعلنت أنها ستتجاوز قنوات الأمم المتحدة القائمة، التي قالت إن حماس استولت عليها. ومع اقتراب سكان غزة من المجاعة الجماعية أكثر فأكثر، منعت الحكومة الإسرائيلية الأمم المتحدة ووكالات أخرى من توزيع الغذاء في غزة، واستبدلتهم بمقاول جديد غامض.</p>



<p>تقول وزارة الصحة في غزة والأمم المتحدة إن أكثر من 2000 فلسطيني قُتلوا في إطلاق نار بالقرب من مواقع منظمة الإغاثة الإنسانية العالمية وقوافل الشاحنات &#8211; وهي أرقام تنفيها منظمة الإغاثة الإنسانية العالمية والجيش الإسرائيلي، على الرغم من أن السلطات الإسرائيلية لا تُصدر بياناتها الخاصة عن الضحايا في هذه المواقع.</p>



<p>لا تنكر وكالات الإغاثة وجود بعض الإمدادات داخل الحدود، لكنها تتهم القوات الإسرائيلية بجعل إيصالها عبر القطاع أمراً بالغ الصعوبة، ورفض ضمان مرور آمن للقوافل. كما عرضت مؤسسة الإغاثة الإنسانية العالمية (GHF) توفير خدماتها الأمنية الخاصة لمساعدة سكان القطاع.</p>



<p>تُعدّ الأزمة التي نتجت عن كل هذا، و21 شهراً من القصف الجوي والمدفعي، واحدةً من أكبر وأهمّ قصص القتل والتدمير والتجويع في العالم. لكن ربما سيصعب سردها، إذا مات الصحفيون جوعاً، إذ يُكافحون لمساعدة وكالات الأنباء العالمية في سردها ونقلها إلى العالم.</p>



<p>حذر صحفيون مستقلون يعملون لصالح وكالات أنباء دولية من أن الجوع ونقص المياه النظيفة يؤديان إلى المرض والإرهاق قبل الموت جوعاً. وقالت مجموعة من الصحفيين العاملين في وكالة فرانس برس هذا الأسبوع إنه &#8220;بدون تدخل فوري، سيموت آخر الصحفيين في غزة&#8221;. وقام مصور يعمل لدى وكالة فرانس برس بإرسال رسالة على مواقع التواصل الاجتماعي نهاية الأسبوع، قال فيها: &#8220;لم أعد أملك القوة للعمل في الإعلام. جسدي نحيل، ولا أستطيع العمل بعد الآن&#8221;.</p>



<h2 class="wp-block-heading">انهيار النظام الأخلاقي</h2>



<p>كتب طياران متقاعدان من سلاح الجو الإسرائيلي في الطبعة العبرية لصحيفة هآرتس الإسرائيلية أن &#8220;عضواً في الكنيست تفاخر بأن أحد إنجازات الحكومة الإسرائيلية هو القدرة على قتل 100 شخص يومياً في غزة دون أن يُصدم أحد&#8221; (مقتطف من مقال هآرتس في صحيفة نيويورك تايمز). واضافا إننا نتجاهل انهيار النظام الدولي الذي حدّد حياتنا لأجيال، مُعرّضين أنفسنا جميعاً للخطر.</p>



<p>لقد بدأ هذا الانهيار بعجز العالم الليبرالي عن كبح جماح عدوان إسرائيل على غزة. وتصاعد عندما لم يُحرّك أحد ساكناً لوقف قصف المستشفيات. والمدارس ودور العبادة واتسع نطاقه عندما أصبح التجويع الجماعي سلاحاً من أسلحة الحرب. ويبلغ هذا الانهيار ذروته في وقتٍ لم تعد فيه الحرب الشاملة تُعتبر مكروهاً بشرياً، بل أصبحت سياسةً متعمدةً من قِبَل دولة إسرائيل.</p>



<p>إن تداعيات هذا الانهيار عميقة على السياسات الدولية والإقليمية. لكن القواعد تتزعزع تماماً عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، التي انتهكت في مارس/آذار 2025 أيضاً وقف إطلاق النار الذي ساعدت إدارة ترامب في التفاوض عليه في يناير/كانون الثاني. والآن نشهد مستوى جديداً من القسوة: استخدام التجويع كسلاح حرب. في غضون ذلك، يدعو السياسيون الإسرائيليون علناً إلى التطهير العرقي. تباهى &#8220;بتسلئيل سموتريتش&#8221; وزير المالية اليميني المتطرف، بأن إسرائيل &#8220;تدمر كل ما تبقى من قطاع غزة&#8221; وأن &#8220;الجيش لا يدخر جهداً في ذلك&#8221;. وأضاف: &#8220;نحن نغزو ونطهر ونبقى في غزة حتى تُدمر حماس&#8221;. ومفهومه عن حماس واسع النطاق. وأوضح: &#8220;نحن نقضي على الوزراء والبيروقراطيين وتجار الأموال &#8211; كل من يدعم حكم حماس المدني&#8221;. إن قتل أعضاء الحكومة المدنيين (لأنهم ليسوا مقاتلين) جريمة حرب.&nbsp;ومرة أخرى، لا تفعل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي شيئاً.</p>



<p>أدى هذا التحول المطرد في الممارسات المقبولة إلى سياسات وممارسات إجرامية للتهجير القسري والمعاناة الجماعية والإبادة الجماعية، وكلها تُرتكب في ظل صمت سلبي أو تواطؤ نشط من دول قوية. حتى الصليب الأحمر، الذي عادةً ما يكون صامتاً، يُعرب عن رعبه. صرحت &#8220;ميريانا سبولجاريك إيغر&#8221;&nbsp;Mirjana Spoljaric Egger&nbsp;رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر لمراسل بي بي سي &#8220;جيريمي بوين&#8221;&nbsp;Jeremy Bowen: &#8220;الإنسانية تنهار في غزة&#8221;. وأعربت عن أسفها قائلةً: &#8220;إن مشاهدة شعب يُجرد تماماً من كرامته الإنسانية أمرٌ لا بد أن يُصدم ضميرنا الجماعي&#8221;.&nbsp;ومع ذلك، فإن الغضب الرسمي خافت في أحسن الأحوال، إذ يتلاشى كل ما كان يُعتبر يوماً ما راسخاً مؤسسياً.</p>



<h2 class="wp-block-heading">إسرائيل مفارقة تاريخية</h2>



<p>ما الذي يُمكّن إسرائيل من الإفلات من العقاب على جرائم القتل؟ لطالما حمت الولايات المتحدة إسرائيل من الانتقادات الدولية ودعمتها عسكرياً. وتتراوح الأسباب المُقدمة لهذا الدعم عادةً بين الرابطة &#8220;الثابتة&#8221; بين البلدين، ونفوذ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)&nbsp;AIPAC&nbsp;في واشنطن. ويمكن للمرء أن يجادل بأن الشيء الوحيد المختلف في هذه الحرب الحالية هو نطاقها.</p>



<p>ولكن الأمر لا يقتصر على واشنطن فحسب، فإسرائيل وقضية فلسطين تُسببان انقسامات حادة للغاية في معظم أنحاء العالم الغربي. فقد منعت الدنمارك مؤخراً الأطفال الذين يستعدون للتصويت في انتخابات شبابية وطنية من مناقشة السيادة الفلسطينية. لماذا؟</p>



<p>في حوار مع عزرا كلاين Ezra Klein من صحيفة نيويورك تايمز، قدمت أستاذة القانون الدولي لحقوق الإنسان الأمريكية أصلي بالي Asli Bali تفسيراً واحداً لما يميز فلسطين. وتشير إلى أنه في عام 1948 كانت فلسطين &#8220;الأرض الوحيدة التي كان من المقرر إنهاء استعمارها عند إنشاء الأمم المتحدة&#8230; والتي لم يتم [حتى الآن] إنهاء الاستعمار&#8221;. باختصار، إسرائيل مفارقة تاريخية. كانت جنوب أفريقيا في يوم من الأيام ضمن هذه الفئة. لعقود، اعتُبرت فلسطين وجنوب أفريقيا &#8220;مثالين مستمرين على إنهاء الاستعمار غير المكتمل، استمرا طويلاً بعد انتهاء الاستعمار الكامل في بقية العالم&#8221;. اليوم، تُعدّ فلسطين الاستثناء الأخير لتلك العملية التاريخية &#8211; إرثٌ واضحٌ تماماً للشعب الذي خضع للاستعمار في السابق، لكن العالم الغربي يرفض الاعتراف به كشذوذ. بعبارة أخرى، بالنسبة للكثيرين في الولايات المتحدة ومعظم العالم الغربي، يُفهم إنشاء دولة إسرائيل على أنه تحقيق للتطلعات القومية اليهودية. بالنسبة لبقية العالم، فإن تحقيق التطلعات القومية اليهودية نفسه جعل إنهاء الاستعمار في فلسطين غير مكتمل.</p>



<p>في عام 2003، كتب المؤرخ البريطاني &#8220;توني جودت&#8221;Tony Judt&nbsp;أن &#8220;مشكلة إسرائيل هي أنها وصلت متأخرة جداً. لقد استوردت مشروعاً انفصالياً بطابعه المميز من أواخر القرن التاسع عشر إلى عالمٍ متطور، عالمٍ تسوده الحقوق الفردية، والحدود المفتوحة، والقانون الدولي. إن فكرة &#8220;الدولة اليهودية&#8221; ذاتها &#8211; دولةٌ يتمتع فيها اليهود والدين اليهودي بامتيازاتٍ حصرية، ويُستبعد منها المواطنون غير اليهود إلى الأبد &#8211; متجذرة في زمانٍ ومكانٍ مختلفين. باختصار، إسرائيل مفارقةٌ تاريخية. إن فكرة جوت بأن إسرائيل من مخلفات عصرٍ آخر تتطلب فهماً لكيفية تسارع الجهود العالمية لإنهاء الاستعمار بشكل ملحوظ بعد عام 1945. وكانت النتيجة عالماً جديداً &#8211; عالماً تخلى عن الفلسطينيين، تاركاً إياهم في مخيمات اللاجئين عام 1948. هذا العالم الجديد، الذي انبثق من رماد الحرب العالمية الثانية، أصبح ما نسميه اليوم &#8220;النظام الدولي القائم على القواعد&#8221;، والذي يُعد القانون الدولي عنصراً أساسياً فيه.</p>



<p>أصبح القانون الدولي أكثر تدويناً في هذه الفترة أيضاً. لم يكن عام 1948 تاريخ النكبة الفلسطينية وولادة إسرائيل فحسب، بل كان أيضاً العام الذي صدر فيه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إلى جانب ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945، يُمثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الأساس الرئيسي للقانون الدولي لحقوق الإنسان.</p>



<h2 class="wp-block-heading">ما فائدة &#8220;النظام الدولي القائم على القواعد&#8221; إذا استمرت القواعد في التغير؟</h2>



<p>الحقيقة هي أننا لم نعيش قط في ظل &#8220;نظام دولي قائم على القواعد&#8221;، أو على الأقل ليس النظام الذي يتخيله معظم الناس عند سماعهم هذه العبارة. لم تمنع فكرة أن القانون الدولي يضع حدوداً لأفعال الدول الإبادة الجماعية في رواندا. ولم يوقف &#8220;النظام الدولي القائم على القواعد&#8221; الغزو الأمريكي &#8220;غير القانوني&#8221; للعراق عام 2003. وقبل عام 2023 بوقت طويل، دأبت إسرائيل على انتهاك قرارات مجلس الأمن.</p>



<p>لا تقتصر مشكلة القانون الدولي على عدم وجود آلية إنفاذ لإجبار الدول المارقة على الامتثال. بل تكمن مشكلة القانون الدولي في أنه &#8220;من المرجح أن يكون أداة في يد الأقوياء لا الضعفاء&#8221;، كما كتب المنظر القانوني وأستاذ العلوم السياسية الأمريكي &#8220;إيان هيرد&#8221;&nbsp;Ian Hurd&nbsp;في كتابه الصادر عام 2017 بعنوان &#8220;كيف نفعل الأشياء بالقانون الدولي&#8221;.&nbsp;How to Do Things with International Law.</p>



<p>نميل إلى اعتبار القانون حداً متفقاً عليه لأفعالنا. كما قال الرئيس الأمريكي الراحل &#8220;دوايت أيزنهاور&#8221;&nbsp;Dwight Eisenhowe&nbsp;في مقولته الخالدة: &#8220;لم يعد أمام العالم خيارٌ بين القوة والقانون. إذا أُريد للحضارة أن تبقى، فعليها اختيار سيادة القانون&#8221;.</p>



<p>ولكن ماذا لو فُهم القانون بشكلٍ أفضل كنظامٍ يُقيّد السلوك، نعم، والأهم من ذلك، يُشرّع ما هو ممكن؟</p>



<p>من يُحدّد الحدود يُحدّد ما هو مقبول. وهكذا، يكون الأقوياء أكثر ميلاً لتغيير مسار ما هو مقبول لمصلحتهم. وكما يوضح هيرد، فإن القانون الدولي &#8220;يُسهّل قيام الإمبراطورية بالمعنى التقليدي لأن الدول القوية&#8230; تُشكّل معنى القواعد والالتزامات الدولية من خلال التفسير والممارسة&#8221;.</p>



<p>مع أن القانون الدولي يحظر الحرب عموماً، إلا أنه يُحدّد استثناءً للدفاع عن النفس، والدول القوية هي التي يُمكنها تغيير مسار ما يُشكّل دفاعاً مشروعاً عن النفس. (على سبيل المثال، تدّعي إسرائيل بشكل عام الدفاع عن النفس في عدوانها على إيران، كما تدّعي روسيا صراحةً الدفاع عن النفس في مهاجمتها أوكرانيا). في كتابه، يبحث هيرد كيف بررت الولايات المتحدة استخدامها لحرب الطائرات بدون طيار، بل وحتى التعذيب، بالاحتكام إلى القانون الدولي. فالقانون الدولي، بالنسبة لهيرد، ليس نظاماً يعلو على السياسة. إنه سياسة بحد ذاتها.</p>



<p>النقطة التي نستخلصها هنا ليست أن القانون الدولي غير موجود أو أنه غير ذي قيمة. من الواضح أن هناك حاجة لقواعد لحماية المدنيين ومنع الحرب. القانون الإنساني الدولي هو أيضاً كيان حيّ ينبض بالحياة ويتكيف ويتوسع. اعتُمدت البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف عام 1977. وأُقرّ نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية عام 1998.</p>



<p>لكن القانون الدولي يُواجَه أيضاً مراراً وتكراراً بالضغوط، وبشكل روتيني.&nbsp;تُنتهك وتُدفع باستمرار لخدمة الدول القوية. وبالتالي، يُفهم القانون الدولي عملياً على أنه خط سلوك مقبول متغير باستمرار. ربما نصل الآن إلى نقطة انحرف فيها هذا الخط عن المقاصد التأسيسية للقانون الدولي لدرجة أن النظام نفسه على وشك الانهيار.</p>



<h2 class="wp-block-heading">أي جحيم مستقبلي نعيش فيه حاليًا؟</h2>



<p>يحمل العدوان الإسرائيلي على غزة احتمالاً مرعباً بحدوث تحول جذري في خط المقبولية يجعل الإبادة الجماعية سلاحاً حربياً مشروعاً. إذا كنت تعتقد أنني أبالغ، فانظر إلى ما كتبه المؤرخ البريطاني &#8220;كولين جونز&#8221;&nbsp;Colin Jones&nbsp;في مجلة &#8220;نيويوركر&#8221;&nbsp;The New Yorker&nbsp;في وقت سابق من هذا العام. استشار جونز محامين بارزين في المؤسسة العسكرية الأمريكية حول آرائهم بشأن الحرب الإسرائيلية في غزة. ما وجده هو جيش أمريكي يشعر بقلق بالغ إزاء تقييده بالقانون الدولي عند خوض حرب مستقبلية ضد قوة عظمى كالصين &#8211; لدرجة أن &#8220;تخفيف إسرائيل لقيودها على سقوط الضحايا المدنيين&#8221; يُغير بشكل مفيد معايير السلوك الأمريكي المستقبلي.</p>



<p>يكتب جونز للجيش الأمريكي: &#8220;لا تبدو غزة مجرد بروفة لنوع القتال الذي قد يواجهه الجنود الأمريكيون فحسب، بل إنها اختبار لمدى تحمّل الشعب الأمريكي لمستويات الموت والدمار التي تنطوي عليها هذه الأنواع من الحروب&#8221;</p>



<p>في كتابه، يُوضح أستاذ العلوم السياسية الأمريكي &#8220;إيان هيرد&#8221;&nbsp;Ian Hurd&nbsp;أيضاً فرقاً جوهرياً بين النظامين القانونيين المحلي والدولي. يقول إن ما نتوقعه من القانون المحلي هو أن يكون &#8220;واضحاً ومستقراً ومعروفاً مسبقاً&#8221;، بينما القانون الدولي يخضع لموافقة الدول.</p>



<p>لا يمكن أن يكون ازدراء ترامب لمؤسسات القانون الدولي أوضح من ذلك. فقد فرض عقوبات على قضاة وخبراء قانونيين في المحكمة الجنائية الدولية بعد إصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق، يوآف غالانت. (أصدر عقوبات مماثلة عام 2020). تحدى ميثاق الأمم المتحدة بقصف إيران، وهي دولة ذات سيادة لا تُشكل خطراً وشيكاً على الولايات المتحدة. أما الرد العالمي؟ فكان توبيخاً خفيفاً خجولاً من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون Emmanuel Macron ودعماً كاملاً من الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته Mark Rutte.</p>



<p>ما يسعى إليه ترامب وأمثاله من قادة ليس تدمير القانون بقدر ما هو استعماره. ولا يقل ازدراءه للمؤسسات القانونية المحلية وضوحاً. فقد استغل حالات طوارئ زائفة ليدّعي &#8220;صلاحيات طوارئ&#8221; لم يسبقه إليها أي رئيس، مما مكّنه من الالتفاف على الكونغرس، والحكم بمراسيم. ونشر قوات عسكرية في كاليفورنيا، رغماً عن حاكمها، بل إن محكمة استئناف أذنت بقراره. إنه يسير على خطى التحدي العلني لمختلف الأوامر القضائية.</p>



<h2 class="wp-block-heading">ما الذي يحدث؟</h2>



<p>من المنطقي الاعتقاد بأننا نعيش في عصر جديد من الفوضى، لكن هذا لن يُظهر التغيير المُحدق بنا. الأمر لا يتعلق بغياب القانون، بل بإعادة صياغة القانون. ما يسعى إليه ترامب والقادة أمثاله من الشعبويين، ومن اليمينيين، ومن العنصريين البيض المتشددين امتلاك القانون وتطويعه من خلال تحديد معاييره لخدمة مصالحهم. بالنسبة لهم، وُجد القانون ليخضع لإرادتهم، ويدمر خصومهم، وليُوفر ذريعة لسلوك يُعاقَب عليه كجريمة في عالم أفضل.</p>



<p>ربما ليس من المُستغرب أن ينهار قانون هشّ كالقانون الدولي تحت وطأة ضغوط اليوم. ما قد يُثير الدهشة هو كيف نفقد أيضاً إحساسنا الداخلي بالاستقرار والسلام والأمن، ومدى ارتباط النضال من أجل فلسطين بهذا التفكك الداخلي، لا سيما عندما يتعلق الأمر بحرية التعبير.</p>



<p>اسألوا &#8220;سيرين حداد&#8221; الطالبة الأمريكية من أصل فلسطيني، وأحد الوجوه البارزة في الحراك الطلابي المناهض للإبادة في غزة داخل الجامعات الأمريكية. فقدت أكثر من&nbsp;&nbsp;&nbsp;200&nbsp;فرد من عائلتها في غزة منذ بدء الحرب. شاركت في مظاهرات طلابية مؤيدة لفلسطين، ما أدى إلى حرمانها من التخرج جامعة &#8220;فيرجينيا كومنويلث&#8221;&nbsp;Virginia Commonwealth University&nbsp;في مايو 2025.&nbsp;&nbsp;أو اسألوا &#8220;محمود خليل&#8221; الطالب والناشط الحقوقي الفلسطيني الذي قضى 104 أيام رهن الاحتجاز بسبب خطابه السياسي المحمي دستورياً، ولا يزال يواجه خطر الترحيل.</p>



<p>لقد تمت الموافقة على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، شأنها شأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في عام 1948 المشؤوم. كان صدورها مُلِحًاً وضرورياً بعد محرقة النازية للشعب اليهودي، وقد بُني القانون الدولي الحديث على أساس أن الجميع في المجتمع الدولي سيعمل معاً لمنع جرائم الإبادة الجماعية في المستقبل. وبينما فشل هذا المجتمع الدولي في الوفاء بهذا الوعد في الماضي، فإن أعمال الإبادة والإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين في غزة، بتمويل وتمكين من الغرب المتواطئ في كل خطوة، هي التي ساهمت بشكل كبير في انهيار النظام العالمي القائم على القواعد. وبالنظر إلى الوضع الحالي، فإن هذا النظام لن يصمد لأكثر من مئة عام.</p>



<p>إذا كان هناك بصيص أمل، فيمكن العثور عليه في العدد المتزايد من الناس حول العالم الذين يرفضون التخويف لإسكاتهم. ويمكن أن يُعزى انهيار هذا الأمل مباشرةً إلى النفاق الذي يسود العالم.</p>



