<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>حسين الباردي الأرشيف - أنباء تونس</title>
	<atom:link href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d9%8a/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/حسين-الباردي/</link>
	<description>الأخبار في تونس، وحول العالم</description>
	<lastBuildDate>Tue, 18 Apr 2023 06:50:48 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=6.9.4</generator>

<image>
	<url>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2022/05/cropped-logo-anbaa-tounes-32x32.png</url>
	<title>حسين الباردي الأرشيف - أنباء تونس</title>
	<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/tag/حسين-الباردي/</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>قيس سعيّد والإسلام السياسي ومستقبل اليسار</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2023/04/18/%d9%82%d9%8a%d8%b3-%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d9%91%d8%af-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d9%88%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2023/04/18/%d9%82%d9%8a%d8%b3-%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d9%91%d8%af-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d9%88%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 18 Apr 2023 06:50:45 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[الشعبوية]]></category>
		<category><![CDATA[حسين الباردي]]></category>
		<category><![CDATA[سيف الدين مخلوف]]></category>
		<category><![CDATA[عبير موسي]]></category>
		<category><![CDATA[قيس سعيد]]></category>
		<category><![CDATA[كاميليا بن حسن الفرجاني]]></category>
		<category><![CDATA[وليد أحمد الفرشيشي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=4320942</guid>

					<description><![CDATA[<p>كتاب "دفاعا عن الشعبوية" لحسين الباردي مرشّح كي يصبح مرجعا لا فقط في مجال الدراسات الشعبوية وإنما أيضا في باب الدراسات السياسية العامّة. </p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2023/04/18/%d9%82%d9%8a%d8%b3-%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d9%91%d8%af-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d9%88%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84/">قيس سعيّد والإسلام السياسي ومستقبل اليسار</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p><strong>صدر عن دار &#8220;أركاديا&#8221; للنشر بتونس كتاب &#8220;دفاعًا عن الشعبوية: قيس سعيّد والإسلام السياسي ومستقبل اليسار&#8221; للكاتب التونسي المقيم بباريس الدكتور حسين الباردي، وهو أوّل كتاب له بالعربية حسبما صرّح به المؤلف في حوار مطوّل مع موقع &#8220;صوت الضفتين&#8221; بتاريخ 10 أفريل/نيسان 2023. وقد اختار الباردي التعبير بلغة الضاد مفضلا إياها على لغة فولتير التي درج على استعمالها منذ أكثر من ثلاثين سنة وذلك حرصًا وغيرة منه على المساهمة في اثراء لغته الأصلية وليس لغة أخرى غيرها، ولسان حاله يردّد مع الفيلسوف الروماني المغترب أميل سيوران &#8220;نحن لا نسكن الأوطان بل اللغة&#8221;.</strong></p>



<p class="has-text-align-left">بقلم <strong>كاميليا بن حسن الفرجاني</strong></p>



<span id="more-4320942"></span>



<p>&#8220;دفاعًا عن الشَّعبويّة&#8221; يقع في 531 صفحة من الحجم الكبير في طبعة أنيقة جدّا اعتمدت خطّ &#8220;النستعليق&#8221; (الفارسي) الذي يتصدّر طليعة الخطوط العربية-الإسلامية من حيث الجمال. أمّا عن لوحة الغلاف (للفنانة هالة الوريمي، زوجة الكاتب) فهي عمل تشكيلي بالألوان المائية لعمليّة تحويل وجهة سكّة حديدية… إلى اليسار! وكأننا بالكاتب ينبّهنا منذ اللحظة الأولى وحتى قبل أن نفتح الكتاب إلى أن المتن المعروض علينا يختلف جذريّا عن السائد ممّا كُتِب حول الشَّعبوية.</p>



<p>ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول متوازنة، بالإضافة إلى المقدّمة والخاتمة: 1) الانعتاق من مصفوفة التفكير الأحادي كشرط مسبق للمغايرة &#8211; 2) شعبوية أم شعبويات ؟<br>3) بناء الشعب &#8211; 4) نقد الشَّعبويات التونسية الراهنة &#8211; 5) مدخل إيكولوجي للمساهمة في بناء شعبوية يساريّة ثوريّة.</p>



<p>مقدّمة الكتاب مهمّة لأنها لم تكتف بإعلان خطة البحث ومنهجه كما أنها لم تتوقف على التعريف بأهمية الموضوع وراهنيته بل تجاوزت هذا وذاك بالدخول مباشرة في صلبه<br>من خلال المقارنة بين ظروف نشأة الديمقراطية الحديثة والموقف شبه الهيستيري من الشَّعبوية الذي يسيطر في الفضاء العام السياسي والمعرفي والإعلامي، أو ما يسمّيه الكاتب &#8220;النخب النظامية المتعالية&#8221;. </p>



<h2 class="wp-block-heading">&#8220;فزّاعة يستخدمها الأوغاد لخداع الجهلة&#8221;</h2>



<p>لقد كشف الباردي كيف أن البدايات التاريخية للديمقراطية الحديثة في أوروبا وأمريكا تمّت تحت شعار الوصم العنيف. من ذلك ما قاله جاك بريسّو (أحد زعماء اليمين المتحالف مع الملكية في الثورة الفرنسية) من أن الديمقراطية هي &#8220;فزّاعة يستخدمها الأوغاد لخداع الجهلة&#8221;، أو ما قاله فرانسوا غيزو رئيس المجلس الوزاري في الأشهر الأخيرة من &#8220;مَلَكِيَّةِ جويلية/يوليو&#8221; التي أطاحت بها ثورة 1848 الذي يرى في الديمقراطية &#8220;فكرة مُمِيتة تشعل فتيل الحرب بيننا باستمرار (…) وهي تحديدا الفكرة التي يجب اجتثاثها&#8221;. </p>



<p>نفس العداء والكراهية العميقة نجدهما عند دجون أدامس، الرئيس الثاني للولايات المتحدة، الذي وصف الديمقراطية بـ&#8221;نظام الحكم التعسفي والاستبدادي والدموي والشرّير الذي لا يطاق&#8221;. والباردي إذ يذكّر بهذا الحقد الدفين على الديمقراطية من طرف &#8220;الآباء المؤسسين للبرالية&#8221;، كأننا به يقول لنا أن السخط المسلط على الشَّعبوية آيل، كسابقه، إلى الزوال، بدليل أن العديد من الزعماء السياسيين اليساريين واليمينيين على حدّ سواء لا يرهبهم نعتهم بالشَّعبويين ومنهم حتى من يفتخر بإشهار هذه العلامة وهو أحدهم. </p>



<p>من هذا المنطلق صرّح الكاتب منذ الوهلة الأولى اعتماده تقنية خطابية تسمّى في الأسلوبية &#8220;أنتيباراستاز&#8221;، وهي عبارة تتركب من الكلمتين اليونانيتين &#8220;أنتي&#8221; التي تعني ضدّ و&#8221;باراستاز&#8221; وتعني الحجّة، أي أنه عِوض أن يتبرّأ المرء ويتنصّل ممّا ينسب إليه تقذيعا، يتبنّي الموقف محلّ التهجّم ويتولّى الدفاع عنه بافتخار&#8221;. لذلك اقترح الدكتور الباردي ترجمتها بالانقلاب الدلالي. وبذلك يكون الكاتب قد هيأ القارئ بإعطائه انطباعا أوليّا عن &#8220;نوعيّة&#8221; الرحلة والوجهة التي سيأخذه إليها في الفصل الأوّل انكبّ الدكتور الباردي على تفكيك ما يسميه &#8220;السردية الرأسمالية المهيمنة على نطاق عالمي والعمل على نسف نواتها الصلبة&#8221; المتمثلة في القول بأن الرأسمالية أثبتت بشكل قطعي ونهائي تفوّقها على &#8220;الاشتراكية&#8221; و&#8221;الشيوعية&#8221; منذ انهيار المعسكر الشرقي وسقوط سور برلين نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وبالتالي لا بديل عن نظامها الاقتصادي وديمقراطيتها اللبرالية. من ثمّ كان الحديث عن &#8220;نهاية التاريخ&#8221; (فوكوياما) وموت السرديات الكبرى وحلول &#8220;صراع الحضارات&#8221; (هونتنغتون) محلّ الصراع الذي كان ينبني على الاثنينية الإيديولوجية خلال الحرب الباردة، وأن الصراع سيدور مستقبلاً بين &#8220;الحضارة الأوروبية&#8221; و&#8221;الحضارات الشرقية&#8221;، أي باختصار بين الغرب بامتداده الأمريكي من جهة و&#8221;الإسلام&#8221; والصين خصوصًا من جهة ثانية.</p>



<p> ولقد تمّ تسويق هذه السردية المركزية-الأوروبية على نطاق كوني عبر رصد الأموال الطائلة والجحافل الجرّارة من المرتزقة و&#8221;كلاب حراسة&#8221; النظام الجديد القائم على الأحادية القطبية. ممّا أفضى إلى عولمة النظام الرأسمالي وتركيز مسخ من الديمقراطية اللبرالية في بعض المجتمعات الطرفية الذليلة، وكذلك استبطان هذا &#8220;السيناريو&#8221; محكم الإخراج من طرف أعداد غفيرة ممّن كانوا يدّعون رفع راية الاشتراكية، بدليل أنهم تخلّوا في لمح البصر &#8220;صاغرين&#8221; على كلمتي اشتراكية وشيوعية في تسميات أحزابهم النخبوية البيروقراطية. وبما أن الأفكار المهيمنة في حقبة ما لا تعدو كونها أفكار الطبقة المسيطرة في نفس تلك الحقبة (ماركس) فإن هذه المروية سرعان ما تحوّلت إلى &#8220;باراديغم كوني&#8221; يضبط الاطار المعرفي والحدود الفاصلة بين &#8220;المعقول&#8221; و&#8221;اللامعقول&#8221;، &#8220;الممكن&#8221; و&#8221;غير الممكن&#8221;، &#8220;الصحّي&#8221; و&#8221;المرضي&#8221;، &#8220;الطبيعي&#8221; و&#8221;غير الطبيعي&#8221;… </p>



<h2 class="wp-block-heading"> نسف &#8220;الحزمة الدغمائية&#8221;</h2>



<p>وقد تولّى الدكتور الباردي نسف هذه &#8220;الحزمة الدغمائية&#8221; التي تتخذ اليوم شكل النيولبرالية من حيث هي &#8220;الاعتقاد شبه اللاهوتي في قدرة السوق المتحرّرة من كل الضوابط والقيود على تحقيق النمو الاقتصادي والرخاء الاجتماعي الدائمين وتجاوز كل العقبات التي تحول دون ذلك&#8221;، مبرهنا على ديمومة الأزمة العضوية للرأسمالية وحقدها الدفين على الديمقراطية البورجوازية ذاتها (كالثعبان الذي يلتهم ذيله)، وذلك من خلال أمثلة عينية معاصرة اعتبرها الكاتب افراز منطقي للجذور التاريخية لليبرالية السياسية والاقتصادية في أمريكا وأوروبا (دجون لوك، سيياس، غروسيوس، توكفيل، أدم سميث…)، وهو ما يسميه &#8220;الخطيئة الأصلية&#8221;، وفشلها الذريع في الإيفاء بوعودها الكاذبة لجهة أنها لم تنجح إلاَّ في تكريس المزيد من الظلم الاجتماعي وتعميق الفوارق الطبقية والهوة السحيقة بين الأوليغارشية، لا سيما المالية، وجموع الشعب العامل؛ بين من يسميهم الكاتب &#8220;البُوفْرِيتَارْيَا&#8221; (طبقات الفقراء) والأقلية الميكروسكوبية من الأثرياء وأصحاب الامتيازات، فضلا عن تدمير المكتسبات الاجتماعية ومفاقمة &#8220;البطالة الجموعية الدائمة&#8221; وتدمير الإنسان الذي أصبح لا يُنظر إليه إلا كـ&#8221;رأس مال بشري&#8221; و&#8221;موارد بشرية&#8221; لا تختلف عن المواد الأولية والطاقة الأحفورية التي يتم التصرف فيها بالاستغلال والاتلاف. والنتيجة &#8220;تبضيع&#8221; للإنسان المستلب إلى أقصى الحدود وتدمير له وللطبيعة والبيئة والمناخ بالدرجة التي أصبحت تهدد كوكب الأرض ومن عليه بالزوال والاندثار.</p>