<p>هكذا عامل العالم الفلسطينيين. لم تتعرض أي فئة أخرى لمثل هذه الحالة المطولة من الضياع في النظام الليبرالي الذي تأسس بعد عام 1945. يُشكل اللاجئون الفلسطينيون أقدم وأكبر حالة لاجئين مُطولة في العالم في العصر الحديث. وتزداد المطالب المفروضة على الفلسطينيين لمجرد البقاء على قيد الحياة وحشيةً كل ساعة.</p>



<p>في غزة، يُقتل الفلسطينيون اليائسون برصاص القناصة والطائرات المسيرة يومياً وهم ينتظرون الطعام. الجفاف وشيك لأن هجمات إسرائيل دمرت معظم محطات معالجة مياه الصرف الصحي وشبكات الصرف الصحي والخزانات والأنابيب في القطاع. لقد دمرت إسرائيل ما يصل إلى 98٪ من الأراضي الزراعية في غزة. هذا شكل من أشكال الحرب الشاملة التي لا ينبغي للعالم الحديث أن يشهدها أبداً، ناهيك عن التغاضي عنها.</p>



<p>لا أحد يعلم ما الذي سيحل محل النظام الدولي المنهار حالياً من حولنا، لكن أي نظام سياسي يُعطي الأولوية لمعاقبة المحتجين على الإبادة الجماعية بدلاً من وقف القتل قد استنفد قواه تماماً.</p>



<p>إذا كان هناك بصيص أمل في كل هذا البؤس المُثير للغضب، فيمكن إيجاده في العدد المتزايد من الناس حول العالم الذين يرفضون الخضوع للترهيب لإسكاتهم. ربما رأينا مثالاً بسيطاً على هذه الشجاعة في مدينة نيويورك مؤخراً، ولا أتحدث فقط عن فوز &#8220;زهران ممداني&#8221;&nbsp;Zohran Mamdani&nbsp;بترشيح الحزب الديمقراطي لمنصب عمدة المدينة. في اليوم نفسه، ترشحت اثنتان من السياسيين التقدميين في بروكلين هما &#8220;أليكسا أفيليس&#8221;&nbsp;Alexa Aviles&nbsp;و&#8221;شاهانا حنيف&#8221;&nbsp;Shahana Hanif&nbsp;لإعادة ترشيحهما. وكلاهما يدعم فلسطين، وتعرضا لهجوم لا هوادة فيه بسبب مواقفهما من غزة، وكلاهما رفضتا تغيير آرائهما. ضخّ المانحون المؤيدون لإسرائيل أموالاً في حملات منافسيهما. ومع ذلك، فاز كلاهما بسهولة في الانتخابات.</p>



<p>هناك عوامل متعددة تدخل في الفوز بأي حملة سياسية، لكن أي دعم مُعلن لفلسطين كان في الماضي بمثابة ناقوس خطر. هل نحن على أعتاب التغيير؟ ربما لم تعد حرية الفلسطينيين عبئاً، بل أصبحت الآن موقفاً رابحاً حقيقياً في السياسة؟</p>



<p>لعل فلسطين اليوم، كما قالت حداد، أوضح تعبير عن &#8220;شعور السلطة بالتهديد من الحقيقة&#8221;. وتابعت: &#8220;إذا كانوا يخشون طالباً يحمل لافتة أو رسالة مكتوبة بالطباشير أو يطالب بالعدالة، فنحن أقوى مما يريدوننا أن نصدق&#8221;. إنها محقة من أجلنا جميعاً.</p>



<p><em>أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا.</em></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/26/%d9%85%d9%88%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%81%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d8%ac%d9%88%d8%b9%d8%a7%d9%8b-%d9%88-%d8%a7%d9%86%d9%87%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9/">موت الصحفيين في غزة جوعاً و انهيار قواعد القانون الدولي</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/26/%d9%85%d9%88%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%81%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d8%ac%d9%88%d8%b9%d8%a7%d9%8b-%d9%88-%d8%a7%d9%86%d9%87%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%b9/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>إسرائيل تمعن في الانتقام من الفلسطينيين بارتهان جثامين شهدائهم</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/25/%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d8%aa%d9%85%d8%b9%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%82%d8%a7%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86%d9%8a/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/25/%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d8%aa%d9%85%d8%b9%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%82%d8%a7%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86%d9%8a/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 25 Jul 2025 12:18:48 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[إسرائيل]]></category>
		<category><![CDATA[الفصل العنصري]]></category>
		<category><![CDATA[المقاومة الفلسطينية]]></category>
		<category><![CDATA[جثامين الشهداء]]></category>
		<category><![CDATA[جرائم ضد الإنسانية]]></category>
		<category><![CDATA[حسن العاصي]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7134377</guid>

					<description><![CDATA[<p>من الأساليب التي يتبعها الاحتلال الإسرائيلي للإمعان في ظلم الفلسطينيين سياسة احتجاز جثامين الشهداء.</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/25/%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d8%aa%d9%85%d8%b9%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%82%d8%a7%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86%d9%8a/">إسرائيل تمعن في الانتقام من الفلسطينيين بارتهان جثامين شهدائهم</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p><strong>ورث الكيان الصهيوني سياساته الاستعمارية من الانتداب البريطاني البغيض الذي مهّد الطريق أمام قيام دولة الاحتلال. فمنذ الإعلان عن نشأتها مارست إسرائيل سياسة السيطرة وإحكام قبضتها على كافة مناحي الحياة في فلسطين. وشملت هذه السياسات البشر والشجر والحجر، وكافة مناحي الحياة، عبر السجون واعتقال الآلاف من الفلسطينيين، وبناء جدار الفصل العنصري، وعبر الحواجز والبوابات، وأبراج المراقبة، والدوريات، ومصادرة الأراضي، والقتل، والإعدامات الميدانية بحق الفلسطينيين. وهناك أساليب أخرى يتبعها الاحتلال للإمعان في ظلم الفلسطينيين، من ضمنها سياسة احتجاز جثامين الشهداء.</strong></p>



<p class="has-text-align-left"><strong>الدكتور حسن العاصي</strong></p>



<span id="more-7134377"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img loading="lazy" decoding="async" width="200" height="200" src="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg" alt="" class="wp-image-4984545" srcset="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg 200w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-150x150.jpg 150w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-120x120.jpg 120w" sizes="auto, (max-width: 200px) 100vw, 200px" /></figure>
</div>


<p>يقوم الاحتلال الإسرائيلي بسرقة جثامين الشهداء بعد استشهادهم، أو جثامين بعض الأسرى، والاحتفاظ بها لفترات متفاوتة في مقابر الأرقام، أو في ثلاجات الموتى، ومؤخراً في معسكر &#8220;سديه تيمان&#8221;. طما حصل على سبيل المثال عندما أقدمت سلطة السجون الإسرائيلية على احتجاز جثمان الأسير الفلسطيني ناصر أبو حميد، الذي توفي في السجن بسبب مرض السرطان، ورفضت إسرائيل تسليم جثمانه.</p>



<p>ويهدف الاحتلال من خلف ذلك إلى حرمان العائلات الفلسطينية من حقها الإنساني في وداع أبنائها الشهداء ودفنهم في المكان الذي تختاره، وفق طقوسها ومعتقداتها. وحين يقوم الاحتلال الإسرائيلي بسرقة الجثامين واحتجازها فإنه يحرم العائلات من حق التحقق والتأكد من استشهاد أبنائهم، ومنعهم من رؤية ومعاينة الجثامين. وهو بذلك يهدف إلى ممارسة الضغوط غير الأخلاقية وغير الإنسانية على أهالي الشهداء وعلى المقاومة الفلسطينية. وبذلك هي تعكس الرغبة الإسرائيلية في محاصرة الفلسطيني والسيطرة عليه حياً وميتاً، ووسيلة لردع الفلسطينيين عن مقاومة الاحتلال.</p>



<p>ورغم أن هذه السياسة هي وسيلة لمعاقبة عائلات الشهداء، إلاّ إنها أيضاً سياسة استعمارية مركّبة تهدف إلى تحطيم النظم الاجتماعية والقيم الحياتية المرتبطة بالمجتمع، وعلاقته مع جثامين الشهداء وقدسيتها. لقد شهد تاريخ فلسطين النضالي مثل هذه الممارسات الشنيعة في عهد الاستعمار والانتداب البريطاني الذي قام بإعدام الشهداء المناضلين محمد جمجوم، وعطا الزير من مدينة الخليل، وفؤاد حجازي من مدينة صفد، يوم 17 حزيران/ يونيو 1930 في سجن القلعة بمدينة عكا، ودفنهم لاحقاً في مدينة عكا بعيداً عن مدنهم ومقابر عائلاتهم.</p>



<p>يحدد القانون الدولي الإنساني خمس قواعد عرفية لمعاملة قتلى الحرب ورُفاتهم ومقابرهم تشمل: القاعدة 112 المتعلقة بالبحث عن الموتى وجمعهم، والقاعدة 113 التي تنص على حماية الموتى من السلب والتشويه، والقاعدة 114 المتعلقة بإعادة رفات الموتى وممتلكاتهم الشخصية، والقاعدة 115 بشأن التخلّص من الموتى، والقاعدة 116 بشأن تحديد هوية الموتى.</p>



<p>كما تؤكد اتفاقيات جنيف الأولى لعام 1949 في المادة 17 على أهمية إجراء دفن لائق وكريم، وتنص على أنه ينبغي على أطراف النزاع &#8220;ضمان الدفن الكريم للموتى، وإن أمكن وفقاً لطقوس الدين الذي ينتمون إليه، واحترام قبورهم، وتجميعها إن أمكن حسب الجنسية الوطنية، ثم صيانتها وتمييزها بحيث يمكن العثور عليها دائماً.&nbsp;وتنص أيضاً المادة 120 من اتفاقية جنيف الثالثة،&nbsp;والمادة 130 من اتفاقية جنيف الرابعة،&nbsp;والمادة 34 من البروتوكول الإضافي على الالتزام بتسهيل إعادة جثث ورفات الموتى.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الشهداء المحتجزون</h2>



<p>يحتجز الاحتلال الإسرائيلي حالياً جثامين 676 فلسطينياً في &#8220;مقابر الأرقام&#8221; وثلاجات، وفقًا للحملة الوطنية لاستعادة جثامين ضحايا الحرب الفلسطينيين، من بينها رفات 71 معتقلاً و60 طفلاً و9 نساء، و5 أشخاص من أراضي 1948، وستة أشخاص من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. منها 256 في المقابر المرقمة، بالإضافة إلى مئات الجثامين من قطاع غزة.</p>



<p>إن ما يُسمى &#8220;مقابر الأرقام&#8221; هي قبور بلا شواهد، محاطة بحجارة، تحمل كل منها لوحة معدنية تحمل رقماً بدلاً من اسم المتوفى. وتتوافق هذه الأرقام مع ملفات فردية تحتفظ بها أجهزة الأمن الإسرائيلية. ومنذ بدء العدوان الإسرائيلي في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، صعّد الاحتلال من احتجاز الجثامين، حيث يحتجز 149 جثة، وهذا العدد لا يشمل الشهداء المعتقلين من قطاع غزة.</p>



<p>كما احتجز الجيش الإسرائيلي جثامين نحو 200 شهيد فلسطيني قتلهم عام 2024 وهذه البيانات لا تشمل شهداء قطاع غزة، حيث&nbsp;يقدر عدد المعتقلين من غزة لدى الاحتلال بالمئات، لكن لا يوجد بيان رسمي من الاحتلال حول العدد الفعلي لجثامين شهداء غزة المحتجزين حتى الآن. مع العلم أن بعض الجثامين تعود إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. مع ذلك، لا تشمل البيانات الجثث المحتجزة في قطاع غزة لعدم توفر معلومات دقيقة، مع أنه تم توثيق إعادة 325 جثة من غزة من قِبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي سابقاً.</p>



<h2 class="wp-block-heading">إمعان في الانتقام من الفلسطينيين</h2>



<p>في سبتمبر/أيلول 2019، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بأنه يحق للقادة العسكريين احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين الذين قُتلوا على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي مؤقتاً لاستخدامها &#8220;كأوراق مساومة&#8221; في مفاوضات مستقبلية. وذلكبموجب تشريع جديد سنّه الكنيست الإسرائيلي، والمُطبّق مباشرةً في القدس الشرقية المحتلة. إضافةً إلى ذلك، تُطبّق إسرائيل ممارسة احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة. تجدر الإشارة إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لديها تاريخ طويل من هذه الممارسات وممارسات مماثلة، بما في ذلك استخدام الاختفاء القسري و&#8221;مقابر الأرقام&#8221;، حيث يُدفن الفلسطينيون سرًا ليتم التعرف عليهم فقط، وإهانة إنسانيتهم، من خلال الأرقام. وهذا يرقى إلى ممارسة تمييزية للاختفاء القسري، ومعاملة قاسية ولاإنسانية للأسر المفجوعة، وعمل من أعمال العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين.</p>



<p>&nbsp;بموجب قرار تاريخي صدر عام 2017، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بأن دولة إسرائيل &#8220;لم تُشر إلى مصدر سلطة [قانونية] يسمح لها باحتجاز الجثث حتى يتم منح الموافقة على ترتيبات جنازة معينة&#8221; من قبل عائلات المتوفى. وأقرت المحكمة بأن &#8220;هناك عدداً من الحقوق الأساسية على المحك، وفي مقدمتها الكرامة الإنسانية&#8221; التي تنطوي عليها عملية احتجاز الرفات. ومع ذلك، في حين أن المحكمة لاحظت الحق الأصيل في دفن لائق ومحترم، إلا أنها ادعت بشكل متناقض إلى حد ما أن الدولة قد تُشرّع صراحةً للسماح بانتهاك الحقوق الأساسية. ومع ذلك، أمرت المحكمة بإعادة الجثث في غضون 30 ساعة من صدور حكمها، مع إشعار عائلات المتوفين قبل ساعتين. في أعقاب قرار المحكمة، أقرت الحكومة الإسرائيلية، بدعم من مختلف الأحزاب في الكنيست، قانون مكافحة الإرهاب (التعديل رقم 3، 2018)، والذي يسمح لقوات الاحتلال الإسرائيلي باحتجاز الجثث في انتظار قبول عائلات الضحايا قسراً لقيود معينة على دفنهم. ومن أبرز هذه القيود اشتراط أن تتم عمليات الدفن ليلاً فور إعادة الرفات، وهو ما أشار إليه الأقارب مما يجعل الدفن وفقاً للتقاليد وإجراء تشريح الجثة مستحيلاً. إلى جانب إقرار التعديل، طلبت إسرائيل، وحصلت على إذن، بتأخير إعادة رفات الفلسطينيين في انتظار جلسة استماع إضافية في ضوء التشريع الذي تم اعتماده. وكما أشارت منظمة عدالة وهيئة شؤون الأسرى والمحررين، فإن المحكمة العليا الإسرائيلية:</p>



<p>&#8220;أصدرت قراراً يُمكّن إسرائيل من مواصلة انتهاكها للقانون الإنساني الدولي. يحظر القانون الدولي الإنساني على القوة المحتلة احتجاز الجثث واستخدامها كورقة مساومة. إضافةً إلى ذلك، يُؤخر قرار المحكمة العليا نقل الجثث للدفن، مما يُعطي الضوء الأخضر للانتهاك الجسيم لحق العائلات والمتوفين أنفسهم في دفن سريع ولائق.&#8221;</p>



<p>وبموجب القانون الإنساني الدولي العرفي، يجب على أطراف النزاع المسلح احترام الموتى، و&#8221;يجب التخلص منهم بطريقة محترمة&#8221;. علاوة على ذلك، يجب إعادة رفات الموتى، كما هو موضح في اتفاقيات جنيف الأربع، إلى عائلاتهم. علاوةً على ذلك، تُعتبر ممارسة احتجاز الجثث بمثابة سياسة عقاب جماعي، وهو أمر محظور صراحةً بموجب المادة 50 من لوائح لاهاي، المادة 33. من اتفاقية جنيف الرابعة، والمادة 75(2)(د) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، وجميعها إسرائيل طرف فيها، أو يُعترف بأنها تُشكل جزءًا من القانون الدولي العرفي.</p>



<p>&nbsp;كما لوحظ أن هذه الممارسة تتعارض مع حظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة. يستند القرار النهائي لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية، الذي صدر بأغلبية الأصوات، إلى إنكار صارخ لأحكام القانون الدولي: ومن المفارقات أن القاضية &#8220;إستر هايوت&#8221; جادلت بأن &#8220;الاحتفاظ بالجثث ينطوي على انتهاك لحقوق الإنسان وكرامة المتوفى وعائلته&#8221;، بينما جادلت أيضاً بشكل غير مقنع إلى حد ما بأن &#8220;القانون الإنساني الدولي أو القوانين المتعلقة بحقوق الإنسان الدولية لا تتضمن حظراً على حجب إعادة الجثث أثناء النزاع المسلح&#8221;. وعلى الرغم من اعتراف البعض بالانتهاك الواضح للقانون الدولي، إلا أن القاضي &#8220;باراك إيريز&#8221; من الأقلية أقام &#8220;تمييزاً غريباً وغير مبرر بين جثث الإرهابيين من غزة، والتي يسمح القانون الدولي لإسرائيل بالاحتفاظ بها، وجثث الإرهابيين من الضفة الغربية أو المواطنين أو المقيمين الإسرائيليين&#8221;.</p>



<p>لذلك يبدو أن المحكمة غير معنية عمداً بالتزامات إسرائيل باحترام الموتى&nbsp;بموجب اتفاقيات لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، بالإضافة إلى القانون الدولي الإنساني العرفي وأحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة، فيما يتعلق بالسكان الفلسطينيين.</p>



<h2 class="wp-block-heading">شرعنة الانتهاكات الإنسانية</h2>



<p>وفي عام 2024 أقر الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون يمنع إعادة جثامين الفلسطينيين إلى عائلاتهم.&nbsp; حيث يهدف القانون إلى دفن الفلسطينيين المتهمين بهجمات في مقابر تسيطر عليها إسرائيل. ويُلزم القانون بدفنهم في &#8220;مقبرة ضحايا العدو&#8221; أو &#8220;مقبرة الأرقام&#8221; الإسرائيلية. جاء هذا التشريع في خضمّ موجة من الإجراءات التي تستهدف الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وداخل حدود إسرائيل عام 1948، في ظلّ حكومة تُهيمن عليها أحزاب اليمين المتطرف. ينص التشريع على أن &#8220;الأفراد الذين يموتون أثناء تنفيذ هجمات يُدفنون في مقابر مخصصة للعدو داخل إسرائيل&#8221;. ويمنح رئيس الوزراء سلطة تقديرية لتسليم الجثمان لعائلة المتوفى في ظروف استثنائية. ويبرر القانون نفسه بالادعاء بأن &#8220;جنازات الإرهابيين (في إشارة إلى منفذي العمليات) تُستخدم للتعبير عن دعم الإرهاب، حيث شهدت العديد من الحالات لافتات وهتافات وخطابات تحرض على المزيد من الأعمال الإرهابية&#8221;. إن مقبرة ضحايا العدو هي مقبرة تابعة للجيش الإسرائيلي، مخصصة لدفن جثث الأفراد المشاركين في العمليات المسلحة وجنود جيوش العدو. تضم المقبرة مئات الجثث لفلسطينيين ومصريين وعرب آخرين قُتلوا على يد الجيش الإسرائيلي على مدى عقود، ولم تُكشف رفاتهم عن عائلاتهم لأسباب سياسية. تُرقم القبور بدلاً من أسماء المدفونين، بينما تحتفظ إسرائيل بمعلومات عن هوياتهم، وفقًا لمصادر حقوقية.</p>



<p><strong>مقابر الأرقام</strong></p>



<p>ما يُسمى &#8220;مقابر الأرقام&#8221; هي قبور بلا شواهد، مُحاطة بحجارة، يحمل كل منها لوحة معدنية تحمل رقمًا بدلًا من اسم المتوفى. تتوافق هذه الأرقام مع ملفات فردية تحتفظ بها سلطات الأمن الإسرائيلية.</p>



<p>إن الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية هم أسرى حرب، مما يستلزم الإفراج الفوري عن جثثهم. وفي هذا الصدد، تؤكد المادة 120 من اتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب، والمادة 130 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في زمن الحرب، على أن &#8220;على السلطات الحاجزة ضمان دفن أسرى الحرب الذين قضوا في الأسر باحترام، وإذا أمكن وفقًا لشعائر دينهم، وأن تُحترم قبورهم وتُصان وتُعلّم بشكل مناسب بحيث يسهل العثور عليها في أي وقت&#8221;. وفي السياق نفسه، تعتبر لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب احتجاز الشهداء شكلاً من أشكال التعذيب والمعاملة القاسية. كما ينبغي اعتباره شكلاً من أشكال العقاب الجماعي. وناقش عادل التدابير الدولية التي يمكن اتخاذها بشأن هذه القضية، مثل تقديم طلبات امتثال فردية إلى لجنة مناهضة التعذيب، والمحكمة الجنائية الدولية، ومن خلال الولاية القضائية العالمية، بالإضافة إلى السعي إلى إصدار قرار في مجلس الأمن، حيث سيكون من المقلق أن تستخدم الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى حقها في عرقلة قرار يطالب بإعادة جثامين الشهداء، والضغط من أجل التحقيق في مزاعم الاتجار بالبشر والسرقة بشكل انتهازي.</p>