<p>وخلاصة هذا الفصل الأوّل من &#8220;دفاعًا عن الشعبوية&#8221; هو أن &#8220;التحبير الإسهالي&#8221; فيما غدا يعرف &#8220;الدراسات الشَّعبوية&#8221; لا يعدو كونه، من وجهة نظر الكاتب، نتاجًا يكاد يكون سببيًّا- مباشرا لمصفوفة الفكر الأحادي البورجوازي التي سيّجت حدود &#8220;الفكر السويّ&#8221; الذي لا يمكن إلا أن يناصب &#8220;بطبيعة الحال&#8221; العداء للشَّعبوية لأنها تشكّل &#8220;الخطر الأكبر الذي يهدّد الديمقراطية اللبرالية&#8221;. من هنا، يقول الباردي، كانت ضرورة &#8220;الخلع&#8221; (والتفكير كمن يمارس الضرب بالمطرقة على الطريقة النيتشوية) والقيام بالنقد المضاعف، &#8220;نقد-نقد- الشعبوية&#8221;، وكسر الحواجز والعقبات الابستمولوجية والإيديولوجية والسياسية المانعة من تفكّرها (أي الشَّعبوية) بحرية أي من خارج النطاق والمناخ المعرفي الخانق الذي يضبط &#8220;خلسةً&#8221; ما هو مباح بحسب وجهة نظر النظام المعرفي المهيمن.</p>



<h2 class="wp-block-heading"> تحرير اليسار العربي من &#8220;سطوة الاشعار بالذنب&#8221;</h2>



<p>في الفصل الثاني من الكتاب وتحت عنوان &#8220;شعبوية أم شعبويات ؟&#8221; سعى الدكتور الباردي إلى &#8220;إحياء&#8221; التمييز يسار/يمين الذي &#8220;توهّم كلاب حراسة البورجوازية المسيطرة ونظامها النيولبرالي المهيمن عالميّا أنهم قد دفنوه إلى الأبد&#8221;. وفعلاً فإن ظهور وتنامي الشَّعبوية في شتّى أنحاء العالم قد شكّل الدليل على زيف هذا الادعاء، لأنه &#8220;حيثما وجدت شعبويّة يمينية في أي نقطة من نقاط العالم إلاّ وانتصبت قبالتها وفي مواجهتها شعبوية يسارية تقدمية تكشف طبيعتها المحافظة والرجعيّة والعنصريّة وفي بعض الأحيان الفاشية أيضا&#8221;.</p>



<p>الاستثناء الوحيد لهذه الثنائيات المعمّمة هو الحالة العربية التي لم تعرف لحدّ الآن سوى الشعبوية اليمينية، والسبب في ذلك، بحسب الباردي، يعود إلى انحسار اليسار العربي<br>و&#8221;استبطانه للخطاب المهيمن والتجريمي&#8221; المعادي للشَّعبوية بشكل مطلق وبدون تمييز.</p>



<p>ومن أجل تحرير اليسار العربي من &#8220;سطوة الاشعار بالذنب&#8221; الذي تكبّله به &#8220;النخبة النظامية المتعالية&#8221; فإن الكاتب لجأ إلى ما يشبه الحفر الأركيولوجي الفوكلدي (نسبة إلى ميشال<br>فوكو) بالرجوع رأسا إلى كارل ماركس، وتحديدًا ما يسميه الباردي &#8220;ماركس الأخير&#8221; في إشارة إلى العشر سنوات الأخيرة من حياة الفيلسوف الألماني الذي &#8220;حبّر خلالها ما لا يقل عن 30000 صفحة من الحجم الكبير أطلق عليها الباحثون المختصّون في الدراسات الماركسية &#8220;الكرّاسات الاثنولوجية&#8221; والتي إلى اليوم لم تنشر بعدُ بالكامل&#8221;، وكذلك بالرجوع إلى مراسلات ماركس خلال نفس الفترة. هذا البحث الاستقصائي بامتياز يكشف لنا، لأول مرّة عربيّا، أن ماركس كان صديق التيّار الشعبوي الثوري (النارودنيك) في روسيا القيصرية لا سيما خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر (تشيرنيشفسكي، تكاتشيف، فيرا زاسوليتش، لافروف، كوفالسكايا، الخ)، وأنه أجبر نفسه على تعلّم اللغة الروسية في وقت قياسي بغاية النفاذ مباشرة إلى المصادر التي كان يحتاجها لفهم ومتابعة التطورات الخطيرة التي كانت تعتمل في هذا &#8220;البلد الزراعي المتخلف القائم على نمط الانتاج شبه الآسيوي، وحارس الرجعيّة الأوروبية الغربية &#8220;. هذا الفصل المجهول لحدّ الآن من تاريخية الفكر الماركسي سيقلب رأسا على عقب الفهم &#8220;الماركسي&#8221; المتوارث بخصوص الشَّعبوية.</p>



<p>لذلك نحن لا نرى بدّا من موافقة الناشر (الأديب والمترجم والشاعر وليد أحمد الفرشيشي) فيما ذهب إليه من أن كتاب &#8220;دفاعا عن الشعبوية&#8221; هو بالفعل &#8220;متن زلزالي&#8221;. فماركس لم يكتف فقط بعدم إدانة الشَّعبوية بل ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير لمّا قال إنّ المشاعة الريفية الروسية باستطاعتها، متى استوفت الشروط الضرورية لذلك، أن تجنّب روسيا ويلات النظام الرأسمالي وتحقق الانتقال مباشرة إلى الاشتراكية، بالضبط مثلما كانت تنادي بذلك الشعبوية الروسية الثورية منذ كتابات تشيرنيشفسكي. وهذا الموقف الذي ضمّنه ماركس الجواب (بمسودّاته الأربع الطويلة) الذي أرسله إلى فيرا زاسّوليتش كان قد أتاح له فرصة توضيح (ولربّما تصحيح) &#8220;الأحادية الخطية&#8221; المتعلقة بتعاقب أنماط الإنتاج التاريخية، من مشاعة بدائية إلى عبودية فإقطاعية ثم رأسمالية وصولا في النهاية إلى الاشتراكية والشيوعية. ماركس قال دونما لبس أو غموض أن هذا التمرحل لا ينطبق إلاّ على<br>المجتمعات الأوروبية الغربية فاتحا بذلك على مصرعيه باب الثورات الاشتراكية في المجتمعات الطرفية الغير خاضعة بالكامل للرأسمالية. لذلك نحن نتفهّم النقد اللاذع وحتّى العنيف الذي وجهه الدكتور الباردي للينين المتهم بتزوير الحقائق التاريخية والتحامل المغرض على الشعبوية الثورية من خلال اختياره (أي لينين)، في كتابه &#8220;تطوّر الرأسمالية<br>في روسيا&#8221;، وجوها &#8220;شعبوية قانونية لا علاقة لها اطلاقا بالشعبوية الحقّة، الثورية&#8221;، واعتبارها، عن قصد وسوء نيّة، الممثل الوحيد للشعبوية رغبة منه في نزع المصداقية عن<br>الشعبويين الثوريين الذين ساندهم ماركس بوضوح واستفاد كثيرا من طروحاتهم إلى درجة أنه قيل أن الماركسية لا تنبني فقط على الفلسفة الألمانية والاقتصاد السياسي الإنجليزي<br>والاشتراكية الفرنسية وإنما أيضا على الشعبوية الثورية الروسية كمرجع رئيسي رابع.</p>



<p>وفي الجزء الأخير من هذا الفصل الثاني قدّم الكاتب قراءة مجدِّدة للتجربة الفلاحية &#8220;التأسيسية بكل المقاييس&#8221; في بلدة جمنة الواقعة بالجنوب الغربي التونسي معتبرا إياها أوّل<br>تجربة مجالسيّة ناجحة في البلاد ولربّما في العالم العربي ترتقي إلى مصاف التجارب الثورية التي عرفتها ولا تزال أمريكا اللاتينية. وفي هذا السياق أكّد الباردي على أصالة هذه<br>التجربة التي قدّمت الدليل على إمكان تأسيس ما يسمّيه &#8220;الديمقراطية التحتية&#8221; كنقيض وبديل عن &#8220;الديمقراطيّة الفوقية&#8221; اللبرالية التي تعيش خاصّة في السنوات الأخيرة حالة احتضار في كل الأنظمة السياسية التي تعتمدها أو تدّعي الأخذ بها.</p>



<h2 class="wp-block-heading">إعادة تأسيس &#8220;حكم الشعب من وإلى الشعب&#8221;</h2>



<p>وفي الفصل الثالث، الذي يحمل عنوان &#8220;بناء الشعب&#8221; اهتمّ الكاتب بدراسة مفهوم الشعب وعلاقته بالسياسة والسلطة والديمقراطيّة، وذكّر بالتلازم التاريخي بين &#8220;الديموس&#8221; (الشعب) و&#8221;الكراتوس&#8221; (السلطة) بالرجوع إلى لحظة التأسيس التاريخي الأولى للديمقراطية في أثينا القرن الخامس قبل الميلاد، وكيف أن السياسة بالمعنى الفلسفي الدقيق للكلمة لا وجود حقيقي لها إلاّ كنتيجة للنزاع والصراع بين من يستأثرون بالسلطة والرساميل جميعها، الماديّة والرمزية، وأولئك الذين يسميهم الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيار &#8220;من ليس لهم نصيب&#8221; في الثروة وسلطة القرار والتسيير. ولكي يثبت تهافت الديمقراطية النيابية اللبرالية عاد الكاتب إلى الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دي توكفيل الذي تحدّث منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، في كتابه الشهير &#8220;في الديمقراطية بأمريكا&#8221;، عن الاستبداد الديمقراطي الذي يلازم الديمقراطية التمثيلية كظلها، وهو، بحسب الباردي، ما انتهت إليه فعلاً الديمقراطية اللبرالية في السنوات الأخيرة. </p>



<p>ثمّ تساءل الكاتب عن السبل الكفيلة بإعادة تأسيس &#8220;حكم الشعب من وإلى الشعب&#8221; بالاعتماد على &#8220;الاسهام الحاسم&#8221; للفيلسوف الأرجنتيني أرنستو لاكلو من خلال كتابه الأهمّ العقل الشعبوي. فبناء الشعب ممكن من وجهة نظر شعبوية، ولكنه عسير ويتطلب تجميع الشروط التكوينيّة لـ&#8221;النحن&#8221;/الصديق في مواجهة &#8220;الهم&#8221;/العدوّ، وإتقان التحكّم في ميكانيزمات اشتغال الفعل السياسي الجمعي لا سيما &#8220;سلسلة المتكافئات&#8221;. </p>