<h2 class="wp-block-heading">لا نهاية لمأساة العائلات الفلسطينية</h2>



<p>أسرد لكم ـ على سبيل المثال ـ حكاية الشابين الفلسطينيين يوسف أبو جزر، وإسحاق إشتيوي، يبلغ كل منهما خمسة عشر عاماً واللذان صادرت القوات الإسرائيلية جثمانهما.</p>



<p><strong>عائلة أبو جزر</strong></p>



<p>في 29 أبريل/نيسان 2018، انطلق &#8220;يوسف أبو جزر&#8221; و&#8221;أنيس الشاعر&#8221; البالغان من العمر 15 عامًا، نحو السياج الحدودي الفاصل بين غزة وإسرائيل، الواقع شرق حي النهضة في رفح، جنوب قطاع غزة. على أمل زيارة عمته التي تسكن على الجانب الآخر من السياج الحدودي داخل إسرائيل، أراد يوسف التسلل عبر السياج، وفقًا لأنيس.</p>



<p>يُعدّ السياج الإسرائيلي المُجهّز بالأسلحة المحيط بقطاع غزة الحاجز الرئيسي الذي تستخدمه القوات الإسرائيلية لفرض إغلاق عسكري على القطاع منذ عام 2007. تُعتبر سياسة الإغلاق الإسرائيلية بمثابة عقاب جماعي بموجب القانون الإنساني الدولي. في حين تحتل إسرائيل قطاع غزة لأنها تُحافظ على &#8220;سيطرتها الفعلية&#8221; على حدوده، وساحله، ومجاله الجوي، واقتصاده، واتصالاته، وإمدادات الطاقة فيه، وشبكات المياه والصرف الصحي؛ تتجاهل السلطات الإسرائيلية بشكل روتيني التزاماتها بموجب القانون الدولي تجاه السكان الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال.</p>



<p>ومن المعلوم يعيش ما يقرب من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، وبسبب سياسة الإغلاق الإسرائيلية، نادراً ما يتمكنون من المغادرة إلا في حالات استثنائية، مثل حصول الفرد على إحالة طبية غير متوقعة لتلقي العلاج الطبي في مستشفى إسرائيلي.</p>



<p>بدأ جنود الاحتلال الإسرائيلي بإطلاق النار على يوسف لحظة عبوره السياج، وفقاً للمعلومات التي جمعتها الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال. قال أنيس: &#8220;كنت مختبئًا على مسافة قريبة، وكنت مرعوباً. عرفت أن يوسف مصاب برصاصة في ساقه لأنني سمعته يصرخ. كان صراخه وصوت إطلاق النار والقنابل المضيئة مرعبين&#8221;.</p>



<p>أخبر أبو جزر الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال أنه كان يعلم أن ابنه يوسف كان مع أصدقائه في 29 أبريل/نيسان، وعلم لاحقاً في اليوم نفسه أنهم على الأرجح بالقرب من السياج الحدودي مع غزة. احتجزت القوات الإسرائيلية أنيس، لذلك لم يتمكن من إبلاغ عائلة يوسف بما حدث.</p>



<p>وبحثت عائلة يوسف عن أي أخبار عن ابنها، لكنها لم تعرف ما إذا كان ميتاً أم حياً. بدأوا بالتواصل مع وكالات الأنباء والمسؤولين الحكوميين ومنظمي مسيرات العودة الكبرى، وطلبوا من أقاربهم المقيمين في إسرائيل الاستفسار عن مكان يوسف وحالته في المستشفيات الإسرائيلية.</p>



<p>يقول ياسر، والد يوسف، للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، متذكراً تلك الليلة الأولى التي لم يعد فيها يوسف إلى المنزل: &#8220;لقد كانت ليلة صعبة لن أنساها طوال حياتي. لم تكن هناك أي أخبار عن يوسف. كانت تلك الليلة طويلة جداً. كنت مستيقظاً طوال الوقت، في انتظار أي أخبار عنه&#8221;. يضيف والد يوسف &#8220;أتخيل يوسف واقفًا أمامي يومياً. لا أستطيع نسيانه. لو دفناه، لانتهى الأمر، ولكن مصيره مجهول، إنه لأمر مؤلم، ولكنه يمنحنا أيضاً الأمل بأنه لا يزال على قيد الحياة&#8221;.</p>



<p>لا يزال أبو جزر للآن ينتظر من السلطات الإسرائيلية إعادة رفات ابنه، عقب حادثة عام 2018 التي أطلقت فيها القوات الإسرائيلية النار على يوسف أبو جزر، البالغ من العمر آنذاك خمسة عشر عاماً، مما أدى إلى مقتله. عائلة أبو جزر هي واحدة من عدة عائلات فلسطينية اضطرت، وسط حزنها، إلى النضال من أجل حقها في توديع ودفن طفلها.</p>



<p><strong>عائلة إشتيوي</strong></p>



<p>أدى انكماش الموارد في قطاع غزة المحاصر إلى أزمة بطالة، حيث تكافح العديد من العائلات لتلبية احتياجاتها اليومية. في عام 2019، أفاد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن معدل البطالة في قطاع غزة بلغ 45.1%، وهو ما يزيد عن ثلاثة أضعاف معدل البطالة في الضفة الغربية البالغ 13.7%.</p>



<p>حاول الطفل الفلسطيني &#8220;إسحاق إشتيوي&#8221; البالغ من العمر خمسة عشر عاماً، واثنان من أصدقائه التسلل عبر سياج غزة الحدودي مع إسرائيل، شرق رفح، بحثاً عن عمل داخل إسرائيل في 3 مارس/آذار 2019. &nbsp;حوالي الساعة الثامنة مساءً، أطلق جنود الاحتلال الإسرائيلي النار على إسحاق، فأصابوه في ذراعه اليمنى وبطنه، وفقاً لمعلومات جمعتها الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال.</p>



<p>وكانت وكالات الأنباء قد نشرت تقارير عن مقتل ثلاثة فلسطينيين مجهولين على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي بعد أن عبروا السياج الحدودي. تواصلت عائلة إسحاق مع العديد من منظمات حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر في محاولة للحصول على أي معلومات عن ابنهم. بعد أربعة أيام، وبعد اتصالهم بأحد أقاربهم العاملين في مكتب الارتباط المدني الفلسطيني، تلقى والدا إسحاق تأكيداً بمقتل ابنهما. لم يتلقيا أي معلومات إضافية، مثل وقت وفاته، أو ما إذا كانا سيستلمان جثته ومتى.</p>



<p>بعد وفاة إسحاق بفترة وجيزة، قدّم والده &#8220;عبد المعطي إشتيوي&#8221; بمساعدة مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة، التماساً إلى النيابة العسكرية الإسرائيلية مطالباً بالإفراج عن رفات ابنه. بعد أربعة أشهر، في يوليو/تموز 2019، أُبلغ إشتيوي بإمكانية استلام جثمان ابنه من معبر إيرز الإسرائيلي. وأُبلغ بأنه سيُزوَّد بتقرير طبي مكتوب باللغة العبرية.</p>



<p>قال إشتيوي للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال: &#8220;كان كتلة من الثلج&#8221;، متذكرًا لحظة رؤيته جثة ابنه البالغ من العمر 15 عاماً هامدة. &#8220;كان في كيس أسود بسحاب، وغطاه 15 سم (6 بوصات) من الثلج. عندما انحنيت لأقبله، شعرت وكأنني أقبل كتلة من الثلج&#8221;.</p>



<h2 class="wp-block-heading">حتى في الموت يُحرم الفلسطينيون من حقوقهم</h2>



<p>تطبق السلطات الإسرائيلية سياسة احتجاز جثث الفلسطينيين في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة. في عام 2019، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بأن للجيش الحق القانوني في احتجاز جثث الفلسطينيين لاستخدامها كوسيلة ضغط في المفاوضات المستقبلية مع الفلسطينيين، وفقاً لمركز عدالة. يُرسّخ هذا القرار تعديل الكنيست الإسرائيلي لعام 2018 لقانون مكافحة الإرهاب رقم 5776، والذي يمنح الشرطة الإسرائيلية سلطة احتجاز جثث الفلسطينيين الذين قُتلوا على يد الجيش أو الشرطة الإسرائيلية. ويُلغي القرار حكماً تاريخياً أصدرته المحكمة العليا عام 2017، والذي اعترف بحق العائلات في الدفن، مُشيراً إلى أن وقف إعادة الجثث يُهدد بانتهاك عدد من الحقوق، وفي مقدمتها الكرامة الإنسانية.</p>



<p>يُخول تعديل قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي لعام 2018 قادة المناطق في الشرطة الوطنية الإسرائيلية بوضع شروطٍ للإفراج عن جثث الفلسطينيين المحتجزة، بما في ذلك وضع قيود على حجم الجثث وموقعها وتوقيتها وعدد الحضور في مراسم الدفن، ويمكن احتجاز الجثمان حتى توافق العائلة على الشروط. كما قد يُطلب من العائلات إيداع مبلغ مالي لدى السلطات الإسرائيلية كضمانٍ لاستيفاء العائلة لأي شروط.</p>



<p>يمكن للسلطات الإسرائيلية أن تطلب من العائلات استلام الجثمان المحتجز فقط في الصباح الباكر أو في وقتٍ متأخر من الليل. وتشمل الإجراءات &#8220;الاحترازية&#8221; التي اتخذتها السلطات الإسرائيلية تقييد عدد الأشخاص الحاضرين في مراسم الدفن، في محاولةٍ مزعومة للحد من الاحتجاجات المحتملة التي قد تنشأ عن الفلسطينيين عقب الجنازة.</p>



<p>من أخطر الشروط التي فرضتها السلطات الإسرائيلية عدم تشريح رفات الضحايا. وحتى في غياب هذا الشرط، تحتجز السلطات الإسرائيلية جثث الفلسطينيين المصادرة في ظروف شديدة البرودة لأشهر، مما يُسيء إلى حالتهم، ويُصعّب على الفاحصين الطبيين التحقيق في أسباب الوفاة. يُعيق هذا الشرط إجراء تحقيقات قائمة على الأدلة في عمليات القتل غير المشروع والاستخدام المفرط للقوة ضد الفلسطينيين الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية.</p>



<p>في عام 2019، قدمت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال تقريراً مشتركاً إلى لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن احتجاجات عام 2018 في الأرض الفلسطينية المحتلة، يُفصّل فيه قتل القوات الإسرائيلية للأطفال الفلسطينيين خلال احتجاجات عام 2018 في قطاع غزة، وهو سلوكٌ ارتقى في بعض الحوادث إلى جرائم حرب. وخلص التقرير إلى أنه في الغالبية العظمى من الحالات، قتلت القوات الإسرائيلية أطفالاً لم يُشكّلوا أي تهديد وشيك بالموت أو الإصابة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">جرائم ضد الإنسانية عن سابق تصميم</h2>



<p>بالنسبة للعائلات الفلسطينية المقيمة في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، تُفرض عليها شروطٌ إداريةٌ لا قضائية. هذا يعني أنه لا يوجد سبيلٌ حقيقيٌّ للطعن في الشروط المفروضة على إطلاق سراح أحبائهم. علاوةً على ذلك، تراجعت السلطات الإسرائيلية أحياناً عن الاتفاقات المبرمة مع العائلات لتسليم جثمان أحد أحبائها، وفقًا لمركز عدالة.</p>



<p>منذ عام 2018 وثّقت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال خمس حالات صادرت فيها السلطات الإسرائيلية جثث أطفال واحتجزتها عن عائلاتهم. في حالتين، أُفرج عن الرفات البشرية في نهاية المطاف، ولكن في الحالات الثلاث الأخرى، لا تزال الجثث في عهدة إسرائيل، محجوبة عن العائلات.</p>



<p>قُتل يوسف وإسحاق أثناء محاولتهما الهروب من منزليهما المحاصرين في قطاع غزة. في الموت، كما في الحياة، حُرموا من الكرامة الأساسية وحقوق الإنسان الأساسية التي يستحقها جميع الأشخاص بموجب القانون الدولي.</p>



<p>بالنسبة للعائلات الثكلى، تُعتبر السياسة الإسرائيلية المتمثلة في مصادرة واحتجاز جثامين الفلسطينيين بمثابة عقابٍ جماعي. إنها سياسةٌ تمييزيةٌ وضارةٌ للغاية تُفرض على الفلسطينيين، ولا تنتهك حقوق العائلات في دفن رفات أحبائها فحسب، بل تنتهك أيضاً الحقوق الشرعية والدينية للمتوفى في دفنهم وفقاً لطقوسهم الثقافية والدينية.</p>



<p>لقد أصبح الموت ساحة أخرى للصراع والقهر ومحاولة السيطرة، تستخدمه إسرائيل&nbsp;وسيلةً للضغط، والعقاب، والمساومة، فيما يبدو أن موت الفلسطينيين ليس نهاية الاضطهاد في العقلية والعقيدة الإسرائيلية. من أبسط حقوق الفلسطيني أن يدفن كاملاً بعد استشهاده غير منقوص في الأرض، وأن يوضع شاهد على قبره، يُكتب عليها اسمه وتاريخ ميلاده، وتاريخ وفاته. ويُكتب عليها أيضاً أنه ابن هذه الأرض منها خُلق وإليها يعود. وأنه ينتمي لهذا الوطن الذبيح. والأهم أن يكون قبره في مقبرة حقيقية، ليس في قبر جماعي، ولا في شارع، ولا على الرصيف، ولا في ثلاجة، ولا في مقابر الأرقام.</p>



<p><em>أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا.</em></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/25/%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d8%aa%d9%85%d8%b9%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%82%d8%a7%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86%d9%8a/">إسرائيل تمعن في الانتقام من الفلسطينيين بارتهان جثامين شهدائهم</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/07/25/%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d8%aa%d9%85%d8%b9%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%82%d8%a7%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86%d9%8a/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>النفاق الإنساني وازدواجية المعايير والقانون في غزة</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/06/29/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d8%b2%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d9%8a%d8%b1-%d9%88/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/06/29/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d8%b2%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d9%8a%d8%b1-%d9%88/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 29 Jun 2025 11:25:33 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[إسرائيل]]></category>
		<category><![CDATA[السجون الإسرائيلية]]></category>
		<category><![CDATA[الشعب الفلسطيني]]></category>
		<category><![CDATA[الصراع الإسرائيلي الفلسطيني]]></category>
		<category><![CDATA[حسن العاصي]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[وقف إطلاق النار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7110209</guid>

					<description><![CDATA[<p> يحظى الأسرى الإسرائيليون في غزة باهتمام عالمي فيما ينسى عشرات الٱلاف من الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. </p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/06/29/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d8%b2%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d9%8a%d8%b1-%d9%88/">النفاق الإنساني وازدواجية المعايير والقانون في غزة</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p><strong>يكشف رد الفعل الدولي تجاه الأسرى في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني عن نفاق صارخ. يحظى الأسرى الإسرائيليون في غزة بتغطية إعلامية عالمية، وضغوط دبلوماسية، ونداءات عاجلة للإفراج عنهم. في الوقت نفسه، يُحتجز آلاف الأسرى الفلسطينيين &#8211; بمن فيهم أطفال وصحفيون وكوادر طبية &#8211; دون تهمة، ويتعرضون للتعذيب، بل ويُقتلون في السجون الإسرائيلية، كل ذلك بينما يظل العالم غير مبالٍ. هذه الازدواجية الصارخة في المعايير ليست صدفة؛ بل هي تحيز مدروس يُعزز الهيمنة الإسرائيلية ويُسكت معاناة الفلسطينيين.</strong></p>



<p class="has-text-align-left"><strong>الدكتور حسن العاصي</strong> *</p>



<span id="more-7110209"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img loading="lazy" decoding="async" width="200" height="200" src="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg" alt="" class="wp-image-4984545" srcset="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي.jpg 200w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-150x150.jpg 150w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2023/08/حسن-العاصي-120x120.jpg 120w" sizes="auto, (max-width: 200px) 100vw, 200px" /></figure>
</div>


<p>تتخاذل الحكومات الغربية عن مسؤوليتها في مواجهة روايات موثوقة عن جرائم حرب تُرتكب خلال العدوان الصهيوني على غزة. إن الدعوات التي تطلقها بعض الحكومات الغربية إلى &#8220;هدنة إنسانية&#8221; تُعدّ تشتيتاً للانتباه وتنصلاً من المسؤوليات الإنسانية. وحده وقف إطلاق النار الكامل، وإنهاء الحرب كفيل بوقف إراقة الدماء.</p>



<p>هناك إجماع واسع النطاق على ارتكاب جرائم حرب في غزة. فقد أعلنت منظمة &#8220;أوكسفام&#8221; Oxfam، بعد أيام قليلة من بدء الرد الإسرائيلي على هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أن حصار غزة يُشكل عقاباً جماعياً وينتهك القانون الدولي. </p>



<p>وتُوثّق منظمة العفو الدولية الهجمات غير القانونية على المدنيين، وتدعو إلى التحقيق فيها باعتبارها جرائم حرب. ومع إدانة الفظائع المرتكبة ضد المدنيين. انتقدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أوامر إسرائيل بإخلاء سكان غزة منازلهم، دون الوصول إلى الضروريات الأساسية، باعتبارها تتعارض مع القانون الإنساني الدولي. واعتبرت جميع منظمات حقوق الإنسان أن سياسة التجويع التي تتبعها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني إنما هي جرائم ضد الإنسانية.</p>



<p>فيما يطالب المتظاهرون في شوارع العواصم والمدن الغربية الكبرى الأخرى بوقف إطلاق النار. يرفض نشطاء حقوق الإنسان اليهود في نيويورك الاعتراف بإبادة جماعية للفلسطينيين في غزة تُرتكب باسمهم. وقد دعا الآلاف من خبراء القانون البارزين حكومات بلدانهم إلى الوفاء بواجبها في ضمان احترام القانون الإنساني الدولي، وبذل كل ما في وسعها لضمان وقف إطلاق النار، ووقف تصدير الأسلحة من بعض الدول الغربية إلى إسرائيل، والعمل على التوصل إلى تسوية سلمية لهذا النزاع. </p>



<p>في غضون ذلك، تتزايد أعداد الضحايا المدنيين العزل الذين وصل عددهم إلى أكثر من 55 ألف شهيد. وأن العدد الإجمالي للجرحى جراء الهجمات الإسرائيلية على غزة منذ بداية الحرب قد بلغ 127,593 جريحاً بحسب ما أفادت به وزارة الصحة الفلسطينية في غزة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">القانون الدولي أصبح مجرد هامش</h2>



<p>على الرغم من هذا العدد المتزايد من القتلى والدمار والخراب، يبدو أن القانون الإنساني الدولي أصبح مجرد هامش، مجرد فكرة ثانوية، حيث يُظهر حلفاء إسرائيل تضامناً ودعماً راسخين لحقٍ غير مقيد ظاهرياً في الدفاع عن النفس. ورغم أن حلفاء إسرائيل يُكررون بشكل متزايد أن هجوم إسرائيل يجب أن يتم في إطار قوانين الحرب، إلا أنهم مع تصاعد الانتهاكات، لم يُدعموا ذلك بالإدانة أو ببذل جهود لوقفها.</p>



<p>إن ازدواجية المعايير هنا جلية. لم يكن هناك بحق صمتٌ كهذا في أعقاب الهجوم الذي قادته حماس في السابع من أكتوبر الذي أثار غضباً عالمياً. لكن القانون الإنساني الدولي واضح: إن ارتكاب طرف في نزاع &#8211; بما في ذلك جماعة مسلحة &#8211; انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي لا يبرر ارتكاب طرف آخر لها. فلماذا يُعد قتل المدنيين الإسرائيليين جريمة، وإصابة الفلسطينيين أضراراً جانبية؟ لماذا لم ينتبه العالم لهذا الصراع المستمر منذ عقود إلا بعد فقدان أرواح إسرائيلية؟</p>



<p>على القادة الغربيين الحكم على أقوال وأفعال إسرائيل بنفس القدر من الوضوح الأخلاقي والشجاعة التي أدانوا فيها حركة حماس. إن ازدواجية المعايير جلية: من الواضح أن حياة الفلسطينيين أقل قيمة في صراعٍ جُرِّد فيه الفلسطينيون من إنسانيتهم، بما في ذلك تصويرهم كـ&#8221;حيوانات بشرية&#8221; من قبل مسؤولي الحكومة الإسرائيلية.</p>



<p>هذا النفاق الذي تتبناه الحكومات الغربية لا يخفى على العالم. إن استعداد رئيسة المفوضية الأوروبية، لإدانة الهجمات على البنية التحتية المدنية في أوكرانيا باعتبارها جرائم حرب، ورفضها المتزامن الاعتراف بالمعاناة التي ألحقها القصف الإسرائيلي بالمدنيين الفلسطينيين، ليسا استثناءً على الإطلاق. إن هذه المعايير المزدوجة واضحة للعيان لمن يعيشون في الجنوب العالمي، وهي بمثابة هدية دعائية لدول مثل روسيا والصين.</p>