<p>ثمّ انكب الباردي على تفصيل القول فيما سمّاه هندسة بناء الشعب (أرنستو لاكلو) والتمييز صديق/عدو (كارل شميت) والهيمنة (أنتونيو غرامشي) والبروباغندا (والتر ليبمان و إدوارد بارنيز) ونمط انتاج الخبر وصناعة الرأي العام (ناعوم تشومسكي و إدوارد هيرمان)، لأن كل هذه الموضوعات تتداخل فيما بينها كي تفضي في النهاية إلى الحصول على مصادقة الشعب وقبوله &#8220;الطوعي&#8221; لسلطة النخبة النظامية المتعالية ومن ثمّ ضمان شروط إعادة انتاج العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التراتبية الاستغلالية، وهو ما يسمّيه &#8220;إيتيان دو لابويسي&#8221; العبودية المختارة. </p>



<p>وإنه بعد العرض والتفكيك والمناقشة ارتأى الباردي ضرورة تخصيص عملية المرور من الوعي بفبركة القبول إلى الرفض النشيط له من خلال نقد الواقع الاعلامي التونسي لا سيما المرئي &#8220;الغارق حتى الأذنين في ممارسة الشعبوية المشهدية البذيئة والمبتذلة&#8221;، في ذات الوقت الذي يمارس فيه بدون انقطاع حقده على الشعبوية السياسية، وهو ما وصّفه الكاتب بـ&#8221;السكيزوفرينيا المشهديّة&#8221;. </p>



<p>وفي آخر هذا الفصل، ضمن الحوصلة الجزئية، اقترح الدكتور الباردي تعريفًا عامّا للشعبوية ينطبق على اليمينية منها كما اليساريّة، سماه &#8220;الحاوية الشعبوية&#8221; اعتبارًا لإمكان شحنها، بدون تمييز، بمضامين سياسية وإيديولوجيّة مختلفة حدّ التناقض. والشعبوية بالنسبة للدكتور الباردي هي منطق سياسي يسعى إلى بناء الشعب أفقيّا وعموديّا، انطلاقا من الأسفل وعلى قاعدة التمييز صديق/عدو، نحن /هم، عبر الاتصال المباشر أو الافتراضي بالجماهير اعتمادًا على أسلوب خطابي مبسّط لا يهمل الوجدانيات ويطرح نفسه بديلا عن هيمنة الأحزاب السياسية التقليدية والنخب النظامية المتعالية التي إمّا تتجاهل المطالب الاجتماعية الشعبية أو تعجز عن تلبيتها، بما يؤول إلى مفاقمة الأزمة العضوية للدولة والمجتمع ويرشِّح قوى الهيمنة النقيضة على إزاحتها من السلطة.</p>



<h2 class="wp-block-heading">نقد الشعبويات التونسية الراهنة</h2>



<p>أمّا الفصل الرابع فقد خصّصه الكاتب &#8220;لنقد الشعبويات التونسية الراهنة&#8221; التي حصرها في ثلاث تيارات رئيسية: 1) الشعبوية اليمينية الدينية العدوانية (سيف الدين مخلوف) ؛ 2) الشعبوية اليمينية-&#8220;الدستورية&#8221; (عبير موسي) ؛ 3) &#8220;الشعبوية الازدواجية الثوريّة/المحافظيّة للرئيس قيس سعيّد. وبذلك يكون قد انتقل الكاتب من نقد-نقد-الشعبوية إلى نقد الشعبوية، وذلك بعد ازاحة العقبات المعرفيّة والايديولوجيّة المانعة من تفكّر الشعبوية بتجرّدٍ وموضوعيّة والتحرّر من الباراديغم (توماس صمويل كون) النظامي الذي يفرض نطاق و&#8221;معقولية&#8221; الأسئلة والأجوبة المفصلية. </p>



<p>ولقد أفضى تفكيك خطاب هذه الشعبويات إلى تحديد القاسم المشترك فيما بينها ألا وهو المحافظية المجتمعيّة (تكريس اللامساواة بين المرأة والرجل (الميراث) وعقوبة الإعدام وتجريم الحريات الشخصيّة ومنها المثلية الجنسية، الخ.)، مع تفرّد شعبوية قيس سعيّد بخطاب مزدوج يتأرجح بين المناداة بضرورة تثوير الثورة، من ناحية، وتكريس اللاعدالة المجتمعيّة والموروث اللاعقلاني في التراث الإسلامي، من ناحية ثانية. وبعبارة أخرى فإن نقد هذه النماذج الشعبوية المحلية (من وجهة نظر شعبوية يساريّة) يعادل نقد سكونيّة المجتمع العربي الإسلامي برمّته. هذا وإن رصد التعبيرات الشعبوية التونسية &#8220;كشف بما لا يدع مجالا للشك أفول اليسار خاصّة الماركسي&#8221;، ممّا يشكّل مفارقة لافتة مقارنة بغالبية التجارب العالمية التي تشهد تلازم/تزامن الضدّين الشعبويين: &#8220;ما من شعبوية يمينية رجعيّة إلا ووُجدت في مواجهتها شعبوية يسارية تقدمية&#8221;.</p>



<p>في هذا الفصل المخصّص لـ&#8221;تفكيك&#8221; الشعبويات التي تشكلت في تونس منذ انتخابات 2019، نجد نقدًا صارما لمواقف الشعبويات الثلاث المدروسة من بعض القضايا المجتمعية<br>كـ&#8221;المثلية الجنسية&#8221; وكذلك ما يمكن تسميته &#8220;تصفية حساب الشعبوية الماويّة&#8221; (نسبة إلى ماو تزي تونغ) التي يبدو أن قيس سعيّد اقتبس منها أحد محاور حملته الانتخابية متمثلا في<br>&#8220;الثورة الثقافية&#8221;. وهذا في الحقيقة منسجم مع الطرح الذي يتبناه الكاتب بخصوص إعادة تأسيس اليسار الماركسي بعيدًا عمّن يعتبرهم &#8220;أساؤوا كثيرا لماركسيّة ماركس أكثر مما<br>أفادوها&#8221; ويقصد تحديدا لينين تروتسكي وستالين وماو تسي تونغ والأمميتين الثانية والثالثة. فبعد أن تولّى الكاتب فكّ الارتباط التقليدي بين ماركس ولينين الذي كرسته دهرًا عبارة<br>&#8220;الماركسية اللينينية&#8221; بمناسبة التعريف بموقف ماركس المناصر والداعم للشَّعبوية الثورية الروسية في تناقض صارخ مع موقف لينين الذي بخّسها واحتقرها و وفيما بعد (خلال<br>الثورة الروسية) قام بتصفية ورثتها الممثلين في حزب &#8220;الاشتراكيين-الثوريين&#8221; الذين تحاف معهم الحزب البلشفي ثم صفّاهم كغيرهم من الأحزاب والحركات السياسية والنقابية غير المنسجمة مع &#8220;الخطّ الصحيح&#8221;، ها هو الباردي في هذا الفصل يفكّك تمثالا آخر من تماثيل &#8220;الماركسية&#8221; التي تبرأ منها ماركس، مجسّد هذه المرّة في &#8220;الربّان الأكبر&#8221;، ماو تزي تونغ.</p>



<h2 class="wp-block-heading">في بناء شعبوية يسارية ثوريّة</h2>



<p>الفصل الخامس والأخير يحمل عنوان &#8220;مدخل إيكولوجي للمساهمة في بناء شعبوية يسارية ثوريّة&#8221; أراد من خلاله الكاتب التأكيد على أن الشعبوية التي ينادي بتأسيسها لا تهدف فقط إلى التصدّي للشعبوية اليمينية و&#8221;النخبة النظامية المتعالية&#8221; وإنما هي تهدف أيضا وأساسًا إلى بناء &#8220;الاشتراكية-الايكولوجية&#8221; (علما وأن الاشتراكية حسب رأيه هي ديمقراطية تحتيّة تعريفا والايكولوجيا راديكالية تعريفا هي أيضا) والخروج من المنوال الحضاري الرأسمالي القائم على الاستخراجوية (الافراط في استنفاذ مصادر الطاقة الأحفورية غير المتجددة) والانتاجوية (تكثيف إنتاج البضائع ذات الصلاحية المحدودة زمنيّا بغاية تكثيف الاستهلاك تحقيقا للربح ولا شيء غير الربح) والاستهلاكوية (اصطناع الحاجة والطلب لتسويق البضائع ذات مدّة الصلاحية الوجيزة)، وإنقاذ كوكب الأرض ومن عليه من الفناء والدمار الذي يتهدّدنا بفعل تعاظم الكارثة البيئية الكونية المتسبّب فيها مباشرة وبشكل يداد يكون حصريّا طغيان التصنيع الرأسمالي الملوِّث وحضارته الفردانيّة الهدّامة. </p>



<p>كما إن هذا الفصل يقيم الحجّة على ارتباط اللاعدالة الاجتماعية باللاعدالة البيئية ؛ فـ&#8221;جغرافيا&#8221; الفقر والاستغلال والتهميش تتقاطع مع جغرافيا الكوارث والأزمات البيئية. كان إذًا من الضروري تسليط الضوء على هذا المعطى الرئيس، والدعوة إلى التسلح نظريّا وتنظيميّا من أجل مقاومته، فالتحديات البيئية ليست بمعزل عن الصراع الطبقي بل هي جزء صميمي منه وجب التصدّي لها في اطار العمل على تجاوز التناقض الرئيسي بين رأس المال والعمل. وإنه بالاستناد إلى هذه الرؤية الشاملة قد نادى الكاتب بضرورة استنهاض اليسار الماركسي وانتشاله من سباته الذي طال &#8220;وبثّ الحركة من جديد في جسمه المتنمّل&#8221;. فبعد &#8220;الصدمتين الكهربائيتين&#8221; السابقتين اللتين ألحقهما به الكاتب من خلال تبنّيه للشعبوية (اليسارية)، والتعريف بموقف &#8220;ماركس الأخير&#8221; الداعم لها بوضوح لا لبس فيه، على العكس من &#8220;موقفهم المعاصر المصدّق بخشوع كهنوتي للتلبيس والتلفيق اللّينيني&#8221;، تولّى الباردي توجيه &#8220;شحنة كهربائية ثالثة&#8221; تمثلت في الكشف عن ثوريّة وراديكالية الرؤية الماركسية الأصيلة (لا سيما في رأس المال) بخصوص المسألة الايكولوجيّة في القرن التاسع عشر، وبالمقابل غياب الوعي العميق لدى المنتسبين له من بين معاصرينا العرب وسوء تقديرهم لمصيريّة وإلحاحية نفس هذه القضيّة في القرن الواحد والعشرين. </p>



<p>و &#8220;لمّا كان المدخل الأفضل للكونيّة هو الخصوصية&#8221; فقد قام الكاتب بعملية مسح للخارطة البيئية التونسية اتضح من خلاله شمولية وعمومية الأزمة البيئية ودرجة خطورتها القصوى &#8220;في الوقت الذي لم يتزحزح فيه الوعي الزائف والممارسة السياسية المتخلفة ولو قيد أنملة باتجاه الارتقاء إلى المستوى الكارثي لهذا التحدّي المصيري بكل المعايير&#8221;. وفي نهاية هذا المبحث الخامس اقترح الباردي بعض المحاور البرنامجيّة أراد من خلالها فتح باب النقاش والمحاجة العقلية بشأن &#8220;المشترك&#8221;، ليس الأدنى وإنما الضروري، الكفيل بحشد &#8220;شعب التحت من أجل تثوير الثورة وإنجاز التغيير الراديكالي&#8221;.</p>