<h2 class="wp-block-heading">يواصل الغرب تهميش الأصوات الفلسطينية</h2>



<p>كما كثر الحديث عن التضليل الإعلامي على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر حقائق كاذبة عن الحرب، لكن الأخطر من ذلك هو التغطية الإعلامية الغربية المشوهة التي تُضفي الشرعية على الدعم السياسي الغربي لإسرائيل. وهذا استمرار لممارسة مستمرة منذ عقود. وتهميش الأصوات الفلسطينية والتقليل من معاناتها، مع تجاهل القمع والتشريد اللذين اتسمت بهما السياسة الإسرائيلية تجاه غزة والأراضي المحتلة.</p>



<p>يتساءل العديد من الفلسطينيين، عن سبب دعوتهم للتحدث في وسائل الإعلام الغربية فقط بعد هجمات حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول، أو عن سبب دعوتهم &#8220;للتنديد&#8221; بحماس أولاً، قبل منحهم منبراً. لقد شوّهت الحكومات الغربية سمعة المتظاهرين وقيدت الحيز المدني للمعارضة، بما في ذلك من خلال حملات قمع استباقية على الحريات الأكاديمية والأصوات الفلسطينية التي تناقش تاريخ الاحتلال الإسرائيلي.</p>



<p>الديمقراطيات الغربية تنتهك التزاماتها الأساسية بالقانون الدولي وحقوق الإنسان. يؤكد الخبراء القانونيون أن إسرائيل، حتى وهي تتصرف دفاعاً عن النفس، لا يمكنها تبرير ارتكاب جرائم حرب مثل العقاب الجماعي للفلسطينيين، والهجمات على المدنيين، والنقل القسري للسكان المدنيين، وقصف المناطق المدنية، وعدم سماحها بدخول الإغاثة الإنسانية إلى غزة. سيُنظر إلى فشل الدول في منع هذه الانتهاكات للقانون الدولي على أنه تواطؤ. فيما يراقب العالم فشل هذه الديمقراطيات بوقف إبادة الفلسطينيين، ستظل عواقب هذا الفشل الجماعي في إدانة العنف الإسرائيلي أو وقفه ملموسة لعقود قادمة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">النفاق الدولي وازدواجية المعايير</h2>



<p>في حين ينشغل الإعلام الغربي بإدانة حركة حماس لاحتجازها رهائن إسرائيليين، ويتباكون رحمة وإنسانية على أوضاعهم المعيشية، والخشية على حياتهم. إلا أن هذا الاهتمام لم يُركز على سبب احتجاز إسرائيل لهذا العدد الكبير من الفلسطينيين المعتقلين في الزنازين الإسرائيلية في ظروف غير إنسانية. كما لا يُركز الاهتمام على كيفية وصولهم إلى هناك.</p>



<p>إن ازدواجية المعايير في التعامل مع قضية الأسرى والتحيز لصالح الاحتلال الإسرائيلي وروايته يُقوّض المبادئ الإنسانية الأساسية ويُضحّي بها من أجل مكاسب سياسية تُهون أمام قيم العدالة وحقوق الإنسان. وتغطي الجرائم الوحشية المستمرة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد الأسرى والمعتقلين في سجونه، وتشجع استمرار صمت المجتمع الدولي وتقصيره في مواجهة هذه الجرائم والانتهاكات.</p>



<p>تحتجز السلطات الإسرائيلية أكثر من عشرة آلاف فلسطيني من الأراضي المحتلة بتهم أمنية مزعومة، وفقاً لمنظمة &#8220;هموكيد&#8221;&nbsp;HaMoked&nbsp;الإسرائيلية لحقوق الإنسان. وقد اعتقل عدد أكبر بكثير من الفلسطينيين منذ هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. ومن بين المحتجزين عشرات النساء وعشرات الأطفال.</p>



<p>لم يُدن غالبية هؤلاء بجريمة قط، بما في ذلك أكثر من 2000 منهم رهن الاعتقال الإداري، حيث يحتجز الجيش الإسرائيلي الشخص دون تهمة أو محاكمة. ويمكن تجديد هذا الاعتقال لأجل غير مسمى بناءً على معلومات سرية لا يُسمح للمعتقل بالاطلاع عليها. ويُحتجز المعتقلون الإداريون على افتراض أنهم قد يرتكبون جريمة في وقت ما في المستقبل. احتجزت السلطات الإسرائيلية أطفالاً ومدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء سياسيين فلسطينيين، من بين آخرين، رهن الاعتقال الإداري، لفترات طويلة في كثير من الأحيان.</p>



<p>يعود العدد الكبير من المعتقلين الفلسطينيين في المقام الأول إلى أنظمة العدالة الجنائية المنفصلة التي تفرضها السلطات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. يخضع ما يقرب من ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية المحتلة، باستثناء القدس الشرقية، للقانون العسكري ويُحاكمون في محاكم عسكرية. في المقابل، يخضع ما يقرب من نصف مليون مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية للقانون المدني والجنائي ويُحاكمون في المحاكم المدنية الإسرائيلية. وينتشر التمييز في جميع جوانب هذا النظام.</p>



<p>بموجب القانون العسكري، يمكن احتجاز الفلسطينيين لمدة تصل إلى ثمانية أيام قبل أن يُعرضوا على قاضٍ &#8211; وفي هذه الحالة، يكون القاضي العسكري هو الوحيد. ومع ذلك، بموجب القانون الإسرائيلي، يجب مثول الشخص أمام قاضٍ في غضون 24 ساعة من اعتقاله، ويمكن تمديد هذه المدة إلى 96 ساعة عند السماح بذلك في حالات استثنائية.</p>



<p>يمكن سجن الفلسطينيين لمشاركتهم في تجمع يضم عشرة أشخاص فقط دون تصريح حول أي قضية &#8220;يمكن تفسيرها على أنها سياسية&#8221;، بينما يُسمح للمستوطنين بالتظاهر دون تصريح ما لم يتجاوز عدد المشاركين 50 شخصاً، ويقام في الهواء الطلق ويتضمن &#8220;خطابات وتصريحات سياسية.</p>



<p>باختصار، يعيش المستوطنون الإسرائيليون والفلسطينيون في المنطقة نفسها، لكنهم يُحاكمون في محاكم مختلفة بموجب قوانين مختلفة، وتختلف حقوقهم في الإجراءات القانونية الواجبة، ويواجهون أحكاماً مختلفة على نفس الجريمة. والنتيجة هي عدد كبير ومتزايد من الفلسطينيين المسجونين دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة الأساسية.</p>



<p>كما يتفشى التمييز في معاملة الأطفال. يحمي القانون المدني الإسرائيلي الأطفال من الاعتقالات الليلية، ويمنحهم الحق في حضور أحد الوالدين أثناء الاستجواب، ويحد من المدة التي يجوز احتجاز الأطفال فيها قبل أن يتمكنوا من استشارة محامٍ والمثول أمام قاضٍ.</p>



<p>مع ذلك، تعتقل السلطات الإسرائيلية بانتظام الأطفال الفلسطينيين خلال المداهمات الليلية، وتستجوبهم دون حضور ولي أمرهم، وتحتجزهم لفترات أطول قبل عرضهم على قاضٍ، وتحتجز من لا تتجاوز أعمارهم 12 عاماً رهن الحبس الاحتياطي المطول. وجدت جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل عام 2022 أن السلطات احتجزت 72% من الأطفال الفلسطينيين من الضفة الغربية حتى انتهاء الإجراءات، بينما لم تتجاوز هذه النسبة 17.9% من الأطفال في إسرائيل.</p>



<p>في حين أن قانون الاحتلال يسمح بالاحتجاز الإداري كإجراء مؤقت واستثنائي، فإن الاستخدام الإسرائيلي الشامل للاحتجاز الإداري ضد السكان الفلسطينيين، يتجاوز بكثير ما يسمح به القانون.</p>



<p>حتى المتهمون بارتكاب جريمة يُحرمون بشكل روتيني من حقوق الإجراءات القانونية الواجبة في المحاكم العسكرية. وقد قبل العديد من المدانين الذين يقضون عقوباتهم بتهمة &#8220;جرائم أمنية&#8221; ويبلغ عددهم 2331 شخصاً صفقات إقرار بالذنب لتجنب الاحتجاز المطول قبل المحاكمة والمحاكمات العسكرية الصورية، والتي يبلغ معدل الإدانة فيها حوالي 100%.</p>



<p>إلى جانب غياب الإجراءات القانونية الواجبة، دأبت السلطات الإسرائيلية على مدى عقود على إساءة معاملة المعتقلين الفلسطينيين وتعذيبهم. وقد قُدّمت أكثر من 14000 شكوى تعذيب، بما في ذلك التكبيل المؤلم والحرمان من النوم والتعرض لدرجات حرارة شديدة، من قِبل جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك)، إلى وزارة العدل الإسرائيلية منذ عام 2001.</p>



<p>وقد أسفرت هذه الشكاوى عن ثلاث تحقيقات جنائية دون توجيه أي اتهامات، وفقًا للجنة العامة لمناهضة التعذيب، وهي منظمة حقوقية إسرائيلية. وأفادت منظمة &#8220;مراقبة المحاكم العسكرية&#8221; أنه في 22 حالة اعتقال لأطفال فلسطينيين وثّقتها عام 2023، قال 64% منهم إنهم تعرضوا لإيذاء جسدي، و73% منهم خضعوا للتفتيش العاري من قِبل القوات الإسرائيلية أثناء احتجازهم.</p>



<p>وأفادت منظمات حقوقية فلسطينية بارتفاع حاد في حالات الاعتقال وتدهور في أوضاع السجناء الفلسطينيين قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، بما في ذلك المداهمات العنيفة، وعمليات النقل الانتقامية من السجون، وعزل السجناء، وقلة فرص الحصول على المياه الجارية والخبز، وتراجع الزيارات العائلية. وقد تفاقمت هذه الأوضاع منذ ذلك الحين.</p>



<p>إن التمييز في الاعتقال والسجن ليس سوى جانب واحد من القمع الممنهج، الذي يُشكل أساس جرائم السلطات الإسرائيلية ضد الإنسانية المتمثلة في الفصل العنصري، والاضطهاد ضد الفلسطينيين، كما خلصت إليه منظمات حقوق إنسان إسرائيلية وفلسطينية ودولية.</p>



<h2 class="wp-block-heading">حقائق وأرقام صادمة</h2>



<p> منذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة عام 1967، يُقدر عدد الفلسطينيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية بنحو 900.000. ويشكل هذا العدد حوالي 21% من إجمالي السكان الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وما يصل إلى 42% من إجمالي السكان الفلسطينيين الذكور.</p>



<p>منذ عام 1967، أصدرت إسرائيل ما لا يقل عن 82,000 أمر اعتقال إداري.ولا يزال هناك حاليًا آلاف الفلسطينيين رهن الاعتقال الإداري دون محاكمة أو توجيه تهم إليهم.</p>



<p>خلال عام 2024 اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 9842 فلسطينياً، من بينهم 3267 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 10 و18 عاماً، واعتقلت 23 عضواً منتخباً في المجلس التشريعي الفلسطيني، و45 صحفياً. واعتُقل 300 فلسطيني بعد إطلاق النار عليهم وإصابتهم بالذخيرة الحية والرصاص المطاطي.</p>



<p>يسمح الاعتقال الإداري للمحاكم العسكرية الإسرائيلية باحتجاز الفلسطينيين في السجون دون تهمة أو محاكمة لفترات ستة أشهر قابلة للتجديد لأجل غير مسمى.</p>



<p>يتعرض المعتقلون الفلسطينيون للتعذيب والمعاملة اللاإنسانية والمهينة في السجون الإسرائيلية.</p>



<p>تُجيز إسرائيل استخدام إجراءات استجواب ترقى إلى مستوى التعذيب.</p>



<p>تحرم المحاكم العسكرية الإسرائيلية المعتقلين الفلسطينيين من الضمانات القانونية والإجرائية والحقوق التي يستحقونها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.</p>



<p>ووفقًا لليونيسف، فإن إسرائيل لديها نظام المحاكم العسكرية للأحداث الوحيد في العالم.</p>



<p>يُحرم السجناء الأطفال الفلسطينيون من مقابلة والديهم ومحاميهم.</p>



<p>في عام 2024، تعرض غالبية السجناء الأطفال الفلسطينيين (٦٥٪) للاعتداء الجسدي والتفتيش العاري. وتعرض ما يقرب من ٦٠٪ من السجناء الأطفال للتهديد بالعنف، بما في ذلك الاغتصاب والإخصاء وهدم المنازل والسجن مدى الحياة والحرمان من الطعام.</p>



<p>&nbsp; يُنقل المعتقلون الفلسطينيون قسراً خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، في انتهاك لاتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب لعام ١٩٤٩.</p>



<h2 class="wp-block-heading">ظروف الاحتجاز القاسية</h2>



<p>تُعدّ انتهاكات إسرائيل الواسعة النطاق والمنهجية لحقوق السجناء الفلسطينيين انتهاكات جسيمة لكل من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. وتشمل هذه الانتهاكات:</p>



<p>النقل القسري للمعتقلين الفلسطينيين إلى سجون داخل إسرائيل. وإخضاع المعتقلين الفلسطينيين للتعذيب والمعاملة اللاإنسانية والمهينة. الإهمال الطبي المتعمد. سوء ظروف النظافة.</p>



<p>والحقيقة الظالمة أن لدى إسرائيل نظام المحاكم العسكرية للأحداث الوحيد في العالم.</p>



<h2 class="wp-block-heading">التدابير التعسفية والتقييدية والعقابية</h2>



<p>الحبس الانفرادي لفترات طويلة، بما في ذلك للقاصرين. انتهاك حقوق السجناء في الزيارة والتواصل مع عائلاتهم. ظروف الاحتجاز مزرية. بعض مراكز الاحتجاز عبارة عن مبانٍ، بينما البعض الآخر مجرد خيام نُصبت داخل معسكرات عسكرية، مما يُعرّض السجناء لظروف جوية قاسية. مرافق مكتظة. قلّصت إسرائيل، القوة المحتلة، بشكل كبير المواد المجانية التي تُقدّمها إدارة السجن لتلبية الاحتياجات الأساسية للسجناء منذ عام 1994.</p>



<p>يعتمد السجناء والمعتقلون حالياً بشكل رئيسي على مقصف السجن لشراء مستلزماتهم الأساسية، بما في ذلك الملابس والطعام ومستحضرات النظافة الشخصية ومواد التنظيف. يبيع المقصف المواد بأسعار تفوق بكثير سعر السوق خارج السجن.</p>



<p>&nbsp;عدد كبير من السجناء إما جرحى أو مرضى. يوجد حاليًا 2800 معتقل فلسطيني يعانون من تدهور في حالتهم الصحية. اكتسبت عيادات السجون سمعة سيئة لتقديمها الأسبرين فقط للعلاجات الصحية، وجميع الأطباء داخل العيادات هم من الجنود.</p>



<p>ساعات نقل المعتقلين الطويلة من السجون الإسرائيلية إلى المحاكم العسكرية تُرهق المعتقلين.</p>



<p>وفقاً للأرقام الإسرائيلية، أفادت مصلحة السجون الإسرائيلية بتحقيق دخل قدره 53.82 مليون دولار أمريكي من بيع المواد الغذائية ومواد التنظيف وغيرها من المواد الأساسية للسجناء الفلسطينيين بأسعار تزيد بنسبة تصل إلى 140% عن متوسط سعر السوق.</p>



<p>الإطار القانوني:</p>



<p>تُشكل الانتهاكات المذكورة أعلاه التي يتعرض لها المعتقلون الفلسطينيون انتهاكاً لكل من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وهي مُكرسة في المواد التالية: المواد (3، 7، 9، 13، 10، 17، و18) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. والمادة (8(2)) من نظام روما الأساسي لمحكمة العدل الدولية.</p>



<p>المادتان (49 و76) بشأن عدم مشروعية احتجاز الأشخاص المحميين خارج الأراضي المحتلة، والمادة 78 من اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في الوقت المناسب.</p>



<p>اتفاقية جنيف لعام ١٩٤٩. المواد (٤، ٩(٤) و١٤) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل. اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة. القاعدة (٩٠) من القانون الدولي الإنساني العرفي للجنة الدولية للصليب الأحمر.</p>



<p>المادة (٧٥(٢)) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف لعام ١٩٤٩. المادة (٤(٢)) من البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقية جنيف لعام ١٩٤٩. القاعدة (٢٤) من قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء. المادة الثانية (أ) والثانية (أ)ثالثًا من اتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها. قرار مجلس الأمن الدولي رقم 605 لعام 1987.</p>



<h2 class="wp-block-heading">التزامات إسرائيل تجاه الأسرى الفلسطينيين</h2>



<p>بصفتها القوة المحتلة، تتحمل إسرائيل مسؤولية إدارية ومالية عن الأراضي المحتلة وشعبها.</p>



<p>تنص المادتان 98 و81 من اتفاقية جنيف الرابعة على التزامات القوة الحاجزة بشأن مخصصات الأسرى. ولا تفي إسرائيل بهذا الالتزام. والحقيقة أن اتفاقية جنيف الرابعة تُلزم إسرائيل، بصفتها القوة المحتلة، بتقديم مخصصات للمعتقلين الفلسطينيين. وتنص المادة 98 من اتفاقية جنيف الرابعة على أن القوة الحاجزة يجب أن تقدم مخصصات للمعتقلين كجزء من مسؤوليتها تجاههم.</p>



<p>تحظر المادة 81 من اتفاقية جنيف الرابعة أي خصم من رواتب أو دخل المعتقلين. كما يضمن تقديم الدعم للمعالين لدى المعتقلين. كما تتحمل سلطات الاحتلال مسؤولية توفير النفقة لمن يعيلهم المعتقلون عندما لا يستطيعون ذلك بأنفسهم. إن غالبية المعتقلين هم المعيلون الماليون الوحيدون لعائلاتهم، مما يعني أن إسرائيل ملزمة بإعالتهم.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الطريق إلى العدالة</h2>



<p>إذا كان للقانون الدولي معنى، فيجب تطبيقه بالتساوي. لا يمكن للعدالة أن تكون انتقائية. الطريق إلى العدالة واضح، ويبدأ بمحاسبة عالمية.&nbsp;إن النفاق في معاملة العالم للأسرى الإسرائيليين والفلسطينيين هو فشل أخلاقي ذو أبعاد صادمة. فبينما يُعامل الأسرى الإسرائيليون كإنسان، ويُناضل من أجلهم، ويُنقذون، يُتجاهل الأسرى الفلسطينيون ويُشيطنون ويُتركون ليتحللوا.&nbsp;ويعزز هذا التناقض الروايات الإعلامية. يُوصف السجناء الإسرائيليون بـ&#8221;الرهائن&#8221; أو &#8220;الجنود المختطفين&#8221;، مما يثير التعاطف والإلحاح. أما المعتقلون الفلسطينيون، حتى لو كانوا أطفالاً أو عاملين في المجال الإنساني، فيُوصفون بـ&#8221;الإرهابيين&#8221; أو &#8220;التهديدات الأمنية&#8221;.</p>



<p>هذا التلاعب اللغوي متعمد. وهو مصمم لتجريم أي محاولة من جانب الفلسطينيين لمقاومة الاحتلال من خلال تجريدهم من وضعهم القانوني كسجناء سياسيين. الهدف واضح: ضمان النظر إلى الفلسطينيين كمجرمين، وليس كضحايا لقوة احتلال.</p>



<p><em>أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا.</em></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/06/29/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d8%b2%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d9%8a%d8%b1-%d9%88/">النفاق الإنساني وازدواجية المعايير والقانون في غزة</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/06/29/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d8%b2%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d9%8a%d8%b1-%d9%88/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الهجوم الإسرائيلي على التراث والذاكرة والهوية الثقافية الفلسطينية</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/29/%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%ab-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%a7%d9%83%d8%b1/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/29/%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%ab-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%a7%d9%83%d8%b1/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 29 May 2025 10:47:20 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[إسرائيل]]></category>
		<category><![CDATA[الإبادة الجماعية]]></category>
		<category><![CDATA[الاستعمار الصهيوني]]></category>
		<category><![CDATA[الشعب الفلسطيني]]></category>
		<category><![CDATA[المسجد العمري]]></category>
		<category><![CDATA[تل أم عامر]]></category>
		<category><![CDATA[حسن العاصي]]></category>
		<category><![CDATA[حمام السمارة]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[نظام الفصل العنصري]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7056365</guid>

					<description><![CDATA[<p> لعقود، سعت إسرائيل بلا هوادة إلى طمس الهوية والتاريخ والوجود الفلسطيني. </p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/29/%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%ab-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%a7%d9%83%d8%b1/">الهجوم الإسرائيلي على التراث والذاكرة والهوية الثقافية الفلسطينية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p><strong>بتاريخها وموقعها الجغرافي الفريد، تُعدّ فلسطين أرضاً عريقة، مرتبطة بحضارات وإمبراطوريات وأنبياء وقديسين لا حصر لهم، مما جعلها فسيفساء ثقافية تُمثل إمكانات هائلة لحاضر فلسطين ومستقبلها. لعقود، سعت إسرائيل بلا هوادة إلى طمس الهوية والتاريخ والوجود الفلسطيني، ناكرةً الشعب الفلسطيني بشكل منهجي حقه الأصيل في تقرير المصير. </strong></p>



<p class="has-text-align-left"><strong>الدكتور حسن العاصي</strong> *</p>



<span id="more-7056365"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img loading="lazy" decoding="async" width="187" height="170" src="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2025/05/Hassan-Assi.jpg" alt="" class="wp-image-7052171"/></figure>
</div>


<p>هذه الجهود الدؤوبة مدعومة بنظام الفصل العنصري الإسرائيلي، وتنبع من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، القائم على طرد الشعب الفلسطيني الأصلي من أرضه، وسلب ممتلكاته، واستبداله. تمتد هذه الجهود العنيفة إلى الاستهداف المتعمد لمواقع التراث والآثار الفلسطينية وتدميرها، مما يعكس سياسة شاملة لمحو الهوية الفلسطينية والشعب الفلسطيني كجماعة. مع الإقرار بأن الجرائم المرتكبة ضد التراث الثقافي أو المؤثرة عليه غالباً ما تمس جوهر معنى أن تكون إنساناً، مما يؤدي أحياناً إلى تآكل قطاعات كاملة من التاريخ البشري والإبداع الفني.</p>



<p>&nbsp;يُقر مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بأن &#8220;التراث الثقافي هو حجر الأساس للهويات الثقافية، ويؤيد الفهم بأن الجرائم المرتكبة ضد التراث الثقافي تُشكل، في المقام الأول، هجوماً على هوية وممارسات جماعة معينة&#8221;. إن هجمات إسرائيل على مواقع التراث والآثار الفلسطينية لا تُشكل جرائم حرب فحسب، بل تُشكل أيضاً جزءًا من حملتها الإبادة الجماعية التي تهدف إلى تدمير الأسس الأساسية لحياة الشعب الفلسطيني. محو التاريخ، محو الشعب: الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة في غزة خير مثال على ذلك.</p>



<h2 class="wp-block-heading"> إسرائيل تستهدف المواقع التاريخية والثقافية الفلسطينية</h2>



<p>في قطاع غزة، لا لبس في تنفيذ هذه المساعي التدميرية، والتي تجلت في أكثر من ستة عشر عاماً من الحصار والإغلاق، إلى جانب الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية المختلفة، التي شهدت تدمير التراث الثقافي الفلسطيني، مما يؤكد الطبيعة المتعمدة لهذه الإجراءات في محو الوجود المادي والتاريخي للشعب الفلسطيني. في عام 2021، حذّرت منظمة الحق من تدمير إسرائيل للمواقع التراثية في غزة خلال عدوانها العسكري الذي استمر إحدى عشرة يوماً، مشيرةً إلى أن &#8220;عمليات القصف الإسرائيلية تهدف إلى محو التراث الثقافي الفلسطيني تدريجياً لحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره على موارده الثقافية، وبالتالي تهديد وجوده كشعب&#8221;.</p>



<p>وفي الوقت الحالي، وفي استمرارٍ لجرائم الإبادة الجماعية المتواصلة ضد الفلسطينيين في غزة، متجاهلةً تماماً أمر التدابير المؤقتة الصادر عن محكمة العدل الدولية، استهدفت إسرائيل المواقع والمراكز التاريخية والثقافية الفلسطينية، كاشفةً عن نمطٍ ثابت يتماشى مع حملتها المدروسة لمحو أي أثر للوجود الفلسطيني، سواءً كان إنسانياً أو ثقافياً.</p>



<p>واعتبارًا من السابع من نوفمبر/تشرين ثاني 2023، أفادت منظمة التراث من أجل السلام أن 104 مواقع تراثية من أصل 325 موقعًا في قطاع غزة قد دُمرت بالكامل أو تضررت جزئياً. ومنذ ذلك الحين، لا تزال التقارير اللاحقة الواردة من غزة تلقي الضوء على تدمير إسرائيل للممتلكات الثقافية الفلسطينية في إطار إبادة جماعية مستمرة ضد الفلسطينيين، مما يشكل مثالاً صارخاً على جهودها المستمرة على مدى عقود لمحو الوجود والتاريخ والهوية الفلسطينية. </p>



<p>على سبيل المثال، أفادت التقارير أن الهجمات الإسرائيلية أثرت على دير القديس هيلاريون في تل أم عامر، المدرج في القائمة المؤقتة لمواقع التراث العالمي، وحمام السمارة، الذي شُيّد منذ أكثر من 1000 عام. وتشير التقارير أيضاً إلى قصف العديد من المؤسسات الثقافية خلال الإبادة الجماعية المستمرة، بما في ذلك متحفان من أصل أربعة متاحف في غزة، بما في ذلك قصر الباشا الذي يعود تاريخه إلى القرن الثالث عشر. علاوة على ذلك، تُقدّر وزارة السياحة والآثار الفلسطينية في غزة أن حوالي 104 مساجد قد تضررت أو دُمرت منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما في ذلك المسجد العمري الكبير، وهو الأكبر والأقدم في قطاع غزة، ومسجد عثمان بن قشقر الذي شُيّد عام 1220، ومسجد السيد الهاشم، الذي بُني في البداية في القرن الثاني عشر وأُعيد بناؤه لاحقًا في 1850.</p>



<h2 class="wp-block-heading">تدمير المعالم الأثرية خلال الهجمات العسكرية  في الضفة الغربية</h2>



<p>لا يستهدف التدمير الإسرائيلي المتعمد الأرواح ومواقع التراث الثقافي فحسب، بل يستهدف أيضاً التعبيرات الرمزية والصامدة للهوية الفلسطينية. في الثلاثين من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وخلال هجومها العسكري الذي استمر ست ساعات على مدينة جنين ومخيمها للاجئين، والذي أسفر عن مقتل أربعة فلسطينيين، بينهم طفل، وتدمير البنية التحتية المدنية، قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي، برفقة جرافات من طراز&nbsp;D9، بتدمير الأقواس الواقعة عند المدخل الشمالي لمخيم جنين للاجئين، والتي كانت تحمل نقوشاً على حجارتها، تقول العبارة بتحدٍّ: &#8220;هذه محطة انتظار حتى العودة&#8221;.</p>



<p>وخلال الهجوم نفسه، أصبح ما يُعرف بـ&#8221;دوار الخيل&#8221; عند المدخل الشرقي لمخيم جنين للاجئين مسرحاً للدمار، حيث هدمت الجرافات الإسرائيلية جزءًا من الشارع بطول خمسين متراً، متوغلةً في قلب المخيم، مدمرةً إياه بدوار الخيل. وبعد ذلك، استولت الجرافة على تمثال الحصان الذي كان يزين الدوار، بعد أن لحقت به بعض الأضرار.</p>



<p>يُعد تمثال الحصان الحديدي رمزاً مؤثرًا في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي لجنين ومخيمها عام 2002، وهو مصنوع من بقايا المركبات والمنازل المدمرة التي استُهدفت وهُدمت خلال الاجتياح. الحصان، رمزٌ قويٌّ يُخلّد صمود الشعب الفلسطيني وروحه التي لا تُقهر في مواجهة الشدائد، كان رأسه متجهًا نحو مدينة حيفا، التي نشأ منها آلافٌ من سكان المخيم وطُردوا خلال نكبة عام 1948.</p>



<p>وبالمثل، خلال هجومٍ عسكريٍّ استمر سبعة عشر ساعةً على مدينة طولكرم ومخيم اللاجئين، والذي بدأ في الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2023 وأسفر عن مقتل تسعة فلسطينيين، وتدمير الممتلكات والبنية التحتية المدنية، تعمدت قوات الاحتلال الإسرائيلي تدمير قوس المخيم عند مدخله الشمالي، والذي كان يضم مفتاح العودة الفلسطيني، رمزاً لنكبة عام 1948، إذ يُمثل هذا المفتاح، بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، إيماناً راسخاً بحقهم في العودة إلى ديارهم. شملت الهجمات الإسرائيلية على المخيم المستهدف، وهو ثاني أكبر مخيم للاجئين في الضفة الغربية، تدمير نصب تذكاري لفلسطينيين اثنين، سمير الشافعي (20 عاماً) وحمزة خريوش (23 عاماً)، اللذين قُتلا على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي المتخفية، خلال مداهمة للمخيم في السادس من مايو/أيار 2023.</p>



<h2 class="wp-block-heading">إسرائيل تسرق التراث الفلسطيني وتزور التاريخ</h2>



<p>يُعد التراث الثقافي الفلسطيني من أكثر التراثات تعرضًا للانتهاك في العالم، إذ يتعرض لمحاولات متواصلة من الاحتلال الإسرائيلي لتغييره وتشويهه، بل ونسبه إليه في محاولة لترويج ادعاءات تاريخية حول حق إسرائيل في فلسطين. وقد شملت هذه الانتهاكات جوانب متعددة، سواء في محاولة طمس الهوية الفلسطينية، أو تدمير المواقع التاريخية والدينية للشعب الفلسطيني.</p>



<p>إن الاستيلاء على المواقع التاريخية الفلسطينية وتحويلها إلى معالم سياحية إسرائيلية ليس إلا وسيلة أخرى من وسائل الاحتلال للاستيلاء على الأراضي. في عام 2012، قدّمت فلسطين طلباً لإدراج سبسطية على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، استناداً إلى آثارها القديمة التي تعود إلى العصر الحديدي، والفارسي، والهلنستي، والروماني، والبيزنطي، والإسلامي.&nbsp;فقامت&nbsp;وزارة التراث الإسرائيلية خططًا لإقامة سارية علم إسرائيلية &#8220;ضخمة&#8221; هناك، &#8220;لأغراض عسكرية&#8221;.</p>



<p>يجري هذا في سياق خطة اتخذتها حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة لتوسيع سيطرتها على مواقع التراث الثقافي في الضفة الغربية، إلى جانب خطوات عديدة لتوسيع المستوطنات اليهودية وترسيخ الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.&nbsp;حيث&nbsp;يمكن للتراث الثقافي أن يكون أداة فعّالة، ومن الممارسات المعتادة للدول، بطبيعة الحال، استخدام هذه الأراضي لتعزيز هويتها وصورتها الوطنية.</p>



<p>تشن إسرائيل هجمات عسكرية ممنهجة ضد المواقع الثقافية والمعالم التاريخية، في إطار إبادة جماعية مستمرة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، بدأت في 7 أكتوبر 2023. ويشكل هذا انتهاكاً خطيراً للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان، ولا سيما اتفاقيات جنيف واتفاقية لاهاي الدولية المتعلقة بحماية التراث الثقافي.&nbsp;وقام&nbsp;الجيش الإسرائيلي بالاستيلاء على آلاف القطع الأثرية النادرة في قطاع غزة، وهو ما قد يرقى إلى جريمة حرب وفقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. نشر جيش الاحتلال الإسرائيلي، في 17 يناير/كانون الثاني 2024، مقطع فيديو يوثق تفجيره حرم جامعة الإسراء، الواقعة جنوب مدينة غزة، بعد أكثر من شهرين من احتلاله الجامعة واستخدامه قاعدة عسكرية، ومركزًا لقنص المدنيين، ومركز احتجاز وتحقيق مؤقت.</p>



<p>إن سرقة إسرائيل للقطع الأثرية من الأراضي التي تسيطر عليها تُعتبر سرقةً لممتلكات ثقافية وانتهاكًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، كما هو مُبين في اتفاقية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية واتفاقية الحقوق المدنية والسياسية. وأكدت المنظمة الحقوقية أن إسرائيل دأبت على سرقة القطع الأثرية من غزة عمداً في إطار استهدافها الممنهج للمواقع والمواد الأثرية والتاريخية والثقافية في القطاع منذ بدء هجماتها المستمرة، كجزء من خطة أوسع لتدمير الهوية الوطنية والثقافية الفلسطينية وكرامة الفلسطينيين، ومحو الصلة التاريخية لسكان غزة بأرضهم، وتدمير أي دليل على وجودهم.&nbsp;وخلال العدوان الإسرائيلي على القطاع تم تدمير آلاف الوثائق التاريخية &#8211; التي كان العديد منها يعود تاريخها إلى أكثر من قرن من الزمان وتوثق هندسة مدينة غزة ومراحل تطورها الحضري.</p>



<h2 class="wp-block-heading">طمس الهوية الفلسطينية</h2>



<p>منذ مطلع القرن العشرين، ارتبطت الحركة الصهيونية بمحاولات متواصلة لاستهداف الفلسطينيين واقتلاعهم من أرضهم وتاريخهم. حاول الاحتلال الإسرائيلي طمس هوية الفلسطينيين وربطهم بفلسطين من خلال سياسة واسعة النطاق تهدف إلى عزلهم عن تراثهم وماضيهم التاريخي. ويُعدّ التراث الفلسطيني &#8211; سواءً المادي أو المعنوي &#8211; من أبرز ضحايا هذه السياسة.</p>



<p><strong>سرقة التراث وتدميره</strong></p>



<p>شملت محاولات الاحتلال الإسرائيلي لتغيير الهوية الفلسطينية سرقة الممتلكات الثقافية والتاريخية الفلسطينية ونقلها إلى مواقع أخرى. وقد شهدنا اختفاء مجموعات كبيرة من التراث الفلسطيني من مواقعها الأصلية، بل ومحاولة تدميرها في إطار حملة لمحو التاريخ. وكانت أماكن العبادة والتاريخ، كالحرم الإبراهيمي والمسجد الأقصى، هدفاً رئيسياً لهذه الهجمات، حيث تقوم إسرائيل بأعمال حفر أسفل المسجد الأقصى سعياً لطمس معالمه، بينما تستمر الهجمات على المواقع التاريخية التي تُعدّ جزءًا لا يتجزأ من الهوية الفلسطينية.</p>



<p><strong>تهويد التراث الفلسطيني</strong></p>



<p>من السياسات الأخرى التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي &#8220;تهويد التراث الفلسطيني&#8221;، أي محاولة التلاعب به واستخدامه كأداة لخلق هوية إسرائيلية مزعومة. ومن أبرز مظاهر هذه السياسات تغيير أسماء الأماكن الفلسطينية إلى أسماء توراتية قديمة، سعياً للإيحاء بأن لهذه الأماكن صلة تاريخية بإسرائيل. إضافةً إلى ذلك، قام الاحتلال بتزوير التاريخ من خلال اختلاق القصص والحكايات الشعبية، واختلاق الأساطير التي تتناسب مع الرواية الصهيونية.</p>



<p><strong>انتهاكات التراث غير المادي</strong></p>



<p>لم تقتصر الانتهاكات على التراث المادي فحسب، بل شملت أيضًا التراث غير المادي للشعب الفلسطيني، كالحكايات الشعبية والرقصات والأغاني التقليدية، التي تُشكل جزءًا أساسياً من الهوية الفلسطينية. ويتم طمس هذه الثقافة من خلال حظرها أو تحريفها، والادعاء بأنها جزء من التراث الإسرائيلي.</p>



<p><strong>أثر جدار الفصل العنصري على التراث الفلسطيني</strong></p>



<p>من أكثر الانتهاكات إيلامًا بناء جدار الضم، الذي اقتطع مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية. لم يقتصر تأثير هذا الجدار على الفلسطينيين اجتماعياً وسياسياً فحسب، بل امتد إلى تأثيره المدمر على المواقع الأثرية الفلسطينية. فقد دُمرت العديد من المواقع الأثرية الفلسطينية على طول مسار الجدار، وهُجّر السكان الفلسطينيون من مناطقهم التاريخية والثقافية.</p>



<p><strong>الانتهاكات في المجال الثقافي والعلمي</strong></p>



<p>كما حاول الاحتلال الإسرائيلي السيطرة على البحث العلمي المتعلق بالآثار الفلسطينية، وفرض رواية تاريخية تخدم مصالحه. وفي هذا السياق، تم تحريف بعض المكتشفات الأثرية لدعم الرواية الصهيونية، حيث قام علماء آثار إسرائيليون بإدخال نقوش وأدوات تحمل أسماء إسرائيلية في المواقع الأثرية الفلسطينية القديمة. كما سعت إسرائيل إلى تسجيل بعض المدن الفلسطينية على قائمة التراث العالمي بأسماء إسرائيلية مزعومة.</p>



<p>تعددت الانتهاكات الإسرائيلية للتراث الفلسطيني وتنوعت على مر العقود. شملت هذه الانتهاكات تدمير المواقع الأثرية، وطمس التراث غير المادي، وتشويه التاريخ الفلسطيني بالتزوير ونشر الأكاذيب.&nbsp;تسعى هذه السياسات إلى طمس الوجود التاريخي للشعب الفلسطيني على أرضه، واستبداله برواية زائفة تهدف إلى ترسيخ حق الاحتلال في الأرض والتراث. في ظل هذه الانتهاكات، يبقى التراث الفلسطيني صامدًا رمزاً لهوية الشعب الفلسطيني، ويشكل أساساً للنضال المستمر للدفاع عن تاريخ فلسطين ومستقبلها.</p>



<h2 class="wp-block-heading">إبادة ثقافية</h2>



<p>ضمت إسرائيل&nbsp;مقام النبي إبراهيم، المقدس لدى المسلمين في الخليل عام 2010، كما أدرجت مقام راحيل، المفترض أنه قبر السيدة مريم العذراء، في بيت لحم، على قائمة تراثها. إنها سرقات موصوفة. تقوم إسرائيل بسرقة أرضنا، وسرقة مواردنا، والآن تسرق تراثنا الثقافي والتاريخي. إنها عقلية الإبادة الثقافية. قد تُعزز هذه السرقات البعد الديني للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فالمسجد الأقصى مكاناً مقدساً لدى المسلمين الفلسطينيين منذ قرون.</p>



<p>لقد أصبح من سمات نظام الاحتلال والقمع الاستعماري الإسرائيلي محاولاته المستمرة محو وجود الشعب الفلسطيني وثقافته وتراثه، من خلال الاستيلاء على المواقع التاريخية والآثار وسرقتها. على سبيل المثال قام الجيش الإسرائيلي بعمل بلطجة واستيلاء ثقافي شنيع&#8221; بعد أن قام جنوده بسرقة قطعة أثرية مسيحية عمرها 1500 عام من بلدة في منطقة بيت لحم.&nbsp;وقد&nbsp;استُخدمت هذه القطعة الأثرية النادرة، التي يعود تاريخها إلى العصر البيزنطي، كحوض مائي للتعميد، وهي واحدة من ثلاث قطع أثرية معروفة من نوعها في العالم. إنها سياسة نهب ممنهجة وجريمة حرب يجب ألا تمر دون عقاب، ونحن نحثّ الهيئات الدولية المعنية وخاصة اليونسكو على التحدث علناً وحماية التراث الفلسطيني.</p>



<p>يحصل كل هذا فيما تواصل إسرائيل تشديد سيطرتها على الأرض الفلسطينية المحتلة وسكانها من خلال ممارسة السيطرة العسكرية والمدنية على حد سواء. وتشمل هذه الإجراءات، على سبيل المثال لا الحصر، استمرار إعلانها مناطق عسكرية مغلقة، وفرض ما يُسمى &#8220;بالتدابير الأمنية&#8221;، وتصنيف إسرائيل لمساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية كمحميات طبيعية، والاستيلاء على الأراضي على نطاق واسع، وهدم المباني المدنية الفلسطينية، إضافة إلى سياسة القتل والإعدام اليومي للفلسطينيين.</p>



<h2 class="wp-block-heading">إسرائيل تستخدم علم الآثار للاستيلاء على الماضي</h2>



<p>تهدف أنشطة إسرائيل الأثرية في الأراضي الفلسطينية إلى توسيع نطاق سياسة سلب الفلسطينيين أراضيهم وممتلكاتهم الثقافية. فمن سمات نظام الاحتلال والقمع الاستعماري الإسرائيلي محاولاته المستمرة لمحو وجود الشعب الفلسطيني وثقافته وتراثه، بما في ذلك من خلال الاستيلاء على المواقع التاريخية والآثار وسرقتها. وقد اتخذت إسرائيل خطوات غير قانونية أخرى تستهدف مواقع التراث الفلسطيني، بما في ذلك إغلاق مدخل جبل الفريديس (أو ما يُسمى هيروديون) في محافظة بيت لحم لتقييد وصول الفلسطينيين إلى الموقع، الذي صادرته إسرائيل بشكل غير قانوني باعتباره &#8220;حديقة وطنية إسرائيلية&#8221;. كما استهدفت إسرائيل مراراً وتكراراً مواقع تاريخية وأثرية أخرى، بما في ذلك مواقع التراث العالمي لليونسكو في فلسطين، مثل مدينة القدس القديمة، ومدرجات بتير في بيت لحم، والحرم الإبراهيمي في الخليل.</p>



<p>بدأت إسرائيل بالاهتمام بالمواقع الأثرية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة فور انتهاء حرب الأيام الستة عام 1967، واستخدمت منذ ذلك الحين علم الآثار كأداة رئيسية لتوسيع سيطرتها على الأرض.</p>



<p>في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، منحت الجمعية العامة للأمم المتحدة دولة فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة. إلا أن الوقائع على الأرض الفلسطينية المحتلة، وخاصة في الضفة الغربية المحتلة، تُظهر واقعًا مختلفاً. حيث تواصل إسرائيل، القوة المحتلة، تشديد سيطرتها على الأرض الفلسطينية المحتلة وسكانها من خلال ممارسة السيطرة العسكرية والمدنية على حد سواء. وتشمل هذه الإجراءات، على سبيل المثال لا الحصر، استمرار إعلانها مناطق عسكرية مغلقة، وفرض ما يُسمى &#8220;بالتدابير الأمنية&#8221;، وتصنيف إسرائيل لمساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية كمحميات طبيعية، والاستيلاء على الأراضي على نطاق واسع، وهدم المباني المدنية الفلسطينية.</p>