<p>في الأخير، وبعد الإشادة بجدّية هذا البحث الاستثنائي الذي لا تكاد تخلو صفحة واحدة من صفحاته (التي تجاوزت خمسمئة صفحة) من الهوامش التي تحيل إلى المصادر والمراجع الغزيرة والملاحظات التفسيرية، باستطاعتنا الجزم أن &#8220;دفاعًا عن الشَّعبوية : قيس سعيّد والإسلام السياسي ومستقبل اليسار&#8221; مرشّح كي يصبح مرجعا لا فقط في مجال الدراسات الشعبوية وإنما أيضا في باب الدراسات السياسية العامّة، فهو في اعتقادي من الكتب التي ,تستوجب الدرس بعد مجرد القراءة، وأنا متأكدة أن القارئ لن يظلّ كيفما كان بعد قراءة &#8220;هذا المتن الزلزالي&#8221; كما قال محقّا مقدّم وناشر الكتاب الأستاذ وليد أحمد الفرشيشي.</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2023/04/18/%d9%82%d9%8a%d8%b3-%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d9%91%d8%af-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d9%88%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84/">قيس سعيّد والإسلام السياسي ومستقبل اليسار</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2023/04/18/%d9%82%d9%8a%d8%b3-%d8%b3%d8%b9%d9%8a%d9%91%d8%af-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d9%88%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>من شيلي &#8220;سلفادور أليندي&#8221; إلى &#8220;تونس قيس سعيّد&#8221; ؟</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2022/05/13/%d9%85%d9%86-%d8%b4%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d8%b3%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a3%d9%84%d9%8a%d9%86%d8%af%d9%8a-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d9%82%d9%8a%d8%b3-%d8%b3%d8%b9/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2022/05/13/%d9%85%d9%86-%d8%b4%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d8%b3%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a3%d9%84%d9%8a%d9%86%d8%af%d9%8a-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d9%82%d9%8a%d8%b3-%d8%b3%d8%b9/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 13 May 2022 06:37:42 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[أوغستو بينوشيه]]></category>
		<category><![CDATA[الجيش التونسي]]></category>
		<category><![CDATA[الشيلي]]></category>
		<category><![CDATA[جبهة الخلاص الوطني]]></category>
		<category><![CDATA[حسين الباردي]]></category>
		<category><![CDATA[راشد الخريجي الغنوشي]]></category>
		<category><![CDATA[سلفادور أليندي]]></category>
		<category><![CDATA[قيس سعيد]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=491628</guid>

					<description><![CDATA[<p>الزعيم الشيلي المغدور سلفادور أليندي كان اشتراكيّا-ماركسيّا في حين تنسجم الخيارات الضبابية لقيس سعيّد، المنفرد بالسلطة، مع المنظومة النيولبرالية</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2022/05/13/%d9%85%d9%86-%d8%b4%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d8%b3%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a3%d9%84%d9%8a%d9%86%d8%af%d9%8a-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d9%82%d9%8a%d8%b3-%d8%b3%d8%b9/">من شيلي &#8220;سلفادور أليندي&#8221; إلى &#8220;تونس قيس سعيّد&#8221; ؟</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<p><strong>قد يبدو العنوان للوهلة الأولى مستفزّا، فالزعيم الشيلي المغدور سلفادور أليندي كان اشتراكيّا-ماركسيّا نفّذ في إطار حكومة الوحدة الشعبية سياسة اجتماعية-اقتصاديّة-ثقافيّة راديكالية على طرفي نقيض مع نظام الملكية الفردية والمراكمة اللامحدودة للثروة الذي تنبني عليه هيمنة الطبقة الرأسمالية، في حين تنسجم الخيارات الضبابية لقيس سعيّد، المنفرد بالسلطة، مع المنظومة النيولبرالية، وأقصى مسعاه لا يتعدّى المحاولة المحتشمة لتعديل بعض آثارها الأكثر مرئية (اختلال مسالك التوزيع، الاحتكار، الترفيع الاعتباطي في الأسعار&#8230;). ما الذي يُجيز إذًا مثل هذه المقاربة بين التجربتين ؟</strong></p>



<p class="has-text-align-left">بقلم <strong>حسين الباردي</strong></p>



<span id="more-491628"></span>



<div class="wp-block-image"><figure class="alignright size-full"><img decoding="async" width="200" height="200" src="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2022/05/حسين-الباردي.jpg" alt="" class="wp-image-492204" srcset="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2022/05/حسين-الباردي.jpg 200w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2022/05/حسين-الباردي-150x150.jpg 150w, https://kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2022/05/حسين-الباردي-120x120.jpg 120w" sizes="(max-width: 200px) 100vw, 200px" /></figure></div>



<p>حكمت جبهة &#8220;الوحدة الشعبية&#8221;، الاشتراكية، بزعامة الرئيس سلفادور أليندي دولة الشيلي من 4 سبتمبر 1970 إلى 11 سبتمبر 1973 الموافق لتاريخ الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال أوغستو بينوشيه وأودى بحياة الرئيس المنتخب وتقتيل عشرات آلاف الأنصار من قبل سلطة الانقلاب الديكتاتورية (1973-1990)<a id="sdendnote1anc" href="#sdendnote1sym"><sup>i</sup></a> المدعومة أمريكيّا، والتي مثّلت فعلاً مختبر تطبيق النيولبرالية، من حيث هي العقيدة شبه الدينية المؤمنة بالنجاعة الاجتماعية والاقتصادية القصوى للسوق الرأسمالية المتحرّرة من كل الضوابط والقيود. وقد استعان بينوشيه في إرسائه النيولبرالية الفاشيّة بنخبة التكنوقراط الشيلية الملقبة بـ&#8221;فتيان شيكاغو&#8221; المتتلمذين على يدي منظّري النيولبرالية المتمركزين بولاية شيكاغو والمنافسين للمدرسة &#8220;الأوردوليبرالية&#8221; الألمانية.</p>



<p>قد يبدو العنوان للوهلة الأولى مستفزّا، فالزعيم الشيلي المغدور كان اشتراكيّا-ماركسيّا نفّذ في إطار حكومة الوحدة الشعبية سياسة اجتماعية-اقتصاديّة-ثقافيّة راديكالية على طرفي نقيض مع نظام الملكية الفردية والمراكمة اللامحدودة للثروة الذي تنبني عليه هيمنة الطبقة الرأسمالية، في حين تنسجم الخيارات الضبابية لقيس سعيّد، المنفرد بالسلطة، مع المنظومة النيولبرالية، وأقصى مسعاه لا يتعدّى المحاولة المحتشمة لتعديل بعض آثارها الأكثر مرئية (اختلال مسالك التوزيع، الاحتكار، الترفيع الاعتباطي في الأسعار&#8230;). ما الذي يُجيز إذًا مثل هذه المقاربة بين التجربتين ؟ </p>



<h2 class="wp-block-heading"> الاستراتيجيات المعتمدة من طرف قوى الثورة المضادّة من أجل اسقاط السلطة القائمة</h2>



<p>قبل البدء في الإجابة ينبغي التأكيد سلفا على أن فرضيتنا لا علاقة لها بـ&#8221;التنبؤ&#8221; بما قد يحدث في تونس مستقبلا؛ فالتاريخ لا يعيد نفسه إلاّ في شكل مهزلة، وما يجري في تونس منذ 25 جويلية 2021 أبعد ما يكون عن ذلك. أمّا الذي نودّ طرحه فيتعلق حصريّا بأوجه الشبه – وفي بعض الأحيان التطابق – بين التجربتين فيما يخصّ الاستراتيجيات المعتمدة من طرف قوى الثورة المضادّة من أجل اسقاط السلطة القائمة. </p>



<p>وفعلا سواء تعلّق الأمر بالشيلي أم بتونس فإن الشعارات (بما هي الاختزال المكثف للخطاب السياسي) المرفوعة من طرف المعارضة الرسمية تتمثل في الاتهام بالخروج عن الشرعيّة وعدم احترام المؤسسات واستقلاليتها وخرق القانون الأعلى المتمثل في الدستور. من ثمّ كان الشعار الناظم للمعارضة في شيلي: ضرورة الاختيار &#8220;بين الماركسية والديمقراطية&#8221;، وفي تونس بين &#8220;ديكتاتورية الانقلاب والشرعية الديمقراطية&#8221;. فالغشاء الشعارأتي ضروري لإخفاء المصالح الطبقية والحزبية المتناقضة وحمل الجمهور على تصديق النوايا المخادعة للطرف الذي يلوّح بها. </p>



<p>كذلك روّجت وتروّج الدعاية المعارضيّة، المسندة من طرف شركات حقوق الانسان في الداخل والخارج، بالبلدين، تنديدها المستمرّ بـ&#8221;الخروقات الجسيمة&#8221; للحقوق والحرّيات واتهام الرئيسين بـ&#8221;الديماغوجيا الشعبوية&#8221;. هذا فضلا عن المناداة بالعصيان المدني والعسكري وتوعّد مناصري خصومهم بالحساب العسير متى تمّت الإطاحة بالحكم، والتآمر على الأمن الوطني مع القوى الأجنبية، خاصّة الأمريكية، وفي الحالة التونسية التمسّح على أعتاب السفارات الأورو-أمريكية تظلّما وطلبا للتعليمات واستجداءً لممارسة الهرسلة الدبلوماسية المستمرّة ضدّ رأس السلطة. كما أن المعارضة عملت في التجربتين على توحيد صفوفها من خلال &#8220;جبهة الوطن والحريّة&#8221; التي أَعدّت المناخ الملائم لتنفيذ الانقلاب الدكتاتوري في شيلي، و&#8221;جبهة الخلاص الوطني&#8221; التي تطمح إلى لعب نفس الدور في تونس. </p>



<p>بالإضافة إلى ذلك فإن المعارضتين لجأتا إلى تحشيد وتجييش الشارع والحث على الإضراب – الذي نجح في شيلي وفشل لحدّ الآن في تونس – من أجل شلّ السير العادي للمرافق الحساسة، وخلق حالة ندرة في التزوّد بالمواد الغذائية الأساسية، ما انجرّ عنه ظهور المجاعة في شيلي، وحشد نقابات أرباب العمل مثل &#8220;كنفيدرالية تجارة التجزئة&#8221; و&#8221;كنفيدرالية الصناعات الخفيفة والتقليدية&#8221; في شيلي، والمنتجين الفلاحيين وتجّار الخضر والعلف والغلال والدواجن في تونس، دون القنوط من احتمال انخراط الاتحاد العام التونسي للشغل في المخطط التخريبي. </p>



<h2 class="wp-block-heading">الطغمة الاجراميّة في تونس و &#8220;سياسة الأرض المحروقة&#8221;</h2>



<p>ولكن ما لم تقم به المعارضة الشيلية ولجأت إليه الطغمة الاجراميّة في تونس هو &#8220;سياسة الأرض المحروقة&#8221; – بالمعنى الحصري لا المجازي – عبر اضرام النار في الأسواق والغابات والمستودعات، والتي بلغ عددها يوم عيد الفطر فحسب 110 بؤرة ناريّة شملت كل جهات البلاد التونسية، وبالأخصّ مدينة قابس التي اكتوت بـ 12 حريقا أحدها دمّر بالكامل سوق &#8220;جارة&#8221; وهي المَعْلم الحضاري والتجاري الأهمّ بالمدينة وواجهتها السياحية. وكأن مُشعِلي الحرائق أرادوا الانتقام من أبناء هذه الجهة، المنسية من طرف السلطات التونسية المتعاقبة قبل كما بعد الثورة، والذين مِثلهم مثل الـ90% من التونسيات والتونسيين يعتبرون راشد الخريجي الغنوشي، أصيل الجهة وزعيم حزب حركة الاخوان التونسية، الشخصية السياسية الأكثر كرها لديهم.</p>



<p>إن الإستراتيجية المعتمدة في كلا البلدين من طرف قوى الثورة المحافظية تهدف في مرحلة أولى إلى التشكيك في شرعيّة الحكم وزعزعة الاستقرار عبر تضخيم التظاهر في الشوارع والساحات والحث على الاضراب وتكثيف البروباغندا الإعلامية والسياسية والدبلوماسية الأجنبية وإذكاء الإحساس بانسداد الأفق، وفي مرحلة ثانية العمل على تعميق وتعفين الأزمة – التي هم أنفسهم مسؤولون عنها – بغاية إلقاء عبئها على السلطة الحاكمة ومن ثمّ تجريدها من المصداقية وإظهارها لدى &#8220;الرأي العام&#8221; الداخلي والخارجي على أنها ضعيفة، عاجزة وغير جديرة لا بثقة ودعم &#8220;الشعب&#8221; ولا بتفهّم الدوائر المالية العالمية وشركات &#8220;التصنيف الائتماني&#8221; والمراكز الامبريالية المؤثرة تاريخيا في سياسات وأوضاع البلدين. هذه الإستراتيجية المعارضيّة مرّت في شيلي بأربع مراحل رئيسية: (1) نسف مشروعية الاستناد إلى الأغلبية، (2) تحقيق التكافؤ في التمثيلية، (3) فرض الازدواجيّة الشرعيّة/السيادية، (4) الحسم بالانقلاب العسكري وإراقة الدماء. </p>



<h2 class="wp-block-heading">الصراع الأيديولوجي بين الاشتراكية و الليبرالية في شيلي </h2>



<p>أي أن الثورة المحافظية، بخلاف &#8220;النهج الشيلي للاشتراكية&#8221; (أليندي) المستند على الديمقراطية الليبرالية، مارست، منذ لحظتها الأولى، عنفا فاشستيّا مروّعا وقتّلت عشرات الآلاف من خصومها ونكلت شديد التنكيل بمن نجا منهم، غايتها من وراء ذلك بثّ أقصى درجات الرعب في &#8220;صفوف العدو&#8221; واستئصال شيئا اسمه الاشتراكية و&#8221;ديمقراطية الفقراء اللاعقلانيين&#8221;. </p>



<p>لماذا كل هذا الحقد والدموية والساديّة الطبقية ؟ لأن الاشتراكيين تجرّؤوا على انتهاج سياسة معادية للاستغلال والاضطهاد الطبقي المبرَّر &#8220;تاريخيّا وطبيعيّا&#8221; من طرف الطغمة الرأسمالية الحريصة على التشبث، مهما كان الثمن، بامتيازاتها المجحفة. فحكومة &#8220;الوحدة الشعبية&#8221; خلال سنتها الأولى لم تكتف بالترفيع في الأجور الدنيا بنسبة 65%، وتجميد أسعار المواد الغذائية الأساسية، وتقليص البطالة بنسبة النصف، والنزول بالتضخم من 35 إلى 22%، وتحقيق نسبة نمو قريبة من 10%، وتخفيض السنّ الموجبة للتقاعد (60 سنة)، وإقرار مجانية التعليم والأدوات المدرسية والحق لكل طفل شيلي فقير في لِتْرين من الحليب يوميا لمقاومة  سوء التغذية – بالوسائل الضعيفة المتاحة –، وبناء مئات الآلاف من المساكن للفقراء القاطنين بالأحياء القصديرية، وإنما أيضا وأساسا ضربت البورجوازية في الصميم لا سيما عبر تأميم البنوك والمناجم (خاصّة النحاس) والإصلاح الزراعي وإقرار حق العمّال في التسيير المشترك للمؤسسات&#8230; وبعبارة أخرى فإن حكومة &#8220;الوحدة الشعبية&#8221; نفّذت سياسة ثوريّة استهدفت تقويض البنى التحتية للنظام الاستغلالي والاستعاضة عنه بنظام تضامني تكافلي يقوم على العدالة الاجتماعية وينتشل الطبقات المسحوقة من الفقر والجهل والبطالة والمرض، تلكم المظالم &#8220;التقليديّة&#8221; التي ازدادت وطأتها منذ مطلع القرن العشرين الذي افتُتِح بمجزرة &#8220;سانتا ماريا دي إكويك&#8221; (21 ديسمبر 1907)<a id="sdendnote2anc" href="#sdendnote2sym"><sup>ii</sup></a>.</p>



<p>هل هذه هي النهاية التي تنتظر قيس سعيّد وأنصاره ؟ لا نعتقد ذلك. ليس بسبب قوّة ما متأصلة عند هؤلاء، ولا بسبب ضعف المعارضة وانتهازيتها وعمالتها وتشتتها وافتقارها لأدنى مشروع مجتمعي سياسي واقتصادي بديل يقطع مع الاجترار البائس لـ&#8221;العودة إلى شرعيّة ما قبل 25 جويلية&#8221;، ولا حتى بسبب اختلاف عقيدة الجيش التونسي عن مثيله الشيلي الذي تعوّد التدخل في السياسة و&#8221;تنصيب الدمى&#8221; في قصر &#8220;لامونيدا&#8221;، وإنما فقط بسبب عدم انخراط رأس المال الكبير بشكل مباشر وصريح في حلبة الصراع نظرا لأن قيس سعيّد لم يعرب حتّى عن مجرّد نيّته المساس – ولو رمزيّا – بمصالح الطبقة البورجوازية وامتيازاتها. فالمنعرج الحاسم في التجربة الشيلية لم يحصل إلاّ عندما قرّرت حكومة الوحدة الشعبية، بعد فشل المفاوضات مع حزب &#8220;الديمقراطية المسيحية&#8221;، تفعيل قانون منسيّ يعود إلى سنة 1932 وُضع لمجابهة عواقب انهيار سوق الأوراق المالية لسنة 1929، يسمح بانتزاع ملكية المعامل والأراضي الفلاحية (لاتيفانديا) واستطاعت بذلك إدماج ما تمّ انتزاعه قانونيّا في &#8220;مجال الملكية الجماعية&#8221;. حينها فقط دخلت الطبقة الرأسمالية الشيلية بكل ثقلها في حلبة الصراع وبدأت تعبئة وتأليب أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة (المرتهنين بها) ضدّ الحكومة، فهي أدركت أن القضية بالنسبة لها تتعلق بالحياة أو الموت. كما أنها أوعزت لـ&#8221;الحزب القومي&#8221;، اليميني المتطرف، بتقديم التنازلات الضرورية قصد استدراج حزب &#8220;الديمقراطية المسيحية&#8221;، الوازن في أوساط الطبقة الوسطى، للالتحاق بجبهة &#8220;الوطن والحريّة&#8221;، الجهاز الأيديولوجي الرئيسي في استراتيجية الإطاحة بالحكم. حينها فقط اقتنع العسكر بصلابة التحالف الطبقي البديل وانخرط في مشروعه الاجتماعي الذي يصلّى للملكية الخاصّة اللامحدودة ويسبّح باسم الهوية والتقاليد القومية والسلطوية.</p>



<h2 class="wp-block-heading">لزوم الطبقة الرأسمالية التونسية &#8220;الحياد&#8221;، رسميّا، تجاه ما لا يمسّ مصالحها </h2>



<p>أمّا في تونس فإن موضوع الصراع المرئي، والمصرّح به راهنا، لا علاقة له بتلك التمايزات البرنامجية الجوهرية المتعلقة بالخيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الكبرى وبالتناقض بين مصالح الطبقات والفئات المعنيّة. الاصطفاف والتخندق عندنا يجري على مستوى &#8220;السياسة&#8221; المعلّقة في فضاء المؤسسات الدستورية النخبوية، الراهنة كما المزمع إنشاؤها. </p>



<p>المعارضة متشبثة بدستور ملغّم لا يَصلُح ولا يُصلَح، والرئيس يتذرع به من أجل قبره؛ المعارضة تتباكى على &#8220;الهيئات العليا&#8221; الفاسدة والرئيس يعيد تشكيلها بحسب مشيئته في انتظار حسم أمرها نهائيا؛ الأحزاب النخبوية الانتهازية تتباكى على &#8220;الأجسام الوسيطة&#8221; وعلى مصيرها، والرئيس يختار تهميشها، هي والإعلام، واعتماد الاتصال المباشر؛ البرلمان المهزلة مُحلّ / لا، البرلمان في &#8220;انعقاد دائم&#8221;؛ القضاء المستقيل &#8220;سلطة مستقلة&#8221; / لا، القضاء وظيفة&#8230; </p>



<p>إذا كانت هذه هي فقط محاور الاستقطاب بين الفريقين، فلماذا الاستغراب من لزوم الطبقة الرأسمالية التونسية &#8220;الحياد&#8221;، رسميّا، تجاه ما لا يمسّ مصالحها ولا يهدّد امتيازاتها، دون أن يمنع ذلك شريحتها &#8220;الإعلامية&#8221; من إطلاق شكيمة المرتزقة من بين &#8216;<em>كلاب الحراسة الجدد</em>&#8221; (سارج حليمي) يمارسون قصفهم الإعلامي الممنهج ضدّ قيس سعيّد. </p>



<p>إن افتقار المعارضة للقاعدة الشعبية، أو حتى فقط الدعم الاجتماعي، دفعها إلى مغازلة اتحاد الشغل ومحاولة جرّه إلى المواجهة المباشرة مع سلطة 25 جويلية، ولكن المجازفة مليئة بالمخاطر على المركزية النقابية وقيادتها البيروقراطية لأن قاعدتها ليست معادية لقيس سعيّد، بل بالعكس أغلبها مناصر له، ولن يكون بالتالي من السهل تعبئتها ضدّ السلطة حتى وإن اتجهت نيّة بعض الرموز الإعلامية للاتحاد التعلّل بـ&#8221;الملف الاجتماعي&#8221; لفرض مثل هذا الاصطفاف. </p>



<p>وهذا الموقف للاتحاد يذكّرنا في الحقيقة بالتذبذب اللامبدئي الذي عاشته &#8220;الديمقراطية المسيحية&#8221; في التجربة الشيلية قبل أن تقرّر في الأخير الانضمام إلى جبهة &#8220;الوطن والحرية&#8221; باسم &#8220;المصلحة الوطنية العليا&#8221; والدفاع على المؤسسات &#8220;الجمهورية&#8221; و&#8221;حريّة الأعمال&#8221;&#8230; وفي ظل افتقار &#8220;جبهة الخلاص&#8221; الاخوانية للدعم الجماهيري، واعتبارا لهامشية الأحزاب المعارضة التي مكثت خارجها، فإنه لم يبق للمعارضين عموما سوى استجداء ضغوطات الدبلوماسيات الامبريالية، والتهديد بـ&#8221;برلمان المهجر&#8221; و&#8221;حكومة الإنقاذ&#8221; والتنادي من حين لآخر بالتظاهر الميكروسكوبي أمام المسرح البلدي، علّ الإدارة الأمريكية وأختها الأخرى المفوضية الأوروبية – بعد إحياء البرلمان وهو رميم وتشكيل حكومة المحاصصة من أجل الإنقاذ – تتدخلان، لكن بأكثر &#8220;صرامة&#8221; هذه المرّة، لإجبار قيس سعيّد على التفاوض مع &#8220;السلطة الموازية&#8221; و&#8221;الشرعية المنافسة&#8221;، ليس دون التلويح بإمكان تدخل الجيش لحسم الخلاف. فلا فرق بين هذا وذاك سوى &#8220;حب الوطن&#8221; و&#8221;خدمة الصالح العام&#8221; واحترام &#8220;حقوق الانسان&#8221; من وجهة نظر القوى الخارجيّة التي لن تغفر لقيس سعيّد حشره التطبيع، شفويّا، في خانة الجرائم العظمى.</p>