<p>وتشمل الإجراءات الإضافية الحرمان الممنهج من تصاريح البناء للسكان الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، إلى جانب عملية تخطيط مكاني بطيئة للغاية مفروضة على المناطق الريفية الفلسطينية (المنطقة ج) والقدس الشرقية المحتلة. ومع ذلك، لا تزال ممارسات وسياسات القوة المحتلة تجعل آفاق حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير أبعد من أي وقت مضى.</p>



<p><strong>الإطار القانوني</strong></p>



<p>بعد احتلال إسرائيل عام 1967، ظل الإطار القانوني للآثار على حاله إلى حد كبير، مع تعديلات جوهرية من خلال أوامر عسكرية تهدف إلى الترخيص والتنقيب والاتجار بالآثار. تصدر هذه المراسيم عن الجيش وتصبح قانوناً لكل فلسطيني يعيش في منطقة معينة فور صدورها.كان أهمها الأمر العسكري رقم 119، الصادر عام 1967، والذي ألغى العديد من مبادئ قانون الآثار البريطاني، ووضع مسؤولية الآثار تحت تصرف المسؤولين العسكريين.</p>



<p>وبموجب هذا الأمر المتعلق بقانون الآثار، أُلغيت جميع التعيينات أو الاختصاصات التي منحتها الحكومة الأردنية فيما يتعلق بإدارة الآثار، ونُقلت المسؤوليات إلى المسؤول الإسرائيلي، الذي كان بإمكانه إصدار أوامر جديدة عند الحاجة. إن ضابط الآثار في الإدارة المدنية الإسرائيلية هو ضابط الجيش الإسرائيلي المسؤول عن الآثار في الضفة الغربية المحتلة. يتمتع هذا المسؤول بحرية التصرف في أعمال الحفر ومصادرة الأراضي، ونقل الآثار في جميع أنحاء الضفة الغربية دون رقابة من أي جهة في سلطة الاحتلال.</p>



<p>ونتيجةً لذلك، سُمح بمئات أعمال الحفر في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومع ذلك لا أحد يعلم مكان هذه الأعمال أو مكان وجود المكتشفات. وبموجب اتفاقيات أوسلو المؤقتة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل لعام 1995، تولت السلطة الفلسطينية مسؤولية الآثار في المنطقتين (أ) و(ب)، اللتين تُمثلان حوالي 40٪ من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وللمرة الأولى، أصبح بإمكانها السيطرة على جزء من تراثها الثقافي.</p>



<p>كان من المقرر نقل الصلاحيات والمسؤوليات المتعلقة بالآثار في أجزاء معينة من المنطقة (ج) إلى المؤسسات الفلسطينية بهدف شمول جميع أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة في مرحلة لاحقة، لكن هذا الترتيب لم يُنفذ قط، وجميع أعمال الحفر في المنطقة (ج) &#8211; التي تغطي أكثر من 60٪ من الضفة الغربية &#8211; أُجريت بموجب أوامر مكتب الآثار الإسرائيلي.</p>



<p>وفقًا لعالم الآثار الإسرائيلي &#8220;رافي غرينبرغ&#8221; فقد صدرت حوالي 1100 رخصة حفريات في 700 موقع بالضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، وبدأت معظمها دون أي توثيق من أي نوع، وهو ما لا يتوفر إلا لحوالي 15% من عمليات الحفر. وبالتالي، يصف سلوك إسرائيل في الأراضي المحتلة بأنه &#8220;قلب الظلام الأثري&#8221;.</p>



<p>لقد استُخدم علم الآثار &#8211; ولا يزال &#8211; كذريعة للاستيلاء على الأراضي، ويُستخدم وجود المواقع الأثرية أو التوراتية لتبرير مصادرة الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات غير القانونية. وتكثر الأمثلة على ذلك، بما في ذلك شق طريق يؤدي إلى مستوطنة ميغرون غير القانونية، والذي استند إلى ترخيص حفريات أثرية. في غضون ذلك، نُفذت مصادرة الأراضي المجاورة لقرية سوسيا القديمة الفلسطينية بذريعة الحفريات الأثرية، حيث كشفت الحفريات الإسرائيلية في سبعينيات القرن الماضي عن مستوطنة أُقيمت بالقرب منها وكنيس يهودي يعود تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي.</p>



<p>ومن الأمثلة الأخرى منع الفلسطينيين من الوصول إلى نبع عين الكيس للمياه العذبة قرب قرية النبي صالح، بحجة واهية مفادها أنه موقع أثري. وعند تقديم التماس، أشارت المحكمة العليا الإسرائيلية، بالتعاون مع محامٍ من منظمة &#8220;يش دين&#8221; الحقوقية، إلى أن &#8220;السلطات تستخدم الادعاءات الأثرية كذريعة لمنع الملتمسين من الوصول إلى أراضيهم &#8211; بناءً على اعتبارات لا علاقة لها بالآثار&#8221;.</p>



<p><strong>دائرة الآثار</strong></p>



<p>تولّت دائرة الآثار الفلسطينية، التي تأسست عام 1994، جميع المسؤوليات الأثرية في المنطقتين &#8220;أ&#8221; و&#8221;ب&#8221; في الأراضي الفلسطينية المحتلة. اعتمدت الدائرة قانون الآثار الأردني كأداة قانونية مؤقتة، نظراً لافتقار السلطة الفلسطينية إلى تشريعات في هذا المجال.</p>



<p>ومع ذلك، وعلى مدار ثلاثين عاماً، عدّل الفلسطينيون قانون الآثار الأردني نظراً لبطلان العديد من أحكامه، لا سيما فيما يتعلق ببند العقوبات والجزاءات ووضع إطار قانوني لحماية التراث الفلسطيني. كما برز شعورٌ بالحاجة الماسة إلى حماية التراث المحلي في مواجهة التوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية.</p>



<p>في عام 2018، اقترحت فرق من وزارة السياحة والآثار &#8211; بدعم فني ومالي من اليونسكو والحكومة السويدية &#8211; نسخةً جديدةً من التشريع، مما أسفر عن القانون رقم 11/2018 بشأن التراث الثقافي المادي في فلسطين، والذي دخل حيز النفاذ في يونيو/حزيران 2018.</p>



<p>يوفر القانون الجديد مجموعةً شاملةً من الأحكام المتعلقة بحماية التراث الثقافي المادي الفلسطيني وإدارته والترويج له. يُوسّع القانون رقم 11 نطاق حماية التراث ليشمل جميع المباني التي شُيّدت قبل عام 1917م، بينما كان التشريع السابق يقتصر على ما يعود تاريخه إلى ما قبل عام 1700م فقط. علاوة على ذلك، يُرسي القانون الجديد إطاراً جديداً يُمكن بموجبه توسيع نطاق الحماية المُقدّمة لعناصر التراث الثقافي المادي إذا كانت هذه العناصر ذات قيمة ثقافية أو اقتصادية أو طبيعية. كما سيتم بموجب هذا القانون إنشاء جرد وطني شامل لجميع عناصر التراث الثقافي المادي في فلسطين.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الخلاصة</h2>



<p>تتجاوز جهود إسرائيل المتواصلة والمنهجية لمحو الوجود الفلسطيني مجرد التهجير المادي، لتشمل اعتداءً متعمداً على الذاكرة الجماعية، بما في ذلك من خلال التدمير المتعمد للمواقع والمعالم التراثية الفلسطينية. في الضفة الغربية، وخاصة في مخيمات اللاجئين، وفي غزة، حيث يشكل اللاجئون نسبة 75% من السكان. تستهدف إسرائيل بشكل ممنهج الرموز التاريخية والثقافية التي تربط الفلسطينيين بأرضهم وهويتهم. ويهدف هذا المحو المتعمد إلى محو السرد التاريخي والنسيج الثقافي للشعب الفلسطيني كمجموعة. تقع على عاتق المجتمع الدولي مواجهة الأسباب الجذرية لهذا الظلم، ومعالجة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي ونظام الفصل العنصري الذي يُديم التهجير والتهجير، من خلال ضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والعودة. وعليه، ندعو الهيئات والمنظمات الدولية إلى أولاً: الوفاء بالتزاماتها القانونية بمنع الإبادة الجماعية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة، وإنهائها، والامتناع عن دعمها أو الإسهام فيها، وحث إسرائيل بشكل عاجل على السماح فورًا ودون قيد أو شرط بوصول الوقود والماء والغذاء والمساعدات الإنسانية، بما في ذلك الإمدادات الطبية، إلى قطاع غزة دون عوائق، وفقاً لما نص عليه قرار محكمة العدل الدولية بشأن التدابير المؤقتة.</p>



<p>ثانياً: تعزيز الدعم الدولي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وحث الدول على إعادة تمويلها، حيث تقدم الوكالة مساعدات إنسانية حيوية ومنقذة للحياة لما يقرب من مليوني شخص في غزة.</p>



<p>&nbsp;ثالثاً: الاعتراف بأن تدمير إسرائيل غير القانوني للتراث الثقافي الفلسطيني عنصرٌ أساسي يُمكّن إسرائيل من مواصلة مشروعها الاستعماري في فلسطين، وترسيخ نظامها العنصري ضد الشعب الفلسطيني ككل وأراضيه من خلال محو هويته الثقافية كشعب.</p>



<p>رابعًا: دعم وتمكين ممارسة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرض أجدادهم وديارهم.</p>



<p>خامسًا: إعادة تشكيل لجنة الأمم المتحدة الخاصة لمناهضة الفصل العنصري ومركز الأمم المتحدة لمناهضة الفصل العنصري كخطوات حاسمة نحو إنهاء إفلات إسرائيل المؤسسي من العقاب والاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري.</p>



<p><em>* أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا.</em></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/29/%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%ab-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%a7%d9%83%d8%b1/">الهجوم الإسرائيلي على التراث والذاكرة والهوية الثقافية الفلسطينية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/29/%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%ab-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b0%d8%a7%d9%83%d8%b1/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>القومية العربية في ميزان الانتماء</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/25/%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%a1/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/25/%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%a1/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 25 May 2025 07:59:19 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[إسرائيل]]></category>
		<category><![CDATA[الإسلام]]></category>
		<category><![CDATA[التيارات الإسلامية]]></category>
		<category><![CDATA[الصهيونية]]></category>
		<category><![CDATA[الطائفية]]></category>
		<category><![CDATA[العثمانيون]]></category>
		<category><![CDATA[العرب]]></category>
		<category><![CDATA[العروبة]]></category>
		<category><![CDATA[القبلية]]></category>
		<category><![CDATA[القومية العربية]]></category>
		<category><![CDATA[حسن العاصي]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=7052168</guid>

					<description><![CDATA[<p>عوامل كثيرة أثرت سلباً على القومية العربية في تطورها على مدار معظم القرن الماضي ولغاية اليوم.</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/25/%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%a1/">القومية العربية في ميزان الانتماء</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p><strong>كان الشعور بـ&#8221;العروبة&#8221; قائماً منذ أن وطأت أقدام العرب مسرح التاريخ، وظلت محل تفاوض من قِبَل كل جيل لما يقرب من ألف عام ونصف. في هذا الجيل، يجب أن يتكيف هذا الشعور &#8220;العروبي&#8221; مع ازدياد الولاء للدولة العربية القطرية، وتنامي التيارات الإسلامية، والانتصار العالمي للديمقراطية الليبرالية، وصعود رأسمالية السوق، والاختراقات التي حققتها إسرائيل في عدد من الدول العربية، واحتمال السلام معها. كانت جميعها عوامل أثرت سلباً على القومية العربية في تطورها على مدار معظم القرن الماضي ولغاية اليوم.</strong></p>



<p class="has-text-align-left"><strong>الدكتور حسن العاصي</strong> <em>*</em></p>



<span id="more-7052168"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full is-resized"><img loading="lazy" decoding="async" width="453" height="572" src="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2025/05/Hassan-Al-Assi.jpg" alt="" class="wp-image-7052205" style="width:200px" srcset="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2025/05/Hassan-Al-Assi.jpg 453w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2025/05/Hassan-Al-Assi-238x300.jpg 238w" sizes="auto, (max-width: 453px) 100vw, 453px" /></figure>
</div>


<p>تخلى العديد من العرب ـ لأسباب مختلفة ـ عن إيمانهم بالأمة العربية، وأصبحوا يشككون علناً في وجود قومية عربية جماعية. وأخذ البعض يُفضّل اعتبار أنفسهم مسلمين في المقام الأول، وأنهم ينتمون إلى الأمة الإسلامية. وقد تحوّل مصطلح &#8220;العرب&#8221; في قاموسهم إلى تسمية مهينة ـ في بعض الأحيان ـ توحي بالإسراف، والسطحية، وعدم الكفاءة، والتبعية. فيما يُفضّل عرب آخرون أن يُعرفوا بوضوح بأنهم مصريون، أو سوريون، أو أردنيون، أو عراقيون. مواطنون في أكثر من إحدى وعشرين دولة مستقلة ـ باستثناء فلسطين المحتلة ـ لكل منها علمها ومصالحها الخاصة. حتى أن بعضهم لجأ إلى وصف أنفسهم بالشرق أوسطيين، تحسباً لسلام عربي إسرائيلي ونظام تعاون إقليمي جديد على غرار أوروبا. ويتمسك قلة من المثقفين على شعلة الحماس العربي والقومية متقدة. وهم غالباً ما يكونون في الخارج، في لندن أو باريس، أو في عواصم غربية أخرى حيث يتشاجرون حول ما إذا كانت العروبة والقومية العربية في حالة ركود، أم أنها في مرحلة التعافي.</p>



<p>كان الشعور بـ&#8221;العروبة&#8221; قائماً منذ أن وطأت أقدام العرب مسرح التاريخ، وظلت محل تفاوض من قِبَل كل جيل لما يقرب من ألف عام ونصف. في هذا الجيل، يجب أن يتكيف هذا الشعور &#8220;العروبي&#8221; مع ازدياد الولاء للدولة العربية القطرية، وتنامي التيارات الإسلامية، والانتصار العالمي للديمقراطية الليبرالية، وصعود رأسمالية السوق، والاختراقات التي حققتها إسرائيل في عدد من الدول العربية، واحتمال السلام معها. كانت جميعها عوامل أثرت سلباً على القومية العربية في تطورها على مدار معظم القرن الماضي ولغاية اليوم.</p>



<p>&nbsp;لا شك أن &#8220;العروبة&#8221; قادرة على استيعاب التحديات الجديدة، كما فعلت دائماً. فالقومية العربية ـ وهي إبداع حديث لهذا القرن ـ قد تتلاشى تماماً تحت وطأتها. ولكن مهما كانت آفاق القومية العربية، فإن تاريخها حتى هذه اللحظة يمثل أحد أبرز الأمثلة على سرعة نشوء أي قومية حديثة وصعودها وتراجعها. هذا التاريخ يستحق رواية جديدة، لأنه لم يُستدعَ في النقاش الأوسع حول تنامي عدم الاستقرار.</p>



<p>لقد كان هناك وقتٌ حظيت فيه القومية العربية بمكانةٍ بارزةٍ في الدراسات المقارنة للقومية، لكنها أصبحت لاحقاً حكراً على المتخصصين. حاول المؤرخان البريطاني أرنولد توينبي Arnold Toynbee والمؤرخ الأمريكي هانز كون Hans Kohn دمج القومية العربية في إطارٍ مقارن أوسع، أصبحا مناصريها الفعليين بين الحربين العالميتين، على الرغم من تحفظاتهما على القومية في كتابهما &#8220;القومية العربية: هوية خاطئة&#8221; Arab Nationalism: Mistaken Identity. لقد قبل ـ توينبي للسياسة البريطانية، وكوهن للصهيونية &#8211; أكثر شعارات القومية العربية تطرفاً باعتبارها بيانات عن حقائق اجتماعية أو ادعاءات أخلاقية لا تقبل الجدل، ولم يروا أياً من التناقضات الكامنة وراءها.</p>



<p>وعندما نالت الدول العربية استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، برزت هذه التناقضات بكل تعقيداتها، وأبقت المنظرين اللاحقين على مسافة. كتب المحاضر والفيلسوف الأمريكي روبرت إيمرسون Robert Emerson بانزعاجٍ لا يخفيه: &#8220;لا يُمكن لأيّ ملخصٍ موجزٍ للتاريخ الطويل والمعقد للعالم العربي أن يُفكّك القوى التي شكّلت دوله وشعوبه&#8221;. وأضاف: &#8220;لإجراء تحليلٍ شامل، من الضروري تقييم السجلّ الكامل للتجربة العربية، بما في ذلك مسائل مثل الانقسامات القبلية والطائفية وغيرها، وآثار الحكم العثماني، ومكائد القوى الأوروبية، ودور الإسلام واللغة والثقافة العربية&#8221;. باختصار، كانت هذه مهمةً لشخصٍ آخر يعرفها بشكلٍ أفضل. لكن حتى أولئك المقارنون الذين يعرفون القومية العربية جيداً اختاروا عدم جعلها محور مقارناتهم، ربما خوفاً من إدخال القارئ العام في متاهة.</p>



<p>تظل الحالة العربية حالة معقدة للغاية وفقاً للمعايير الأوروبية. يبلغ عدد الناطقين بالعربية اليوم أكثر من أربعمائة وثلاثة وعشرون مليون نسمة، في منطقة تمتد من شواطئ المحيط الأطلسي في المغرب إلى بحر العرب &#8211; وهي منطقة تمتد موازية لجميع أنحاء أوروبا من ساحل المحيط الأطلسي في شبه جزيرة أيبيريا إلى جبال الأورال.</p>



<p>لم تدّع أي قومية أوروبية وجود جمهور محتمل بهذا الحجم، أو الاتساع، أو التشرذم. لم يكن من السهل أبداً توثيق التطور التاريخي للوعي السياسي في هذه المنطقة، ولا يزال هناك قصور في دراسته. ولم تنشأ القومية العربية كرد فعل مباشر على الحكم الإمبراطوري الغربي، مثل الأنواع المألوفة في أماكن أخرى في آسيا وأفريقيا. فقد شهدت بعض الشعوب العربية أكثر من قرن من الحكم الغربي المباشر، بينما لم تشهد شعوب أخرى أي حكم غربي على الإطلاق. نتيجةً لذلك، سلكت القومية العربية مساراتٍ تطوريةً متمايزةً في الهلال الخصيب، وشبه الجزيرة العربية، ووادي النيل، وساحل شمال إفريقيا. </p>



<p>لقد واجهت كلٌّ من هذه المناطق الغربَ بشروطٍ مختلفة، وفي أوقاتٍ مختلفة. تكاثرت أشكال القومية العربية، بل وألهمت أحياناً تصنيفاتٍ منفصلة، مثل الناصرية، والبعثية، وتصنيفاتٍ فرعيةً أكثر غموضاً مثل البعثية الجديدة. وأصبح العديد من هذه التيارات متنافسةً، حتى وصل الأمر إلى إراقة الدماء. هذا جعل من الصعب التعميم بشأن القومية العربية، ومن عدم الأمانة نشر مثل هذه التعميمات في النقاش الأوسع حول القومية.</p>



<p>إن تتبع المسار السياسي للقومية العربية الذي رسمه الشعراء عبر مراحلها التاريخية، وتوصيف علاقتها بتلك الأفكار والهويات الأخرى التي جذبت &#8220;ناطقي الضاد&#8221; قضية صعبة وشائكة. إنها قصة قومية نشأت بشكل متقطع، وانتشرت بشكل دراماتيكي، ثم تعثرت وفشلت. إنها سردية عشرات الملايين من الناس الذين آمن كثير منهم بالعروبة، ثم زعموا أنهم يحملون هوية خاطئة، وأنهم كانوا أشخاصاً آخرين طوال الوقت.</p>



<h2 class="wp-block-heading"><strong>ظهور الع</strong>ر<strong>وبة</strong></h2>



<p>ظهرت العروبة لأول مرة في القرن التاسع عشر، ليس كرد فعل مباشر على الحكم الغربي، بل كنقدٍ لحالة الإمبراطورية العثمانية، التي امتد نفوذها ليشمل معظم الشعوب الناطقة بالعربية منذ أوائل القرن السادس عشر. ولما يقرب من أربعمائة عام، كان هؤلاء الناطقون بالعربية متصالحين تماماً مع دورهم في الإمبراطورية.</p>



<p>كان مقر الإمبراطورية في إسطنبول، وكانت أراضيها الشاسعة تُدار باللغة التركية العثمانية. لكن العثمانيين كانوا قد اعتنقوا الإسلام، كما فعلت الغالبية العظمى من رعاياهم الناطقين بالعربية. وتطورت دولتهم كخلافة إسلامية تضم جميع رعايا السلطان العثماني المسلمين، أياً كانت لغتهم. واحتفظ المسلمون الناطقون بالعربية باعتزازهم بلغتهم. فقد نُزِّل القرآن الكريم بالعربية إلى نبي عربي في القرن السابع. كما احتفوا بتاريخ الفتوحات العربية المبكرة، التي حملت الإسلام من نهر &#8220;جيحون&#8221; ـ الذي عرف قديما باسم &#8220;أوكسوس&#8221; ولدى العرب باسم جيحون، يتكون من التقاء نهري &#8220;فخش&#8221; و&#8221;باندج&#8221; الذين ينبعان من جبال &#8220;بامير&#8221; في آسيا الوسطى، والذي عبره الفاتح قتيبة بن مسلم بجيشه إبان الفتوحات الإسلامية ـ إلى جبال &#8220;البيريني&#8221; وهي سلسلة جبلية تقع جنوب غرب أوروبا، بين فرنسا وإسبانيا وتمثل الحدود الطبيعية بينهما، تمتد لمسافة قدرها 430 كلم من خليج &#8220;بسكاي&#8221; بالمحيط الأطلسي في الغرب إلى البحر المتوسط في الشرق. وافتخروا بأنسابهم التي ربطتهم بشبه الجزيرة العربية في فجر الإسلام.</p>