<p><strong>هوامش :</strong></p>



<p><em><a id="sdendnote1sym" href="#sdendnote1anc">i</a> <sup>&#8211;</sup> قال الجنرال غوستافو لي، القائد العام للقوات الجوية الشيلية، السفّاح الذي قصف يوم 11 سبتمبر 1973 قصر لامونيدا [القصر الرئاسي الذي تحصّن بداخله أليندي] قبل أن يصبح عضوًا في المجلس العسكري الذي يرأسه الديكتاتور بينوشيه: &#8220;من الأفضل قتل ثلاثين ألف في ثلاثة أيام من أن نقتل مليونا في ثلاثة أعوام كما حصل في إسبانيا!&#8221;. ويُنسب إلى لوسيا هيريارت دي بينوشيه، زوجة الديكتاتور، أنها قالت في إحدى الأمسيات وهي كئيبة: &#8220;لو كنت مكان زوجي، لكنت أكثر صرامة&#8221; (موريس لوموان، الأبناء المتخفون للجنرال بينوشيه، بالفرنسية، دار نشر دونكيشوت، باريس، 2015، ص. 134).</em></p>



<p><em><a id="sdendnote2sym" href="#sdendnote2anc">ii</a>&#8211; الشهرية &#8220;لوموند ديبلوماتيك&#8221;، ديسمبر 2007. </em></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2022/05/13/%d9%85%d9%86-%d8%b4%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d8%b3%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a3%d9%84%d9%8a%d9%86%d8%af%d9%8a-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d9%82%d9%8a%d8%b3-%d8%b3%d8%b9/">من شيلي &#8220;سلفادور أليندي&#8221; إلى &#8220;تونس قيس سعيّد&#8221; ؟</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2022/05/13/%d9%85%d9%86-%d8%b4%d9%8a%d9%84%d9%8a-%d8%b3%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a3%d9%84%d9%8a%d9%86%d8%af%d9%8a-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d9%82%d9%8a%d8%b3-%d8%b3%d8%b9/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حراك 25 جويلية 2021 في تونس أو الحقد على الديمقراطية</title>
		<link>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2021/08/03/%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%83-25-%d8%ac%d9%88%d9%8a%d9%84%d9%8a%d8%a9-2021-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%a3%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d8%af-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a/</link>
					<comments>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2021/08/03/%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%83-25-%d8%ac%d9%88%d9%8a%d9%84%d9%8a%d8%a9-2021-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%a3%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d8%af-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a/#comments</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[Ridha Kefi]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 03 Aug 2021 08:16:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أفكار]]></category>
		<category><![CDATA[الأولى]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[25 جويلية 2021]]></category>
		<category><![CDATA[الإجراءات الاستثنائية]]></category>
		<category><![CDATA[حسين الباردي]]></category>
		<category><![CDATA[قيس سعيد]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/?p=275720</guid>

					<description><![CDATA[<p>بعض ردود الفعل السلبية إزاء الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد في تونس يوم 25 جويلية 2021 تكشف لدى النخبة النظامية الشرعانية المتعالية بكلّ تفريعاتها (المثقفاتية، السياسية، القانونجية، الخ.) خوفا مرضيا من الشعب و احتقارا طبقيا للفئات المحرومة والمنسية من آلة الانتاج و التوزيع الرأسمالية غير العادلة. بقلم د. حسين الباردي أخيرا استجاب الرئيس...</p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2021/08/03/%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%83-25-%d8%ac%d9%88%d9%8a%d9%84%d9%8a%d8%a9-2021-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%a3%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d8%af-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a/">حراك 25 جويلية 2021 في تونس أو الحقد على الديمقراطية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
<div class="wp-block-image"><figure class="aligncenter size-large"><img decoding="async" src="http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/wp-content/uploads/2021/07/حراك-25-جويلية.jpg" alt="" class="wp-image-275085"/><figcaption>  </figcaption></figure></div>



<p><strong>بعض ردود الفعل السلبية إزاء الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد في تونس يوم 25 جويلية 2021 تكشف لدى النخبة النظامية الشرعانية المتعالية بكلّ تفريعاتها (المثقفاتية، السياسية، القانونجية، الخ.) خوفا مرضيا من الشعب و احتقارا طبقيا للفئات المحرومة والمنسية من آلة الانتاج و التوزيع الرأسمالية غير العادلة.</strong></p>



<p class="has-text-align-left">بقلم <strong>د. حسين الباردي</strong></p>



<span id="more-275720"></span>



<p>أخيرا استجاب الرئيس التونسي قيس سعيّد ليلة 25 جويلية 2021 (الموافق لعيد الجمهورية التونسية والذكرى الثامنة لاغتيال الشهيد محمد البراهمي) للمطلب المصيري والملح الذي ما فتئت تنادي به الجماهير الشعبية قصد إيقاف المهزلة المكلفة جدّا للتونسيات والتونسيين سواء كان بالنظر إلى العدد المهول لضحايا جائحة كوفيد 19 (تقريبا 200 وفاة يوميّا) المتسبب فيها تهاون الحكومة واستهتارها بحياة المواطنين، وهو ما يجب أن يحاسب ويحاكم عليه الفريق المُقال، فالقضية تتعلق، على أقلّ تقدير، بجريمة عدم تقديم المساعدة من طرف من هو مدين (السلط) لمن هو دائن (الشعب) وفي أمس الحاجة إليها لارتباطها (المساعدة) بالحياة أو الموت؛ أو كان ذلك بالنظر إلى التفقير اللامتناهي للطبقات والشرائح الاجتماعية الأكثر خصاصة وهشاشة، فضلا عن تدمير الاقتصاد وتبديد المالية العمومية والتشجيع على الفساد والإرهاب والبلطجة&#8230; وبعبارة واحدة العجز الفادح عن إيجاد الحلول للأزمة العضوية التي يتخبط فيها المجتمع التونسي والشعب والدولة وأجهزتها ومؤسساتها منذ ما لا يقل عن عقد كامل.</p>



<h3 class="wp-block-heading">تجاوز العفونة السياسية التي لم يعد لانحطاطها قاع</h3>



<p>إن الخراب الرهيب الذي وصلت إليه تونس اليوم وانسداد الوضع والآفاق كليّا لهو الحصيلة الكارثية للعشرية المهدورة التي سيطرت طيلتها الحركة الإخوانية التونسية على مفاصل الدولة وجل أجهزتها في إطار تحالف رجعي سياسي-اقتصادي-مالي-اعلامي لقوى الثورة المضادة المدعومة خارجيّا والتي تمكنت نسبيا من إرساء ما ينبغي تسميته بالنظام الهيمني (بالمعنى الغرامشي) الإخواني المتبرقع بــ&#8221;التوافق&#8221; المغشوش و&#8221;الوسطية&#8221; الكاذبة اللتان هما احدى ركائز إيديولوجية المحاصصة واقتسام الغنيمة-تونس بين مكونات الخندق الرجعي اللاوطني.</p>



<p>&#8220;حركة 25 جويلية&#8221; جاءت – على الأقل من الناحية المبدئية – من أجل تجاوز هذه العفونة السياسية (والسياسة هي اختزال لكل الحقول الأخرى) التي لم يعد لانحطاطها قاع، وتحرير الغالبية العظمى من بنات وأبناء الشعب التونسي من الأغلال اللامرئية المفروضة عليهم من طرف عصابة تجار الدين الجشعين ولصوص الاستثمار السياسي في بؤس الفقراء، اثنان ثالثهما ائتلاف الدواعش المندسين في الجحر البرلماني، وذلك بالاعتماد على تأويل واسع وخلاق لمادة الفصل 80 من دستور 2014 (المفخّخ تعريفًا) المنظم للتدابير الاستثنائية المناطة بعهدة رئيس الدولة في حالة الخطر الداهم، وهو الفصل الوحيد الذي أُخِذ حرفيا من الدستور التونسي الأول. ولقد تُرجم ذلك بثلاث قرارات مفصلية: تجميد مجلس &#8220;نواب الشعب&#8221; الذي أزكمت رائحته الأنوف؛ إقالة رئيس الحكومة ووزرائه الذين يتنازعون أسفل درجات الكفاءة وأعلى درجات التملق والاستهتار؛ وتقلّد رئيس الدولة رئاسة النيابة العمومية المصابة لحدّ الآن بالشلل.</p>



<h3 class="wp-block-heading">لن نضيع وقتنا في مناقشة مدى دستورية الاجراءات الاستثنائية</h3>



<p>لن نتوقف هنا عند تداعيات هذا الثلوث الإنقاذي، كما أننا لن نضيع وقتنا الثمين في مناقشة مدى دستورية أو لادستورية هذه القرارات الإجرائية الحبلى بالدلالات المضمونية الإصلاحية التي تستجيب مبدئيّا لتعطّش الشعب التونسي للعدالة والمساواة أمام القانون والكرامة ومقاومة الفساد&#8230; أما ما يستوقفنا في هذه اللحظة الفارقة فهو الدلالات الخفية أو ان شئتم التحتية المتعلقة بالسياسي والديمقراطية وعلاقة كلاهما بالشعب من جهة والنخب من جهة أخرى.</p>



<p>بالنسبة لكارل شميت (مفهوم السياسي، بالفرنسية، ص. 63 إلى 66) السياسي يتمثل في التمييز بين الصّديق والعدوّ، ما يمكن التعبير عنه أيضا بالتمييز بين الـ&#8221;نحن&#8221; والـ&#8221;هم&#8221;. ومرّة أخرى لن نتوقف عند تورّط هذا المنظر السياسي العبقري مع النظام النازي، وسنكتفي في هذا الإطار الضيق بالتذكير أن الحكمة ضالتنا أنّا وجدناها أخذناها حتى لدى أعدائنا أو ألدّ خصومنا (ولقد ناقشنا عرضيّا هذا الاحتجاج الواهي في كتاب سيصدر لنا قريبا بعنوان &#8220;الشعبوية من منظور مغاير – من أجل تثوير الثورة&#8221;). كما أن السياسي بحسب الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيار هو اختراق &#8220;من ليس لهم نصيب&#8221; للفضاء العام من أجل فرض وجودهم ككيان مستقل وكفاعل سياسي جمعي لحدّ تلك اللحظة مغيب (&#8220;اللاتفاهم&#8221;، بالفرنسية، ص. 25 وما يليها).</p>



<p>وعليه فإن ما حصل في تونس يوم/ليلة 25 جويلية هو تأسيس للسياسة بأتم معنى الكلمة المناقض لفهم النخبة النظامية المهيمنة سواء كانت في الحكم أو المعارضة أو خارجهما على الهامش. وقد تجسّد ذلك من خلال الاقتحام الصاعق للفضاء العام (المستعمر/المسترذل من قبل الــ&#8221;هم&#8221;) من طرف &#8220;من ليس لهم نصيب&#8221; في إدارة الشأن العام، والسلطة، والثروة وصنع القرار، وتقرير المصير، الخ.، المغيبون الذين لا يسمح لهم بـالحضور/الظهور إلا مرّة كل خمس سنوات من أجل &#8220;اختيار ممثليهم&#8221;، فهم &#8220;قُصّر&#8221;، &#8220;جهلة&#8221;، &#8220;أغبياء&#8221;، &#8220;متهوّرين&#8221;&#8230;، أعجز من أن يميّزوا الغث من السمين، الصالح من الطالح، ولذلك وجب عليهم تفويض أمرهم ومصيرهم لمن هم أدرى وأعقل وأذكى وأثقف منهم، السادة والسيدات النواب الأشاوس الذين يعرفون مصلحة الشعب أفضل من الشعب نفسه&#8230;</p>



<p>فالشباب الثائر يوم 25 جويلية 2021، المنسي والمنبوذ من قبل الحكومات المتعاقبة منذ 2011 – الثابت فيها النهضة الإخوانية والمتحول حلفاؤها العابرون – قد نجح، حيث أخفقت كل المعارضات، في نقل &#8220;الشعب&#8221; من مستوى الوجود بالقوة إلى مستوى الوجود بالفعل في سويعات قليلة جسّد خلالها ميدانيا اكتساح المغيبون للفضاء العام وفرض التمييز الواضح وضوح الشمس في كبد النهار بين &#8220;الصديق&#8221; و&#8221;العدو&#8221;، الـ نحن والـ هم، و فرض وجود من لا نصيب لهم في واقع الرداءة والمحاصصة والشعوذة والاحتيال ؛ الأول يتمثل في كل ضحايا النظام الهيمني القائم، والثاني ليس غير &#8220;الجلاد&#8221; الإخواني الجاثم بفساده وإجرامه وعنجهيته على صدور الأغلبية الساحقة من التونسيات والتونسيين. فرمزية حرق علم الحزب الإخواني واستبداله بالعلم التونسي في كل مقرات &#8220;العدو&#8221; التي اكتسحها الشباب الثائر لهي خير دليل على عمق وعي المنتفضين ووطنيتهم العالية في مواجهة العمالة و&#8221;الاستبداد الديمقراطوي&#8221; المفبرك دستوريّا على القياس.</p>



<h3 class="wp-block-heading">النخبة الأرستقراطية المتعالية الحاقدة على الشعب</h3>



<p>وإن ما يسمّى في لغة النخبة النظامية &#8220;الانفلات الشعبي&#8221; هو في واقع الأمر أحد أرقى أشكال التعبير الديمقراطي الأصيل والصميمي لجهة اقترابه أكثر ما يمكن من &#8220;حكم الشعب من وإلى الشعب&#8221;، الذي قال في شأنه الباحث وأستاذ العلوم السياسية الكَنَدِي فرانسيس دوبوي داري (في كتابه : &#8220;الديمقراطية التاريخ السياسي للمصطلح في الولايات المتحدة و فرنسا&#8221;) أنه (أي مصطلح الديمقراطية) &#8220;حافظ على معناه الأصيل طيلة أكثر من ألفي عام، منذ زمن الإغريق إلى حدود منتصف القرن التاسع عشر، وهي الألفيتين التي ارتبط طوالها معنى الديمقراطية بحكم الشعب لنفسه وبنفسه بدون سلطة فوقية تفرض عليه إرادتها أو تجبره على الخضوع&#8221; (ص. 9). وليعلم القارئ أن الانقلاب الذي طرأ في النصف الثاني من القرن 19 حصل بعد أن &#8220;بلورت النخب السياسية المالكة مفهوم الديمقراطية العصرية (أي النيابية) بغاية الاستئثار بالسلطة على حساب الشعب &#8220;الجاهل&#8221;، &#8220;العنيف&#8221;، &#8220;اللاعقلاني&#8221;، والذي لو ترك الأمر بين يديه لآل إلى الفوضى العارمة السياسية والاقتصادية والأخلاقية، وتلك هي الطامة الكبرى&#8230;&#8221;. ولقد استتب الأمر لهذه النخبة الأرستقراطية المتعالية الحاقدة على الشعب/&#8221;الرعاع&#8221; منذ ذلك التاريخ إلى يوم الناس هذا.</p>



<p>ومن جهته فقد لخّص جاك رانسيار بوضوح ناصع ودامغ في الآن موقف &#8220;الآباء المؤسسين&#8221; من الديموقراطية وعلاقتها بالرأسمالية المسلّم بها تسليما في تونس كما خارجها، حيث قال في حوار *أجراه معه جياني كارتا: هناك الليبرالية هو في الواقع إلى حد كبير تقليد غير ديمقراطي. فالآباء المؤسّسون لم يؤسسوا الديمقراطية ولكن وضعوا دستورا يضمن تضييق سلطة الشعب، بحيث تبدو السلطة وكأنها ملك الجميع، ولكنها في الواقع محتكرة من قِبل المستنيرين والمتعلمين. وفي أذهانهم، بطبيعة الحال، فإن المستنيرين والمتعلمين هم المالكين الذين أثبتوا قدرتهم على إدارة ممتلكاتهم، وبالتالي فهم الأقدر على التفكير في وضع المِلكية في قلب المجتمع. هنالك تقليد ليبرالي مرتبط بإيديولوجية المِلكية الأنجلو-سكسونية والتي هي في الواقع ليست تقليدًا ديمقراطيًا على الإطلاق ولكنها نجحت بطريقة ما في تكريس مشروعها المتمثل تحديدا في إخضاع الديمقراطية، من حيث هي سلطة الجميع. كان هدفهم إنشاء حكومة من النخب والأثرياء ومن بعد ذلك من العلماء والمفكرين والخبراء، ومن ثمّ انتهى الأمر إلى تسمية هذه الحكومة بـ &amp;quot;الديمقراطية&amp;quot;. هنا تكمن المشكلة. وهذا هو مصدر التوتر بين الفكرة الديمقراطية وتلك الحكومات التي تسمي نفسها ديمقراطيات والتي هي ليست إلاّ نتاج المسار التاريخي&#8221;.</p>



<h3 class="wp-block-heading">حول التناقض الجوهري بين الرأسمالية والديمقراطية</h3>



<p>&#8220;هنالك تناقض جوهري بين الرأسمالية والديمقراطية. وإن ما يسمى بالتقاليد الليبرالية هو في&#8221; الواقع إلى حد كبير تقليد غير ديمقراطي. فالآباء المؤسّسون لم يؤسسوا الديمقراطية ولكن وضعوا دستورا يضمن تضييق سلطة الشعب، بحيث تبدو السلطة وكأنها ملك الجميع، ولكنها في الواقع محتكرة من قِبل المستنيرين والمتعلمين. وفي أذهانهم، بطبيعة الحال، فإن المستنيرين والمتعلمين هم المالكين الذين أثبتوا قدرتهم على إدارة ممتلكاتهم، وبالتالي فهم الأقدر على التفكير في وضع المِلكية في قلب المجتمع. هنالك تقليد ليبرالي مرتبط بإيديولوجية المِلكية الأنجلو-سكسونية والتي هي في الواقع ليست تقليدًا ديمقراطيًا على الإطلاق ولكنها نجحت بطريقة ما في تكريس مشروعها المتمثل تحديدا في إخضاع الديمقراطية، من حيث هي سلطة الجميع. كان هدفهم إنشاء حكومة من النخب والأثرياء ومن بعد ذلك من العلماء والمفكرين والخبراء، ومن ثمّ انتهى الأمر إلى تسمية هذه الحكومة بـ &#8220;الديمقراطية&#8221;. هنا تكمن المشكلة. وهذا هو مصدر التوتر بين الفكرة الديمقراطية وتلك الحكومات التي تسمي نفسها ديمقراطيات والتي هي ليست إلاّ نتاج المسار التاريخي الذي أدّى إلى تثبيت <a href="http://1libertaire.free.fr/JRanciere30.html" target="_blank" rel="noreferrer noopener">اخضاع الديمقراطية.&#8221;</a></p>



<p>وهل من دليل أكثر اقناعا على حصافة هذا القول من سقوط البرلمان التونسي سقوطه المدوي منذ اللحظة الأولى التي استهلّ فيها &#8220;أشغاله&#8221; (أي تهريجه الركيك وسلسلة خياناته الموصوفة وبيعه السيادة الوطنية في سوق النخاسة العالمية) ساعة انتخب راشد الخريجي الغنوشي، زعيم الطغمة الإخوانية التونسية، رئيسا لما يتشدقون زورا وبهتانا بتسميته &#8220;مجلس نواب الشعب&#8221;؟ الشيء معلوم بتفاصيله لدى القاصي والداني ولا داعي لتحريك البراز&#8230; ثم بعد كل ذلك يهزأ الهازئون ممن قال صادقا بأن &#8220;التمثيل تدجيل&#8221;&#8230; ألا يعلم هؤلاء بأن 74 في المائة من الناخبين الفرنسيين قاطعوا انتخابات المقاطعات (الكونتونات) في أواخر شهر جوان 2021، بسبب افلاس الطبقة السياسية بأكملها حكومة ورئاسة وبرلمانا التزمت أغلبيته الماكرونية النيولبرالية، كتابيا منذ الجلسة الأولى، بالتصويت ايجابيّا على كل مقترحات الحكومة&#8230; نفس البرلمان الذي نقض نتيجة الاستفتاء الذي رفض بمقتضاه الشعب الفرنسي سنة 2005 مشروع الدستور الأوروبي الليبرالي واللاديمقراطي واللااجتماعي، بأن صوت النواب لصالح معاهدة لزبون التي هي الاسم الآخر لمشروع الدستور إياه. ألا يعلم هؤلاء بما حصل في اليونان بعد الاستفتاء حول سياسة التقشف المملاة من طرف الترويكا والتي رفضها اليونانيون بأغلبية ساحقة، فما كان من رئيس الحكومة تزيبراس إلا أن قام بتمرير قانون بالبرلمان يقبل بالإملاءات إياها تحصل بمقتضاه وبسهولة مذهلة على أغلبية مطلقة مناقضة كليّا لإرادة الشعب الصريحة&#8230; وهل تذكرون قانون تبييض الفساد الذي حاكه &#8220;الشيخان&#8221; وشرّعته أغلبيتهما؟؛ وبالقرب منا زمنيا قانون تبييض الأموال والفاسدين وتمويل الإرهاب المسمّى بعظمة وجلال &#8220;قانون الإنعاش الاقتصادي وتصفية مخالفات الصرف&#8221;؟ بإمكاننا الاستمرار في عرض الأمثلة تلو الأخرى عن غدر النواب المتكرر بناخبيهم وتنكرهم بصفاقة لإرادة الشعب الصريحة ولكن نفضل اختصار الطريق علينا وعلى القارئ بالتذكير بما قاله العفيف ماكسيميليان روبسبيار في خطاب ألقاه يوم 29 جويلية&#8230; 1792: &#8220;إن مصدر كل مآسينا هو الاستقلال المطلق الذي منحه النواب لأنفسهم في مواجهة الأمّة دون استشارتها. لقد اعترفوا بسيادة الأمة ثمّ أبادوها. وهم كانوا، باعترافهم الخاص، مجرد وكلاء عن الشعب، ولكنهم جعلوا من أنفسهم أصحاب السيادة، أي مستبِدِّين، لأن الاستبداد ليس سوى اغتصاب السلطة السيادية&#8221;.</p>



<h3 class="wp-block-heading">من أجل مطابقة الإرادة السياسية الجريئة مع إرادة المنبوذين المقهورين</h3>