<p>إخلاص العرب للإسلام ربطهم بمسلمين يتحدثون لغات أخرى ويفخرون بأنساب أخرى، والذين أضفوا حيوية جديدة على الدفاع عن الإسلام وانتشاره. فمنذ القرن الخامس عشر، أظهر العثمانيون هذه الحيوية بحماسة أوصلت الإسلام إلى أبواب فيينا. ورأى جميع المسلمين التابعين للخلافة العثمانية أنفسهم مشاركين ومستفيدين من هذا المشروع الإسلامي، ولم يُميّزوا بين العرب والترك. ولكن مع التراجع النسبي للقوة العثمانية، وخاصة في القرن التاسع عشر، بدأت أسس هذا التكافل تضعف. كان البساط العثماني العظيم يُطوى من طرفيه: من قِبَل القوى العظمى الأوروبية، المنخرطة في تنافس إمبريالي، ومن قِبَل الرعايا المسيحيين الساخطين من الحكم العثماني في أوروبا، الذين اتخذ نضالهم من أجل الاستقلال طابعاً قومياً.</p>



<p>شرع العثمانيون في سلسلة من الإصلاحات الغربية، لكنهم فقدوا في النهاية موطئ قدمهم في البلقان، والقوقاز، وشمال إفريقيا، ومصر. مع تضاؤل الإمبراطورية، تضاءلت ثقة رعاياها المتبقين، بل وظهر بعض السخط في الأقاليم الناطقة بالعربية المتبقية من الإمبراطورية، في شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب. وهو السخط الذي عُرف لاحقًا باسم &#8220;الصحوة&#8221; العربية. ولا تزال العديد من الخلافات تدور حول طبيعة ومدى هذا السخط، ولكن من المتفق عليه عموماً أنه استُند إلى مصدرين. أولًا: كانت هناك مجتمعات الأقليات المسيحية الناطقة بالعربية، المتأثرة كثيراً بالتيارات الأوروبية، والتي عملت على تحويل اللغة العربية إلى وسيلة للعمل التبشيري والتعلم الحديث. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر تقريباً، ساهمت جهودهم بشكل كبير في إثارة الاهتمام بالأدب العربي العلماني، من خلال تكييف اللغة العربية مع الأعراف الحديثة للصحافة والرواية والمسرح. ولم يُترجم الإحياء الأدبي العربي، الذي تمركز في بيروت، إلى قومية عربية فوراً، لكنه دافع عن وجود ثقافة عربية علمانية، يُفترض أن المسيحيين والمسلمين ساهموا فيها على قدم المساواة. ومن خلال التركيز على هذا الإرث العربي المشترك، سعت الأقلية المسيحية إلى تقليص تحيز الأغلبية المسلمة ومنح المسيحيين المساواة الكاملة كمواطنين عرب.</p>



<p>&nbsp;نشأت العروبة من مصدر ثانٍ أيضاً لطالما استحوذت التنافسات على النخبة المسلمة الناطقة بالعربية، لا سيما في ظل التنافس الشديد على التعيينات في المناصب الحكومية العثمانية والوظائف البيروقراطية. وقد تحولت مظالم أولئك الذين غفل عنهم الولاة العثمانيون مقابل هذه الغنائم أحياناً إلى مطالبة إسطنبول بمنح الولايات الناطقة بالعربية مزيداً من الاستقلالية في إدارة شؤونها.</p>



<p>مع بداية القرن العشرين، انتشرت هذه العروبة في جميع المدن الكبرى في الإمبراطورية العثمانية حيث كانت اللغة العربية تُستخدم، لكنها تركزت في دمشق، حيث بدأ أتباعها في تنظيم أنفسهم. وبينما كانت عروبة المسلمين تشبه عروبة المسيحيين في فخرهم باللغة، إلا أنها اختلفت جوهرياً في تعلقها العميق بالإسلام. وقد لاقت استحسان المسلمين من خلال القول بأن عظمة العرب تكمن في فهمهم المتميز للإسلام. </p>



<p>لقد أنشأ العرب، باسم الإسلام، إمبراطوريةً وحضارةً عظيمتين، والعرب وحدهم قادرون على إعادة الإسلام إلى عظمته الأصيلة. لم يكن هناك أي طابع علماني في هذا الادعاء بالعبقرية العربية، الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالدفاعيات والإصلاحات الإسلامية. </p>



<p>فشلت هذه &#8220;الصحوة العربية&#8221;، المسيحية والإسلامية، في إنتاج نقد اجتماعي لاذع أو لغة سياسية حديثة بحق. وفي النهاية هزمت نفسها بدفاعها المُبرر عن التقاليد والدين، لكنها ذهبت بعيداً بما يكفي لزعزعة ثقة بعض الناطقين بالعربية في شرعية الحكم العثماني، حتى أن بعض مُوزعي الكتيبات حاولوا إثارة المخاوف العثمانية (والدعم الأجنبي) بنشر منشورات باسم &#8220;حركة عربية&#8221;.</p>



<p>ظهرت معظم هذه المنشورات في أوروبا، وبدأت بعض صحف الرأي في عواصم أوروبا بمناقشة &#8220;القضية العربية&#8221;. كان النقاش سابقاً لأوانه.</p>



<p>في عام 1907 قدمت الرحالة الإنجليزية جيرترود بيل Gertrude Bell التي قضت جزءًا كبيراً من حياتها في استكشاف الشرق الأوسط ورسم خرائطه، وأصبحت مؤثرة للغاية في صنع السياسات الإمبراطورية البريطانية بفضل معرفتها ومعارفها التي بنتها من خلال رحلاتها المكثفة. كانت بيل تعتقد أن زخم القومية العربية لا يمكن إيقافه، وأن على الحكومة البريطانية التحالف مع القوميين بدلاً من الوقوف في وجههم. ودافعت عن استقلال الدول العربية في الشرق الأوسط عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية، ودعمت تنصيب الممالك الهاشمية فيما يُعرف اليوم بالأردن والعراق.</p>



<p>قدمت بيل تقييماً شائعاً لهذه التحركات: ما قيمة الجمعيات القومية العربية والمنشورات التحريضية التي تصدرها المطابع الأجنبية؟ الإجابة سهلة: إنهم لا يساوون شيئاً على الإطلاق. لا توجد أمة من العرب؛ التاجر السوري منفصل عن البدو بهاوية أوسع من تلك التي يفصله عنها العثمانيون. فالبلاد السورية يسكنها أعراق ناطقة بالعربية، جميعها متلهفة للتناحر، ولا يمنعها من تحقيق رغباتها الطبيعية إلا الجندي المهلهل الذي يتقاضى أجر السلطان بين الحين والآخر.</p>



<p>&nbsp;ومع ذلك، مع حلول عشية الحرب العالمية الأولى، بدأت العروبة تتخذ شكلاً أكثر وضوحاً في مواجهة التحديين المتمثلين في التتريك والصهيونية. فقد هدد التتريك الوضع الثقافي الراهن. لقد تعرض الناطقون باللغة التركية في الإمبراطورية العثمانية للقومية على النمط الأوروبي، إلى حد كبير من خلال اختراقها لمنطقة البلقان. ثم بدأ المسلمون الناطقون بالتركية في بناء هوية جديدة لأنفسهم كأتراك، وهو اتجاه عززه علماء اللغة والرومانسيون الغربيون الذين سعوا إلى ترسيخ عظمة الحضارة &#8220;الطورانية&#8221; القديمة. ومع تعثر الإمبراطورية العثمانية، حاولت السلطات العثمانية منح الإمبراطورية متعددة اللغات طابع الدولة القومية الأوروبية من خلال فرض استخدام اللغة التركية على حساب لغات أخرى، بما في ذلك العربية.</p>



<p>أثارت هذه السياسة التي لم تُنفَّذ بالكامل، بعض المخاوف في الولايات العربية عشية الحرب العالمية الأولى، وربما ساهمت في حشد أنصار العروبة الثقافية لتحقيق هدف سياسي.</p>



<p>كما هدد الاستيطان الصهيوني في فلسطين الوضع السياسي الراهن. تسامحت السلطات العثمانية مع تدفق الهجرة اليهودية، اعتقاداً منها أنها ستصب في مصلحة الإمبراطورية في نهاية المطاف، كما فعلت في موجات متتالية منذ محاكم التفتيش الإسبانية. لكن لم يتفق بذلك جميع رعايا السلطان، إذ رأت هذه الموجة الأخيرة من المهاجرين أن الأرض التي يستقرون عليها ليست مجرد ملجأ، بل دولة في طور الإنشاء. ومع تزايد وتيرة الهجرة والاستيطان الصهيوني، ازداد قلق جيرانهم المباشرين إزاء احتمالية التهجير الوشيكة. ومنذ مطلع القرن العشرين، أصبحت السياسة العثمانية تجاه الصهيونية موضع جدل وانتقادات متزايدة في الصحافة العربية. وهكذا نشأت العروبة من قلق متزايد إزاء وتيرة التغيير واتجاهه.</p>



<p>&nbsp;ومع ذلك، فبينما استمرت الإمبراطورية العثمانية، لم تتطور العروبة إلى قومية مكتملة الأركان. نادى أتباعها باللامركزية الإدارية، وليس بالاستقلال العربي، ولم تكن لديهم رؤية لنظام ما بعد العثمانية. تخيلوا حلاً في شكل حكومة مسؤولة، وأبدوا إعجاباً غامضاً بالديمقراطيات الليبرالية في الغرب، وخاصة في فرنسا وإنجلترا، على الرغم من أنهم لم يفهموا تماماً معنى شعار &#8220;الحرية&#8221;. وفوق كل ذلك، كانوا عمليين، ولم ينغمسوا في أحلام القوة العربية. كانت مظالمهم، على حد تعبير أحد منتقدي القومية العربية في وقت لاحق، محلية ومحددة؛ كانت تتعلق بجودة الخدمات الحكومية أو بالنطاق المناسب للإدارة المحلية؛ وكان أولئك الذين سعوا إلى الإنصاف من هذه المظالم في الغالب رجالاً معروفين في مجتمعاتهم، قادرين ربما على إجراء معارضة دستورية رصينة، ولكن ليس على الترفيه عن طموحات عظيمة لا حدود لها.</p>



<p>&nbsp;في عشية الحرب العالمية الأولى، كان لا يزال عدد قليل من المسلمين والمسيحيين الناطقين بالعربية لم يكن لديهم أي شك في شرعية الدولة العثمانية.</p>



<h2 class="wp-block-heading">الأمة العربية والإمبراطوريات الأوروبية</h2>



<p>فرضت الحرب العالمية الأولى على أتباع العروبة خياراً. فبعد تردد، دخلت الإمبراطورية العثمانية الحرب الأوروبية إلى جانب ألمانيا، مما دفع بريطانيا وفرنسا إلى تأجيج كل شرارة معارضة في الإمبراطورية. أما الحلفاء، فقد دعوا إلى استقلال ما أسموه &#8220;الأمة العربية&#8221;، ووجدوا في النهاية شريكاً في حاكم مكة المكرمة، الشريف حسين. </p>



<p>كانت لدى الشريف رؤية طموحة لـ&#8221;مملكة عربية&#8221; شاسعة لعائلته، وفي عام 1915، حصل على التزامات من بريطانيا بشأن استقلالها المستقبلي وحدودها. وفي عام 1916، رفع أخيراً راية الثورة ضد الحكم العثماني. لم تكن الثورة العربية التي اندلعت في شبه الجزيرة العربية مرتبطة ارتباطاً وثيقا بالفكر العروبي الذي برز في الهلال الخصيب، بل عبرت بأمانة عن طموح الشريف في الحكم، وعن حماس قبائل الصحراء العربية للبنادق والذهب البريطاني. ومع ذلك، أقام ابنا الشريف، الأميران فيصل وعبد الله، اتصالاتٍ مع الجمعيات العربية الموجودة في دمشق، وجنّدت الثورة ضباطاً عرباً منشقين فرّوا من الجيش العثماني. كان هؤلاء الضباط قد التحقوا بالأكاديميات العسكرية العثمانية، حيث تشربوا فكرة الجيش &#8220;مدرسة الأمة&#8221; من الضباط الألمان الذين دربوهم وقدّموا لهم المشورة. وهكذا، خلقت الثورة مزيجاً متقلباً، حلم المشاركون فيه، على اختلافهم، بأحلام مختلفة، كالملكية العربية، والفوضى الصحراوية، والدستورية الليبرالية، والديكتاتورية العسكرية.</p>



<p>مع استمرار الثورة، علّقوا خلافاتهم في سعيهم نحو الاستقلال. في عام 1918، ومع تراجع العثمانيين أمام القوات البريطانية في فلسطين، بلغت الثورة العربية ذروتها بانتصار قاده فيصل إلى دمشق، وشكّل هناك &#8220;حكومة عربية&#8221;. وفي عام 1919، ذهب إلى فرساي، حيث طلب الاعتراف بـ&#8221;الشعوب الناطقة بالعربية في آسيا&#8221; كـ&#8221;شعوب مستقلة ذات سيادة&#8221;، وعدم اتخاذ &#8220;أي خطوات تتعارض مع احتمال اتحاد هذه المناطق في نهاية المطاف تحت حكومة ذات سيادة واحدة&#8221;. أخيراً، في عام 1920، أعلن &#8220;المؤتمر السوري العام&#8221; استقلال &#8220;المملكة السورية المتحدة&#8221; التي ضمت بلاد الشام بأكملها، ونصّبَ الأمير فيصل ملكاً. ومن دمشق، أعلن &#8220;المؤتمر العراقي&#8221; أيضاً استقلال العراق، تحت حكم الأمير عبد الله.</p>



<p>دخلت الأمة عربية لعبة الأمم، ومنذ البداية، قدّم أعضاؤها مطالبات بعيدة المدى اصطدمت بمطالب أخرى. أبرزها، أن بريطانيا تعهدت بالتزامات حربية تجاه فرنسا والحركة الصهيونية. الأولى: ما يُسمى باتفاقية سايكس، بيكو، اعترفت سراً بمعظم شمال بلاد الشام كمنطقة امتياز فرنسي. والثانية: وعد بلفور، حيث دعمت علناً إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين. كما كان لبريطانيا مصالح استراتيجية واقتصادية في الأراضي التي طالب بها الشريف حسين وأبناؤه.</p>



<p>&nbsp;حُسمت المطالبات المتناقضة في أبريل/نيسان 1920، في مؤتمر سان ريمو، حيث اتفقت بريطانيا وفرنسا على تقسيم الأراضي العثمانية المحتلة، والتي خططتا لإدارتها بموجب انتدابات منفصلة تابعة لعصبة الأمم. وبناءً على هذه الاتفاقيات، طردت القوات الفرنسية فيصل وأتباعه من دمشق في معركة قصيرة في يوليو/تموز، وفرضت الحكم الفرنسي على سوريا الذي استمر ربع قرن. وفي الوقت نفسه، بدأت بريطانيا في الوفاء بالتزامها بموجب وعد بلفور بفتح فلسطين أمام هجرة واستيطان صهيونيين أوسع نطاقاً. اندلع العنف العربي ضد اليهود لأول مرة في أبريل، مُنذراً بالصراع بين العرب واليهود الذي أصبح سمةً ثابتةً من سمات الانتداب البريطاني على فلسطين.</p>



<h2 class="wp-block-heading">إعادة تعريف القومية</h2>



<p>في يونيو، اندلع تمرد واسع النطاق ضد البريطانيين في العراق، والذي قمعته القوات البريطانية بالقوة. واتهم القوميون العرب، على نحو متزايد، بأن الحكم العثماني قد حل محله الإمبريالية البريطانية والفرنسية، وهي حكومة أكثر غرابة من سابقتها الإسلامية. تحركت بريطانيا لتعويض قادة الثورة العربية عام 1921: فعيّنت فيصل ملكاً على العراق في حدود موسعة، وأنشأت إمارة شرق الأردن ضمن الانتداب على فلسطين، ثم أعفتها من الهجرة الصهيونية وسلمتها إلى عبد الله. لكن القوميين العرب كانوا يضمرون الآن ضغينة عميقة تجاه بريطانيا وفرنسا بسبب تقسيم الأراضي التي أرادوها، وحرمانهم من الاستقلال في فلسطين وسوريا، اللذين اعتقدوا أنهما وُعدوا بهما.</p>



<p>بدأت القومية العربية، التي كانت مستوحاةً من ليبرالية الغرب، تُعيد تعريف نفسها على أنها نفيٌّ لإمبرياليتها. كان للتقسيم التعسفي للهلال الخصيب صحة كبيرة. لم تكن أي من الدول الجديدة متناسبة مع مجتمع سياسي. سوريا، لبنان، العراق، شرق الأردن، فلسطين، لبنان. هذه الأسماء مستمدة من الجغرافيا أو التاريخ الكلاسيكي، وحدودها تعكس إلى حد كبير التنافس الإمبراطوري على الموقع الاستراتيجي أو النفط.</p>



<p>فقط فكرة لبنان كانت لها بعض العمق التاريخي، حيث حافظ المسيحيون الموارنة في جبل لبنان على شعور قوي بهوية منفصلة وحققوا بعض الحكم الذاتي حتى في أواخر العهد العثماني. لكن الموارنة كانوا قلة، وحدود لبنان التي رسمها الفرنسيون عام 1920 (بإصرار الموارنة) شملت أعداداً كبيرة من المسلمين. حاول الموارنة لاحقاً اختلاق فكرة أمة لبنانية، تتميز بتجارة بحرية وثقافة تعود إلى عهد الفينيقيين، قبل ظهور أي من الديانات المعاصرة للبنان. لكن الموارنة فشلوا في إقناع المسلمين في لبنان بأن فكرة &#8220;لبنان الأبدي&#8221; لا تعبر إلا عن التضامن الطائفي للموارنة أنفسهم.</p>



<p>اعتبر نصف سكان لبنان إدماجهم القسري في لبنان خدعة أخرى من خدع الإمبريالية، لا تقل قسوة عن الخدع الأخرى التي اعتقد القوميون العرب أنها استُخدمت ضدهم عام 1920. لكن فكرة الأمة العربية بدت تعسفيةً بالنسبة لمعظم من يُفترض أنهم أعضاء فيها. وقد أرضت هذه الفكرة صانعي الثورة العربية وداعميها، الذين أعادوا تنظيم صفوفهم في العراق بعد هروبهم من سوريا، وأقاموا هناك دولة قومية عربية أخرى. لكن في مجتمعات الهلال الخصيب المتشرذمة، لم يكن هناك سوى قلة من الناس معتادين على اعتبار أنفسهم عرباً. كما في العهد العثماني، استمر معظمهم في تصنيف أنفسهم حسب الدين والطائفة والنسب. كانوا مسلمين أو مسيحيين، سنة أو شيعة، موارنة أو دروز، أعضاءً في هذه العشيرة، أو تلك، أو العائلة، أو القبيلة، أو القرية، أو الحي الحضري. لم يرغبوا في أن يحكمهم أجانب من وراء البحار. لكنهم لم يرغبوا أيضاً في أن يحكمهم غرباء من وراء الصحراء، حتى لو تحدثوا العربية.</p>



<p>خلال الحرب، مارس بعضهم دبلوماسيتهم الخاصة، لضمان استقلالهم المنفصل. بعد الحرب، ثبت أن كسب ولائهم صعب، كما اكتشف القوميون العرب سريعاً. أثبتت الدولة القومية العربية بقيادة فيصل في دمشق أنها فوضوية، واعتمد حكمه اللاحق في العراق على حراب البريطانيين. في المراسلات، أطلق البريطانيون على فيصل لقب &#8220;المفروض العظيم&#8221;، غريباً عن رعيته، مُنح نظاماً سياسياً مجزأً بحدود تعسفية. كان القوميون العرب في حاشية فيصل يحلمون بدولة عربية عظيمة، ولكن كل ما استطاعوا فعله هو الحفاظ على وحدة العرب الذين حكموهم.</p>



<p>مع انجذاب الجماهير إلى القومية العربية التي لم تختر أن تكون عربية، طوّر القوميون العرب عقيدةً حرمتهم من أي خيار آخر. بين الحربين، تخلّى القوميون العرب تدريجياً عن الفكرة الفرنسية عن الأمة كعقد طوعي، يُشكّله الأفراد لضمان حريتهم. وباتت أمتهم، على نحو متزايد، تُشبه الشعب الألماني، أمةً طبيعيةً فوق كل إرادة بشرية، مُقيّدةً بغموض اللغة والتراث. وحدة هذه الأمة وحدها كفيلٌ باستعادة عظمتها، حتى لو كان ثمن الوحدة التنازل عن الحرية. كان لا بد من خوض هذا النضال ليس فقط ضد الإمبريالية، بل أيضاً ضد من يُريدون أن يكونوا عرباً أنفسهم.</p>