<p>هذا بالضبط ما حصل في تونس منذ 14 جانفي 2011، وبالتحديد بداية من يوم 15 مارس من نفس السنة عندما لملمت النخبة الحقوقية والسياسية والنقابية والثقافية بـ &#8220;شخصياتها الوطنية&#8221;، الخ.، شتاتها ونصّبت نفسها ممثلا عن الشعب التونسي وثورته في إطار &#8220;الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي&#8221; (لماذا الاختصار في التسمية والإطالة ممكنة) المعروفة بـ &#8220;هيئة بن عاشور&#8221; (عياض) اللادستوريّة، ذات الفقيه &#8220;الأرستقراطي&#8221; الذي أتحفنا في اليوم الموالي للخامس والعشرين من جويلية برأي قانوني قاطع بتّار يفتي بانقلابية ما أقدم عليه قيس سعيد، أي استجابته للمطالب المصيرية والمشروعة والملحة لعموم الشعب التونسي في الانعتاق والتحرر من قبضة الطغمة الرجعية الحاكمة. </p>



<p>وعليه فنحن نزعم أن هذا الموقف المُدين والمندّد بتناغم وتطابق الإرادة السياسية الجريئة للذي يحتل موقع القرار مع إرادة المنبوذين المقهورين، وهم الأغلبية الساحقة، وتوقهم للانعتاق من سطوة الإخوان المجرمين وحلفائهم، لم يفاجئنا بتاتا نظرا لكون أصحابه (بفعل الانحراف المهني القائم على العقلانية الإجرائية) يُعلون النصوص على النفوس، والدساتير على مصير الجماهير؛ في البدء كان الكلمة، والكلمة هي الدستور، والدستور مقدس يعلو فوق الجميع بما فيه صاحب السيادة (إنجيل يوحنّا، بتصرف) &#8230; </p>



<p>ثمة حقًّا شيء عفن في مملكة الدانمارك التونسية. ليست لنا مشكلة مع بن عاشور في حدّ ذاته (فالرجل كتب أشياء قيمة ومهمة) ولكن مشكلتنا مع معشر &#8220;الدستورجية&#8221; الشكلانيين و&#8221;الحقوقجية&#8221; المنبتّين الذين باضوا بسرعة الضوء الحوارات والبيانات المنددة بـ&#8221;الانقلاب&#8221; الفظيع الذي أقدم عليه، مع سبق الإنذار، ذاك الشعبوي &#8220;المعتوه&#8221; الذي &#8220;يريد تعلّم الحجامة (الحلاقة) في رؤوس اليتامى&#8221;، وهم ممتلئين يقينا بأنهم يستبقون – بموقفهم التاريخي الذي يأملون أن يصار غرّة في جبين الدهر – المنظمات &#8220;غير الحكومية&#8221;/الحكومية و&#8221;الديمقراطيات العريقة&#8221; في التشهير بـ&#8221;عودة الاستبداد&#8221; وانتكاسة الحرّيات وارتداد مسخ الديمقراطية (عفوًا، المسار الديمقراطي) التي بحمدها يسبّحون صباحا مساء. </p>



<p>المعذرة يا &#8220;أهل الحل والعقد&#8221; فإننا لتوّنا عائدون القهقرة &#8220;كِيمَا كنّا قْبَلْ الانقلاب&#8221; وسنصبر ونصابر على أذى اللصوص والمشعوذين (ألم نصبح كلنا &#8220;أيّوب&#8221; زمن بورقيبة وبن علي) حتّى ترضوا عنّا وإلى حين تتفضلوا سيادتكم بتحريرنا بقوّة تأويلاتكم الدستورية الوفية لللفظ كما الروح، وتضيؤوا لنا طريق الانعتاق بنور بياناتكم الحقوقية&#8230; وكما يقول الشاعر الفلسطيني في ما معناه : موتوا، احترقوا&#8230; ستصلكم منا البرقيات&#8230; مئات إثر مئات&#8230; فالمد البرقي [الحقوقي] العربي، [الفرنسي، الأمريكي] العاقل&#8230; آت، آت (بتصرّف).</p>



<p>إن النخبة النظامية الشرعانية المتعالية بكلّ تفريعاتها (المثقفاتية، السياسية، القانونجية، الخ.) تشترك جميعها مع &#8220;الهُمْ&#8221; في الخوف من الشعب. ذاك الخوف الذي يتخذ لديهم شكل رهاب الخلاء، الأغورافوبيا السياسية (فرانسيسس دوبوي داري، الخوف من الشعب: الأغورافوبياوالأغورافيليا السياسسية، لوكس، 2016)، دون أن يتجرؤوا على مهاجمة صاحب السيادة (الشعب) مباشرة، على طريقة غوسستاف لوبون في كتابه الحاقد &#8220;بسيكولوجيا الجماهير&#8221; مثلاً، ولكن عبر التهجم العنيف على من يدافعون عن الشعب وينحازون دون قيد أو شرط إلى جانبه. هؤلاء هم في نظر النخبة النظامية &#8220;شعبويون&#8221;، وهي الوصمة التي ما بعدها وصمة، أي أنهم – بحسب الفهم السائد لدى &#8220;صفْوة القوم&#8221; – يسايرون عواطف الجماهير ونزواتها (ما يُسمِّيه باروك سْبِينُوزَا في الإيتيقا &#8220;الغِوَايَات الكئيبة<em>&#8220;</em>) ويغازلون الحسّ الشعبي، قصْد الوصول إلى السلطة بأسهل الطرق وأسرعها، دون الاعتداد بإكراهات الواقع التي من واجب السياسي &#8220;المسئول&#8221; (وقيس سعيّد عكس ذلك &#8220;طبعًا&#8221;) أن يراعيها، بل أكثر من ذلك أن يتقيّد بها. غير أن &#8220;الزعيم الشعبوي&#8221; في صورة الحال هو بعدُ في الحكم ولم يغازل الشعب بقدر ما التقط رسالة الشباب الثائر يوم 25 جويلية وفك شفراتها ثم اتخذ تباعًا الإجراءات الراديكالية المتسقة مع إلحاحيّة المطالبة الجماهيرية بالتغيير. كان ينبغي على قيس سعيّد أن &#8220;يتحلّى بالمسؤولية&#8221; من وجهة النظر النخبوية النظامية (الدستورجية/الحقوقجية) ولا ينساق وراء &#8220;الدهماء&#8221; فهي بطبعها غرائزية، هدّامة ولا تراعي مثلا الترقيم والترتيب الائتماني للدولة التونسية التي، إن كنتم لا تعلمون، تمرّ بظروف صعبة للغاية، الخ، الخ&#8230; وبعبارة أخرى ينبغي انقاذ الدولة من تهوّر مواطنيها، وإنقاذ الدستور من التأويل &#8220;اللادستوري&#8221; المطابق لمصلحة الشعب ومصيره&#8230; وإن اقتضى الأمر، وهذا لسان حالهم، لا ينبغي التردد لحظة واحدة في الأخذ بنصيحة الرائع برتولد بريشت، حين كتب متهكما:</p>



<p>الشعب لا يلومنّ إلا نفسه&#8221;</p>



<p>على فقدانه ثقة الحكومة</p>



<p>ولن يستعيدها إلاّ بجهد جهيد</p>



<p>أليس من الأفضل للحكومة إذًا</p>



<p>أن تحلّ الشعب</p>



<p>وتنتخب آخراً مكانه؟&#8221;</p>



<h3 class="wp-block-heading">في انتظار استرجاع الشعب سلطته وسيادته كاملة وممارسته الديمقراطية الحقة</h3>



<p>وفي الختام لا يسعنا إلا التأكيد على أننا بصدد عيش لحظة فارقة ومناسبة نادرة التقت فيها، بدون وسائط، إرادة الشعب بإرادة الحاكم الصالح الوافد من خارج المنظومة الأوليغارشية (النخبوية) التي كانت تعتقد أنه عديم الصلاحيات ولا حول له ولا قوة مقارنة بجبروت البرلمان وتغوله، ولمّا صمد الرجل في وجهها بواسطة تفعيل الآليات النادرة التي يتيحها عرضيّا الدستور الأعرج، شنوا حينها ضدّه حرب تكسير العظم وأطلقوا العنان لذبابهم الأزرق القذر وأبواقهم &#8220;الائتلافية/الداعشية&#8221; الناعقة يسبّون ويشوهون ويتطاولون في &#8220;مأمن&#8221; عن الحساب والعقاب بفضل &#8220;الحصانة البرلمانية&#8221; التي يوفرها لهم دستور &#8220;الهدّة والكدّة&#8221; وعباءة سيدهم الشيخ التي تتسع لكل الأوغاد، إلى أن انقلب السحر على الساحر برقمين اثنين لا ثالث لهما: صفر وأمامه ثمانية ؛ عدد مرشح لمستقبل فيتيشي باهر لدى المتطيرات والمتطيرين&#8230;</p>



<p>هل يعني هذا أننا أسلمنا أمرنا بين يدي &#8220;المنقذ&#8221;، رفيق &#8220;المتسخين&#8221; و&#8221;المنبوذين&#8221;؟ كلا وألف كلاّ، فنحن لا نؤمن بغير الشعب منقذا لنفسه بنفسه، ولسنا ممن يعطون الشيكات على بياض. قيس سعيد أرهف السمع وأنصت للشعب، بعكس النخب الصمّاء، الثرثارة والعمياء، وجسّد رجع الصدى في شكل قرارات استثنائية ستفتح له باب التاريخ على مصراعيه، شريطة أن يستمر في الإصغاء ولا ترتعش يداه في فعل الذي يجب، والشعب سيسنده ما ثبت على نهج الحرية والعدالة الاجتماعية والبيئية والجهوية ودافع على الكرامة الوطنية والسيادة الشعبية التي أقرها دون أن يقرها الفصل 3 من الدستور الذي تعرفون: السيادة ملك الشعب، يمارسها عبر نوابه أو بواسطة الاستفتاء (الذي هو نقل حرفي نيوكولونيالي للفصل 3 من الدستور الفرنسي&#8230;) والكل يعلم كيف أَفرَغت الإجراءات الدستورية هذا المبدأ من محتواه، لذلك وجب قلب المراتبية المنحازة للتمثيل على حساب الإرادة الشعبية المباشرة بتقديم الأخير على ما سبقه، بحيث يصبح الاستفتاء المبدأ والتمثيل الاستثناء، إلى حين يسترجع الشعب سلطته وسيادته كاملة ويمارس ديمقراطيته الحقة المتعارف عليها طيلة ما لا يقل عن ألفي سنة قبل أن ينقلب المنقلبون ويلتفوا عليها بواسطة الدجل النيابي الذي يسميه ماركس &#8220;المرض العضال للحماقة البرلمانية&#8221; (الـ<em>18 </em><em>من برومر لويس بونابارت</em>، النسخة الفرنسية، ص. 154).</p>



<p class="has-text-align-left"><strong>قابس، 30 جولية 2021.</strong></p>
<p>ظهرت المقالة <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2021/08/03/%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%83-25-%d8%ac%d9%88%d9%8a%d9%84%d9%8a%d8%a9-2021-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%a3%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d8%af-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a/">حراك 25 جويلية 2021 في تونس أو الحقد على الديمقراطية</a> أولاً على <a href="https://kapitalis.com/anbaa-tounes">أنباء تونس</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://kapitalis.com/anbaa-tounes/2021/08/03/%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d9%83-25-%d8%ac%d9%88%d9%8a%d9%84%d9%8a%d8%a9-2021-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d8%a3%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d8%af-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>2</slash:comments>
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