<p>&nbsp;لم يكن جميعهم راغبين في أن يكونوا عرباً، بل أعلن بعضهم صراحةً أنهم شيء آخر. في مثل هذه الحالات، أوكلت القومية العربية إلى نفسها مهمة تثقيفهم على الهوية العربية، ويفضل أن يكون ذلك بالإقناع، وإن لزم بالإكراه. يقول &#8220;ساطع الحصري&#8221; في كتابه &#8220;ما هي القومية&#8221; أول منظّر حقيقي للقومية العربية ومؤتمن على أسرار فيصل: &#8220;كل من يتكلم العربية فهو عربي. وكل من ينتمي إلى هؤلاء فهو عربي. فإن لم يكن يعلم ذلك أو لم يكن عزيزاً على عروبته، فعلينا أن ندرس أسباب موقفه. قد يكون ذلك نتيجة جهل، فعلينا أن نعلمه الحقيقة. وقد يكون ذلك بسبب جهله أو خداعه، فعلينا أن نوقظه ونطمئنه&#8221;. قد يكون ذلك نتيجة الأنانية؟ إذًا يجب أن نعمل على الحد من أنانيته.</p>



<p>أنذر هذا المقطع بانحراف القومية العربية بعيداً عن النموذج الليبرالي للمجتمع الطوعي. كتب الحصري عام 1930: &#8220;يمكننا القول إن النظام الذي يجب أن نوجه إليه آمالنا وتطلعاتنا هو نظام فاشي&#8221;، رافعًا شعار &#8220;التضامن والطاعة والتضحية&#8221;. وقد لاقت فكرة الأمة كجيش مطيع استحساناً فورياً لدى الجيش نفسه، وخاصةً لدى ضباطه. ترافق ذلك مع تنامي النزعة العسكرية، والاعتقاد بأن القوات المسلحة وحدها القادرة على تجاوز &#8220;أنانية&#8221; الطائفة والعشيرة، وفرض الانضباط على الأمة. وكان العراق رائداً في هذا التوجه. فقد نال استقلاله عام 1930وانضم إلى عصبة الأمم عام 1932. وبعد أقل من عام، ارتكب الجيش مذبحة بحق الأقلية الآشورية (النسطورية المسيحية)، المتهمة بالكفر. وفي عام 1936، أسس انقلاب عسكري ديكتاتورية عسكرية مكشوفة، باسم الوحدة الوطنية. أخيراً في عام 1941 قادت طغمة من العقداء العراق إلى حرب &#8220;تحرير&#8221; مع بريطانيا، والتي خسرها على الفور، والتي أشعل خلالها القوميون مذبحة ضد يهود بغداد.</p>



<p>&nbsp;أقليات يُساء معاملتها، وعسكريون أقوياء، ومعارك خاسرة. بالنظر إلى الماضي، توقعت تجربة العراق المبكرة في الاستقلال عصراً كاملاً من القومية العربية. ومع ذلك، اكتسبت هذه القومية، وامتدادها المُبالغ فيه، أي القومية العربية، شعبية هائلة منذ ثلاثينيات القرن العشرين. بدأت الهجرة المتسارعة من مخيمات الصحراء إلى المدن المستقرة، ومن القرى إلى المدن، في فكّ الروابط الأصيلة، مما قلّل من مقاومة الأيديولوجية القومية. ومع اتساع نطاق التعليم، قام المعلمون القوميون العرب بتلقين جماهير من الشباب، من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة. وأدى انتشار محو الأمية ونمو الصحافة العربية إلى نشر رسالة القومية العربية في كل فصل دراسي ونادٍ ومقهى.</p>



<p>في النقاشات العامة، سيطرت القومية العربية تدريجياً على الخطاب السياسي، وأصبحت جميع الولاءات الأخرى غير قابلة للوصف. كما بدأت تنتشر خارج الهلال الخصيب، لتشمل مصر أولاً، ثم شمال إفريقيا. خضعت إفريقيا الناطقة بالعربية للحكم الأجنبي قبل آسيا الناطقة بالعربية. بدأت فرنسا استعمار الجزائر عام 1830 واحتلت تونس عام 1881، بينما احتلت بريطانيا مصر عام 1882. في كل مرة، كانت هناك مقاومة للحكم الأجنبي. لكنها صيغت كوطنية محلية، وفي معظم الحالات، مشوبة بصبغة إسلامية قوية. وحتى ثلاثينيات القرن العشرين، لم يعتبر سوى قلة من المصريين أنفسهم عرباً، ولم يُدرج القوميون العرب الأوائل مصر في رؤيتهم. وفي شمال إفريقيا، كانت نسبة كبيرة من السكان تتحدث اللغة الأمازيغية، واتخذت مقاومة الحكم الأجنبي شكلًا إسلامياً، لأن الإسلام وحده هو الذي وحد سكانها. لكن تعريفاً للأمة العربية قائماً على اللغة لم يستطع أن يستبعد لفترة طويلة أفريقيا الناطقة بالعربية، وقد خلقت جغرافية الإمبريالية نفسها رابطاً محتملاً للتضامن بين الجزائري والسوري، والمصري والعراقي. بمرور الوقت، بدأ عدد متزايد من المصريين وشمال إفريقيا يعتبرون أنفسهم عرباً.</p>



<p> ومن المفارقات أن إمبراطوريتا بريطانيا وفرنسا ربطت الدول الناطقة بالعربية، والتي لم تكن تتمتع بروابط عضوية تُذكر في العصر العثماني، مما ألهم لأول مرة فكرة عالم عربي يمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج. في ذلك الوقت، لم يكن تقسيم هذا العالم قد بدا دائماً، ولم تكن رسالة القومية العربية، الداعية إلى الاستقلال التام ووحدة جميع العرب في كل مكان، تبدو مُفتعلة تماماً. </p>



<p><em>*</em> <em>أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا.</em></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/25/%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%a1/">القومية العربية في ميزان الانتماء</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2025/05/25/%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%a1/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الذكرى الخامسة والسبعين لاحتلال فلسطين : أكبر عملية تطهير عرقي في تاريخ البشرية</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2023/05/14/%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d9%86-%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%84-%d9%81%d9%84%d8%b3/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2023/05/14/%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d9%86-%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%84-%d9%81%d9%84%d8%b3/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 14 May 2023 09:22:25 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[إسرائيل]]></category>
		<category><![CDATA[الدولة الفلسطينية]]></category>
		<category><![CDATA[القدس]]></category>
		<category><![CDATA[القضية الفلسطينية]]></category>
		<category><![CDATA[النكبة]]></category>
		<category><![CDATA[حسن العاصي]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=4501952</guid>

					<description><![CDATA[<p> يشهد الوضع العربي تراجعاً في الدعم لفلسطين التي أخذت تتحول إلى أندلس جديدة سنفقدها للأبد أمام أعين الجميع.</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2023/05/14/%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d9%86-%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%84-%d9%81%d9%84%d8%b3/">الذكرى الخامسة والسبعين لاحتلال فلسطين : أكبر عملية تطهير عرقي في تاريخ البشرية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p><strong>قبل خمسة وسبعين عاماً، تمكنت العصابات الصهيونية عام 1948ـ بدعم مباشر من الاحتلال البريطاني، وتخاذل عربي ـ من السيطرة ـ بقوة السلاح، وارتكاب المجازرـ على القسم الأكبر من فلسطين، ومن ثم إعلان قيام إسرائيل، وبدء النكبة الكبرى للشعب الفلسطيني، بعد قتل 29 ألف فلسطيني على يد عصابات الحركة الصهيونية، والتهجير القسري الجماعي لحوالي 850 ألف فلسطيني، واقتلاعهم من بيوتهم وأراضيهم في 23 مدينة وما يقرب من 450 قرية التي تحولت أراضيها وأملاكها ومزارعها إلى أملاك لدولة الاحتلال.</strong></p>



<p class="has-text-align-left">بقلم <strong>د. حسن العاصي</strong></p>



<span id="more-4501952"></span>


<div class="wp-block-image">
<figure class="alignright size-full"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2021/01/حسن-العاصي.jpg" alt="" class="wp-image-252767"/></figure>
</div>


<p>النكبة الصغرى بدأت عام 1799 حين نشر نابليون بونابرت ـ خلال الحملة الفرنسية على العالم العربي ـ بياناً يدعو فيه إلى إنشاء وطن لليهود على أرض فلسطين بحماية فرنسية.</p>



<p>لم يُكتب لخطة نابليون الحياة، لكن البريطانيون أحيوها في عام 1917 بإعلان وعد بلفور الذي نص صراحة على إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، بعد أن دعا المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في عام 1897 إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين أيضاً.</p>



<p>تُشكل نكبة الشعب الفلسطيني أكبر عملية تطهير عرقي،&nbsp;وأكبر كارثة عرفتها البشرية بعد الحرب العالمية الثانية.&nbsp;شردت النكبة قسراً وبالقوة نحو 850 ألف فلسطيني، من أصل نحو مليون و400 ألف، إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة.</p>



<p>وأعلنت الحركة الصهيونية إقامة إسرائيل على أكثر من 85%&nbsp;من مساحة فلسطين التاريخية البالغة قرابة 27 ألف كيلومتر مربع، وجرى تدمير 534 مدينة وقرية وبلدة فلسطينية.&nbsp;سجل التاريخ الإجرامي للعصابات الصهيونية قيامها بأكثر من 76 مجزرة بحق الفلسطينيين، بلغ عدد ضحاياها حوالي 29 ألفاً، وتشريد قرابة 200 ألف فلسطيني، واعتقال 6700. وظل ـ رغم القتل التشريد ـ حوالي 150 ألف فلسطيني فقط في المدن والقرى العربية داخل إسرائيل، ارتفع عددهم ليصل نحو مليون و700 ألف حتى نهاية 2021.</p>



<p>&nbsp;فقدَ ما يزيد عن مئتي ألف فلسطيني حياتهم خلال الصراع المتواصل مع إسرائيل بعد النكبة عام 1948. وتم اعتقال ما يزيد عن مليون ونصف حالة اعتقال بحق فلسطينيين. ما زال حوالي 6000 أسير من بينهم في السجون والمعتقلات الصهيونية. لكن عدد الفلسطينيين قد تضاعف نحو عشر مرات منذ النكبة للآن ليصل إلى 14 مليوناً نهاية عام 2021.</p>



<p>دأب الشعب الفلسطيني ومناصريه داخل فلسطين وخارجها على إحياء ذكرى النكبة في كل عام، لتظل في ذاكرة الأجيال المتعاقبة، حتى استعادة الحقوق كاملة، وتحرير الأرض من الاحتلال البغيض.</p>



<h2 class="wp-block-heading">تواصل النكبات</h2>



<p>حال الشعب الفلسطيني اليوم وقضيته الوطنية، يؤكدان على استمرارية النكبة كفعل وجرائم متواصلة ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين. والواقع اليوم يدلل على أن تمدّد دولة الاحتلال الصهيوني شرقاً وغرباً منذ حرب يونيو/حزيران 1967 وفرض سيطرتها العسكرية وسيادتها الفعلية على الأراضي الفلسطينية، لم يكن ليتحقق لولا التخاذل العربي والوهم الفلسطيني الذي بدأ عام 1974 بإقرار البرنامج المرحلي.</p>



<p>ثم بدا وكأن شعار حل الدولتين قد حلَّ مكان شعار التحرير الكامل. استغلت إسرائيل حالة الشلل العربي الرسمي، والعجز الفلسطيني الرسمي لتصعيد مواقفها وتشترط الاعتراف بها كدولة يهودية دون أي التزام من جانبها للاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني. ثم المطالبة بالتخلي عن شعار دولة فلسطينية مستقلة.</p>



<p>وجدت العنجهية الصهيونية قبولاً عربياً رسمياً بدأ باتفاقيات &#8220;كامب ديفيد&#8221;، ثم تم تقزيم القضية الفلسطينية حين وقّعت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقية &#8220;أوسلو&#8221; التي انتهت دون أن تتمكن السلطة الفلسطينية من تحقيق أدنى إنجاز حقيقي وفعلي لصالح الشعب الفلسطيني.</p>



<p>&nbsp;<strong>اللامبالاة العربية الشعبية</strong><strong></strong></p>



<p>من نتائج الاستعصاءات في الحالة العربية، غياب الرد العربي الشعبي على تواتر الانهيارات والاخفاقات في الوضع العربي والفلسطيني الذي سلّم بالرواية الإسرائيلية الصهيونية، غير مدركين لتداعيات الاتفاقيات على واقع الصراع ومآلاته. حيث يعتبره الشعب الفلسطيني صراعاً وجودياً، فيما بات العرب يعتبرونه صراعاً على الحدود، بينما إسرائيل ابتلعت كل فلسطين، حتى تلك المناطق التي يجب أن تكون خاضعة كلياً ـ بحسب اتفاقية أوسلو ـ  للسيطرة الفلسطينية.</p>



<p>بات معظم العرب يتبنى الرواية الصهيونية على حساب المصالح والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وبعضهم أصبح يعتبر فلسطين وشعبها وقضيتها عبئاً يجب التخلص منه. حيث باتت معظم الدول العربية تتعمد تهميش القضية الفلسطينية، وتتجاهل حقيقة أن حالة الصراع الفلسطيني الصهيوني لا يمكن بترها وعزلها عن المحيط العربي والعمق الإقليمي، فكل العواصم العربية هي في قائمة المصالح والاستهداف الصهيوني.</p>



<p>هذا الوضع الذي نشأ في منظومة الصراع العربي الإسرائيلي أضعف منظمة التحرير الفلسطينية، وجرى إخضاعها للسلطة الفلسطينية بقيادتها الراهنة. ثم قامت أنظمة التطبيع العربية باستغلال هذا الضعف لزيادة التقرب من الدولة الصهيونية، وتأسيس علاقات ثنائية تطبيعية معها دون النظر في كل ما يعانيه الشعب الفلسطيني. وشجع إسرائيل على الاستمرار في سياسة القتل والاغتيالات والقمع والاعتقالات، وهدم منازل الفلسطينيين، والتمادي في إقامة المزيد من المستوطنات على حساب الأراضي الفلسطينية. وضاعف الانقسام الفلسطيني من إمعان إسرائيل في التنكر للحقوق الفلسطينية التاريخية.</p>



<h2 class="wp-block-heading">غير مؤهلين للدعم</h2>



<p>الموت السريري العربي أفضى&nbsp;إلى عدم وجود أية استراتيجية عربية حول إسرائيل، لا استراتيجية مواجهة ولا استراتيجية سلام. يشهد الوضع العربي تراجعاً في الدعم لفلسطين التي أخذت تتحول إلى أندلس جديدة سنفقدها للأبد أمام أعين الجميع.</p>



<p>يدرك الفلسطينيين أن الواقع العربي مثقل بالأعباء والأمراض والإشكاليات والتعقيدات السياسية والاقتصادية والأمنية، ويواجه الصراعات الداخلية والتحديات الاستثنائية بفعل سياسات الاستبداد لمعظم هذه الأنظمة، التي جعلت الشعوب العربية تلهث خلف لقمة العيش، وجعلتها عاجزة عن دعم القضية الفلسطينية، التي طالما جعلتها مطية لتحقيق المآرب على حساب مصالح الشعب الفلسطيني الذي يواجه مرحلة شديدة الخطورة، حيث يتعرض لأقذر المؤامرات وأفتكها وأكثرها سمية منذ قرن من الزمن، بهدف اغتيال القضية الوطنية الفلسطينية، وإماتة الحقوق الوطنية العادلة والمشروعة للشعب الفلسطيني، ووأد حلمه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.</p>



<p>أخفقت معظم الأنظمة العربية الاستبدادية في تحقيق شعاراتها المرتبطة بالوحدة والاشتراكية والاستقلال الوطني والحريات، وعجزت عن إحداث أية تنمية وتطوير في البنى الرئيسية، ولم تتمكن من إحراز مهام التقدم الاجتماعي. لكن هذه الأنظمة حققت نجاحاً لافتاً في بناء المؤسسات والأجهزة الأمنية التي تخصصت وأبدعت في قمع وقهر المواطنين وسحقهم، وحل كافة مؤسسات المجتمع المدني، وأغلاق أية إمكانية لتطور الوعي السياسي للناس، وتقويض مفهوم المواطنة، والقضاء على الحوار المجتمعي، وتشجيع الولاءات العرقية والإثنية والعشائرية والمناطقية، ونشر الفساد في مفاصل الدولة والمجتمع، والسماح للمفسدين أن يسمنوا ويتغولوا، وإعلاء المصلحة الخاصة على حساب قيم المنفعة العامة.</p>



<p><strong>حضور إسرائيلي طبيعي</strong></p>



<p>بعد مرور خمسة وسبعين عاماً على النكبة تغيب معظم الشعوب والأحزاب والقوى العربية غياباً فعلياً كاملاً عن المشهد السياسي والفعل المرتبط بفلسطين والقضية الفلسطينية. وتحضر الأنظمة العربية الاستبدادية المنهزمة أمام إسرائيل، والمنتصرة على شعوبها.</p>



<p>ويحضر الحكام العرب الذين يبدون ممانعة للاستجابة لأية مطالب من شعوبهم في تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية والمساواة، وإحداث بعض التحولات التي تخترق جدار التسلط والقمع والتحكم وتفضي إلى مناخات ديمقراطية، لكنهم يُظهرون الليونة والقابلية والتأييد لإقامة علاقات طبيعية للغاية مع الكيان الصهيوني، وعلى حساب المصالح والحقوق الفلسطينية.</p>



<p>غاب الجميع وحضرت إسرائيل في أكثر من عاصمة عربية، وحضر النشيد الوطني الإسرائيلي في داخل القصور الرئاسية والمدرجات الرياضية العربية.</p>



<p>تواصل إسرائيل نجاحها في اختراق العواصم العربية، في وقت تمعن فيه بقتل الفلسطينيين وتهوّد القدس. وأصبحت  تتأقلم وهي سعيدة مع وضعها الجديد كعضو مقبول ومرحب به من معظم الدول العربية، لذلك هي تعمل على تجاهل القيادة الفلسطينية، وشطب العمل الفلسطيني من حساباتها، وتتغافل عن أية حلول لصراعها مع الفلسطينيين، طالما أن علاقاتها مع معظم الأنظمة العربية والإسلامية في أحسن حال. كما أسقط معظم العرب من حساباتهم شرط إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، والتوصل إلى حل عادل وشامل يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، كشرط مسبق لقيام تطبيع عربي وعلاقات مع الكيان الصهيوني.</p>



<h2 class="wp-block-heading">كانت وستبقى</h2>



<p>في ذكرى النكبة الكبرى الخامسة والسبعين، التي تصادف الخامس عشر من أيار/مايو الجاري نؤكد أن فلسطين كانت قبل 7500 عام قبل الميلاد في جبل القفرة جنوبي الناصرة وسفح الرمل قرب طبريا. فلسطين الكنعانية كانت في العام 3000 قبل الميلاد. وكانت تحت الاحتلال اليوناني عام 332 قبل الميلاد. فلسطين كانت تحت الاحتلال الروماني في منتصف القرن السابع الميلادي. فلسطين وصل إليها عمر بن العاص حاملاً معه رسالة الإسلام العام 643 ميلادي، وتحررت فلسطين من الروم على يد خالد بن الوليد في معركة اليرموك الشهيرة. كانت فلسطين أموية في العام 661. وعباسية في العام 750. ثم دخلها الطولونيون والقرامطة. ثم احتلها الصليبيون العام 1095. وخاض صلاح الدين الأيوبي معركة حطين الشهيرة، واسترد بيت المقدس العام 1187ميلادي. وصدّ سيف الدين قطز والظاهر بيبرس الغزو المغولي على فلسطين العام 1259 ميلادي في معركة عين جالوت بعهد الدولة المملوكية. فلسطين دخلها العثمانيون العام 1516 ميلادي، مكثوا فيها أربعة قرون وخرجوا وظلت فلسطين. وهزمت مدينة عكا الفلسطينية بأسوارها حملة نابليون بونابرت العام 1799 ميلادي. فلسطين دخلها الجيش البريطاني العام 1917 ميلادي وخرج منها العام 1948، حين احتلها الصهاينة وأعلنوا فوق أراضيها دولة لهم. كان قد سبق هذا الإعلان حوالي نصف قرن من التخطيط والتنظيم والتدبير، وسوف يخرجون كما خرج غيرهم.</p>



<p>فلسطين التي كانت محور التقاطعات والتجاذبات والصراعات تاريخيا، سوف تظل في قلب الأحداث التي تجري مستقبلاً. فلسطين كان اسمها وسوف يظل، ولا يمكن للمنطقة أن تستقر دون حل عادل وشامل وكامل للقضية الفلسطينية، يعيد للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المسروقة، وتمكينه من إقامة دولته المستقلة فوق أرضه وعاصمتها القدس الشريف.</p>



<p><em>باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمرك.</em></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2023/05/14/%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d9%86-%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%84-%d9%81%d9%84%d8%b3/">الذكرى الخامسة والسبعين لاحتلال فلسطين : أكبر عملية تطهير عرقي في تاريخ البشرية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2023/05/14/%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d9%86-%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%84-%d9%81%d9%84%d8%b3/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
